nge.gif

    د. بهجت سليمان يردّ على د. نبيل فياض و جورج برشيني.. 3من4

    أ بهجت سليمان2■ الحلقة الثالثة ■

    ( 3 من 4 )

    ● في الرد على كتاب ( بحث ) بعنوان ( البحث عن محمد التاريخي ) للدكتور ( نبيل فياض ) و ( حورج برشيني ) :

    [ النّبيّ محمّد العربيّ ، رسول " الإسلام" إلى العالَم ]

    [ الرّواية التّاريخيّة الثّابتةُ ، في مقابل إساءاتِ غُلاةُ " العَلمانيّة " الدَّعيين ..
    و إستعادةُ الثّوابت و البديهيّات ، إنقاذاً للحقيقة من مخالب " الدَّجَاجَات " المسعورات.. ]

    ● د . بهجت سليمان

    وقد استدل الدكتور Lawrence على ما يقول بالأدلة التالية :

    1 - الفحص الكربوني ل اللفائف ، حيث قامت وكالة (.ناسا ) الفضائية بأخذ ثمانية قطع من اللفائف إلى مختبرات ( زيورخ ) لتتعرف على تاريخها من خلال فحص الكربون ، وقد كانت نتيجة هذا الفحص أن ست قطع منها تعود إلى ما قبل ميلاد المسيح ، وقطعتين لم يستطع الفحص أن يؤكد تاريخهما .

    2- إن اللفائف لم تذكر ( عيسى ) ، ولم تذكر المسيحية التي نراها اليوم ، فمسيحية اليوم ديانة مسالمة ، بينما اللفائف تتحدث عن حركة محاربة.

    وقد رد الأستاذ الدكتور Robert Eisenman على الأستاذ Lawrance، و قال:

    1 - إن الفحص الكربوني لمعرفة تاريخ اللفائف هو فحص غير دقيق ، ولهذا فإن الفحص بهذه الطريفة لم يستطع أن يعطي تاريخ وثيقة دمشق '' Damascus Document '' ولا تاريخCommunity Rule ، ولم يعط أيضاً تاريخ الوثائق المعروفة باسم: "MMT " وبجانب ذلك ، فإن من المعلوم أن فحص الكربون لا يعطي نتيجة دقيقة ، ولهذا فلا بد من إعطاء مجال لاحتمال الخطأ من خمسين إلى مائة سنة ، فبعد ذلك تكون النتيجة صحيحة وهي أن اللفائف جاءت بعد الميلاد

    2 - إن صورة عيسى في الأناجيل تختلف عن صورته في لفائف البحر الميت ، فاللفائف تعطي الصورة الحقيقية لما حدث في القرنين الأول قبل الميلاد ، والأول بعد الميلاد ، وإذا قارنا بين محتويات " لفائف قمران " مع محتويات الأناجيل ، نجد أن الأناجيل ليست تاريخاً، ولكنها شيء آخر ، فهي نوع من الرومانسيات اليونانية . ومهما يكن عيسى فلم يكن كالصورة التي وجدناها في الأناجيل ، و لكنْ أقرب بكثير للصورة التي جاءت في لفائف قمران.
    وصحيح أن المسيحية التي نراها اليوم هي مسيحية سلام ، بينما ما ورد في لفائف قمران فإنها تتحدث عن حركة مسيحانية في فلسطين مسلحة تدعو إلى الحرب ضد الشر الذي على الأرض، وهذا يتناقض كلياً مع الصورة التي أمامنا عن المسيحية.
    و بعد ذلك رد الدكتور Lawrence بغضب وبصوت مرتفع أمام الحضور بقوله :
    " هذا يعني أنك تنطلق من منطلقات إسلامية ، فأنت إذن مسلم ؟ " ..
    فرد عليه بغيظ و قال له : " نعم أنا مسلم "..؟

