nge.gif
    12.png

    د. عماد فوزي شعيبي: العلم والخيال العلمي

    العلم خيال، هذه هي النتيجة التي يمكن أن نؤول إليها بعد سنوات طويلة من الحضور في عالم العلم والتقانةأ عماد فوزي شعيبي.
    يتجاوز الإنسان المعطى الحسي المباشر إلى التخيل عندما يريد أن يقونن عمله أو عندما يعجز عن الوصول إلى نتيجة عبر أدواته المعرفية المباشرة أو الحسيّة.
    أمثلتنا على ذلك كثيرة: اخترع الإنسان الرياضيات كي يفسر ظواهر لا يستطيع لها فهماً بأدواته الحسية والمفهومية المباشرة. فاخترع للكثير من الظواهر رياضياتها؛ اخترع رياضيات التكامل كي يحسب المساحات الممتدة إلى اللانهاية، واخترع رياضيات تستخدم جذر العدد السالب وأسماها حقل الأعداد العقدية كي يفسر عدداً من الظواهر وعلى رأسها تغيرات التيار والجهد في كل من المكثفة والملف الكهربائيين.

    واخترع واخترع؛ أي تخيل وتخيل كي يفهم أو يقونن عمله ويتابع مسيرة تعامله مع الطبيعة التي أسماها اكتشافاً، وكأن القوانين موجودة أصلاً في الطبيعة وليس عليه إلا أن يحفر - كما المنقَّب الأثري - كي يجدها.

    عالم يخترع الإنسان فيه القوانين كي يعمّم بناء على طبيعة مخه ويتعامل مع الطبيعة المتنوعة بلغة الواحد: يرى أشجاراً كثيرة متنوعة فيقول رأيت (شجرة)؛ أي يجرد المتنوع من خصائصه كي يعيش في الواحد ويضطر لاحقاً لاستخدام النعت والمنعوت ليعود من الواحد إلى المتنوع، فيقول: شجرة مثمرة، شجرة بلوط، شجرة أرز، شجرة صنوبر.... الإنسان يعمّم بطبيعته لأنه لا يستطيع أن يفكر إلا بالمعمّم. ولهذا يخترع وسيلة لمقاربة الواقع. نقول المقاربة ولا نقول اكتشاف الواقع.

    لغة اكتشاف الواقع هي من أوهام العقل الميكانيكي المحض الذي يريد أن يصور العالم وكأنه مسكون بالسببية لأن عقل الإنسان سببي وليس لشيء آخر. ولهذا فهو محكوم بالقوانين التي ليس على الإنسان أن يكتشفها, لكن العالم ليس كذلك. فالقوانين هي صناعة خيالنا والسببية هي من طبيعة عقلنا.

    الخيال فرصة للانتقال من خيال إلى آخر: بنى الإنسان الرياضيات واخترعها وتخيلها كي يفهم المسطحات ولكي يرسم العدَّ المنطلق من أصابعه العشر فبنى النظام العشري. ولكنه عندما وصل إلى نقطة لم يعد العد فيها كافياً، اخترع الرياضيات الأعلى فالأعلى. فرسم الأعداد السالبة متخيلاً عدداً سالباً، ثم اخترع الرياضيات المعقدة فالأكثر تعقيداً كي يفسر بطريقته طبيعة لا تستطيع أدواته أن تتوافق معها... ودائماً بحثاً عن أي قانون لأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش بدون ضوابط تفرضها طبيعة نصف مخ (الأيسر)- بمجاز التقسيم لاعتبارات إجرائية-، ولا يستطيع إلا أن يستخدم إبداع نصف مخه الأيمن ما يُحدث تضارباً بين (القانون-الضابط) الذي يتطلبه نص مخه الأيسر والإبداع والتخيل (والتفلّت من أيّ قانون) الذي يتطلّبه نصف مخه الأيمن.

    نسأل مجموعة من الناس عن مجموع 7+6 فيقولون 13. وعندما نسألهم كيف استطعتم الوصول إلى هذا، يقول أحدهم "أكملت 7 حتى عشرة" فزاد ثلاثة. وآخر يقول "أكملت 6 إلى 10" فزاد ثلاثة من السبعة. وثالث يقول "جمعت 5+5 ثم زدت 2+1". ويقول رابع "جمعت 6+6 وأضفت واحدا"ً. وخامس يقول "7+7 ثم أنقصت واحدا"ً... كل هذه طرق تخيلية للوصول إلى نفس النتيجة (المرسومة سلفاً في نظام العد العشري). فالإنسان يتخيل، طريقته بالعدّ. نعم، يتخيل لأنه يستخدم النصف المبدع التخيلي من عقله؛ أي النصف الأيمن ولولا هذا لما كان ثمّةَ إبداع أو ابتكار أو تقدّم علميّ أو حتى فنٌّ أو شعرٌ... أي لما كانت هنالك حياة تتقدّم... وجميلة.

    إذاً، نحن كبشر نمطيون على النصف الأيسر وتخيليون على النصف الأيمن من أمخاخنا. نعيش على القوانين ونخرج عنها ونرتفع فوقها ونتداولها بطريقة تخرج فوق الحسي والقانوني إلى المتخيل والمزيد من التخيل.

    عالمٌ متخيّلٌ هو عالمنا نحن، لا عالماً مفروضاً علينا. وعلم يبنى على الخيال هو علمنا نحن وليس علماً موضوعياً بالمعنى المكتشف أو المطابق للواقع. فلا علم مطابق للواقع. نحن نقارب (approach) الواقع بخيالنا. فلولا خيالنا لكانت الغربة بيننا وبين واقعنا كارثية. إذ أنه كيف يمكن للإنسان أن يفهم الأشياء بعقله وهوية عقله هي الفكر وليس الأشياء. فالمطابقة هي مطابقة الهوية للهوية أي الأشياء للأشياء والفكر للفكر، أما أن يتعامل الفكر مع الأشياء فهذا ليس فيه أي مطابقة؛ إنها المقاربة. وفقط المقاربة وأداتها هي الخيال.

