nge.gif
    12.png

    د. عبد الله حنا: حزب الشعب 1924 بزعامة الشهبندر

    عبد الرحمن الشهبندر المولود في دمشق عام 1879, وخريج الجامعة الأميركية في بيروت عام 1906, احتل مكاناً مرموقاً في ميدان النضال الوطني، وأسهم فينتيجة بحث الصور عن الدكتور المؤرخ عبد الله حنا بلورة المشروع النهضوي التنويري العربي. وقد عالج جملة من القضايا الاجتماعية من منظار تنويري متفتح. وتميّز الشهبندر بسياسته وأفكاره البعيدة عن العائلية والعشائرية والطائفية، وأسهم في خلق جو وطني واضح المعالم.
    كان الدكتور عبد الرحمن شهبندر علما وطنيا بارزا في العهد العثماني وأيام الدولة الوطنية العربية 1918 - 1920 واختير وزيرا للخارجية في الحكومة الأخيرة لتلك الدولة. و اضطر لمغادرة البلاد تجنبا لحكم الإعدام الصادر بحقه من السلطات الفرنسية. وبعد صدور العفو عاد الشهبندر إلى دمشق ولم يلبث أن قاد في نيسان 1922 حملة جماهيرية ضدّ الانتداب الفرنسي. وفي خطبة له امام حشد كبير قال: "فليحي الاستقلال التام فتلحيا الحرية النامية". وكان ردّ فعل السلطات الفرنسية سريعا وعنيفا, فاعتقلت الشهبندر وعدد من رفاقه في السادس من نيسان 1922. وقف الشهبندر امام المحكمة العسكرية الفرنسية وطنيا شجاعا ودبلوماسيا محنكا يدافع عن مبادئه الوطنية دون ان يترك مجالا للمستعمرين لادانته بقانونهم. وكانت النتيجة الحكم على الشهبندر بالسجن في جزيرة ارواد. وبعد مضي تسعة عشر شهرا أُطلق في 12 تشرين الأول سراح الشهبدر ورفاقه.
    بعد نجاح القوى اليسارية في فرنسا تشكلت حكومة ارسلت الجنرال سراي مندوبا ساميا على سورية ولبنان. واصبح واضحا ان الإدارة الفرنسية الجديدة ستتبع نهجا مغايرا للاتجاه اليميني للسلطة السابقة. وكان معروفا عن الجنرال سراي ميوله اليسارية وتعاطفه مع حركات التحرر الوطني وعداءه للقوى الاستعمارية. وفي تلك الأجواء أتت الوفود الوطنية من دمشق إلى بيروت للتعرف على الجنرال سراي وتمهيد الطريق للسير على نهج يخالف الإدارة الاستعمارية القابضة على زمام الأمور في سورية ولبنان  وعلى هذا الأساس قَدِمَ وفد من أنصارعبد الرحمن الشهبندر للسلام على سراي في بيروت في 2 كانون الثاني 1925. وبعد الترحيب بأنصار الشهبندر قال لهم الجنرال سراي عودوا إلى بلدكم وأسسوا حزبا سياسيا ليتمكن معتمدوه من بيان مطاليب الشعب ومفاوضتي باسمه لضمان مصيره..
    حزب الشعب المُؤَسس في أيار 1925 بزعامة الشهبندر دعا لتحقيق مبادئ منها: السيادة القومية.. وحدة البلاد السورية بحدودها الطبيعية.. ضمان الحريات الشخصية.. تدريب البلاد نحو سياسة اجتماعية ديمقراطية مدنية.. حماية الصناعات الوطنية وإنماء الموارد الاقتصادية.. توحيد التربية والتعليم في البلاد.
    ونرى أن هذه المبادئ كانت خطوة نحو الدعوة إلى المجتمع المدني مع تأكيد على وحدة البلاد السورية. وكان حزب الشعب أول تجمع منظم للبرجوازية الدمشقية بعد الاحتلال الفرنسي. من الأعضاء البارزين في حزب الشعب: الشهبندر, حسن الحكيم, لطفي الحفار, فوزي الغزي, سعيد حيدر, احسان الشريف, توفيق شامية, فارس الخوري, عبد المجيد الطباع, ابو الخير الموقع, اديب الصفدي, جميل مردم بك , فخري البارودي.
    ***
    ما هي اصلح أشكال الحكم في العالم العربي
    أصدر الشهبندر عام 1936 في القاهرة كتاباً تحت عنوان: "القضايا الاجتماعية الكبرى في العالم العربي". أحد فصول الكتاب حمل عنوان: "ما هي أصلح أشكال الحكم في العالم العربي".
    هذا الموضوع الشائك يعالجه الشهبندر في خمس صفحات من كتابه. وهو هنا يتعرض لمجتمعات عربية في العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين لا تزال بُناها التحتية متخلّفة. فهي إما تعيش في مرحلة البداوة, أو لم تطرق أبوابها الثورة الصناعية طرقاً عميقاً ولم تتغلغل المدنية الحديثة في تركيبتها الاجتماعية ما قبل الرأسمالية تغلغلاً يفسح المجال للإنطلاق والتطور والتحرر اعتماداً على التجربة الديمقراطية التي عرفها الغرب.