    35 حتّى الآن ، أصبح يمكننا أن ندحضَ ما يتبنّاه ( د . نبيل فياض ) من أنّ "الدّعوة المحمّديّة" هي دعوة للقتل و الجهاد و العنف . فعيسى هو "عيسى" المسيح، على غير ما يدّعي ( د . نبيل فياض ) من ترّهات ، و هو نفسه ( عيسى ، المسيح ) الذي جاء ثابتاً في "لفائف قمران" التي أشبعت فحصاً إشعاعيّاً كربونيّاً ، من قبل أكبر الهيئات العلميّة العالميّة المعترف بريادتها ( NASA - على سبيل المثال ) فعاد عمرها، في غالبيّتها، إلى "القرن الأوّل قبل الميلاد".
    ولقد كان قول المسؤولين عن المخطوطات مكرركثيراً بأن الشخصية المحورية التي قامت عليها المخطوطات ( معلم الحق والصلاح ) كانت قبل الميلاد [ انظر "إنجيل قمران" ص( ٣٠ ) ] ، وكان لهذا القول تأثير قوي جداً لإبعاد أي محاولات لإثبات أن هذه الشخصية هي بعينها المسيح عيسي بن مريم ، لأنّ ذلك الإثبات سيهدم العقيدة الدينية و السياسية لكيان "دولة إسرائيل" و "دولة الفاتيكان" و ما يتبعهما من تداعيات علي اليهود والمسيحيين في العالم أجمع.
    فشخصية "معلّم الحقّ والصّلاح" تمثل محور "المخطوطات" و قاعدة و هيكل البناء كله ، و ماعدا ذلك مجرد تفاصيل داخلية و كماليات لهذا الصرح الذي يمثل هذه الطائفة.
    و لذا نجد في أقوال الكثير من هؤلاء المسؤولين عن المخطوطات تأكيدهم المتواصل بأن " مُعلّم الحقّ و الصّلاح " كان تاريخ ظهوره " قبل الميلاد بقرن أو بقرنيين ".. من الزمان ؛ أو أنه يمثّل أوّل مُعلّم لهذه الطائفة عند بداية ظهورها قبل الميلاد بمائتيّ عام، في حين أن قانون الطائفة نفسها الموجود بهذه "المخطوطات" يبين أن "مُعلّم الحقّ و الصّلاح" هو آخر معلمي هذه "الطائفة".
    و هذا ، بالتّأكيد ، لا يعني أنّ "المسيح" قد ولد قبل "المسيح"؟ ، و لا هو سابق لذاته أو لاحقٌ لذاته..، كلّا؟ و إنّما يعني ، ببساطة ، أنّ الأناجيل "الأربعة" المعروفة، أو المعترف بها من قبل الكنائس العالميّة المعاصرة ( إنجيل متى - إنجيل مرقس - إنجيل لوقا - إنجيل يوحنا ) أو تلك ، غير المعترف لها ( إنجيل توما - إنجيل الحقّ - إنجيل فيليبس - إنجيل مريم المجدليّة - إنجيل يهوذا - إنجيل السّبعين - إنجيل الإثني عشر - إنجيل العوالم الأربعة السّماويّة - إنجيل الحسن - إنجيل حوّاء - إنجيل النّاصريين - إنجيل برنابا.. إلخ ، إلخ ؛ و غيرها كُثُر ).. إنّما هي جميعها "أناجيل" من قبيل ما يُصنّف من ضمن "الأدب الدّينيّ" الذي يستهوي أصحابه لكتابة وجهة نظرهم عن الخلق و الحياة و الموت ، و لو باستيحاءات كيفيّة من "النّصّ" الأصليّ، إذا وجد؛
    مع أنّنا ، نحن ، نميل إلى أنّ جميع "المدوّنات" الإنسانيّة في الأديان أو للأديان ، إن هي إلّا مدوّنات بشريّة لتعاليم إلهيّة تفاوتت بين دقّة نقلها و الحفاظ عليها بعد تدوينها للمرّة الأولى بالوحي..، مع الاستعمال و السّياسة و التّطبيق و الأدلجة و اختلاط المَلَكيّة الزّمنيّة بالنّبوّة الإلهيّة ذات المرجعيّة الدّينيّة الثّابتة، الّلاحقة مع التّاريخ.
    و هكذا، فإنّه "صحيح أن المسيحية التي نراها اليوم هي مسيحية سلام".. بينما ما ورد في لفائف قمران من "مسيحيّة"، فإنها تتحدث عن "حركة مسيحانيّة في فلسطين مُسلّحة تدعو إلى الحرب ضد الشّرّ الذي على الأرض"، وهذا يتناقض كلياً مع الصورة التي أمامنا عن المسيحيّة.
    و نحن عندما نتأمّل واقع "الجهاديّة" الأولى في الإسلام الأوّل ، فإنّه من البلاهة و الحمق أن نطبّق عليها معايير اليوم حول "حقوق الإنسان" المزيّفة ؛ و حسبنا أن ندرك أن حضارتنا التي نعيشها ، هذه ، إنّما كانت في طور تأسيسيّ إلهيّ و إنسانيّ و أخلاقيّ ما ، في الأزمنة " موضوع بحثنا ، هنا "..
    فكان لا بدّ من تحديد عوامل وقاية الخير من الشّر و العدالة من الظّلم و العقل من الجهل، بحيث يكون "الجهاد" دفاعاً عن "حقيقة الحقّ" المبثوثة في الأنفاس و الأنفس الزّكيّة، و هي على غير ما هي عليه من مفهوم الجهاد "الدّاعشيّ" الذي يعمل ( د . نبيل فيّاض ) على خلطه التّعسّفيّ ، الولّاديّ ، بالجهاد المسيحيّ الأوّل و الجهاد الإسلاميّ الأوّل ، و الذي تولّى كلّاً منهما ثلّةٌ من صُفوة المؤمنين المُختارين.