    لا يجب على أحد أن يستصغر شأن الخيال لا في العلم ولا في الأدب لأنه الطريق الوحيد نحو إنشاء حياة أفضل في عالمنا. في العلم يساعدنا الخيال كي نقيم تقانات تساعدنا على الحياة بصورة أفضل. وفي الأدب يساعدنا الخيال على أن نسهم في تقانات المستقبل كما في كل الخيال العلمي الذي تصور الطيران قبل الطائرة والتواصل قبل الموبايلات.... إنه فرصة لنا كي نعيش بصورة أفضل.

    أن تتخيل يعني أنك تفكر بشكل إبداعي. أنت خارج عن طاعة العالم المحيط ونمطيات أفكاره. أنت مبدع عندما تتخيل لأنك تنبثق... تخرج عن الزمن الأفقي الذي يرسم نمطياتك وما اعتدت عليه إلى عالم جديد آخر هو التفكير فيما ليس مفكراً به، نحو (الزمن العمودي) الذي هو العالَم المُبدع.

    التفكير فيما ليس مفكراً به يعني أنك تُبدع وتنج عالماً جديداً يكسر إلفه ورتابه وقساوة العالم الموجود (المفروض علينا) جبرياً. ولا يكون هذا بدون الخيال. أن ترسم صورة شعرية تتحدث كما غوته... عن جمال النجوم في قيظ نهارٍ يعني أنك ترفض جبرية الطبيعة التي لا تسمح بانبثاق النجوم إلا عندما يرحل الضوء. وأن ترسم صورة عن عالم تنتقل فيه لحظيّاً من قارة إلى قارة يفسح لك في المجال أمام أن تقارب الفيزياء الكمومية التي تتحدث عن انتقال لحظي إذا تم التعامل مع 11 بعداً فيما نتعامل الآن مع أربعة أبعاد. كلاهما خيال واحد يؤسس للثاني والثاني يؤسس للانعتاق من الطبيعة الآنية نحو عالم أرحب.

    العالم هو خيالي وتمثلي. هذه هي الحقيقة التي تحدث عنها الفيلسوف ليبنتز ومن ثم غاستون باشلار وصولاً إلى ما تقره الفيزياء والعلوم اليوم. لن نعيش بدون خيال، فالخيال هو نحن... بمعنى أنه هو هويتنا وهو مستقبلنا.

