nge.gif

    يحيى زيدو: إلى الجنون.. سِرْ

    الجنون ظاهرة يمتزج فيها الخيال بالواقع، و قد تكرّست عبر التاريخ في، الأدب و الفن، صورة نمطيّة عن شخصية ”المجنون“ المناقضة لشخصيّة ”العاقل“ كما أ يحيى زيدوكرّستها مؤسسات السلطة المجتمعية معرفياً، و دينياً، و اجتماعياً.
    ففي الثقافة العربية تم الربط بين دراسة الفلسفة و بين الجنون، و هذا الربط يعكس، في أحد وجوهه، الصراع بين ثقافة ”النقل“ التي يقوم عليها الفكر الديني، و بين ثقافة ”العقل“ أو ”الفكر النقدي“ الذي يشكِّل أساس الفكر الفلسفي.
    و لما كان الشخص ”العارف” أو ”المتدين“ بحسب "الفكر الديني“ هو الذي يتمتع بالعقل، و هو الذي يحق له العمل في الحقل الديني، فإن النقيض له هو ”المجنون“ الذي لا يحق له الدخول إلى هذا الحقل المقدّس. و من هنا أصبح كل من يعمل في حقل المعرفة اللادينية، كافراً أو زنديقاً، أو مجنوناً. وقد قام الفيلسوف الفرنسي ”ميشيل فوكو“ بدراسة موسوعية حول الجنون في كتابيه (تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي) و (الجنون و الحضارة).
    لقد اعتبر ”فوكو“ أن الجنون ظاهرة ثقافية، و ليس إلهاماً شيطانياً أو عقوبة إلهية، فمؤسسات المجتمع هي التي قامت بتنميط صورة المجنون بالاستناد إلى معاييرها في المعرفة و في التحضّر، و ربطت بين المعرفة التي يقدّرها و يحترمها المجتمع، فيما ربطت بين الجنون و ظواهر الشذوذ و العطالة الاجتماعية و المعرفية المرذولة من قبل المجتمع و مؤسساته.
    و قد أسهمت الأعمال الأدبية و الفنية في عصر النهضة الأوروبي في تكريس تلك الصورة النمطية المرذولة للمجنون، و التي تكرّست في ”سفينة الحمقى“ التي كانت السلطات تنقل فيها من تعتبرهم مجانين و حمقى إلى الأماكن البعيدة في الجزر المعزولة، أو إلى المصحّات لتخليص المجتمع منهم.
    و في مرحلةٍ لاحقة تم الربط بين العبقرية و الجنون.
    و في الحقيقة أن العبقرية في الفن و الأدب بشكل خاص، و في باقي حقول المعرفة بشكل عام لا يمكن أن تصدر عن أشخاص أسوياء يتشابهون مع الشخصيات السوية من الناحية النفسية و الاجتماعية وفق مفهوم ”الشخص السوي“ في المجتمع و الدين؛ لأن الإبداع لا بد من أن تتوفر له مساحة من الانحراف(أو الميل) عن الشخصية السوية لتفصح عن مكنونات ما تختزن من إبداع يتم التعبير عنه بحرية، و كل إبداع هو في النهاية حرية.
    إن ”الجنون“، في جوهره، هو شكل من أشكال الإحتجاج على السائد و المألوف في المجتمع، في الفكر، و السياسة، و الدين،و الشعر، و الأدب، و الفن، و باقي الأنساق المعرفية و الجمالية الأخرى.
    و لعل المقارنة بين المتسوّل الذي يعرف حاجته و يعرف كيف يطلبها أو يعبِّر عنها، و بين المجنون الذي قد لا يعبِّر عما يريد و لذلك لا يطلب، قد تفصح عن الجانب الإيجابي لشخصية المجنون. فالمتسوّل يحتاج دائماً إلى آخر ليطلب منه. أما المجنون فهو شخص متمرد على السائد و المألوف، و لذا فهو لا يحتاج إلى أحد كي يطلب منه، لأنه في الأساس لا يجد حاجته عند أي أحد.
    إن الجنون صرخة حرية..أوأنه الحرية الوحيدة التي لا تحتاج إلى أحد، فالمجنون هو الحر المبدع المستقل بحق قولاً و فعلاً.
    و إذا ما أخرجنا مفهوم الجنون من حقل علم النفس، و أبقينا على الجانب المتعلق بالمظاهر الثقافية و الإبداعية للجنون، فسنرى أن لكل الحضارات مجانينها الذين أبدعوا و ارتقوا بتلك الحضارات بدرجات متفاوتة. أما الحضارات التي نفت الجنون و عزلت المجنون، و سفّهت العاقل أو الشخص الذي أَعمَلَ عقله في أي نسق معرفي، و خاصة في الدين أو السياسة، فهي ما زالت ثقافات ماضوية لم تستطع أن تتجاوز أسوار الماضي، ثقافات تجترُّ مقولاتها المنقولة عن الأقدم فالأقدم دون تدقيق أو نقد أو قراءة منهجية.. و هي ما تزال ثقافات تعتمد الدين فقط، و ”الدين هو عقل مجتمع لا عقل له“، كما يقول فرانسيس بيكون.
    أما الثقافات التي أخرجت الجنون من حظيرة الدين، و علم النفس، و تعاملت معه بوعي باعتباره ممارسة حرة، أو حرية لا تحتاج إلى آخر لتكون حاضرة، فهي ثقافات ما تزال تتجدد باستمرار بالأفعال و الأعمال الإبداعية للإنسان فيها، من خلال المبدعين من الأدباء و العلماء و الفنانين الذين ينتمون إليها، و يشكلون رموزها الوطنية والأخلاقية و الجمالية.
    طوبى لجنونٍ يحررنا.. طوبى لجنون يستطيع أن يهدم المثل الأعلى دائماً ليبني مكانه مثلاً أعلى و أرقى منه في كل مرة.

    September 2019
    Su Mo Tu We Th Fr Sa
    1 2 3 4 5 6 7
    8 9 10 11 12 13 14
    15 16 17 18 19 20 21
    22 23 24 25 26 27 28
    29 30 1 2 3 4 5

    شارك برأيك

    مارأيك بالهدنة؟
    عدد الزيارات
    8148307

    Please publish modules in offcanvas position.