nge.gif

    العلاقة الغُنُوصِيَّةُ بين الحقيقة.. و الحقّ.. حديث الثلاثاء ح51

    أ بهجت سليمان في مكتبه[ حديث الثلاثاء " 51 " : الحلقة الحادية والخمسون ]

    [ " الحقيقة " .. و " الحقّ " ]

    [ في معايير " الحقيقة".. في " معايير الحقّ" ]

    [ العلاقة الغُنُوصِيَّةُ بين " الحقيقة " ..و " الحقّ " ] *

    ● د . بهجت سليمان

    لا ينتظرْ أحدٌ من قرّائنا شَدَّتْهُ كلماتُ هذا "العنوان" أن يجد في مندرجاته ما يجعله "حكيماً" أو فيلسوفاً و مفكّراً ، بين وَهْلَةٍ و وَهلة.
    فالحديث عن الكُبريات لا يمكن أن تختزله الكلمات و لو أنّه تَحْجُبْهُ الكلمات ؛ هذا و لو أنّ هنالكَ ما هو أقلّ من الكلمات بكثير و هو ما يستطيع عند "الطّاعة" المُلْهَمَةِ أن يفي بغاية هذا العناء ، من حيث أنّه لا يوجد في "معرفة" الإنسانيّة التي كتبها التّاريخ و ما لم يكتبْها من شفاهيّات و روايات مفتوحة .. و محكيّات ، من اشتغل في هذه "المسألة" و استمرّ ، و لو في القليل ، فكان على وفاق مع نفسه أو مع يقينه أو مع "اليقين" .
    و مع ذلك ، فإنّه ، على عادتنا في هذه "المباحث" التي نكتبها هنا ، عَوَّدْنَا أنفسَنا على المساهمة في خوض غمار أصعب المراهنات العقليّة على ما عرفنا من ذلك في قائمة أو في قوائم التّحدّيات الفكرية ، السّياسيّة ، الفلسفيّة ، التّأمّليّة ، العَقَديّة .. المحلّيّة و العالميّة المعاصِرة ..

    1 ربّما كان من أوسع الاستخدامات انتشاراً للكلمات اليوميّة ، هو ، كلمتيّ "الحقيقة" و "الحقّ" ..
    و على رغم ذلك فإنّ ذلك يكاد يكون ، أيضاً ، من أكثر الاستخدامات غموضاً و ربّما مغالطة ، إلى الدّرجة التي يُنكر فيها البعض أيّة ذاتيّة خاصّة بالحقيقة - مثلاً - إذ يقولون إنّ الحقيقة ليست شيئاً في ذاته ، و لكنّها أيّة قيمة تنسبها إرادة أو قوّة أو معرفة أو ثقافة أو أيديولوجيا أو رغبة أو مناسبة أو ظروف أخرى .. إلى حدث أو واقعة أو حالة أو حال ؛ فيما لا يُحبّذ أولئك الخوضَ كثيراً في "الحقّ" من جهة أنّه أكثر انغلاقاً على أصحاب الرّأي و التّخمين و الظّنون ..
    هذا إن لم يكن من المنتشر انتشاراً إشكاليّاً استعمال كلمة "الحقّ" في مواضع ضرورة استعمال مصطلح "القانون" ، أو العكس أيضاً .
    و على العكس ، تختلط مرامي كلمة "الحقيقة" اختلاطاً عجيباً من حيث الجوهر و الماهيّة و الطّبيعة و الدّرجة و الدّلالة و الإطار و البعد و المقاصد و الاستثمار .
    نحن لهذا نجد تنوّعاً لا يُحدّ في ما تنصرف إليه "الكلمة" ، و هي في ذلك تكاد لا تتميّز عمّا هو مقصود بكلمة "واقع" أو بكلمة "ملموس" أو "حسّيّ" .. و ما إلى هنالك من تحديدات عينيّة يراد بها التّأكيديّة أو الحصريّة لهويّة افتراضيّة للشّيء ، أو لهويّة مستقلّة له ، تنأى به عن المتشابهات .

    2 في الرّبط الفلسفيّ التّقليديّ ( المنطقيّ الصّوريّ ) ، جرى ربط "الحقيقة" ب "الحدود" و "الأحكام" و "القضايا" و "البراهين" ، بشكل جرى فيه تحديد "الحقيقة" على أنّها التّطابق ( المطابقة ) بين "المعرفة" و موضوعها ، أو "التّطابق بين العقل و الأشياء" ، أو "التّطابق بين ما في الأذهان و بين ما في الأعيان" .
    و نجد ذلك واضحاً في منطقيّات ( أرسطو ) و ( إبن سينا ) و ( توما الإكويني ) و غيرهم من هذا الطّريق .
    و ثمّة اعتراضات بالجملة ، اليوم ، على مثل هذه الاعتبارات ، بعد أن أثيرت في الفلسفات الحديثة و المعاصرة جملة من الأسئلة و التّساؤلات التي تنسف ، نهائيّاً ، تلك "البداهات" الضّمنيّة التي يقوم عليها "المنطق" الفلسفيّ الصّوريّ ، و بخاصّة بعدما وضعت "أشياء" من مثل "المطابقة" و "المعرفة" و "الموضوع" و "المحمول" و "الذّهنيّ" و "العينيّ" ، بالتّحديد ، على طاولة التّشريح الدّلاليّ الذي أظهر آفاقاً جديدة و مختلفة كلّ الاختلاف عمّا كانت قد تواضعت عليه "الفلسفة" و "المنطق" في تطورهما الأوّليّ و الوسيط ، بحيث انصرفت "الدّلالة" بالذّات إلى تأسيس علمها الخاصّ ، و كذلك فعلت "المعرفة" على الأقلّ .