    فالخيال يقوم على تلك المقدرة العقلية، والنفسيّة، على بناء المفاجأة والتخطّي المستمر للآفاق المحدودة للتصوّرات؛ فهو تابعٌ مُطلق للمستقبل، لأن المعقولية تأتي ـ بالأصل ـ من المستقبل إلى الماضي، وهذا ضرب من استباقية للخلق وللإبداع وتخطٍ مستمر للأفاق المحدودة للتصوّرات والحواس والعمل الاختباريّ الذي يبقى ـ وعلى الدوام ـ سجين المُعطى. وهكذا يتيح الخيال، أن يضّم الواقع إلى الممكن، وأن يوسّع أفق الإدراك، لأنه لا يقلّد بل ينعتق، فيبحث عن معنى جديد بكل ما تعنيه الكلمة من دلالة. ولهذا فإن الخيال هو ـ بحقٍ ـ مغامرة الإدراك، باعتبار أن الأخير هو تخيّل حرّ ومضبوط بآن؛ مُثقل بالمادة وثملٌ بغيابها، ولهذا فإن التخيّل يضّم العنصر المُدرك ويهرب منه[1]. و الخيال الخلاّق، هو مقدرة العقل على بناء المفاجأة وتخطّي الآفاق الأولى لصورنا المحدودة، وهو التخيّل الأنطولوجي المسبق والعريق (ONTICO-ONTOLOGIQUE)، الذي يتجاوز السجن الذي يعيشه التخيّل الاختباريّ (الامبريقيّ) في المعطى، برغم أنه يشمله ويضمّه، فهو يرتبط بالمعنى من خلال تخطّي الوجود الخام أو الكتيم.
    إن الخيال هو الذي يقرّبنا من الواقع، لكنه ليس الواقع، وما ينتجه هو ضرب من جمعٍ جدليّ بين الواقع والعقل، وناتجهما ليس بواقعيّ وليس بعقليّ، إنه (ميتا) واقعي و (ميتا) عقلي.
    لقد تحولت بعض نبوءات الروائيين وكتاب الافلام والتي تتعدى كونها شطط خيالات جامحة إلى حقائق ملموسة فى أكثر من مجال فكلما سار العلم خطوة على طريق التقدم ألفى نفسه أقرب قليلا من الخيال.
    يرسم الخيال مستقبلنا على الطريقة الفانتازية التي تجنح الى الانعتاق من قيود العقل والمنطق اما الحقيقة فهي اقل جموحا من الخيال لكنها غالبا ماتتخذ من افكاره نفسها قاعدة لانطلاتها ان الخيال العلمي هو العالم الذي يتيح للروائيين والمخرجين اطلاق العنان لخيالاتهم فتتحقق عندها احلام الطفولة تقوم المركبات الفضائية برحلات عجيبة إلى عوالم ساحرة لا تمت للعالم الذي ألفناه بصلة . لكننا نستطيع القول انه رغم مايولده التحرر من قيود الحقيقة من متعة رؤيه عوالم اسرة فإن له جوانب سلبية اذ انه يجنح احيانا نحو افكار كثيرة الرعب ويتمادى في تصوير بشاعتها كان يتخيل نتائج مروعة لاهم الاكتشافات العلمية او ان يتخيل مستقبلا تتخذ فيه التكنولوجيا مسارا مدمرا ويصور العالم وقد دمرته حرب نووية رهيبة وسكنته مخلوقات بشرية اصبحت بعد التلاعب في مورثاتها عبيدا لحواسب تكون ساعتها قد تسلمت زمام السلطه على الارض. لكن ولحسن الحظ ان الامور تسير بشكل افضل مما هي عليه في الخيال العلمي عندما يدرك العلم الخيال فعلا.
    هل كان جول فرن يتوقع ان ماتخيله في رواياته الثلاث "عشرون ألف موقع تحت البحر"ومن الأرض إلى القمر وحول العالم في ثمانين يوما، سيتحول إلى حقيقة بعد أقل من قرن من الزمن؟ وفي عالم السينما تحقق الأفلام التي تعرض تصورات لما سيؤول إليه العلم في المستقبل أكبر كما من المبيعات على شبابيك التذاكر، كما أن المشاريع الضخمة لرحلات فضائيه مأهولة وجهتها تخوم المجموعة الشمسية أصبحت من الواقعية بحيث اننا بتنا على وشك الاقتناع بوجودها فعلا.
    يعد التجوال عبر الزمن امرا تقليديا جدا جدا في الخيال العلمي وهو ينير حموله تساؤلات وتناقضات يصعب حصرها ونذكر هنا غيضا من فيضها: ما الذي كان سيحدث لوعاد احدنا الى الماضي السحيق وقتل جده. واكثر من ذلك: ماذا لوعدنا الى الماضي السحيق وافسدنا الخميرة التي تشكلت منها الحموض الامينية الأولى, هل كان للتجوال عبر الزمن عند ذلك او حتى للزمن نفسه ان يوجد. في الواقع لم يفلح اي من العلماء في البرهان على عجز الانسان عن الترحال عبر الزمن لذلك فان حدوث امر كهذا يوما ماليس مستبعدا نظريا لكنه اكثر من مستبعد عمليا.
    الحدس خيال يمكن أن يساعد بحل مشاكل العلم وإعادة طرح حلول لها.
    بيد أن الحدس كما أكثر من ملاحظة نافذة، إنه وعي كُلي يتضمن حساسية منبثة في كلا العالمين الداخلي والخارجي، ويعلو في بعض الأحيان على المدخلات الآتية عن طريق الحواس.
    يصف يونج الحدس كالآتي :
    إنه الوظيفة التي تتوسط المدركات بطريقة لاواعية... في الحدس يعرض المحتوى ذاته ككل ومكتملاً، من دون أن نكون قادرين على تفسير ذلك المحتوى أو اكتشاف كيفية مجيئه إلى الوجود. إن الحدس نوع من التقدير الغريزي، بغض النظر عما هو المحتوى.
    إنه كالإحساس، وظيفة لاعقلانية للإدراك، محتوياته لها خاصية أن تكون "مُعطاة" في مقابل خاصية محتويات التفكير والشعور التي تكون "مُستدلا عليها" أو "مستنتجة".
    تمتلك المعرفة الحدسية يقيناً غريزياً وإقناعاً مما مكن سبينوزا (وبرغسون) من التمسك بالعلم الحدسي بوصفه أرقى أشكال المعرفة.الحدس يتقاسم هذه الصفة مع الإحساس، الذي يرتكن يقينه على أساس فيزيقي. أما الحدس فيرتكن يقينه بالمثل على حالة متعينة لـ"يقظة" النفس تكون الذات لا واعية بأصلها.
    من دون الحدس، يَجمع الباحثون المعطيات بمنتهى الكفاءة من أجل ملء الفراغات أو المزيد من الدقة وصولاَ إلى كسر عشري أعلى، ولكن نادراً ما ينتجون أي شيء جديد.
    يثب بنا الحدس إلى قلب المستقبل، ويهبنا أفكاراً آسرة، بيد أنه لا يجعلنا نصيب الهدف بطريقة سحرية.
    يعطينا ألبرت آينشتاين مثالاً للعالم الحدسي:
    كانت اكتشافات آينشتاين العظمى المبكرة قائمة جميعها على حدس فيزيقي مباشر. وفي عامه الستين وصل إلى الفكرة التي أحدثت ثورة في الفيزياء. قال: إن بصريات الحركة أتتني بفعل حدسي. جعلني أبواي أدرس الكمان منذ أن كنت في السادسة من عمري. ويأتي اكتشافي الجديد نتيجة للمدركات الموسيقية.
    وبينما يشدد المنطق والتحليل على إمكانية التنبؤ، نجد عملية الحدس اللاعقلانية لا يمكن التنبؤ بها. حين تكون ثمة مشكلة للحيرة؛ ونناضل لإيجاد حل لها وتتكدس رؤوسنا بالمعلومات بفعل العمل في المختبر، يحدث أحيانا أن يومض الحدس بالحل. تماماً كما تنشأ النماذج عن الديناميكية اللاخطية في نظرية العماه، يبدو الحدس ناشئاً بشكل غامض عن اللاوعي ليزودنا بمعلومات جديدة. في المنظومة اللا خطية، لايمكن أن يفيدنا المنطق في التنبؤ. على أنه يهبنا الحدس مرونة وقدرة على الإستجابة التلقائية للتغير.
    ينشأ الحدس تلقائياً عن الأمواه العميقة للاوعي ويطرح منبعاً للتجدد. بينما يتحدث الفنانون بحرية عن عملية الإبداع، يميل العلماء أكثر إلى وصف عملهم وكأنهم يكشفون ماهيته.
    الحدس لا يمكن التنبؤ به وهو فردي، ياتي إجمالاً ومضة، لهذا لا يمكن لنا تحليله إلى الأجزاء المكونة له لكي نقوم بدراسته. وحتى الآن لانملك المفردات ولا القدرة لتبين عمل الحدس في الأنماط الأخرى من الظواهر النفسانية psychicمن قبيل الأحلام والتخاطر والمعرفة المسبقة والرؤى عن بعد. [2]
    نماذج من التخيل في العلم:
    شكلت العلاقة بين الفيزياء، كما الرياضيات، والفلسفة ، أنموذجاً لذلك التفكير التخيلي، الحدسي والاستقرائي الاستنباطي الذي يؤسس لمعارف تبدو انبثاقاً ((Emerge، يتجاوز المألوف في الزمن الأفقي؛ أي في المعتاد والمألوف والنمطي وحتى الحسي المباشر إلى الزمن العمودي؛ أي التفكير فيما ليس مفكراً فيه، بل وحتى (التعالي) على الحواس (في الميكروفيزياء مثلاً)، وعلى المنطق (في حقل الأعداد العقدية و─1√)، لتأسيس معرفة ترانسيدانتالية بقدر ما هي اختبارية.