    يقسم الشهبندر الأقطار العربية إلى قسمين:
    - قسم خاضع للاستعمار مباشرة وهو يعيش مرحلة النضال ضد الاحتلال الأجنبي.
    - وقسم مستقل يبحث الشهبندر عن أصلح أشكال الحكم له. ولأسباب كثيرة يرى الشهبندر "إننا في أقطارنا المستقلة (يقصد المملكة العربية السعودية واليمن) لفي أشد الحاجة إلى اليد الحازمة المدركة لتسير بنا إلى الأمام على رغم أهل الرجعة منّاعبد الرحمن الشهبندر" .
    وقد دفع تخلف البنى الاجتماعية وخضوع العامة لفقهائها الشهبندر وغيره من رواد النهضة إلى المناداة بضرورة حكم المستبد العادل. ولم يكن امام الشهبندر وأقرانه من خيار ثالث. "فإما مستبد عادل يقود الشعب إلى الأمام, أو حكم "الغوغاء" غير المتحضرين". وهنا يختار الشهبندر الحل الأول ويسوق لنا مثالين: الأول: من شبه الجزيرة العربية. والثاني: من الدولة العثمانية.
    وفيما يلي النصّان الحرفيان لمعالجة الشهبندر لهذه القضية الشائكة:
    أولاً: حول شبه الجزيرة العربية كتب الشهبندر:
    "…أنا أسأل في هذا المقام كل من عانى شؤون الإدارة والحكم أيرى لمملكة الحجاز ونجد مجلس نواب من الغطغط ومطير والفقير وحرب أم ملكاً حازماً خبيراً بشؤون البدو كعبد العزيز بن سعود، ألا تقضي الديموقراطية في تلك الأنحاء الابتدائية بتربع الغوغاء في دست الحكم وانهزام الاختبار والتمرين والحصافة انهزاماً شنيعاً لا يلوي على شيء.
    ثانياً: حول الدولة العثمانية والتجربة البرلمانية التي أعقبت ثورة جمعية الاتحاد والترقي على السلطان المستبد عبد الحميد، حيث قامت القوى الرجعية مستغلة الجهل المخيم من أجل قبر أي خطوة اجتماعية تقدمية مهما كانت صغيرة. كتب الشهبندر:
    "إنني أذكر جيداً أننا لما كنا نعاني حشرجة الموت تحت كابوس السلطان عبد الحميد كنا نظن أن مجرد إعلان الدستور وإطلاق حرية الانتخاب وترك المنابر للخطباء يتكلمون كما يشاؤون ينعشنا ويعيدنا إلى مهيع الحياة، وفي شهر تموز –يوليو- من سنة 1908 أعلن هذا الدستور بقوة الجيش وبتأثير الأوهام التي تسلطت على السلطان فكان مبدأ انقلاب خطير في جميع بلدان الشرق المتوسط لما عقبه من الثورة في الأفكار والأوضاع، ولا أنكر أبداً أن بعض الانتخابات دلت على شيء من حسن الاختيار ولكنها أرسلت بالإجمال إلى مجلس النواب أناساً لا يختلفون عن العوام كثيراً، وأصعدت المنابر بعض الخطباء الذين حولوا قضية الدولة السياسية الخطيرة إلى البحث في الحجاب وشكل الغطاء الذي يجب أن يسدل على المرأة". (انتهى النقل عن الشهبندر)
    ولا نريد هنا الدخول في موضوع الديموقراطية والانتخابات النيابية في مجتمعات لا تزال تعيش في اقسام واسعة منها في اجواء فكرية لم تصل مركباتها الى عصر الحداثة ابنة الثورة الصناعية وما تلاها واكتفت بالتحديث دون الحداثة. والتحديث لا يحتاج الى اجواء عقلانية تبدع الحضارة بل يكتفي بنقل منتجات الحضارة دون ان يفكر في انتاجها او آلية عملها. ولعل من المفيد للقارئ المقارنة في ذهنه، بين ما ذكره الشهبندر عن العالم العربي في الثلث الأول من القرن العشرين وبين الواقع العربي الراهن بربيعه وخريفه وما يليه من برودة الشتاء وجحيم حرارة الصيف.

    November 2019
    Su Mo Tu We Th Fr Sa
    27 28 29 30 31 1 2
    3 4 5 6 7 8 9
    10 11 12 13 14 15 16
    17 18 19 20 21 22 23
    24 25 26 27 28 29 30

    شارك برأيك

    مارأيك بالهدنة؟
    عدد الزيارات
    9097290

    Please publish modules in offcanvas position.