    3 تبحث " الإبستمولوجيا " المعاصرة ، و على أيّ من تعريفاتها المتواشجة و الكثيرة ، على نحو مستقلّ في طبيعة "الحقيقة" ؛ و أعني بحقيقة ما إذا كانت "الحقيقة" ، ب "الذّات" ، هي من "الصّفات" أو من "الموصوفات" ، و بكلام آخر ما إذا كانت بطبيعتها من "الأشياء" أم من "القِيَم" .
    و يتوقّف على هذا الأمر أشياء كثيرة و هامّة حول "الحقيقة" سواءٌ من حيث ماهيّتها أو أصلها أو واقعيّتها أو طبيعتها أو حدودها أو معقوليّتها ، أو عقلانيّتها كذلك . و يرتبط بذلك ، من حيث الطّبيعة و الحدود ، على الأقلّ ، كون الحقيقة أمراً نسبيّاً ، أي ما إذا كان ثمّة تعدّد للحقيقة و اختلاف باختلاف الشّأن الذي تتناوله الأفكار و التّصوّرات ، و هل هو شأن وجوديّ ( وجدانيّ ) و تحليليّ ، أم أنّه شأنٌ اصطلاحيّ و تركيبيّ ، أم أنّه شأنٌ عامّ حسّيّ و مُحايد ، أم شأنٌ جوهريّ ، أم ثقافيّ و اجتماعيّ ، أم أيديولوجيّ و سياسيّ ، و أخيراً هل هو شأنٌ عاطفيّ و ذاتيّ أم أنّه ما فوق ذلك ، بالاستقلال .

    4 لا يستوقف ، عادة ، استخدام "الكلمة" انتباه المتكلّمين أو الكتّاب و المثقّفين ، فهي تُرسَلُ على غاربها في كلّ حين ؛ و لا يهمّ إن أصابت هدفها أو عبّرت عمّا تهدف إليه أو أنّها قد حقّقتْ شيئاً من "البيان" ، و هذا دأب استخدام و استعمال الكثير من "الكلمات" في فوضى الثّقافات المعاصرة و استحلالها و استباحتها من قبل الجميع .
    و هذا هو ، بالضّبط ، ما سوف يُلقي ضوءاً هامّاً على طبيعة هذه الكلمة ، من حيث أنّ ما يجلوه الاستعمال في الزّمان ربّما كان أقرب إلى حقائق الأشياء الأصليّة ، بعد أن قطعت بتجربة الاستعمال مقاطع تاريخيّة و منظومات معرفيّة و تشكيلات دلاليّة من العبث تجاهل جدواها ، إذ أنّها من إنتاج حضارة إنسانيّة لا يختلف على واقعيّتها الكثيرون .

    ● أولاً - في معايير الحقيقة :

    5 يُلاحظ ، عادة ، إنّ مفهوم "الحقيقة" هو مفهوم متغيّر و متبدّل عبر الأزمنة و الأحقاب و المراحل التّاريخيّة التي غالباً ما يُرافقها تبدّل و تغيّر في النّظرة إلى الذّات و العالم ، على اعتبار أنّ كِلَا هؤلاء هما مدارا الحقيقة الرّئيسيّان .
    و في إطار ذلك يمكننا أن نستعرض الكثير من التّفاصيل المتعلّقة بالسّطوة و الإقناع و الإلحاق إلى مفاهيم دون أخرى ، حتّى أنّنا يمكننا مقاربة "الحقيقة" من جانب آخر ، أيضاً ، و هو جانب الصّراع المباشر و غير المباشر على السّيطرة و تسويق النّصّ و الخطاب و المفاهيم و الدّلالات و الرّموز و العينيّات ، و توزيعها وفق رغبة المالكين و الحاكمين ..
    هذا و لم يعرف التّاريخ أنّ الضّعيف تمكّن من فرض رؤيته كحقيقة مقابل تلك الحقيقة التي فرضها و يفرضها الأقوياء .
    هنا نتحدّث عن "القناعات" الواسعة التي تشكّل في خامتها جذراً مفهوميّاً أو معرفيّاً على "الحقيقة" ، مع عدم استبعادنا لوجه آخر ، فلسفيّ محض ، للحقيقة و مفهومها في الواقع .
    و أمّا ما هو مؤكّد هنا فإنّني لا أقصد بالوجه الفلسفيّ للحقيقة ذلك الوجه "الشّموليّ" ، المنطقيّ ، المزيّف ، الدي توافق "الفكر" على قيمته "الإبستمولوجيّة" على أساس مفهوم "المطابقة" أو "التّطابق" المنطقيين الفلسفِيَّين الّلذين يؤطران "الإبستمولوجيا" ب "المنطق" الصّوريّ ، و هذا ما هو من سخافات تطوّر النّظرة إلى الحقيقة و تحديد طبيعتها و شموليّتها و كنهها الواقعيّ .

    6 إنّ قناعات الأفراد بحسب ما قد تكوّنت بالثّقافة الخاصّة و الشّخصيّة و الفرديّة ، هي الجزء الأعمّ من مفهوم "الحقيقة" التي تدور حولها و في سبيلها الآراء و الاختلافات و الخلافات و ربّما الصّراعات و المواقف .
    و إن كنّا نهدف إلى أن نقول إنّ "الحقيقة" منتوج و أثر فرديّان ، و هما غالباً كذلك ، فإنّ هذا لا يمنع من أن ننظر إلى "الحقيقة" المتعلّقة بعلم من العلوم أو باختصاص من الاختصاصات على أنّها هي أقلّ انتشاراً من كونها قناعات فرديّة و آراء شخصيّة ، بحيث لا يملك العامّة في هذه الأحوال الخاصّة أكثر من مجرّد آراء أو انطباعات شخصيّة قد تبعد و تقرب من "الحقيقة" المخصوصة ، تبعاً لاجتهاد و تعمّق الجهود الفرديّة و إلمام أصحابها بالعلوم المقاربة أو المجاورة لعلوم تلك "الحقائق" .
    و من أسخف ما نطالعه في فلسفة المنطق التّقليديّ ( الصّوريّ ) هو أنّ موضوع "المنطق" نفسه إنّما هو "الحقيقة" أو "الحقّ" .
    لقد صار ، اليوم ، مع الاكتشافات الكمّيّة و النّوعيّة في البيولوجيا و الفيزياء و التّقانة ، من المتعذّر ، إطلاقاً ، القول إنّ "الحقيقة" هي موضوع و مضمون "المنطق" ، ناهيك عن أنّ ذلك هو "الحقّ" ، و ذلك لأسباب كثيرة من أهمّها أنّ "المنطق" هو ، بتعريفه العامّ ، اتّساقُ الكلام و لزوم النّتائج عن الأسباب ، فيما أنّ الاشتغال ، فلسفيّاً ، بالحقيقة و الحقّ ، هو ضرب من القضايا غير الحمليّة ، بمعنى أنّها ليست علاقة ما بين موضوع و محمول ، و من ذلك أنّها ليست ، أيضاً ، "قضايا" أو "أحكام" تعليليّة أو تركيبيّة بقدر ما هي قضايا "أوّليّة" و تحليليّة .