    36 في الترجمة العربية للدّكتور ( سهيل زكّار ) بالطبعة الأولى [ راجع: النّصوص الكاملة لمخطوطات البحر الميّت - غيزا فيرم ] ، نجد في قانون "الطّائفة" بياناً للقواعد التي يجب أن يسير عليها " معلم الصلاح ":

    " يجب أن تنسق كل معارفه المكتشفه خلال العصور و يقوّمها مع مبادئ عصره .... عليه أن يخفي تعاليم الشريعة عن رجال الكذب ، و لكن عليه أن يفضي بالمعرفة الصحيحة و الحكم و العدل لأولئك الذين اختاروا الطّريق القويم ؛ و عليه أن يرشدهم إلى كلّ المعارف حسب روح كل منهم و طبقاً لقوانيين العصر "....[ قانون الطائفة ] ..

    " إنّ هذه المواد القانونية عندهم تعني بلا شك أن شخصيّة "مُعلّم الحقّ و الصّلاح" هي الشخصية الأخيرة التي بعثت من عند الله لبني إسرائيل ، لأنّه سيقوم بتعديل و تقويم الشّريعة و المعارف الدّينية لأبناء جيله و طبقاً لمبادئ عصره ، و هذا سلوك إيمانيّ سليم ، فكلّ نبيّ سيأتي بوحي من عند الله يعدّل به التفاسير الخاطئة و التعاليم الدّخيلة على الشّريعة التي أحدثها أحبار بني إسرائيل بالتحريف و التأويلة، و هذا بالتالي يعني أن الشّخصية المحورية لشريعة و قوانيين الطّائفة هي شخصية أخر نبيّ من أنبياء بني إسرائيل، و هذا سيكون بلا شكّ و بلا إختلاف "المسيح" ( عيسى بن مريم ).

    ● خامساً - وقائع تاريخيّة :

    37 لقد أصبحنا، الآن، و أصبح العالم، أمام ثلاث شخصيات عن "المسيح" بثلاث قصص و روايات مختلفة :

    أ - " المسيح التاريخي"، و هو يمثل قصّة "المسيح" من حيث الآثار التاريخية الوضعيّة و التّوافقيّة البحتة و "المخطوطات" الأدبيّة و روايات المؤرّخين.

    ب - " المسيح الإيماني، الخيالي"، و هو الذي يمثل الدّيانة المسيحية الآن بعناصرها الأساسيّة في الإله المتجسد ، و "إبن الله"(؟)؛ و قضية الصّلب "المشكوك فيها حتّى حسب الأناجيل الحاليّة" الأربعة المتّفق عليها، و "رؤيا بولس" المتكررة التي يشي فيها بتلقي أوامر و وحي من المسيح الإله، و التي أصبحت هي صلب الدّيانة المسيحية من بعده حتى الأن.