    ولعل في كون أغلب الفيزيائيين ذوي نزعة حدسية – فلسفية ما يؤكد هذا الأمر ويرسم صورة جديدة للعلاقة بين الفيزياء والفلسفة. فأينشتاين كان فيلسوفاً حدسياً متعالياً على الحس المباشر عندما فكر أن يركب شعاع الضوء ويسير به بنفس سرعته إلى أن توصل حدسياً أيضاً إلى أن سرعة الضوء هي أكبر سرعة في الكون، وأنها ثابتة في كل مكان وزمان وأن لا تزامن بين حدثين وأن جوهر المادة لم يعد متجوهراً كما كان الأمر عليه في فيزياء نيوتن، بل غدت (العلاقة) أو (العلاقات) هي البنية الرئيسة في المادة في تلك العلاقة الثالوثية التي جمعت الطاقة والكتلة وسرعة الضوء بلا أي فاصل بينهم. وفي إطار نموذج يكاد أن يشكِّل (اختزالية) جديدة، لم تعد الذرّة فيها هي مآل المادة النهائي، ولا هي جوهر المادة، بل ثالوث (العلاقات التي حلًت مكان الذرة) بين الكتلة وسرعة الضوء والطاقة.

    ولم يكن ديكارت أو لافوازيه أو ماكس بلانك أو حتى فاراداي وماكسويل وقبل ذلك نيوتن (الذي لم يكن يجد الرياضيات التي يحتاجها فيخترعها[3]) أكثر من فلاسفة عملوا في العلوم. فالدافع للبحث فلسفي وطرائقه التجريبية مليئة بالحدس الفلسفي، ونتائجه في أغلب الأحيان تتساوق مع هذا الخط الممتد نحو الفلسفة كإبستمولوجيا أي كسؤال لا يني يطرح نفسه عن أدوات المعرفة الفلسفية ومدى قدرتها على صنع علم قابل لأن يطور نفسه ولا يتحول إلى عقبة ابستمولوجية تمنع تقدمه.

    ولعل من العناصر التي باتت تشي بالخط الفلسفي التخيلي الممتد كحبل سرّي في المعرفة الفيزيائية، ولا يزال، ذلك التمييز بين القوانين التجريبية والقوانين النظرية، حيث الأولى هي تلك التي يمكن اثباتها بشكل مباشر عن طريق الملاحظات التجريبية والرصد والاختبار لاحقاً. فالقوانين التجريبية هي تلك التي تدور حول مرصودات Observables"" وهي أوسع بكثير من المرصودات عبر الحواس كاللون الازرق والجسم الصلب والمادة الساخنة لأنها تلج إلى المرصودات القابلة للقياس (الكمية)، وهي هنا تتجاوز الفلسفة إلى القياس[4].

    إلا أن الفيزيائي لا يستطيع أن يدّعي أنه يستطيع أن يرصّد كتلة جسيم ككتلة الإلكترون، أو حتى معرفة موضعه وسرعته بأن معاً. ولعل الفيلسوف يذهب إلى حد القول بأن حتى الموصودات لم يتم تحديدها فعلياً. فما تم رصده ليس شدة التيار الالكتروني إنما مؤشر الموضع. فالتحرك في المؤشر ق5 ← ق3 يعني الاستدلال على شدة التيار مما هو ملاحظ، وهذا بحد ذاته فلسفي. ولنا أن نقول إن الفيزيائي يتحدث بصفة عامة عن المرصودات بمعنى واسع جداً بالمقارنة مع نظيره الفيلسوف.

    النوع الثاني من القوانين التي أطلق عليه كارناب القوانين النظرية تسمى "قوانين مجردة افتراضية". ولعله تصور هنا أنها افتراضية حتى يتم إثباتها. إلا أن افتراضيتها تنبع أيضاً من كونها تتعامل مع عوالم افتراضية غلير ملموسة كعالم القوانين الهندسة الكهربائية والالكترونية التي تعتمد حقل الأعداد العقدية وسيلة لتفسير ما يحدث فيها باعتماد جذر العدد السالب وهو ماليس موجوداً أصلاً في عالمنا الملموس ولا حتى التجريبي.

    فعندما يريد الفيزيائي أن يرصد عمل المكثفة أوالوشيعة، فإنه يعتبر أن ممانعتها مؤلفة من جداء معاملات قابلة للقياس كالسعة C للمكثفة أو ذاتية الوشيعة L أو الموجة 2π w = f حيث f هو تردد الموجة مع العدد التخيلي i = √─1 فممانعة المكثفة تصبح لديه (iwc /1) بينما ممانعة الوشيعة هي (iwl)  وسبب ذلك يرتبط عملياً بسبب عدم قدرة القوانين غير الافتراضية على تفسير كافٍ رياضياً، كيف أن مرور التيار في المكثفة يؤدي إلى تقدم شدة التيار على الجهد بمقدار (2/π)، وكيف أن مرور التيار نفسه في الوشيعة يؤدي إلى تقدم الجهد على الشدة.

