nge.gif

    د. نوفل نيّوف: مارينا تسفيتايفا وآنّا أخماتوفا (قصّة لقاءين)

    مجلة "نِزوى" العُمانية تحتفي بيوبيلها الفضّيّ (1994ـ 2019) وتُصدِر العدد أ نوفل نيوف100
    في قسم الدراسات من هذا العدد:

    د. نوفل نيّوف. مارينا تسفيتايفا وآنّا أخماتوفا (قصّة لقاءين)
     
    (مقطع من البحث الذي يقع في حوالي خمسة آلاف كلمة)
    "... يعود افتتان مارينا تسفيتايفا بآنا أخماتوفا إلى عام 1912 حين قرأت مجموعتها الشعرية "المساء" وكتبت عنها بإعجاب كبير في ملاحظاتها عام 1917:
    "يمكن كتابة عشرة مجلَّدات عن هذه المجموعة الصغيرة من دون إضافة أيِّ شيء إليها... يا لَأنّا أخماتوفا من هديّة للشعراء صعبةٍ ومغرية!"؛ وفي العام نفسه أيضا:
    "أفضلُ ما في نشيد الأنشاد قولُ أخماتوفا:
    "وفي الكتاب المقدَّس ورقةُ حَورٍ حمراء
    علامةٌ على نشيد الأنشاد".
    في اليوم الأول من عام 1916 نظّم أحد كبار شعراء بطرسبورغ، ميخائيل كوزمين (1872 ـ 1936)، أمسية شعرية في بيت أحد أصدقائه قرأت فيها مارينا تسفيتايفا أحدث قصائدها وأصابت نجاحاً منقطع النظير. لقد شعرت أنها تمثِّل مدينتها الأم موسكو في قلب منافستها بطرسبورغ على ضفاف نهر النيفا.
    سنة 1936 تكتب مارينا عن تلك الأمسية:
    "أقرأ كلَّ ما كتبتُ عام 1915 من قصائد، كان ذلك قليلاً، وكانوا يطلبون المزيد. أشعر أني أقرأ باسمِ موسكو ولا ألطِّخ وجهها بالوحل، لا ألطِّخه لأني أرفعه إلى مستوى وجه أخماتوفا. أخماتوفا! ـ قُضيَ الأمر. بكياني كلِّه أشعر لدى قراءة كلِّ بيت بالمقارنة المتوترة ـ المحتومة ـ (وفي البعض بإثارة الفتنة) بيننا: ليس فقط بين أخماتوفا وبيني، وإنما بين الشعر في بطرسبورغ والشعر في موسكو. ولكنْ، لئن كان محبّو أخماتوفا يستمعون إليّ ضدّي، فأنا لا أقرأ ضدّ أخماتوفا، بل أخاطبُ أخماتوفا. أقرأ وكأن أخماتوفا في الغرفة، أخماتوفا وحدَها. أقرأ لأخماتوفا الغائبة. يهمّني نجاحي كخطٍّ مباشر إلى أخماتوفا. ولئن كنت أريد في تلك اللحظة أن أُمثِّل موسكو على أفضل وجه، فما ذلك من أجل أن أنتصر على بطرسبورغ، بل من أجل أن أُهدي إلى بطرسبورغ، إلى أخماتوفا هذه الـ موسكو التي في نفسي، في حبّي، أن أهديها منحنيةً أمام أخماتوفا. أن أنحني أمامها بالذات مثل "بوكلونّايا غَرَا" مع أعلى رأسٍ ٍعلى القمة لا ينحني.
    وهذا ما فعلتُه في حزيران/ يونيو 1916 بكلمات بسيطة:

    تشتعل القِباب في مدينتي الغنّاء،
    وشحّاذٌ أعمى يمجِّد المخلِّص المنير،
    وأنا أُهدي مدينتي ذاتَ النواقيس
    ومعها قلبي إلى أخماتوفا.

    لكي أقول كلَّ شيء:
    إنني مدينة بالقصائد التي كتبتُها عن موسكو بعد سَفرة بطرسبورغ، لأخماتوفا، لحبّي لها، لرغبتي بأن أُهديها شيئاً أكثرَ أبديةً من الحب، ما هو أكثرُ أبديةً من الحب. ربَّما لو أمكنني فقط أن أُهديها الكريملن، لَما كنت كتبت هذه القصائد. وهكذا، فقد كانت هناك منافسة، بمعنى ما، بيني وبين أخماتوفا، ولكنْ ليس من أجل "أن أفعل أفضل منها"، فالأفضل مستحيل، وهذا الأفضل المستحيل أن أضعه عند قدمَيها. منافسة؟ بل توق. أعرف أن أخماتوفا فيما بعد، عامَ 1916-1917، لم تفارق قصائدي المكتوبة لها بخط يدي وظلّت تحملها في حقيبتها حتى لم يبقَ منها إلا قِطع متشقِّقة. هذه القصة التي نقلها لي أوسيب مَندِلشتام واحدةٌ من أكبر الأفراح في حياتي" .

    كانت آنا أخماتوفا ـ التي تبوّأت مكانة في الشعر لا تتزعزع ـ في السابعة والعشرين من عمرها يومذاك، ولكنها لم تكن موجودة في بطرسبورغ . كانت تعرف أشعار مارينا، والأرجح أن موقفها من تلك الأشعار كان يتّسم بالتحفّظ أكثر ممّا بالإعجاب. بينما كانت تسفيتايفا قد تجاوزت كل تحفظ على أشعار أخماتوفا، مفتونة بشعرها. وقد أعربت عن أسفها المرير لأنها لم توفَّق إلى لقائها لتحيّيها شخصياً . وكانت مارينا تعلن في كل مكان أنها، وهي تقرأ قصائدها الجديدة التي تهديها لألمانيا، لا تفكر إلا بآنّا أخماتوفا.

    أعرف الحقيقة! ولتسْقطِ الحقائق الماضية كلُّها!
    لا حاجة بالناس للصراع فيما بينهم على الأرض.
    انظروا: إنه المساء، انظروا: يقترب الليل.
    علامَ: أيها الشعراء، أيها العشاق، أيها القادة العسكريون؟
    ها هي الريح تخمد، والأرض يغطيها الندى،
    قريباً تتجمَّد عاصفة النجوم في السماء،
    وقريباً نرقد جميعاً تحت الأرض،
    نحن مَن لم نمكِّن بعضنا بعضاً من النوم عليها.

    ما إن عادت مارينا إلى موسكو حتى التحقت بشقيقتها أناستاسيا في مدينة ألكساندروف (100 كم عن موسكو) حيث عاشت حالة من الإلهام لم تعرفها من قبل ولا من بعد. هناك تضفر من قصائدها أكاليل تمجيد لأخماتوفا التي لم يقدَّر لها اللقاء بها في بطرسبورغ.
    وإلى أخماتوفا تهدي تسفيتايفا مجموعتها الشعرية "فراسخ ـ 2" التي تمجِّد فيها الجيش الأبيض وقتاله ضد الشيوعيين، وفيها 11 قصيدة موجهّة إليها مباشرة...".

    October 2019
    Su Mo Tu We Th Fr Sa
    29 30 1 2 3 4 5
    6 7 8 9 10 11 12
    13 14 15 16 17 18 19
    20 21 22 23 24 25 26
    27 28 29 30 31 1 2

    شارك برأيك

    مارأيك بالهدنة؟
    عدد الزيارات
    8699150

    Please publish modules in offcanvas position.