    ج - " المسيح القرآني"، و يمثل قصّة "المسيح" و "إنجيله" كما جاء في "الوصف القرآني" و "الأحاديث النّبويّة الصّحيحة"؛ و هذه، بالطبع، يتم إستبعادها على المستوى المسيحيّ العالَميّ و كذلك تستبعد من قبل القائمين علي هذه المخطوطات من يهود و مسيحييين و مَن يدور في فلكهم على خوف و جبن و تبويق ، من "عَلمانيين" عرب و سوريّين.

    38 إنّ قصة أهل الكهف هي سبب تأسيس هذه الطائفة " الإسينية " ( المؤمنة الأولى بالكتب السّماويّة، و الهاربة المتخفيّة من بطش "الرّومان" ) ، و جزء منها.

    " إنّ هذه المخطوطات تم كتابة و تدوين و تعديل معظمها وقت ظهورالمسيح عليه السلام. فنصوص مخطوطات قمران تم نسخها بعدد كبير خلال القرن الأول للميلاد، و بعدد أقل خلال القرنين السابقين للميلاد..

    [ مقدمة كتاب مخطوطات البحر الميت لموسي ديب خوري تحت عنوان من هم أصحاب قمران ].

    " و لسياق مواضيع المخطوطات دور بارز في تحديد تاريخها ؛ و عموماً فالمخطوطات هي لطائفة مهاجرة من اليهود إستقرت في كهوف و وديان خارج مدن فلسطين علي حافة البحر الميت بمنطقة قمران المهجورة بضواحي الضفة الغربية ؛ وذلك من قبل ميلاد المسيح بن مريم بمائتيّ عام تقريباً.

    " و قد أقامت هذه الطائفة مجتمعاً مستقلاً أصبح يمثل مستعمرة لها حاكمٌ و قوانينٌ و نظامٌ دينيّ صارم مع مثالية في التعايش و المعاملة و الأخلاق، و إنْ كانت نهاية هذه الطّائفة و جيلها الأخير قد تأكّد أنّه بعد نهاية عصر المسيح عليه السلام بأربعين عام.

    " إلّا أنّ بداية نشأتهم قد احتار فيها الباحثون الأجانب من يهود و مسيحيين و غيرهم، فصعب عليهم معرفة كيفية و سبب نشوء هذه الطائفة، و لم يصلوا لشيء في ذلك، و لكنّ غالب الظنّ أنّ بداية نشوء هذه الطائفة و تكوينها كانت بسبب اقتدائهم بفتية أهل الكهف التي حكى قصتهم "القرأن الكريم".

    " و سنوضح ذلك بعدة أدلّة تبيّن أنّ أهل الكهف كانوا من اليهود المتقين الصالحين من قبل بعثة المسيح بن مريم بقرنين من الزّمان تقريباً".

    [ راجع : إنجيل قمران البحر الميّت ].

    39 "إنّ "أهل الكهف" من اليهود و ليسوا من النّصارى كما أشاع البعض. فالسائل لرسول الله عن أهل الكهف كان يهودياً، ممّا يبيّن أنّ القصة يهودية و معروفة لأجدادهم و من تراثهم الدّيني المُتداول بينهم، و ليست قصة نصرانية كما تَصوّر البعض؛ فلقد كان سؤال اليهود لرسول الله عن "أهل الكهف" و "ذي القرنين" و "الروح"، كما روت الأحاديث النبوية و "إبن إسحاق" في سيرته، و كان ذلك منهم للتأكد من صدق نبوّته كما طلب المشركون منهم.
    و السؤال ، كيف يتصور البعض أن "أهل الكهف" كانوا من النّصارى مع أنّ اليهود لم يهتموا أبداً بمعجزات النصارى، و لم يدعوا لها و يعملوا على نشرها و إذاعتها، و ذلك لشدة العداوة و البغضاء بينهم و بين النصارى، بالإضافة لكفرهم بالنّصرانيّة أصلاً و رسولها المسيح عليه السلام و إتهامهم له بالسحر و الكذب و سبّهم له و لمريم عليهما السلام..
    فكيف سيقومون بعد ذلك بنشر النّصرانية و ذلك بنسب هذه المعجزة العظيمة العجيبة لفتية من "النّصارى" قد أظهرتهم القصة في مقام "القدّيسين" و أولياء الله صالحين.