    لقد احتاج الفيزيائي إلى (تخيل) الرياضي؛ أي عمل من قبيل حدس فلسفي متعال فوق الوقائع كموجودات. كما أنه يمكننا ملاحظة الأمر عندما يميز الفيزيائي بين المرصود وغير المرصود، بحيث إذا تغير المقدار بفواصل مكانية أو زمانية كبيرة بشكل كاف بحيث يمكن قياسه بأدوات بسيطة، لكان ذلك هو الواقعة الأكبر (Macro event)،. أما إذا كان الغير بفواصل مكانية وزمانية شديدة الصغر لا تقاس بالأدوات البسيطة، لكان ذلك الواقعة الصغرية (Micro event). وكان القدماء يقولون مايرى بالعين المجردة (Macroscopic) وما لايرى بالعين المجردة (Microscopic). وهنا سنستخدم بالمختصر الـ (Macro) للجسيمات الكبيرة، والـ (Micro) للجسيمات الصغرية.
    إذاً، العملية الصغرى (Microprocess)[5]، هي تلك العملية التي تشمل ببساطة على فواصل شديدة الصغر في المكان والزمان، ومن ثم تكون ذبذبة موجة كهرومغناطيسية لضوء يمكن رؤيته مثلاً، عملية صغرى، لأنه لا وجود لآلة قياس تمكننا من معرفة كيف تتغير شدتها.
    ويتوازى أحياناً التمييز بين المفاهيم الكبرى والصغرى((Macro and Micro concepts) مع المرصود وغير المرصود. ولايتطابقان تماماً ، وإنما يتوازيان على وجه التقريب. إذن تختص القوانين النظرية بالأشياء التي لا يمكن رصدها، وغالباً ما تكون هذه الأشياء عمليات صغرى، ومن ثم يطلق على هذه القوانين اسم القوانين الصغرية (Micro laws) بيد أنه يستخدم "قوانين نظرية" بمعنى أوسع من ذلك، فأضمنها جميع القوانين التي تشمل على ما لا يمكن رصده بغض النظر عما إذا كانت مفاهيم صغرى أو كبرى.
    فقد يتفق مثلاً الفيزيائيون جميعاً على أن القوانين المتعلقة بضغط وحجم ودرجة حرارة غاز معين، إنما هي قوانين تجريبية، إلا أن الكمية الكبيرة للغاز ، تجعل المقادير الخاضعة للقياس ثابتة، كما أن الحجم الذي يشغل حيزاً كبيراً من المكان، والفترة الطويلة التي تنقضى من الزمن، يسمحان بجعل القياس مباشراً. ويمكننا عندئذ أن نعمم هذه القياسات ونجعل منها قوانين. وقد يتفق جميع العلماء أيضاً على أن القوانين التي تتغلق بسلوك الجزئيات الفردية، إنما هي قوانين نظرية، لأن مثل هذه القوانين تختص بعلية صغرى، بحيث لا يمكن للتعميمات فيها أن تؤسس على قياسات بسيطة ومباشرة.
    أما القانون النظري يتعلق بتلك العملية التي يمكن لها أن تعزى إلى سلوك الجزئيات والحقيقة أن هذه المفاهيم النظرية تختلف عن مفاهيم الطول ودرجة الحرارة مثلاً في الطريقة والدرجة التي يتم بهما رصد الظاهرة. وبطريقة مماثلة، يساعدنا القانون النظري على تفسير قوانين تجريبية صيغت من قبل، كما أنه يسمح لنا باشتقاق قوانين تجريبية جديدة، تماماً كما يحدث مع الوقائع الجزئية المتفرقة التي يلاحظ أنها تحدث بشكل منتظم ثم يجري تعميمها على شكل قانون تجريبي. وتعترضنا هنا واحدة من المشكلات الرئيسة في مناهج العلوم، ألا وهي، كيف يمكننا أن نحصل على نوع المعرفة التي سوف نبرر بها تقريرنا لقانون نظري. ربما يمكننا تبرير قانون تجريبي عن طريق إجراء ملاحظات لوقائع جزئية؛ ولكن عند تبريرنا قانوناً نظرياً لا يمكننا لأن نجري ملاحظات قابلة للمقارنة، لأن الكيانات المستدل عليها في القوانين النظرية لا تخضع للملاحظة.
    إن الواقع كما هو ملموس أو كما هو معتاد عليه، أو كما هو مسترسل في الزمن الأفقي كمعلومات أو نظريات يتم تداولها كمعرفة شائعة، يعطل إمكانية تقدم المعرفة من ناحية كونه عقبة إبستمولوجية، كما أنه يشكل عملياً الواقعية المعتقدية (dogmatic) التي تعتقد أنه لا يوجد في العالم المادي فرضية لا يمكن جعلها موضوعية.
    يمكننا أن نستخدم تصنيفاً إجرائياً للفهم يكون على النحو التالي:
    1 - الواقع (fact،fait) كل ما وقع لفظاً، فهو واقع.
    2 - الموجود هو الملموس والعياني . (Existent)
    3 – الحقيقي Real هو ما نعتقده ونفهمه ونقتنع به في الحيثية الزمانية والمكانية.