    7 تتعلّق "الحقيقة" بالوقائع الفعليّة أكثر ما تتعلّق بأيّ ربط آخر أو روابط "منطقيّة" بين مقدّمات و نتائج ؛ إذ كثيراً ما تواجهنا حقائق ليس لها تسويغ مباشر أو محكم ، و إنّما تُرَدّ بالأصل إلى تقديرات و تخمينات لا يمكن إثباتها إلّا عن طريق اتّباع "استدلال رياضيّ مقلوب" ، و هو ذلك النّوع من "الاستدلال" الذي ينبني على التّحليل بعكس طريقة "الاستقراء" الخادعة .
    فالجريمة الموصوفة ، بوصفها حقيقة ، لا تنبني ، مثلاً ، على منطقيّة أسبابها التّركيبيّة المحيطة بها أو المؤلّفة لظروف الفعل ؛ و ليس هنالك أيّ أثر اجتماعيّ أو شخصيّ أو فرديّ يمكن أن يمنعها من أن تكون "جريمة" ، بشرط أن يكون لها ركنُها القانونيّ الذي يجعل منها "جريمة" بالتّجريم القانونيّ الوضعيّ الحصريّ المقعّد و المكتوب .
    و هي تبقى ، كجريمة ، في كلّ ظروفها ، كذلك ، و لو أحاطتها ، في بعض الأحيان ، بعض الظّروف المخفّفة أو المشدّدة أو المُحلّة من التّجريم ، مع أنّها في هذه الحالة الأخيرة يسقط عنها الوصف الجرميّ الوضعيّ ، من دون أن تسقط وصفيّاً ، كجريمة ، من وجهة نظر الهيئة العرفيّة ( الاجتماعيّة ) أو قواعد العدالة أو الأخلاق الطّبيعيّة أو الحساسيّة العامّة .

    8 كان ( كانط ) من أكبر المحاججين ضدّ عقلانيّة القرن الثّامن عشر ، حيث "حسم" أمر أنّ "العقل" لا يمكنه الوصول إلى معرفة حقيقة الأشياء بذاتها ، و إنّما أقصى ما يمكنه في ذلك هو أن يبقى على مستوى معرفة سطحيّة الأشياء الخارجيّة . نافح ( كانط ) ضدّ وثوقيّة "الأنوار" التي كانت تحضّ على ، و حسب ، "استخدام العقل" . رفض مقولة "تشجّع لتعلم؟" و في السّياق كان ضدّ المبدأ التّنويريّ العقلانيّ القائل " فلتكن لديك الشّجاعة لاستخدام عقلك الخاصّ".
    و على رغم ذلك ، و على رغم "لا أدريّة" ( كانط ) ، فإنّه كان ضدّ مبدأ "الوصاية" على "العقل" ، و بخاصّة منها تلك "الوصاية الدّينيّة" .
    يمكننا من خلال ما تقدّم أن ندركَ حالة تعقّد و تعقيد "الحقيقة" ، و تجشّم عناءات الأحكام الصّادرة عنها ، زيفاً أو واقعيّاً ؛ غير أنّنا ، و هنا بالضّبط ، ندخل معترك المعايير و المقاييس التي تقرّ بحقيقة الشّيء ، بحقائق الأشياء ، و نتريّث - أو هكذا علينا ، في واقع الأمر - كثيراً قبل أن ننضمّ إلى جوقة المؤيّدين و المهلّلين لحقيقة أو لحقائق تواضعيّة و اصطلاحيّة في ما هي أبعد ما تكون عن ذلك ؛ إذ "أنّ التّجربة لا تعطي قطّ لأحكامها كليّة حقيقيّة و صارمة بل كلّيّة مفترضة و مقارَنة".

    [ كانط - نقد العقل المحض - ص( 46) ] .

    9 كان ( هيغل ) أكثر "تفاؤلاً" بخصوص إدراك "الحقيقة" ( أو الحقّ؟) ؛ و مع ذلك فإنّه كان يُقارن بين موقفين من "الحقيقة" .. متوزّعين بين عجز "دودة الأرض" .. عن إدراك "الحقيقة" ، و بين من أشاع ، مع "العقلانيّة" ، أنّ "الإنسان الحديث" صار يتنسّم ، تنسّماً ، هواء الحقيقة العليل ، بزهوٍّ و غرورٍ لا يُطاقان .

    10 و أمّا عن أنّ "الحقيقة هي معيار ذاتها" - كما يقول ( سبينوزا ) - فهذا ما يوقعنا في اختلاط "عقلانيّ" مربك ، لا سيّما أنّ ( سبينوزا ) نفسه يُنكر القول : "إنّ الفكرة الحقيقيّة لا تضمّ أيّ واقع أو كمال أكثر من الفكرة الخاطئة" . و من ثمّة يعود إلى "المطابقة" الشّهيرة في "القضيّة رقم( 35 )" من كتابه "الأخلاق" ، التي منطوقها : " الخطأ يقوم في عدم المعرفة التي تحتوي عليها الأفكار غير المطابقة أي المجتزأة و الغامضة" .