    " إنّ هذا بالطبع يستحيل أن يقوم به اليهود، و بهذا يسقط الادّعاء الشّائع بأنّ أهل الكهف كانوا من النصارى، و يستحيل كذلك أن يكون أهل الكهف من اليهود خلال القرون الميلادية الأولى، و ذلك لأنهم كيف يكونوا بهذا الصلاح و التّقوى، و يحكي الله قصتهم و هم كافرون بالمسيح عليه السلام و هم ليسوا على دينه كنصارى مؤمنين؟ و لذلك فلا بدّ أنْ يكون أهل الكهف من اليهود الصالحين على مِلّة اليهوديّة قبل مولد المسيح و ظهور رسالته".

    [ المصدر الأخير ].

    ● سادساً - محمد النّبيّ ، الرّسول العربيّ ، واقعة دمغت عقل التّاريخ ، ينكرها ( د .نبيل فيّاض) و زبانيته :

    40 قال ( يحيى بن أبي زائدة ) بإسناد صحيح عن ( داود بن أبي هند ) عن ( عكرمة ) عن ( إبن عباس )، قال :

    " قالت قريشُ لليهود : أعطونا شيئا نسأل عنه هذا الرجل [ و المقصود ( محمد النّبيّ العربيّ ، الرّسول ]. فقالوا : سلوه عن الروح . فنزلت آية : " و يسألونك عن الرّوح قلِ الرّوحُ مِن أمر ربّي و ما أوتيتم من العِلْم إلّا قليلا ( الإسراء: ٨٥ ).

    " قالوا : أنحن لم نؤت من العلم إلا قليلا ؟ و قد أوتينا "التوراة" فيها حكم الله ، و من أوتي "التوراة" فقد أوتي خيرا كثيرا.

    " قال: فنزلت: " قل لو كان البحر مِداداً لكلماتِ ربّي.." [ الآية ]. ( الكهف: ١٠٩ ).

    41 بالعودة إلى "إنجيل قمران البحر الميّت" نقرأ:
    " قال يونس ، عن إبن إسحاق ، [ و ( إبن إسحاق ) ، لمن لا يعلم ، هو كاتب السّيرة المحمّديّة ] قال:

    ".حدثني رجل من أهل مكة ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنّ مشركي قريش ، بعثوا النّضر بن الحارث ، وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار اليهود بالمدينة ، و قالوا لهم :
    سَلُوهم عن محمد، و صِفوا لهم صفته وأخبروهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول، و عندهم علم ما ليس عندنا. فقدما المدينة، فسألوا أحبار اليهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، و وصفوا لهم أمره ببعض قوله فقالت لهم أحبار اليهود : سلوه عن ثلاث نأمركم بهنّ، فإن أخبركم بهنّ فهو نبيّ مُرسَل. سَلُوهُ عن فتيةٍ ذهبوا في الدّهر الأول، ما كان من أمرهم، فإنّه كان لهم حديث عجبٌ و سَلُوهُ عن رجل طوّاف بلغ مشارق الأرض و مغاربها، و ما كان نبؤه، و سلوه عن الرّوح ما هو. فقدما مكة فقالا: "يا معشرَ قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم و بين محمد، قد أمرنا أحبارٌ يهودٌ أنْ نسأله عن أمور؛ فجاءوا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا: يا محمد أخبرنا، وسألوه، فقال: "أخبركم غدا"، و لم يستثنِ فانصرفوا عنه. فمكث خمس عشرة ليلة لا يُحدث الله إليه في ذلك وحياً ، و لم يأته (جبريل)، حتى أرجف أهل مكة، و قالوا: وعدنا غداً واليومَ خمسةُ عشر. و أحزن رسول الله صلى الله عليه و سلم مَكْثُ الوحي؛ ثم جاءه (جبريل) بسورة "أصحاب الكهف"، فيها معاتبتُه إيّاه على حزنه، و خبَرُ الفتية والرّجل الطّوّاف؛ و قال: "و يسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي" ( الإسراء ٨٥ ).