    فالوجود الحقيقي هو العياني بما يفهم أو يُعقل، كالعالم المليء بالأشياء كالنجوم والغيوم والأشجار... وضمنها الإنسان المراقب الواعي. لكن صورة الوجود الحقيقي (أي المقتنع به) في الحس العام تقول: "إن الكون يتحركُ تبعاً لقوانين الطبيعة التي اكتشفها العلماء وآمنوا بها وهو زجود لايستعين بنا ولا يكترث بتدخلنا فيه". ولكن هذه الصورة سوف تهتز عندما نعلم أنها إنما تقوم على أساس مُعتل غير سليم[6].
    فالعالم الذي نمارسه بالتجربة لايمكن أن يكون موضوعاً تماماً لأننا بالتفاعل معه. إنه جزء منا وعياً. وصورة الحقيقة المتأتية عن هذه التجربة مصبوغة بنموذج العالم في مخيلتنا الذي بنيناه من خلال خبراتنا وممارساتنا السابقة وتدفق مشاعرنا وآمالنا وتطلعاتنا[7]، إضافة إلى طبيعة المخ البشري ذاته التي تسم المعارف بسماتها. وهنا تكون الحقيقة هي مايتأتى وعياً من (العلاقة) بين الذات وموضوع بحثه. إذاً، فالحقيقة هي منتوج العلاقة، وهنا تجاوزنا الذات والموضوع كثنائية تقليدية في المعرفة إلى العلاقة أو العلاقات.
    وإذا كانت الموضوعية، أو حتى أسطورة العقل العلمي في مواجهة الأسطورة والخرافة، قد بينت على أساس التخلص من الرؤية الشخصية ونصف الموضوعية للعالم ومحاولة بناء حقيقة (مستقلة؟) إلا أن مفهوم (العلاقة) أحال الموضوعية والعقل العلمي إلى ضرب من الأسطورة (العلمية). فمن المؤكد عملياً لأنه لا يمكن إجراء أي عملية قياس أو رصد دون الاضرار إلى إدخال شكل من أشكال الاضطراب[8] في الجملة المدروسة. فللحصول على معلومات عن الجملة لا بد من انتقال نوع من التأثير منها إلى مخ المراقب. وهذا التأثير يعود بدوره إلى استحالة رد فعل في الجملة. فالواقع أن الحقيقة هي التي نراها بالرغم من كونها مستقلة عنا.
    إن طبيعة الحقيقة في نظرية الكم حيث اللاحتمية في العالم الصغري، ليست غامضة نتيجة جهلنا المزعوم بالتفاصيل الدقيقة أو القوانين غير المكتشفة (وهي قوانين مخترعة أو مبتكرة إنسانياً لعالم من العشواء)، (كما هو الحال في التنبؤ بالطقس)، بل هي شيء مطلق[9]. فنحن لسنا أمام خيارين بديلين لخياري وجهي قطعة النقد التي قد تحقق إحداها، بل نحن أما مزيج من البديلين، وليس هنالك من معنى في نسب وجود حقيقي لأيَ منهما إلا بعد ان تتم عملية الرصد، حيث يتحولان إلى عالمين مستقلين فيما بينهما. وحسب نيلزبور(Niels Bohr)، وهو أحد الرواد الأوائل في نظرية الكم، هنالك حدود أساسية في الفيزياء الذرية للوجود الموضوعي للظواهر بشكل مستقل عن عملية رصدها. فقط عندما تحدث عملية الرصد تستحيل الازدواجية تلك إلى ما يمكن يعتبر حقيقياً بأي معنى. فالعالم الذي نراه هو شريحة أو مسقط من فضاء عظيم ذي عدد لانهائي من الأبعاد، أو تشكيلة لانهائية من العوالم المتاحة.
    وعليه فإن العالم الذي نرصده ليس مجرد انتهاء عشوائي من عوالم الفضاء العظيم، وإنما يعتمد بشكل جوهري على كل العوامل الأخرى التي لانراها، والتي لم تتحول ابداً إلى عوالم حقيقية أو موجودة، إلا أنها تترك بصماتها على عالمنا وذلك بمشاركتها في تحديد احتمالات جميع الفعاليات في كل ذرة وفي كل لحظة من لاعتلاء منَصة الحقيقة هي التي تساعدنا في تحديد مصيرنا[10].
    لا تأخذ الحقيقة معنى[11]، بموجب هذه الأفكار إلا ضمن أطار الملاحظة والرصد.
    لقد أصبح من الواضح الآن أن مشاركة الراصد في تحديد حقيقته الذاتية هي أكثر وأبعد عمقاً منها في الصورة التي رسمتها النيوتنية للعالم[12]، والتي لا تعدو علاقته بالحقيقة فيها أكثر من كونه مجرد آلة ميكانيكية عمياء محكومة تصرفاتها كلياً بقوانين الطبيعة. فالصورة الكمومية تنطوي على لاحتمية متأصلة، ولايمكن لحقيقة ما أن تظهر إلا في ظرف معين من الرصد والملاحظة. فبعد أن يتم تحديد الظرف التجريبي (تحديد الزاوية التي نختارها للمقطب مثلاً)، وفقط بعدئذ، يمكن معرفة الخيارات الممكنة للحقيقة. ومن هذا المنطلق يعتقد بعض العلماء أن نظرية الكم، بعد أن أطاحت بالصورة النيوتنية الميكانيكية لكون مأهول بمراقبين آليين لا يملكون من أمرهم شيئاً، قد أعادت لمفهوم الإرادة الحرة مكانته في هذا الوجود. لكن، إذا كان المراقب يختار بشكل ما حقيقته هو بالذات، أفلا يعني ذلك حرية اختيار وقدرة على ترتيب العالم تبعاً لما نهوى؟ على الرغم من أن الجواب قد يكون إيجابياً، علينا أن نتذكر أن الراصد (المجرب) في نظرية الكم غير قادر عموماً على تحديد ناتج تجربة معينة.
    أن التحدي[13] الفعلي لصورة الحقيقة في حسنا العام يظهر عندما نأخذ الطبيعة الذرية لكل المادة في الكون بعين الاعتبار. قد نشعر بأن نتائج تلك التجارب المملة بغموضها وجفافها لا تمت بصلة ذات قيمة إلى حياتنا اليومية؛ ومع ذلك فإن الأشياء كافة من حولنا تتكون من ذرات وتخضع إلى مبادئ الكم. ففي حفنة صغيرة من المادة العادية لا تزيد في حجمها عن حجم الكشتبان، هناك عدة آلاف من مليارات المليارات من الذرات، كل منها تتصادم وتتفاعل ملايين المرات في الثانية. وتبعاً للأفكار المطروحة هنا، ولدى تفاعل جسيمين ذريين ثم انفصالهما، لا يمكن اعتبار كل منهما شيئاً حقيقياً مستقلاً، وإنما هناك ترابط بينهما قد يكون أكثر تعقيداً من ترابط الفوتونين الذي أتينا على ذكره. ومن هذا ينتج أن جميع الجمل الكمومية، عبر الكون كله، مترابطة معاً بذلك الأسلوب الغريب لتكَون مجموعة عملاقة غير قابلة للتجزئة. إن اعتقاد قدماء الإغريق بأن المادة مصنوعة من ذرات ذات وجود إفرادي مستقل، لا يمثل، على ما يبدو، سوى تبسيط مفرط، لأن الذرات نفسها ليست حقيقية بمفرداتها، ولاتأخذ حقيقتها أي معنى إلا في ظروف أرصادنا العيانية المحسوسة. إلا ان أرصادنا محدودة حداً؛ أولاً بسبب صغر الركن الذي نحتله من الكون، وثانياًبسبب عدم تمكننا من ملاحظة الذرات نفسها إل نادراً وفي ظروف خاصة. من هذا يبدو أننا قد وصلنا إلى تصور لا يمكن فيه اعتبار الغالبية العظمى من الكون على أنها حقيقة بالمعنى المألوف للكلمة. لقد ذهب الأمريكي جون ويلر (John Wheeler) إلى أبعد من ذلك حين ادعى أن الماقب نفسه يخلق – بكل ما تحمل الكلمة من معنى – الكون من خلال أرصاده:
    · التطبيع (في تشكيل الواقع تطبيعاً على العقل):