    11 في مؤلّفه "نداء الحقيقة" يذهب ( هايدغر ) في نقد صريح لمعايير الحقيقة العرفيّة التي اتّفق عليها "الفهم المشترك" و "الحسّ السّليم" ، يُعارض ( هايدغر ) بين "الحقيقة" و "البداهة" [ البداهة ، التي يرى فيها ( ديكارت ) كلّ "الحقيقة"؟ ]، ذلكَ لأنّ هذا "الحسّ" [ و ذلك "الفهم" ] يُصرّ على مقتضيات النّفع المباشر الملموس ، "و يكافح المعرفة بماهيّة الوجود ، و هي المعرفة الأساسيّة التي تسمّى من قديم الزّمان بإسم الفلسفة" .
    و قد ابتعد ( هايدغر ) ، ساخراً ، إلى أعماق أخرى في أنّنا "فضلاً عن ذلك فإنّنا نحصر أنفسنا داخل حدود المعقوليّة التي يتّسم بها الفهم العامّ ، ما دمنا نتصوّر أنّنا نعيش آمنين وسط هذه "الحقائق" المتنوّعة التي تمدّنا بها تجربة الحياة و الفعل و البحث العلميّ و الإبداع الفنّي و الإيمان الدّينيّ .
    إنّنا نشارك بأنفسنا في تمرّد "البديهيّ" على كلّ ما يستحقّ أن يوضع موضع السّؤال (...) .
    " إنّ هذا الفهم العامّ يُهيب ببداهة الموجود المنكشف و يُفسّر كلّ تساؤل فكريّ ( أو فلسفيّ ) بأنّه تهجّم على الفهم السّليم و اعتداء على حساسيّته المُريبة" .

    [ المصدر - نداء الحقيقة ] .

    12 و بين شطط الصّوفيين و خَبَالهم في هلاك إدراكاتهم لما يسمّونه "الحقيقة" ، بالهوس و الاندماج .. و بين وثوقيّة "الماركسيين" - و يقينيّاتهم؟ - الذين يرون "الحقيقة" في الجزء الأهمّ من المادّيّة التّاريخيّة ، في علاقات الإنتاج ؛ و بين "الحقيقة" تلك التي تشير إلى ذاتها ( كما كان يُحبّ سبينوزا أن يقول ) ؛ فإنّ ( نيتشِه ) ينظر إلى "الحقيقة" على أنّها ذلك الخطأ ، الشّرط ، الملازم للوجود ، و على أنّ "الخطأ شرطٌ للمعرفة" . و على ذلك جرى ( كارل بوبر ) [ حوارات في الفكر المعاصر ] ؛ إذ أنّه كان مؤمناً بواقعيّة أنّ "ما أقصده بقولي إنّنا لا نعرف شيئاً هو أنّنا حتّى عندما نقول "الحقيقة" ..
    " إنّنا لسنا ، على العموم ، متأكّدين من أنّ الأمر يتعلّق بها ، و ذلك لأنّنا مُعرَّضون للخطأ . و إذا ما أبعدنا القابليّة للخطأ ، فإنّنا نُبعِدُ الحقيقة ذاتها أيضاً " .

    13 هكذا نرى أنّ للحقيقة مذاهب و منطلقات و أغراضا و معايير تتعلّق بموقف الذّات المفكّرة من العالم و الوجود ، كما تتبع القدرة على النّفاذ إلى مفردات وتفاصيل المغزى الذي قد يكون هو بدوره خاضعاً لإسقاطات النّفس الفردة أو لإسقاطات الهوى الجماعيّ و التّواضعات الاتّفاقيّة بين مجموعات واسعة من البشر قد تستغرق ، أحياناً ، مجتمعات بكاملها ، و قد لا تكون أبعد من كونها أحد تهويمات و ضروب الفاقات الدّماغيّة و العقليّة ، و ذلك بقدر ما يُشير إليها التّعصّب في اعتناقها و الاعتقاد بها و اعتبارها من تحصيلات الحاصل .
    و بالمقابل ، فإنّنا نجد بعض الانسجامات في طرق التّفكير الفكريّة و الفلسفيّة الحرّة التي تنظر إلى "الحقيقة" بوصفها مشروعاً في حالة من التّوتّر الدّائم و الانكشاف الذي يتبع "خطّة الوجود" التي لا يمكن ابتسارها أو اكتشافها عن طريق الإسقاط النّفسيّ أو الذّهنيّ و ذلك مهما كان الفاعلون قد أوتوا .. من حكمة أو عبقريّات .

    ● ثانياً - في معايير الحقّ :

    14 إذا كانت المجادلة واسعة ما بين أصحاب "الحقيقة" و مُدّعي معرفتها و الواثقين من الوقوع في حياضها و المُنتفخين بأوهامهم عليها ، و المُتورّمين ثقةً باستبطانها ، سواءٌ أَعْلَنُوا ذلك أم لم يُعلنوه ؛ فإنّ "الأمر" مع "الحقّ" هو شيء آخر مختلف كلّ الاختلاف عمّا هو مع "الحقيقة" ، ضيّق "الحرّيّة" و "التّحرّر" الفكريّ و الثّقافيّ ، و ذلك على اعتبار أنّ "الحقيقة" امتدادٌ - و هذا أقصى ما يُمكن لنا بها ، و فيها ، و معها ، من تعريف - و انطلاقةٌ من "مبدأ" كلّيّ ، أصليّ ، و قَبْلِيٍّ ، هو "الحقّ" على التّحديد ، بوصفه مبدأً لكلّ "الحقائق" التي تنتظم .. أو لا تنتظم الوجود ، و هذا بحسب عائديّة الاعتقاد و المواقف و المعتقدات.
    و إذا كنّا قد لاحظنا في "معايير الحقيقة" أنّها تُفسح المجال واسعاً للمواقف الفكريّة الفرديّة و الفردانيّة و الشّخصيّة و الخاصّة ، و تتبعُ التّجربة الفردة و ربّما الوحيدة ؛ فتكون "الحقيقة" المختلفة عند أصحابها المتنوّعين و المختلفين و الذين على خلاف .. رهينة بالنّظرة الواحدة ، الواحديّة ، إلى الخبرة ، و ربّما من أحد جوانبها أو من زاوية رؤيةٍ من زواياها و مسقطات إحداثيّاتها العديدة و غير المحدّدة ، أو أنّها ملاذ آمن للتّعصّب و التّطرّف و الانعزاليّة التي تقي الكثيرين مغامرة الاستمراريّة في التّفكير و تغيير طرائق التّفكير و تبديل مواقع المعقوليّة بحثاً عن عقلانيّة متعالية باستمرار ، أو أنّها ، على العكس ، تهرّبٌ من التّفكير و التّأمّل و الضّريبة المترتّبة عليهما .