    42 لا يكفي أن لا يكتب "المعاصرون" للظّاهرة أو الواقعة حتّى يكون هذا دليلاً على إنكارها و إعدامها؛ و لعلّ المسائل الكبرى في حياة البشريّة، لا يُكتبُ لها أن تُكتبَ إلّا بعد زوال الصّدمة الدّنيويّة التي تحدثها في الخلق.
    و كذا كان من أمر محمّد النّبيّ ، الرّسول. و أن يكتب ( إبن إسحاق ) و هو اليهوديّ- المسيحيّ "السّيرة المحمّديّة" في القرن المحمّديّ الأوّل، لدليل قاطع، بإطلاق، على أنّه لم يكتب سيرة محمّد إلّا بعد أن أذنت له الظّروف التي لا تُحصى من تخلّصه و جماعته من الشّكّ الذي يُلازم غير المطبوعة قلوبهم على الإيمان؛ و لا غُروَ فأن يكتب ( إبن إسحاق ) "سيرة محمّد"، ففيه أكبر دليل على معاصرته آثار نبوّة محمّد و رسالته على ملأِ العالمين.
    و لا يُضيف "تصديق" ( د . نبيل فيّاض ) بمحمّد النّبيّ العربيّ و الرّسول إلى العالمين، أيّ تأكيدٍ أو مصادقة على حقيقة محمد من عكسها، و لربّما أجدى العكس : فأن يؤمن ( د . نبيل فيّاض) و أمثاله من هؤلاء.. بمحمّد، فهذا لا يضيف شيئا ، وبقاؤه كما هو ، لا يحسم ولا ينقص شيئا.

    ● سابعاً - عدد سنيين مكوث أهل الكهف مذكور بمخطوطات طائفة قمران :

    43 جاء في "إنجيل قمران البحر الميّت"، ما يلي:

    " إنّ سياق قصّة أهل الكهف بالقرأن الكريم تبيّن أنّ البداية كانت بذهاب الفتية إلي الكهف عند فساد قومهم
    { وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقاً } (.الكهف: ١٦ ).

    " فضرب الله سبحانه علي أذانهم، و كانت نهاية القصّة عند بداية صلاح قومهم، و يتضح ذلك بذكرهم ربّهم وحدَه ( قالوا ربهم أعلم بهم ) ( الكهف: ٢١ ) و لم يذكروا غيره سبحانه من آلهة كانوا يعبدونها أسلافهم كما ذكرتْ آية اعتزالهم ".

    " و كان بين بداية القصة و نهايتها مدة زمنية مقدرة بقول الله سبحانه: { وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً } ( الكهف: ٢٥ ).

    ولكن أي تسع التي بعد الثلاثة مائة؟
    فهي إما تسع أحاد فيصير العدد هو (٣٠٩).
    أو تسع عشرات فيصير العدد هو (٣٩٠).

    " و هنا يتضح أن عدد سنيين لبوثهم بالكهف في ما بعد الثلاتة مائة غير محكم و غيرمفصل، شانه شأن عدد الفتية . ولذا عقّب الله سبحانه بنفس معنى التّعقيب المباشر لعدد الفتية، فلم يقطع سبحانه ببيانه فقال: ( قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ) ( الكهف: ٢٦ ).

    " و مادام الأمر يحتمل التأويل نقول أنه إذا كانت الثلاث من المئات فلا ريب أنّ الأولويّة في التنازل هي للعشرات، فالسّياق و القرائن تمنع الانصراف إلي الآحاد و ترك العشرات وفق أنظمة البيان و أنظمة الحساب التي استعملها العرب في التنقل بين النظام العشري و المئوي، فالأولوية عندما ننزل من خانة المئات نمرّ بالعشرات و لا نقفز إلى الأحاد ما لم يكن الأمر مفصلاً بشكل أخر؛ و بالتالي تكون المدّة الزّمنية لمكوث أهل الكهف هي ثلاثمائة و تسعون عاماً، أو أنّ الرّاجح هو التعبير الإسرائيليّ العبري القديم الذي يرمز للعشرات بلفظ الآحاد كما هو مشهور بكتبهم؛ فالأسبوع يعني السبعين.

