nge.gif

    د. عبد الله حنا: مقتطفات من حياة صاحب كتاب (ديرعطية التاريخ والعمران)

    نتيجة بحث الصور عن الدكتور المؤرخ عبد الله حنافي 24 – 11 – 1932 رأت عينا كاتب هذه الأسطر (عبد الله حنا) النور في ديرعطية من أبوين فلاحين. تسميتي باسم عبد الله يعود الفضل فيها إلى كبير العائلة عم والدي عوض حنا، الذي قال: "كُلنا عبيد الله" سمّوه عبد الله. و اسم عبد الله لا يقتصر على المسلمين كما يظنّ بعضهم، ففي بلدتنا ديرعطية، كما في غيرها، كان اسم عبد الله منتشرا بين مسيحييها. وعندما عُدْتُ الى دفتر النفوس لعام 1904 لاحظت أن معظم أسماء المسيحيين في ديرعطية هي أسماء مشتركة بين المسلمين والمسيحيين, وقليلة هي الاسماء المسيحية الخالصة. أما الأسماء الغربية مثل ميشيل وجورج وجورجيت... الخ فلم يكن لها أثر في أسماء مسيحيي ديرعطية، قبل أربعينيات القرن العشرين.
    ***
    الحدث الأهم من ذكريات الطفولة هو "ليلة السيل" 1937 المذكورة بتفاصيلها في الكتاب.
    ذات مساء من صيف 1943 جرى في ساحة القرية (ساحة الشقطي) احتفال تكلّم فيه عدد من الخطباء داعين إلى مقاطعة اللغة الفرنسية. ولا تزال كلمات عبد الفتاح مالك من النبك ترنّ في أذني وهو يردد: "فلا بنجور بعد اليوم ولا مرسي بعد اليوم". أثناء الإحتفال أُشعِلت النار لحرق الكتب الفرنسية، ولا أزال أذكر تلك اللحظة التي ألقيت فيها كتاب اللغة الفرنسية للصف الثالث وأنا منتشٍ بالإنتصار على فرنسا. وكلما حضرتُ مؤتمراً علميا يتحدث فيه الكثيرون باللغة الفرنسية أتذكر رمي الكتاب الفرنسي في النار، غير عارف آنذاك، بأني أحرق أحد أبواب الإتصال بالعالم وحضاراته.
    نلتُ، شهادة السرتفيكا (أهلية التعليم الإبتدائي) في حزيران 1946 وحصلت على شهادة البكالوريا صيف 1952 والاجازة الجامعية عام 1957.
    ***
    منذ طفولتي وحتى نيلي عام 1957 الاجازة في التاريخ من الجامعة السورية كنتُ أقضي العطلة الصيفية على النحو التالي:
    - المشاركة في حصيدة البعل لسنابل القمح التي تنمو على ماء السماء. وغالبا ما أكون الراجود، الذي يرافق البغل المحمّل بفردتين محزومتين بحبل، من الحقول إلى البيدر. وحقول القمح البعل أو الشعير والكرسنّة كان أكثرها في الجبل، ولذا لا تزال راسخة في مخيلتي اسماء وديان جبل ديرعطية وشِعابه.
    - المشاركة في حصيدة قمح السقي ورجاده (نقله) على البغل الى البيدر
    - الركوب على المورج او الردردة على البيادر لهرس نباتات الشعير او القمح وتكويمها في عُرْمة ثمّ تذريتها لفصل الحب عن التبن ونقلهما الى البيت.
    - المشاركة بمتعة في سلق قمح السقي وتجفيفه على الاسطح ليصبح برغلاً. والبرغل كان الغذاء الاساسي للفلاح بطبخاته المتنوعة.
    - المشاركة في قلع البطاطا ونقلها الى البيت. والبطاطا اصبحت منذ عشرينيات القرن العشرين غذاء هاماً للفلاح. ويبيع الزائد عن حاجته لتجار البطاطا لسوق دمشق.
    - المشاركة في قطاف العنب وتغميسه في ماء القلي مع قليل من زيت الزيتون وسطحه على أرض تربتها نظيفة وجافة ليتحول الى زبيب. والزبيب مع الجوز كان غذاء لذيذا في ليالي الشتاء الباردة حيث تبعث حُريراته الدفء في القاطنين في بيوت لم تكن المدافئ معروفة.
    - مع انتهاء لمْ الزبيب تكون المدرسة قد فتحت أبوابها في أوائل الخريف، وعليّ الالتحاق بالمدرسة.
    ***
    في صيف 1954، وأنا موظف في البريد والبرق والهاتف، تقدمت إلى مسابقة للقبول في دار المعلمين العليا، التي تؤهل الناجحين، بعد الدراسة في الجامعة السورية لمدة خمس سنوات، للتدريس في المدارس الثانوية حسب الإختصاص الذي درسه الطالب في كليتي الآداب والعلوم. نجحت دون واسطة أحد. ولم تكن المباحث السلطانية موجودة في ذلك الزمن وليس لها دور في القبول أو الرفض.