    15 أمّا عن معايير "الحقّ" فهي معدومة أو تكاد . ليس سبب ذلك أنّه تنقصُه المعايير و المقاييس و الأدلّة و الحضور ، بل بسبب توفّر هذه الأشياء كلّها ، علانية ، بالضّبط .
    عندما يتطلّب الشّيء مَعاييرَ ، فهذا لأنّه ، عندها ، يكون في مرحلةٍ هي قبل النّجوز . هذا و لا يحتاجُ "الحقّ" إلى معايير سابقة عليه و هو إليها في افتقار ، على عكس "الحقيقة" التي وجدناها كيف أنّها تستجدي النّابهين و غير النّابهين ، تلفتهم إليها و هي في طور التّكوّن و التّكوين .

    16 على أنّ هذا ليس كلّ شيء . فالحقّ يُعرف بمصدره عندما يكون له مصدر ، أو أنّه يُشير إلى مصادر الحقيقة عند الّلزوم .
    " الّلزوم " ؟ نعم. إنّه لطالما كان الحقّ واجباً ، فيما هو "الواجب" ، هو ، عين الّلزوم.
    و عندما نُضطرّ إلى أن نمارسَ ، في بحثنا على "الحقيقة" - ( هذا مع أنّنا لا نجد ما يُثير من جدوى للبحث عنه سوى "المعلومة" التي تجزم بكفايةٍ اتّفاقيّةٍ ، غالباً ، في أمر "الحقيقة") - أو في عملنا على اكتشاف ما يُرادفها ، ما يُشبه الظّنّ أو التّردّد المؤكد محلّ يقينٍ غير جازم و لا حازم - أحياناً ، بخاصّة - فإنّ موقفنا من "الحقّ" هو على النّقيض من ذلك ، حصراً ، من جهة أنّ "الحقّ" جازمٌ في حضوره و ذلك في قوّة الأدلّة الدّالّة على الوجود الباعث على وعيه على نحو من الأنحاء .
    لا أظنّ أنّ عاقلاً يرى في هذا الكلام متّسَعاً للنّقاش أو للأخذ و الرّدّ ، باعتبار أنّ من أبسط تعريفات "الحقّ" أنّه هو "الوجود - في ذاته" ، "في - جوهره" ، عندما ينكشف - كما هو حاصلٌ على مرأى الجميع - للخلق نفسه ، سواءٌ أكانت هذه المشاهدة واعية أم غير ذلك ، و هذا ، بالضّبط ، ما يُدْخِلُها ( المشاهدة ، العينيّة و العقليّة ) في ممارسة و مشقّة دور إدراك "الحقيقة" ، هذا إن كانت هي - "الحقيقة" - بالأصل معطاة للإدراك.

    17 نفتقر ، في الواقع ، إلى "معايير" للحقّ كما قلناه . هو بجوهره يرفض المعايير . و على رغم ذلك فإنّ "الحقّ" يتّسع ، في ما يتّسع ، لكلّ ما من شأنهِ أن يتوجّه إليه بإدراك عادل في تجريده و تشخيصه لأهمّ معطياته ( "الحقّ - الوجود" ) في عدالة الوجود .
    و مع ذلك فإنّ إدراك "الحقّ" لا يكون إلّا بالمعرفة .. و لهذا غالباً ما ينجح البشرُ بالفَشَلِ في إدراكه .. و لهذا ، أيضاً ، قيلَ "إنّ الحقّ لا يُعرف بالرّجال ، و لكنّ الرّجالَ تُعرف بالحقّ" .

    ● ثالثاً - العلاقة بين "الحقيقة" و "الحقّ" :

    18 كثيراً ما يجري الخلط بين "الحقيقة" و "الحقّ" في معرض القول بالوقائع "الأكيدة" التي تُستخدم كشواهد على إبراز جانب من جوانب السّلوك أو الحدوث دون غيره من جوانب أخرى ، لا تخدم تأكيد المغزى أو الدّلالة المزعومة أو "الأكيدة" في مناسبات التّحديد أو الإثبات .
    و لقد وصل الأمر بهذه الطّريقة من الاستخدام إلى ابتذال في الاستعمال و فقدان للقيمة المعرفيّة الاحتماليّة الكامنة في مجرى هذا الاستعمال .
    و على العموم ، فإنّه من غير المشكوك فيه ثابت العلاقة ما بين "الحقيقة" و "الحقّ" ، تبعاً لما نراه في تبنّي أبعاد هذه "المنظومة" الغامضة و المنيعة على الاستيلاء التّركيبيّ و على الحكم التّحليليّ معاً ، في واقع الإيمان المتدرّج حتّى الاستماتة بصوابيّة الاعتقاد بحقيقة شيء ما أو بالحقّ في السّلوك ، و اعتماداً على "الثّقافة" الدّافعيّة التي تكمن وراء السّلوك الذي يُشير إلى اعتقاد - من حيث المبدأ ، على الأغلب - يوحي بملموسيّة الرّؤية المحفّزة لدافع هذا الموقف أو ذاك السّلوك ، هذا و لو كانت تلك الرّؤية من الخشونة و الإبهام على درجة تستغرق قناعات أصحابها و لو في ظلام السّلوك أو التّعبير أو الممارسة حتّى الموت أو الانتحار في سبيل ما تضمن له "العقيدة" أو "الاعتقاد" حقيقته بالنّسبة إلى "الحقيقة" و "الحقّ" .
    قد لا يعني نقد واقع العلاقة التي تجمع الحقيقة و الحقّ سوى الجانب المعرفيّ ( الإبستمولوجيّ ) من هذه العلاقة عند فحص العمل الاختصاصيّ ، على تجذير المعرفة في أصولها الباعثة على وضوح منطلقات المواقف و الالتزامات الجزئيّة و الكلّيّة ، التي تسوّغ قناعات الأفراد و المجموعات و الجماعات و النّسقيّات الفكريّة الصّانعة للمنظومات .
    و على رغم هذا الغموض فإنّ وضوح دوافع "الإبستمولوجيا" ، نفسها ، و الحاجة إليها ، و الاشتغال فيها ، لا يمكن أن يكون جميع ذلك بريئاً من دافعيّته ذاتها تلك التي تقبع وراء الانشغال بالعالم و المجتمع و العلاقات و الأفكار التي تشكّل ، بنفسها ، موضوع المُثير الدّاخليّ أو الخارجيّ أو ذلك الذي لا يمكن تحديده على الضّبط .