    44 إنّ تأكيد "القرآن" على وقائع غابرة و تحديدها كما جاءت في نصوصها الأمّ القديمة السّابقة على القرآن، من غير تواصل في أو اتّصال في المعلومات أو بالمعلومات بين السّابقين و الّلاحقين، ليس كمثله بالقوّة من الدّليل على أنّ أصول الكتب السّماوية "الحقيقيّة" و غير المزوّرة أو غير المُؤلّفة بقيلٍ عن قال، كما حصل بالنّسبةِ إلى "التّوراة" و "الإنجيل" المُشتَهَرَين، دون "القرآن الكريم"، إنّما هو الدّليل "المُطلق" على وحدة منبع و أصل الكتب السّماويّة و قدسيّة تلك الكتب، و على مصدرها الإلهيّ العظيم.

    ● ثامناً - "الإسلام" هو إسم الدين بالكتاب المقدس قديماً و حديثاً :

    45 عند البحث بين ثنايا نصوص الأصول الآرامية و السريانية عن إسم "الدين" الذى جاء به كليم الله (موسى) و إسم "الدين" الذى جاء به "روح الله عيسى ابن مريم"، بل و حتّى عندما نبحث كذلك في "كتبهم المقدسة" الحالية، و على الرّغم من تحريفها، فإنّنا واجدون فيها بعضاً من "الصحيح".
    إنَّ أوّل شىء فى التعرُّف على الأديان - إن كانت هناك "أديانٌ" بصيغة الجمع - هو التّعرُّض لإسم "الدين" قبل الكلام عن تعاليمه؛ فالدّين الإسلاميّ مذكور إسمه فى "القرآن" و في أحاديث نبيّ الإسلام ..
    و ممّا كُتب كثيراً، صار مألوفاً ، حول كلمة "الدّين" العربية.
    ففي المعاجم اللغوية أنّ كلمة "الدّين" عند العرب تشير إلى علاقة بين طرفين يعظّم أحدهما الآخر و يخضع له؛ فإذا وُصِف بها الطّرف الثّاني كانت خضوعاً و انقياداً؛ و إنْ وُصِف بها الطّرف الأوّل كانت أمراً و سلطاناً و حُكماً و إلزاماً؛ و إذا نظر بها إلى الرّباط الجامع بين الطرفين كانت هى "الدّستور" المنظِّم لتلك العلاقة أو المَظهَر الذى يُعَبّر عنها ..
    و نستطيع الآن أن نقول إنَّ "المادة" كلها تدور على معنى لزوم الانقياد".
    و "يوم الدّين" هو "يوم القيامة" الذي يُعبّر على اكتمال النّهوض العقليّ البشريّ و الاشتمال و الشّمول في وضوح "الحقيقة" الإلهيّة، و البيان الأخير المطلق لعلاقة العبد بالمعبود.

    و على هذا المعنى نجد الإسلام فى لغة القرآن ليس إسماً لدين خاص، و إنما هو إسم للدّين المُشترك الذي هتف به كلّ الأنبياء و انتسب إليه كل أتباعهم .

    فنوح قال "وأُمِرْتُ أن أكونَ مِن المسلمين".

    و يعقوب يوصي بنيه بقوله: "فلا تموتُنّ إلّا و أنتم مسلمون" (البقرة: ١٣٢).

    و أبناء يعقوب يجيبون أباهم : "نعبد إلهك و إله آبائك إبراهيم و إسماعيل و إسحاق إلهاً واحداً و نحن له مسلمون" (البقرة: ١٣٣).

    و هذا يوسف يدعو الله قائلا: "أنت وليّي فى الدّنيا و الآخرة توفّني مُسلِماً" (يوسف: ١٠١) و (يونس: ٨٤).

    و موسى يقول لقومه: "يا قومِ إنْ كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين" ..

    و هذا النبىّ الملك الإسرائيلى سليمان يقول لملكة سبأ و قومها: " ألّا تعلوا عليَّ و أتُوني مُسلمين" (النّمل: ٣١).

    وها هم الحواريّون يقولون لعيسى: "آمنا بالله و اشْهَدْ بأنّا مسلمون" (آل عمران: ٥٢).

    كما أنَّ هناك أيضا فريقاً مِن أهل الكتاب قالوا حين سمعوا القرآن: "آمَنّا بِهِ إنّه الحَقّ مِنْ ربّنَا إنّا كُنّا مِن قبْلِهِ مسلمين" (القصص: ٥٣).

