nge.gif
    12.png

    يحيى زيدو: كيد المثقفين

    عندما نقول كلمة "مثقف" نتوقع أننا نتحدث عن شخص ذي رؤيا، و رؤية موضوعية، و معرفة عميقة، و تقدير للتنوع و التعدد، أ يحيى زيدوو احترام للآخر مهما بلغت درجة التباين أو الاختلاف معه.
    لكن، مع الأسف، فإن ما نراه في الوسط الثقافي اليوم هو العكس تماماً، فليس هناك سوى الشللية، و الكيدية، و الغيرة، و حب الظهور، و الابتعاد عن العمل الجماعي، و عدم الاهتمام بالقضايا العامة إلا من موقع المصلحة الشخصية، و تسفيه كل إنتاج أو نشاط ثقافي للآخرين، باستثناء قلة قليلة ما تزال تتمسك بقيم الثقافة، و الانتماء الواعي إلى قيم الحق و الخير و الجمال، و إلى المجتمع و قضاياه الكبرى أو الصغرى التي تلامس الناس في مختلف مستويات حياتهم.
    مناسبة هذا الكلام هو ما كتبته إحدى الصحفيات عن حفل توقيع لرواية في المركز الثقافي العربي بطرطوس يوم الأربعاء الماضي 9/10/2019، اعتبرت فيه أن حفل التوقيع كان لكتاب "حديث الولادة و قبل أن ينزل إلى المكتبات"، و أن الهدف هو دفع القارئ لشراء الرواية-البضاعة، "و بعد ذلك توضع الطاولة، و تعرض البضاعة فوقها.. الكتاب بخمسة آلاف. ثم تحصل تنزيلات و يصبح بثلاث..".
    السيدة المذكورة كانت في حفل التوقيع، و شاهدت الوجوه الإعلامية و الثقافية التي حضرت، و هذا واجب كل مثقف و إعلامي لدعم الكتاب، و تشجيع كل كاتب على المزيد من الإبداع.
    لكن يبدو أن السيدة المذكورة قد ساءها حضور هذه الوجوه الثقافية و الإعلامية، مما أثار غيظها، (أو غيرتها)، فعملت على اختلاق وقائع ليست صحيحة لتبرير موقفها (الزعم بحصول تنزيلات على سعر الرواية كأننا في أوكازيون).
    فلو كانت هذه السيدة الإعلامية تهتم بأبسط واجباتها كصحفية، لكانت قرأت خبر صدور الرواية في جريدتها خلال شهر شباط من العام الحالي. و لو كانت تزور مكتبات المدينة لشاهدت هذه الرواية في واجهات المكتبات منذ أشهر. و لو كان لديها أدنى مهنية لكان من الواجب عدم اختلاق وقائع غير صحيحة.
    سنفترض، مع الكاتبة، أن الهدف من حفل التوقيع هو تسويق الكتاب. أين الخطأ أو العيب في ذلك؟ أليس الكتاب سلعة ثقافية تحتاج إلى إعلان و تسويق مثل أية سلعة أخرى؟ و في الأساس ما هي مهمة معارض الكتاب سوى تسويق الكتاب؟! و لماذا تكون هناك دور نشر، و مكتبات متخصصة في بيع الكتب لو لم يكن الهدف تسويق، و بيع الكتاب بهدف إيصاله إلى أوسع شريحة اجتماعية؟!
    السيدة المذكورة أقامت بالأمس القريب حفل توقيع لكتاب لها يتضمن خواطرها، و قد صدر الكتاب عن الدار نفسها التي أصدرت الرواية موضوع مقالها، و هذا حق لها؛ لكن ألم يكن الهدف من حفل التوقيع الذي أقامته هو تسويق كتابها، بصرف النظر عن نوعه أو قيمته الأدبية؟
    و لن نناقش في سعر كتابها، و ما إذا كانت قد حصلت تنزيلات على السعر أم لا، لأن سعر الكتاب تحدده دار النشر، و لا يحق للكاتب أن يحدده، و ربما لا يحصل الكاتب سوى على 13-15% من سعر الغلاف في أحسن الحالات. هذا إذا لم ينشر الكاتب على نفقته، و بالتالي فإنه يدفع من جيبه ثمن كتابه.
    مع ملاحظة أن الكاتب الذي تنتقد السيدة حفل توقيعه يعمل في مجال الصحافة منذ ما يزيد عن ربع قرن، و هو معروف جيداً في الأوساط الثقافية و الإعلامية، و يحظى باحترام هذه الأوساط و غيرها، فضلاً عن ترفعه و أخلاقه العالية التي لم تجعل منه طرفاً في أية شلة ثقافية، أو مشكلة بين طرفين.
    ربما ما أثار غيرة السيدة المذكورة هو هذا الحضور الكبير لأبرز الوجوه الثقافية والإعلامية في المحافظة، و هذا ما لم يحصل في حفل توقيعها لكتابها.
    الأمر، إذن، يدخل في إطار "الكيديات" أو "الغيرة" التي تُمارس من قبل كثيرين ممن يعملون في حقل الثقافة و الفنون والإعلام. و هذا من أخطر الأمراض التي تصيب العاملين في هذه الأوساط، نظراً لما له من آثار سلبية على العمل الثقافي، و على كل نشاط عام في المجتمع.
    # هامش:
    ثمة روائية معروفة، كانت زميلة لنا في الجامعة، تعتقد أن زميلة لها تكيد لها، وتتنمر عليها عندما تنشر صور لها مع ابنها، لأن الروائية المذكورة لم تتزوج و ربما فاتها قطار الزواج.
    ربما علينا أن نكون حذرين عندما نسمع كلمة "مثقف"، و ربما علينا أن نعيد النظر في الصورة النمطية للمثقف، خاصة بعد هذه الأزمة التي تعيشها بلادنا، و التي كان كثير من "المثقفين" جزءاً منها.

    و الخضر
    إن المثقفين لفي خسر
    إلا الذين يكذبون
    إلا الذين يماشون
    إلا الذين يغشون
    و بالبصاق اللغوي يتفاخرون
    و بالكتابات الكيدية يعشون العيون.
    أولئك هم الرابحون

    November 2019
    Su Mo Tu We Th Fr Sa
    27 28 29 30 31 1 2
    3 4 5 6 7 8 9
    10 11 12 13 14 15 16
    17 18 19 20 21 22 23
    24 25 26 27 28 29 30

    شارك برأيك

    مارأيك بالهدنة؟
    عدد الزيارات
    9096748

    Please publish modules in offcanvas position.