    19 عند التّوسّع في الفهم ، فإنّ علينا ، في هذا الإطار ، النّظر إلى كلّ ما من شأنه أن يُحدث الفارق أو الإضافة أو ما إلى هذا و ذاك على أنّه من قبيل "الحقيقة" ، و بخاصّة إذا لم نستطع التّوصّل إلى لغة نعتمد فيها على ثوابت بخصوص "الحقيقة" ، و هو أمر مستبعد على الإجمال .
    فالسّلوك اليوميّ و الخطأ و الصّواب و التّعصّب و التّطرّف و الجريمة و النّضالات و الخذلانات و الصّادّات ، و المعتقدات و الأديان و الأحزاب و القتل و الثّأر و القبح و الجمال و التّنوّع الذي لا ينتهي و لا يُحدّ ، و التّوقّعات و المخاوف و الحظوظ و المصادفات و الجوع و الشّبع ، و شغف المعرفة و شهوة الحيازة و الاستحواز .. وانكشافات الشّريط الجينيّ لكون المكوّنات و التّكوين .. بالتّدريج ؛ و جميع ما إلى ذلك و ما يتّصل به بالطّبيعة أو بالدّرجة أو بالمقدار .. ؛ كلّ ذلك "حقائق" أو "شيئاً" من "الحقيقة" ، أو جزء من هذه أو تلك .
    و إذا أخذنا بهذه "الحقيقة" المُثلى .. فإنّنا واجدونا نكسبُ دفعةً من وهج الحرّيّة العقليّة ، مع العلم أنّه دون ذلكَ عَرَقٌ و جهد و كدّ ، لولا أنّ واجب العدالة في "الحقّ" هو ما يُملي علينا مثل هذه العزيمة و هذا الصّبر البازلتيّ .. في الانحياز إلى "الحقّ" .
    " الحقّ" صعبٌ مُستصعبٌ على وضوحه .. و "الحقيقة" مستحيلةٌ على انخفاضها إلّا لمن خُلِقَ على مسافة ودودة مع "الحقيقة" و كان ما وراءه "الحقّ" .

    20 يربط "الحقيقة" ب "الحقّ" الشّيء كلُّه . و كلاهما على وفاق . غير أنّ هذا الاستسهال الفلسفيّ - السّفسطائيّ الإنسانيّ - الشّخصيّ ، العامّ - و ليسَ المُطلق - هو ما يجعل علاقة "الحقّ" و "الحقيقة" علاقة ، أبداً ، مُرتجاة ..
    و على ما نزعم ، فإنّ الوفاق السّريّ الشّهير ..(؟) بين "الحقّ" و "الحقيقة" ، قد وقع ، و في حالة خاصّة ، تحت ضغط التّأويل الّلغويّ الفقهيّ ( الهارمونيطيقي ) "الآدميّ" ، لِيُنتجَ ما قد جعله ( الوفاق .. ) من خاصّيّات الغياب.
    و لأنّ "الرّجاء" و "الأمل" هما سَاقَا البشريّة و قدماها ، فقد انعقدت "القناعات" منذ بدايتها ، و منذ وحشيّتها و كهفيّتها و حجريّتها و بدائيّتها ، على التّوالي .. كما قد قرأنا التّاريخ و عاينّاه على ما نستطيع ، انعقدت على فقاعة من فقاعات "المعرفة" الحدسيّة الفارغة ، ثمّ على فهم و مفاهيم و اتّفاقات ضمنيّة و علنيّة ، لِتُسَجِّلَ أفظع سابقة غابرة منضافة إلى أقصى الجهل المعاصر بالكلمات ، لتقدّم لنا الدّليلَ إثرَ الدّليلِ على انعدام ثقتنا ، كلّ منّا ، بحقائق الآخرين ، فإذا انعدام ثقتنا ، هذا ، يدفعنا ، في ما بيننا ، إلى أقصى أطراف و أجزاء الأقطاب التي لا تحصى ، وفق الخبرة و الحاسوبات الحضاريّة الإنسانيّة المعاصرة جدّاً و "الذّكيّة جدّاً" .. و تالياً إلى انفرادٍ خلف انفراد .
    و عندما أزرى بنا ، جميعنا .. ، هذا البينُ العملاق من مسافات الجهل و التّجاهل ، نتجَ عن ذلك أنّنا تحوّلنا إلى مجرّد "أصداءٍ" لكلماتٍ قديمة تنتعش بها "الذّاكرة" ، تشبهُ نغماتِ الرّيح ، القلقة ، التي تُعيد على أسماعنا الثّقيلة بأحاسيسنا الأخرى .. ما أكّد لنا حاجتنا إلى معرفة الحقيقة و الحقّ ، بأحاسيسَ يوميّةٍ فرديّة و جماعيّة لا تصمدُ إلى ما قبل الزّوال من نهار مُبْكِر .

    21 لاحظنا ، حتّى الآن ، كيف أنّ الّلغة الغُنُوصيّة التي يُقالُ إنّها تعود ، كفلسفة عقليّة أُولى ، إلى أكثر من عشرة آلاف عام ، هي الّلغة الوحيدة القادرة على التّجرّؤ في خوض هذا العالم المعرفيّ ( الإبستميّ ) ، الأونطولوجيّ الذي يواشج الميتافيزياء في رؤية "الحقيقة" ، بينما لا تسمح لنا "المعرفة" أن نُحيط بالحقيقة نفسها ، و الأَولَى أن تسدّ علينا طريقَ الوصول إلى "الحقّ" ، هذا "الشّيء" الذي لا ينكشف لأحد من البشر إلّا ما كان دونه تَجَاوُزَ هذا الطّلبِ في ذلك ، لأنّ المعرفة الفلسفيّة الغنوصيّة لا تُطلب على الحصر ، إذ أنّها تختصر الوهم الإنسانيّ و القلق العقليّ نحو موقف أكثر عقلانيّة ممّا قد عُرفَ على العقلانيّات جميعها حتّى الآن .