    و حتّى ( فِرعَون ) قال حين أشرف على الغرق : "قال آمنتُ أنَّهُ لا إلهَ إلّا الذي آمنَتْ بِهِ بنوا إسرائيل و أنا مِن المسلمين" ( يونس: ٩٠ ) ؛ فبيَّن أنَّ بني إسرائيل كانوا مسلمين.

    فالإسلام صيغة شعار عام يدور فى "القرآن" على ألسنة الأنبياء و أتباعهم منذ القديم...

    فالإسلام هو الدّين الجامع المشترك لجميع الأنبياء و المرسلين، و هذا الدّين لا يقارن بأى أديان أخرى، فالدّين واحد و الإله واحدٌ، و إنّما "الشّريعة" التى أنزلت على خاتَم الأنبياء و المرسلين، هي التي يمكن إيجاد بعض الإختلافات بينها وبين "شرائع" الأنبياء السابقين، كشريعة موسى وشريعة عيسى ..
    إذ "الدّين" غير "الشّريعة"، فهي بالنّسبة إليه لائحة تنفيذيّة، تطبيقيّة، و حدود حرّيّات و إباحات و محرّمات و حلالات ، تأخذ بحسباناتها اختلاف الأيّام و الزّمان و المكان و تبدّل البشر و المخلوقات و الأشياء و الظّروف.

    و هكذا يُطلق إسم "الإسلام" مَجازاً على "الشريعة" التى جاء بها النبي مُحَمَّدٌ؛ و عندها، فقط، تُتاح المقارنة بين "الإسلام" المجازيّ و بين اليهوديّة والنّصرانية (أو المسيحية)، كمقارنة بين "الشرائع" التّنفيذيّة، و ليس بين "الأديان" كعلاقات بين المخلوقات و الخالق..
    " فلا توجد "أديانٌ" على التّحقيق، و إنّما هو "دين" إلهيّ واحدٌ و هو ( الإسلام )".

    و هذا ما يرفض فهمه عقل كعقل ( د . نبيل فيّاض ) و أمثاله ، حال كان العقلُ قد أحاطَ بأدمغتهم ، عندما يتخرّص بأقوال يظنّها ترهيبيّة للعالم ، فإذا بها تشكّل له فضيحة عندما يُهدّد ، محرّضاً ، بأنّ "الإسلام " دين سيعمّ العالم، في مشروعه الذي يطرحه ، على الأقلّ، في أدبيّاته ؛ غير مدرك أنّ معنى "الإسلام"، في هذا السّياق، إنّما هو معنى أن يعمّ "دين" الله خالق كلّ شيء ، العالم و الوجود.

      

    رابط الجزء الأوّل مع المقال المردود عليه:

    http://www.fenks.co/%D8%A8%D9%84%D8%A7-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/27459-%D9%86%D8%A8%D9%8A%D9%84-%D9%81%D9%8A%D8%A7%D8%B6-%D9%88-%D8%AC%D9%88%D8%B1%D8%AC-%D8%A8%D8%B1%D8%B4%D9%8A%D9%86%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AD%D8%AB-%D8%B9%D9%86-%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%8A.html      

    رابط الجزء الثاني من المقال

    http://www.fenks.co/%D8%A8%D9%84%D8%A7-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/27501-%D8%AF-%D8%A8%D9%87%D8%AC%D8%AA-%D8%B3%D9%84%D9%8A%D9%85%D8%A7%D9%86-%D9%8A%D8%B1%D8%AF%D9%91-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%AF-%D9%86%D8%A8%D9%8A%D9%84-%D9%81%D9%8A%D8%A7%D8%B6-%D9%88-%D8%AC%D9%88%D8%B1%D8%AC-%D8%A8%D8%B1%D8%B4%D9%8A%D9%86%D9%8A-2%D9%85%D9%864.html

    ●الحلقة الرابعة والأخيرة ( يوم غد الخميس)

    July 2019
    Su Mo Tu We Th Fr Sa
    30 1 2 3 4 5 6
    7 8 9 10 11 12 13
    14 15 16 17 18 19 20
    21 22 23 24 25 26 27
    28 29 30 31 1 2 3

    شارك برأيك

    مارأيك بالهدنة؟
    عدد الزيارات
    7178267

    Please publish modules in offcanvas position.