nge.gif

    عن الصحفيين وعيدههم و زملائي و أنا

    محمود عبد الكريم:


    ..كثير من أصدقائي يتصورون انني عملت في الصحافة لشغفي بها, أقسم بالله لم أمقت في حياتي مهنة اكثر منها، السبب الوحيد لعملي بها انها المهنة الوحيدة التي لاتلزمني بالاستيقاظ. باكرا.... ثم تطور الامر، وصرت صحفيا فاخترت اكثر زواياها خطورة... المراسل الحربي......

    التجربة الاولى كانت قصيرة في اذاعة صوت فلسطين....... في بيروت... كنت جالسا اكتب برنامجا يوميا وخلال لحظة تحول السكون الى جهنم الحمراء..... استمرت هذه الجهنم ثلاثة اشهر متواصلة... كل يوم عشته بعدها، كان منحة ربانية بالمعنى المباشر للكلمة، ضجرت من المنفى وعدت في باخرة من قبرص الى طرابلس، وكانت جحيما اخر على امثالي، وكان اجتيازها من المرفا الى مخيم البداوي... تحت احتمال سكين طويلة لاترحم،... بعد شهر، اندلعت حرب داخلية بين الفصائل، كان الرصاص يتطاير من نوافذ الاذاعة المرتجلة والصبايا المتدربات، اللواتي توزعن بسرعة في الزوايا وكانت فرصة لاختباء حميم مليء بكل انواع الرحمة.. و الاحتماء اللصيق والذي لاينسى... عدت الى عملي اواخر عام 1984... وبعد اشهر قليلة،... 19شباط 1985.. كنت أبعث برىسالة اذاعية مفادها...... الغزاة الصهاينة يندحرون هاربين من مدينة صيدا البطلة.... وفي المساء كنت أسهر في بيت السيدة فيروز على روشة بيروت يومان تاريخيان يعجز النسيان عن نسيانهما.

    منذ ذلك اليوم والى عام 1996... كان عملي الصحفي مع المقاومة عشت حياتهم, نمت في بيوتهم ومقراتهم, أجريت مئات الأحاديث, صورت آلاف اللقاءات في مخابئ وغابات ومدن ومخبمات وسفوح... وتعرصت للموت المباشر اكثر من مائة مرة، ولا أدري كيف نجوت، لا بل ان ذلك يكاد لايصدق،... رأيت بأم عيني شجاعة تصدع الصخر الاصم، وعاينت خيانات تفتت الحصى، وشاهدت جرائم تشيب لهولها الثيران،... و أدركت ان بقي شريفا وسط هذه الضراوة المخيفة هو أقرب لنبي وهو قديس بأقل احتمالاته، حينما أدركت ان عملي مع المقاومة لاسباب لوجستية بحتة اقترب من نهايته, أنجزت آخر عمل وثائقي أثناء وبعد عدوان "عناقيد الغضب" نيسان 1996.... ستة عشر فيلما وثائقيا حملت عنوان "حكاية هذا الجنوب"... كانت الجزء الثاني لسلسلة انجزتها نهاية عام 1987.. حملت عنوان "وردة الدم".....

    عدت الى دمشق التي لم يفارقني احساس الغربة فيها يوما واحدا.. أنا شخص مصاب بداء النوستالجيا الذي لافكاك منه.. وكان علي ان أتعرف على الصحافة الروتينية من جديد،.. و أمام مقصلة الدوام كانت استقالتي ترمى. بلمح البصر، لن يلزمني أحد بدوامه ولو على دمي، خلال هذه الفترة وهي ثلاث سنوات انجزت عملين مهمين: "أوراق النهضة" بحث تلفزيوني من خمسين ساعة في مشروع النهضة العربية في القرن التاسع عشر, و"حكاية قرن" من ستة وعشرين حلقة، وهو وثائقي حكايته بغاية الطرافة، كان أحد السادة المدراء، يفاوض شركات عديدة ليشتري منهم برنامجا عن حكاية القرن العشرين، و أعلمني أحد فاعلي الخير أن المفاوضات تتركزعلى العمولة التي سيتقاضاها، قبل ان تنتهي المفاوضات، كنت قد أنهيت "حكاية القرن العشرين".. حروبه انجازاته على كل صعيد.. أبطاله.. زعماؤه علماؤه... ثوراته وثواره.. ابداعاته ومبدعوه.. كان عملا رائعا بحق،.. كان مفاجأة صاعقة للزميل المدير، لن انسى مشهده وهو يرغي وقد اختلط حابله بنابله وضاعت منه الكلمات وكاد يختنق, ولم أستطع كبح جماح ضخكي االمهول.. وبه انتهت علاقتي بالصحافة، و بأي هاجس دوام وتفرغت للكتابة الحرة....

    لايوجد صحفي في العالم اكثر مظلومية من الصحفي السوري... حتى البيجاما التي كان يقدمها الاتحاد في تكريمات التقاعد، تم نسيانها،وانا هنا لا أسجل نقاط شخصية، بل أعترف أن زملائي في كل مفاصل الاتحاد، يعاملونني معاملة استثنائية ملأى بالود والكياسة واللهفة، ولي عندهم جميعا مودة ومحبة لا أطمح لأكثر منها. أما أنا من ناحيتي فهم يعلمون جميعا انني لم أصرف وصفة طبية ولا ثمن نظارة أوعملية أومعاينة وهي حق تلقائي ولا شيء.. لكن ما أن اطلب قرضا على الراتب حتى يفاجئونني بمدى اللهفة واختصار القوانين وتدبير الكفلاء, ونادرا ماذهبت مرتين من اجل قرض، أنا أعرف زملائي ولست بحاجة لسماع الجمل السريعة والسقيمة عنهم وعن عملهم, أنا أدرى باوجاعهم.. أغلبيتهم الساحقة صحفيون وطنيو ن غيورون شرفاء.... زوجتي وفاء منهم وهي منذ سنة تعد برنامجا في المحافظات وسط احتملات موت سبه محقق, ومع ذلك تمضي هي وزملاءها الى عملهم بحماس لايقف أمامه شيء!!...و أثبتوا في هذه الملحمة شجاعة تشرف مهنة الصحافة،..... وتكلل جبينهم بالغار ابدا.. ان عدد الكتاب والمراسلين والمصورين الذين استشهدوا وجرحوا إناثا وذكورا، تدفع أكثر الجاحدين للانحناء أمام بسالتهم ووطنيتهم.. الى جانب تميزهم المهني المفاجئ، كانوا يواجهون بحقائقهم الميدانية المباشرة آلاف المحطات ومواقع التواصل والاذاعات والصحف وبلحمهم الحي!!....

    أيها الزملاء الشجعان لاتلتفتوا لأحد... كنتم في هذه الملحمة التاريخية... ملحمة اعلامية بكل ماتحمله الكلمة... و أي كلام تسمعونه غير ذلك القوا به في سلة مهملاتكم... هذا عيدكم.. يومكم... فرصة لأرفع لكم التحية،... لأحيي شجاعتكم المذهلة التي شرفتنا جميعا......

    September 2019
    Su Mo Tu We Th Fr Sa
    1 2 3 4 5 6 7
    8 9 10 11 12 13 14
    15 16 17 18 19 20 21
    22 23 24 25 26 27 28
    29 30 1 2 3 4 5

    شارك برأيك

    مارأيك بالهدنة؟
    عدد الزيارات
    8148426

    Please publish modules in offcanvas position.