    22 تتطرّق "الغنوصيّة" بجرأة إلى علاقة "الحقّ" ب "الحقيقة" . و يمكن أن تَنْظُرَ إلى زعمها بتعاليمها الفلسفيّة الاستسراريّة على أنّها أحجيّة من عمر البشريّة القديم و غير المعروف و غير المكتوب و غير المقول .. تكاد تكون الأحجية الأكثر إثارة لهلع الجهل البشريّ على مرّ الأحقاب و العصور ، و الذي ما يزال يُراوح في تردّده أعشى العقلِ الذي طغى على كلّ اعتكاف في الثّقة الأكيدة في المعرفة المنقذة لقيم الخلق . إنّه لم يُعطَ هذا الخلق للإدراك من أجل آلام البشر و إنّما كان في هذا الأمر وَحْيُ عقلٍ يتجاوز حُلومَ المنحدرين إلى آخر قائمة التّلاشي في الانتشار في مشروع الزّمان .
    لم يكن من المستغرَب و لا من المدهش أن تحتوي أعظم فلسفات التّاريخ المعروفة في منظوماتها الكلّيّة الشّاملة ( سقراط ؛ أفلاطون ؛ أرسطو ؛ هيغل ؛ هايدغر ؛ كيركيغارد ..) على تعاليم للخاصّة و لخاصّة الخاصّة تنطوي على أبعاد و أسرار "غُنوصيّة" لم تعرف طريقها إلى الاستحكام ، بسبب ما قد جنح عنه "العقل" البشريّ الدّعيّ - حتّى الآن - إلى "اكتشافات" هزيلة و متناقضة و غير متّسقة و لا منسجمة و خبيثة و فيها احتقار للعقل الإنسانيّ و مشاغله الرّفيعة ؛ و قد كان من الممكن ، مع قليل من توجّهات الغاية ، الحرّة ، أن تنتهي تلك الاكتشافات إلى "حقيقة" ما ، بل و حتّى إلى "الحقيقة" المشفوعة برعاية "الحقّ" في الظّلام ؛ إلّا أنّ "الغاية" نفسها ، و هذا على ما قد تأكّد في تراكم الضَّياع ، لا تعدو أن تكون "إشارات" و كنايات و استعارات لا تأبه أبداً لملموسيّة "الدّليل".

    23 لا يستوي البحث في "الحقّ" بواسطة العلم ؛ هذا و لو أنّ "الحقيقة" لا يُمكن أن تكون ، في الانكشاف و الاكتشاف ، بغير "العلم" . و على ذلك فإنّ علاقة الحقّ بالحقيقة هي علاقة "خارجيّة" ، على عكس ما قد يتوهّم البعض من صلات قربى بين الحقيقة و الحقّ . فالجوّانيّ في الإيحاء الفاضل ( الحقّ ) هو فضلٌ و توسّعٌ ربّما يُقَيَّضُ له أن يتشخّص للنّاظرين و ربّما العكس .
    غير أنّه ، و مهما كان إيحاء "المفضول" ( الحقيقة ) في "التّوسّع" و الانكشاف ، فإنّه لا يُقيَّضُ له - بالمطلق - أن يتحوّل إلى "جُوّانيّة" بالنّسبة إلى ما هو خارج عنه ؛ و من البديهيّ أن نفهم ، هنا ، قصدنا بأنّ "الحقيقة" جوّانيّة بالنّسبة إلى "الحقّ" ، و ليس "الحقّ" ، بالنّسبة إلى "الحقيقة" ، هو كذلك .
    يقول ( هيغل ) في "أصول فلسفة الحقّ" : " إنّ الفكرة الشّاملة عن الحقّ - من حيث بدايتها الأولى - تقع خارج علم الحقّ" . و لكنّ هذه الموضوعة "الإشكاليّة" لفيلسوف فلاسفة التّاريخ ( هيغل ) تحمل في مظانّها نقيضين . فهي ، أوّلاً ، يمكن أن توحي بأنّ "فكرة الحقّ" ، نفسها ، هي خارج "دراية" أو "إدراك" الحقّ . و هي ، ثانياً ، تذهب إلى حقل آخر للتّدبّر في أنّ "فكرة الحقّ" هي منيعة على "علم الحقّ" ، بما هو هذا "العلم" نشاطٌ إنسانيّ تالٍ على فكرة الحقّ ، و لهذا هو ( العلم ) ممتَنَعٌ عليه الإحاطة بالحقّ .
    في الاحتمال الأوّل ، نكون أمام وهمٍ هيغليّ مؤسف ؛ و في الاحتمال الثّاني ، فنحن أمام "حقيقة" منكشفة لفيلسوف الفلاسفة ، و هذا ما نحبّذه مع شيخ الفلاسفة على مرّ "المقول" ، حتّى اليوم ؛ إذ ما من "حقيقة" تحيط بـ"الحقّ" ، و أمّا العكس فصحيح .

    24 سنتحفّظ ، أخيراً ، على ما جرى في تاريخ الفلسفة و الفكر من خلط بين"الحقّ" و " القانون ( الوضعيّ ) الذي هو غير ما نقصده بـ" النّاموس " . و لقد وقع ( هيغل ) ، نفسه ، أيضاً بهذا " الإلتباس " - على ما نرى ، - فكان الفكر في التّاريخ ، و كذا الفلسفة ، قد وقعا في الدّائرة المغلقة ، الفارغة ، نفسها ، تلك التي لم تأبه كثيراً إلى علاقة "الحقّ" مع "الحقيقة" ..
    إذ ننظر إلى "القانون" بوصفه أحد مندرجات "الحقيقة" على ما مثّلنا عليها ، أعلاه ؛ فيما يبقى "الحقّ" خارجيّا بالنّسبة إلى الحقيقة ، و جوّانيّا بالنّسبة إلى ذاته ؛ في حين أنّ "الحقيقة" خارجيّة على "مَرَّتَين" ، بالنّسبة إلى ذاتها ، أوّلاً ؛ ثمّ ، ثانياً ، بالنّسبة إلى انكشافها "الصّريح" - و المبهم و الغامض ، في وقت واحد - كمتخارجة ذاتيّة بالنّسبة إلى "الإدراك" ؛ و في هذا اختلاف واضح ، و تمايزٌ مراتبيّ متين .. ما بين "الحقيقة" و "الحقّ" .