    شتاء 1955 جرت مظاهرات طلابية نظّمها وقادها الإخوان المسلمون وشارك فيها الشيوعيون (بدافع العداء للحكم العسكري المصري) وتمنّع البعثيون عن المشاركة. احتجّت المظاهرات على ملاحقة الإخوان المسلمين في مصر وإعدام قادتهم بسبب محاولتهم اغتيال جمال عبد الناصر. وأذكر من الشعارات: "يسقط حكم البكباشية.. يسقط حكم الصاغات.. مجرم خاين عبد الناصر". وبعد سنة وفي اعقاب تأميم عبد الناصر لشركة قناة السويس الأجنبية خرجتْ المظاهرات الطلابية لتأييد عبد الناصر بمشاركة البعثيين والشيوعيين و إحجام الإخوان. و ازدادت هذه المظاهرات اتساعا بعد العدوان الثلاثي (البريطاني الفرنسي الإسرائيلي) على مصر. و أذكر من الهتافات التي اتخذت صيغة غنائية، كنتُ من هتّافها بفضل صوتي الجهوري:
    يحيا جمالها الأمة العربية، يحيا جمالها..
    أمم قنالها بعزم وحريّة، أمم قنالها..
    جاء جمال عبد الناصر إلى سورية حاملا راية الإصلاح الزراعي وتوزيع أراضي الإقطاعيين على الفلاحين مع نضال بنبرة عالية ضد الاستعمار مصحوبة بغزل خفي ومكشوف أحيانا لسادة الاستعمار الأميركي الساعي لوراثة الاستعمار القديم البريطاني والفرنسي. وفي الوقت نفسه اصطحب "الحكم الناصري" معه عصا المباحث السلطانية الراسخة الجذور في مصر لإزالة الديموقراطية المنتعشة في سورية و إحلال الحكم الشمولي الفردي فيها.
    وعلى الرغم من حبّي العميق للوحدة العربية بحكم ديموقراطي، كنتُ من ضحايا الطغيان المباحثي. فلوحقت وتخفّيْت في دمشق، ثمّ غادرتها في ظلام الليل إلى ديرعطية. ومنها اتجهت غربا ممتطيا ظهر بغلنا وسالكا طريقا ترابيا إلى القرية الحدودية جراجير. و بمساعدة أحد الرعاة من معارفنا سرنا في منتصف الليل عن طريق وادي الزمراني الواصل بين لبنان وسورية إلى رأس بعلبك اللبنانية. عاد الدليل مع بغلنا واستأنفت السفر بالسيارة إلى بيروت حيث أمضيتُ فيها قرابة السنة حياة شبه سرية. ومن مطار بيروت حطيتُ الرحال في برلين عاصمة جمهورية ألمانيا الديموقراطية آنذاك بمنحة دراسية لنيل شهادة الدكتوراه في التاريخ.
    ***
    - عاد حامل الدكتوراه في التاريخ عبد الله حنا إلى الوطن صيف 1965. (و أيُّ وطن؟)
    - سُدّت في وجهه أبواب جامعة دمشق بسبب سياستها الشمولية.
    - عمل مدرسا للتاريخ في ثانويات درعا ودمشق, ثمّ أُبعِدَ عن التدريس تعسفا "منفيا" إلى مديرية زراعة ريف دمشق بين عامي 1974 و 1980.
    - خريف 1980 نُقل إلى مدرسة أبو ذرالغفاري الإبتدائية في القابون من ضواحي دمشق.
    - عمل مدرسا لمادة تاريخ الحركة العمالية العربية في المعهد النقابي المركزي, التابع للاتحاد العام لنقابات العمال.
    - أُعيد - مغضوبا عليه – من القيادة البيروقراطية لاتحاد نقابات العمال إلى تدريس مادة التاريخ في ثانوية فايز منصور بدمشق. ويعود سبب "الغضب" إلى فضحه لممارسات البورجوازيات البيروقراطية والطفيلية في نهب القطاع العام ومال الشعب.
    - عمل في الاتحاد العام للفلاحين لكتابة تاريخ الفلاحين وقام في عامي 1984 و 1985 وبمعونة اتحاد الفلاحين في جولات ميدانية قابل خلالها أكثر من 400 فلاح من جميع المحافظات.
    - لم تَرُقْ كتابة التاريخ الواقعي للفلاحين القيادة الحاكمة فقامت باتلاف (فرم) المجلدات الثلاثة حول المسألة الزراعية والحركات الفلاحية وإرسالها لمعمل الورق في دير الزور.
    - ولهذا طلب المؤلف عام 1987 الإحالة على التقاعد في سن مبكرة صونا لكرامته.
    - وهو منذ ذلك الحين متفرغ للبحث والتأليف في التاريخ الإجتماعي المغَيَّب من معظم المؤرخين السوريين.
    ***
    - من الموقع ين على "بيان 99" (و هم 99 مثقفا طالبوا في سبتمبر 2000 بإلغاء حالة الطوارئ والأحكام العرفية المطبّقة في سورية منذ عام 1963).
    - شارك في منتديات ربيع دمشق (2000 – 2001) المطالبة بالتغيير الديموقراطي
    - وألقى محاضرة بعنوان: "المجتمعان الأهلي والمدني في الدولة السورية الحديثة".
    - تابع ويتابع تطوّر الأحداث في سورية منذ بدئها في آذار 2011 إلى تاريخه...

    October 2019
    Su Mo Tu We Th Fr Sa
    29 30 1 2 3 4 5
    6 7 8 9 10 11 12
    13 14 15 16 17 18 19
    20 21 22 23 24 25 26
    27 28 29 30 31 1 2

    شارك برأيك

    مارأيك بالهدنة؟
    عدد الزيارات
    8699648

    Please publish modules in offcanvas position.