    إن مفهوم التطبيع (renormalization) من أهم المفاهيم التي ظهرت في تطبيق الرياضيات المعاصرة تأكيدا على أن الحقيقة ليست إلا تنميطاً تؤسسه طبيعة ما تأسس عليه مخ الباحث وطبيعة طريقته في المعرفة. وهذا ما رآه فايغنباوم عندما بحث تقنية العشواء ومسألة الدوامة باعتبارها تشكيلات محتواةً أوسع فأوسع فأوسع. حيث تم استيراد فكرة جديدة إلى الرياضيات من فيزياء التحولات الطورية أي التحولات التي تتكرر بصورة دورية.
    وملخص هذه الفكرة قبل أن نقوم بشرحها: إننا ننمط أبحاثنا وفقاً لطبيعة توجهاتنا المعرفية؛ فإذا كنا نريد البحث عن ثوابت رياضية معينة, فإننا سننتهي إلى ثوابت رياضية أخرى قد لا تكون تلك التي نبحث عنها إنما بالنتيجة النهائية هي ثوابت تعكس عمليا ميلنا النمطي لإيجاد علاقات بين أحداث مختلفة أو ظواهر مختلفة بصورة تشابه إنتاج الجذر التربيعي للعدد 2 في المربع المتساوي الأضلاع وقيمة كل ضلع فيه واحد، أو كما أنتجنا العدد ӆ باعتباره نسبة بين الدائرة ونصف القطر.
    ولعل ايان ستيورات لم يخطئ في كتابه "هل الله يلعب النرد: رياضيات العماه"عندما استهل شرحه لفكرة التطبيع بمقولة لـ وليام بليك[14] تقول "لا يرى الشاعر ما يراه الحكيم في الشجرة نفسها؛ وهذا يعني أن طبيعة وعي الشاعر وما يراه مخ الحكيم تجعلان معرفتهما عن الشجرة ليست متطابقة، مع أن الشجرة هي نفسها أي أن طبيعة وعي مخ الحكيم تؤسس لطبيعة معرفته المختلفة.
    وتستند فكرة التطبيع التي اعتمدها ميشيل فايغنباوم إلى طريقة كنيث وليسون التي تسمى فكرة التشابه الذاتي وملخصها أن البنية الرياضية تميل للتكرار عند مستويات عديدة، وقد طبق ذلك على دراسته للدوامة. والمقصود هنا أن أي تطبيق لوجستي للمعادلة:
    x→k (1-x)
    حيث تأخذ x قيمها في المجال من صفر إلى واحد أما k فتأخذ قيمة في المجال من صفر إلى أربعة وعند زيادة قيمة المعامل K من القيمة 3 إلى حوالي 3.53 يظهر لدينا تشكيل فيه شيء من التناظر، ويطلق عليه الرياضيون اسم (التقارب الهندسي). وبالتالي فقد اكتشف فايغنباوم أنه عند النهايات الأخيرة يتغير الحجم بعامل تدريجي قدره 4,669 ويظهر الشكل التمثيلي للمعادلة السابقة على نموذج شكل شجرة التين.
    وهذا يعني ببساطة أن فكرة التشابه الذاتي التي تنتج بعد فترة من الاستخدام المتعدد للمقاربات الرياضية، إنما هي من طبيعة التفكير الرياضي مع أن الكومبيوترات تثبت لنا أن ثمة نسباً ثابتة تظهر بعد استخدامات كبيرة لمتغيرات عديدة، وهذا أمر مدهش بحسب الحس العام وكأن الطبيعة هي التي تنتج هذا التكرار الثابت لنسب علاقات رياضية أنتجتها البنى الرياضية نفسها.
    ولا يخطىء ايان ستيورات عندما يشرح ذلك بقوله: "في النظرة التقليدية للفيزياء والرياضيات التطبيقية، إن أهم شيء في الوجود هو (المعادلة) التي تصف الجملة التي نتحراها. فلدراسة جريان الماء في حوض الاستحمام نكتب المعادلات، ثم نلقي بماء الحوض بعيداً ونركز على الرياضيات. صحيح أننا بهذا نجد نموذجا رياضيا باهرا، إلا أن هذا النموذج يكون خاليا من أي معنى"[15]
    والمقصود هنا ببساطة أننا نغرق في إنتاج البنى الرياضية، وقد يعجبنا بنيانها الجميل، إلا أننا -عمليا- لا ننتج إلا بنى هي في المآل الأخير ليست ذات معنى، ولكنها جميلة بالنسبة لنا.
    ولتبسيط الفكرة فإننا نستطيع مثلا أن نطبع دائرة في قلب دائرة، وكلما كبرنا قطر الدائرة اتسع تقوسها، ونحن نتيجة للتطبيع نرى الأرض مسطحة وأنتجنا بذلك منظومة إقليدس التي تتعامل مع المسطحات، وكانت النتائج التي بنيت عليها هذه النظرية باهرة في مجال تطبيقها في العمارة والرسومات الهندسية.
    إننا بكلمة ووفقا لتصورنا عن الأرض كمسطحات وليس ككرة، قد عشنا آلاف السنين وأنتجنا المعارف التي تتوافق مع كون الأرض مسطحة. وكل ما كان يفيد بعكس ذلك كان يعتبر هرطقة تستحق السخرية.
    لقد نوه فايغنباوم إلى أنه مهما كان التطبيق الذي ستبدأ به فسينتهي بك الأمر إلى هذا التطبيق الخاص نتيجة تطبعك، تماما مثلما تتناهى الكرة إلى مسطح والدائرة الكبيرة جدا إلى مستقيم في الحس العام. ومرة أخرى فإن الحس العام هو عقبة إبستمولوجية في وجه أي تطور معرفي وهو يسير في الزمن الأفقي فينتج معارفه وفقا لطبيعته.
    وبكلمة فالعلم تخيّل
    أنت تتخيل، إذاً أنت إنسان ... وموجود.