    25 هذا حديث طويل لا ينتهي في "الحقيقة" و "الحقّ" . و ربّما كان التّهيّب الفكري المألوف من الخوض فيه ، هو اعتراف "معرفيّ" و فلسفيّ طويل ، بلا إحكاميّة أو مُحكَميّة الّلغة و الأدوات و العبارة و الإشارة ..
    و هذا هو ، المجال الأكثر غنًى و خصوبة أمام العقل المفكّر الذي يضني تبجّحه حتّى الآن و حتّى اليوم .

    * ( الغُنُوصيَّة ) : هي نَزعة فِكريَّة ترمي إلى مَزْج الفلسفة بالدِّين ، وتَشتَمل على طائفة من الآراء المَضنون بها على غير أَهلها ، وتُطلَق خاصَّة على جماعة من المُفكِّرين في القَرنَين الأَوَّل والثَّاني للميلاد.

    ******

    أ ياسين الرزوق1[ ردّ الأربعاء ]

    [ تعقيباً على "حديث الثلاثاء" الحلقة " 51 ": " الحقيقة " .. و " الحقّ " - في معايير " الحقيقة" ..في " معايير الحقّ" - العلاقة الغُنُوصِيَّةُ بين " الحقيقة " ..و " الحقّ ]

    [ كتب الباحث الموسوعي والكاتب والشاعر ] :

    ( المهندس ياسين الرزوق )

    ( حقٌ يضرب دون سيف و حقيقة أضاعت غمدها! )

    في حديثك تخرج الحقيقة من بعثٍ إلى بعث بعد نفخها في صور الحق لا لتراهم من الأجداث إلى ربهم ينسلون بل لتراهم من توما الإكويني إلى نيتشه إلى سبينوزا إلى كانط إلى هيغل إلى أرسطو إلى سقراط إلى أفلاطون لا ينسلون بقدر ما يمارسون الفكر المقارن و الأدب المقارن و الفن المقارن كي يدركوا فجوة التعاطي ما بين حقيقة الحق و حق الحقيقة في مشوار الحق الصعب حتى الحقيقة و في مشوار الحقيقة المتعب بقلة دروب الحق !

    و الفرق ما بين الحقيقة و الحق كما الفرق ما بين الإسلام و الإيمان لا من مبدأ قالوا أسلمنا و لمّا يدخل الإيمان في قلوبهم بل من مبدأ أنهم أحقوا الحقّ ظنّاً منهم أنهم أدركوا الحقيقة و أنهم أدركوا الحقيقة ظنّاً منهم أن الحقّ قادهم إليها كما قادتهم إليه !

    هنا تساؤلات تعبيرية بقدرما هي تساؤلات وجودية تجعلنا على مفترق الحقيقة من باب الحق و على مفترق الحق من كل نوافذ الحقيقة !

    و عليه :

    ١ ) : الحقيقة هي برهان يسقط في فخاخ الخطأ و الصواب لأنها مضمرة بالعموم و ليست ظاهرة إلا في حالات خاصة و ذلك حتى بالاعتراف كون الاعتراف خاضعا لتسييس المعترفين و إغرائهم أو عقابهم و بالتالي يتحول البرهان إلى خطأ دامغ في حال ممارسته بعقلية غير متأنية و غير حيادية و غير منهجية و غير منطقية وفق المنطق الحر لا وفق منطق التخيير و التسيير المؤدلج عقائدياً و سياسياً
    لذلك من الصعب خوض الحقيقة دون حياد و من المستحيل بلوغ الحق المنشود بالبراهين إذا لم نملك عقلية عدم الانحياز
    و الفرق شاسع بين حق البرهان و حق الرؤى المباشرة أو غير المباشرة فمن يرى بحق عليه طرح رؤيته حتى لو على مقصلة فالساكت عن الحق شيطان أخرس يخرس الحقيقة و يغدو مدفوع الثمن و عاجز الظهور!

    ٢ ) : الحق طفل و الحقيقة أم فعندما تضحي الحقيقة بطفلها لا غرابة أن يغدو الحق جيناً من جينات ضياع النسب و افتقاد وجوده !

    ٣ ) : المعرفة التي لا تنتج حقيقة كذرات الأوكسيجين و الهيدروجين التي لا تنتج باتحادها الماء و لن تنتج بتفرقتها الطاقة الهيدروجينية المدمرة للمعرفة أو الحرائق فقط بل ستنتج أمماً من التشتت و الهزائم و الانقسام !

    ٤ ) : المعرفة هي جوهر الحقيقة و الحقيقة هي بنيان المعارف فكيف بمعارف بنيانها الزيف و ترجمانها التزوير و النفاق و طمس الحقائق ؟!
    ما زالت في جيب الحق يد بيضاء لأمه الحقيقة و ما زالت في يد الحقيقة عصا تهشّ بها على بعض أغنامها و سحرتها و ما زال الحبل السري بين الحق و الحقيقة ملطّخاً بدم الأكاذيب التي روج لها إخوة يوسف لأنه لم يعد لإيصال الغذاء من الحقيقة إلى الحق بل صار هذا الحبل فقط للتأرجح غير الحر و للتوازن القلق غير المستقر !

    ٥ ) : العلاقة الغنوصية بين الحق و الحقيقة كعلاقة الصائم بغير الصائم و كعلاقة الفاحشة بالصلاة فلا الحق يخضع لأبستمولوجيا المعارف ولا الحقيقة تستوي بغير هذه المعارف و هذا ما يجعل الظاهر بينهما مفترقا إلى حين ظهور الباطن الواحد .

    ٦ ) : لنا بحديثك أن نرتقي بالحق و بالحقيقة و بعلاقتهما التي لن يقطع حبلها الوجودي في دنيا العارفين

    لك السلام دكتورنا الغالي بهجت سليمان.

    August 2019
    Su Mo Tu We Th Fr Sa
    28 29 30 31 1 2 3
    4 5 6 7 8 9 10
    11 12 13 14 15 16 17
    18 19 20 21 22 23 24
    25 26 27 28 29 30 31

    شارك برأيك

    مارأيك بالهدنة؟
    عدد الزيارات
    7600869

    Please publish modules in offcanvas position.