    المراجع

    [1] J. HYPOLITE, HOMMAGE à GASTON BACHELARD, PRESS
    UNIVERSITAIRE DE FRANCE, 1957, P:22.
    [2] على مدى ما يربو على عقد من الزمان دعمت حكومة الولايات المتحدة بحوث الفعالية النفسانية في المجالات العسكرية وغير العسكرية على السواء. وفي المعهد الذي عرف سابقاً باسم معهد ستانفورد للأبحاث، وأصبح الآن معهداً ضخماً لأبحاث التكنولوجيا المتقدمة، نفذ هذا المعهد برنامجاً تكلف بضعة ملايين من الدولارات واستكشف سبلاً لزيادة دقة ووثوق نمط من الإدراك يعرف باسم "الرؤية عن بعد"(القدرة على وصف مواقع أو أحداث او أشياء لايمكن إدراكها بالحواس العادية بسبب من بعدها).
    في جلسة الرؤية عن بعد، يجلس "الرائي" في غرفة مريحة . وثمة شخص ثان، هو مرشد يقوم بالإرشاد عن طريق الإشارات اللاسلكية والضوئية، يستخدم مولداً إلكترونياً لرقم عشوائي من أجل اختيار مظروف يحوي موضعاً محدداً من ضمن ستين احتمالاًَ للمواقع المستهدفة. المرشد لا يفتح المظروف ريثما يستقل السيارة. ويقود السيارة إلى الموضع المحدد، وفي وقت متفق عليه سلفاً يتفرس بإمعان الموضع لمدة خمسة عشرة دقيقة وفي غضون هذا، يحكي الرائي لمن يجري المقابلة، وهو الآخر لايعرف المرضع المستهدف، عن انطباعاته ومخطط تصوراته الذهنية. وفي خاتمة سلسلة من محاولات الرؤية عن بعد، يزور محكم مستقل المواقع ويتخير الموقع الذي يتناسب مع ذلك الوصف أكثر من سواه.وفي المحاولات التي أجريت في معهد الأبحاث المذكور، نجح ما يقرب من ثلثي أوصاف الرؤية عن بعد في أن تتناسب مع مايراه المحكم.
    إن احتمال حدوث هذا بفعل المصادفة حوالي واحد في المائة، لقد أصدرت مختبرات في أنحاء العالم تقارير إحصائية عن معطيات ذات مغزى لثلاث وعشرين سلسلة من الفحوص تدعم الرؤية عن بعد.
    اشتملت المحاولات الناجحة على الرؤية من مسافات شاسعة، من ديترويت إلى روما في إيطاليا، وأجريت التجارب في غرف شتى مزودة بحماية كهربائية، وعملت بعض المحاولات على حجب موجات الإشعاع ذات التردد المنخفض إلى الحد الأدنى، وذلك عن طريق وضع الرائي عن غواصة تغطس تحت الماء. ولاشيء من هذه الظروف قلل الفعالية النفسانية، وفي شكل مختلف من أشكال هذه التجربة، يرسم الرائي تخطيط لشكل الموقع قبل الاختيار العشوائي للمظروف. وأيضاً أعطت الرؤية المتلقاة قبلاً نتائج إيجابية، لقد استنتج الباحثون في معهد ستانفورد للأبحاث أن الرؤية عن بعد مهارة يمكن التدرب عليها، كامنة في كل منا. لقد وجدوا أن حدوث غرائب الفعالية النفسانية أقرب إلى أن يكون مألوفاً، على الرغم من أن تفهمنا له حتى الآن واهٍ و هزيل.

    [3] . بريان، غرين، الكون الأنيق، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى، 2005، صفحة 71.
    [4] . رودلف، كارناب، الأسس الفلسفية للفيزياء، ترجمة: السيد نفادي، دار التنوير، بيروت، الطبعة الأولى، صفحة 230.
    [5]  .رودلف كارناب، مرجع سابق صفحة 233-237.
    [6] بول ديفيس، العوالم الأخرى، ترجمة د. حاتم النجدي، دار طلاس، 1994، طبعة 4، صفحة 122.
    [7] المرجع السابق.
    [8] المرجع السابق.
    [9] المرجع السابق، صفحة 137.
    [10] المرجع السابق، صفحة 138
    [11] بول ديفيس، العوالم الأخرى، ترجمة د. حاتم النجدي، دار طلاس، 1994طبعة 4، صفحة 138
    [12] المرجع السابق، صفحة 139.
    [13] المرجع السابق، صفحة 141
    [14] ايان ستيورات، من يلعب النرد، ترجمة بسام أحمد المغربي، دار طلاس والمعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجية، ط1، 1994، ص.176.
    [15] المرجع السابق، ص183.

    November 2019
    Su Mo Tu We Th Fr Sa
    27 28 29 30 31 1 2
    3 4 5 6 7 8 9
    10 11 12 13 14 15 16
    17 18 19 20 21 22 23
    24 25 26 27 28 29 30

    شارك برأيك

    مارأيك بالهدنة؟
    عدد الزيارات
    9023949

    Please publish modules in offcanvas position.