يحيى زيدو وشادي أحمد يكتبان عن رحيل الطيب التيزيني

كتب يحيى زيدوأ يحيى زيدو

رحل اليوم المفكر السوري و الأستاذ الجامعي الدكتور (طيب تيزيني) عن عمر ناهز 85 عاماً، و هو الذي صنفته مؤسسة (كونكورد) الألمانية واحداً من أهم مئة فيلسوف في القرن العشرين.
عرفت الدكتور (تيزيني) منذ ثمانينيات القرن الماضي عندما كنت طالباً في المرحلة الجامعية الأولى، و توطدت علاقتي به في مرحلة الدراسات العليا حيث كان مشرفا على رسالتي في الماجستير. و من يعرف الدكتور (تيزيني) يعلم أنه من الصعب الحديث عنه مفكراً و انساناً و مثقفاً و أستاذاً جامعياً، بقدر ما يبدو الأمر سهلاً في الظاهر.
فالدكتور (تيزيني) الانسان، يحمل من التواضع و البساطة أضعاف شهرة و انتشار و علو اسمه في الثقافة و العلم.
و كثيراً ما كان يفيض بهاتين الصفتين بشكل عفوي دون تكلف كما كان يفعل ذلك بعض أستاذتنا الذين زاملوه في قسم الفلسفة بجامعة دمشق.
حين كانت تضيق الأمكنة في جامعة دمشق، أو في أيام العطلة، كان بيت الدكتور (تيزيني) في ضاحية مشروع دمر قرب دمشق هو قاعة درسية لنا نحن طلاب الدراسات العليا لديه .
و في الجامعة، كثيراً ما كنا نتضايق نحن الطلاب من وجود أشخاص داخل القاعة في الجامعة، أشخاص من أقسام أخرى، و من خارج الجامعة يحتلون مقاعدنا في القاعة للاستماع إلى محاضرات الدكتور (طيب تيزيني) التي يلقيها على طلابه، ربما لأننا كنا نعتبر أن هؤلاء يعتدون على حقنا في الاستئثار بما يقوله الدكتور (تيزيني) أكثر من الانزعاج لشغلهم لمقاعدنا خلال المحاضرة.
منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، أطلق الدكتور (تيزيني) مشروعه الفكري (من التراث إلى الثورة)، و استمر في كتابته حتى التسعينيات. كان هذا المشروع بمثابة حجر ألقي في بركة الثقافة العربية الراكدة، أثارت ما أثارت من الدوائر و السجالات الفكرية، كما أسالت حبراً كثيراً بين المعارضين أو الموافقين على هذا المشروع بين المثقفين و النقاد و رجال الدين و السياسيين.
و ربما كنا محظوظين أننا شهدنا كثيراً من السجالات التي كان الدكتور (تيزيني) أحد أعلامها، و خاصة سجالاته مع التيار الديني الذي كان يمثله آنذاك الدكتور (محمد سعيد رمضان البوطي). كما كنا محظوظين بالسجالات الفكرية التي جرت بين (د. تيزيني) و بين المفكر المغربي (د. محمد عابد الجابري)
حول مشروعه (نقد العقل العربي) ،و هو الذي لم يتوقف، بدوره، عن نقد مشروع (طيب تيزيني) من (التراث إلى الثورة).
خلال الأزمة التي عصفت بسورية انتقل كثير ممن كانوا يزعمون الانتماء إلى الفكر اليساري، أو التنوير إلى الضفة الأخرى (صادق جلال العظم، أحمد برقاوي، برهان غليون، عبد الباسط سيدا، سمير التقي، ميشيل كيلو..) و آخرون غيرهم، و بعضهم غادر سورية ليصبح مُنظِّراً لدى التيارات التكفيرية، و مسوغاً لها قتلها و تخريبها مقابل حفنة من أموال البترودولار التي باعوا بها كراماتهم و تاريخهم و عقولهم.
(طيب تيزيني) لم يغادر سورية، و شارك في أول لقاء للحوار الوطني بدمشق، و كانت له كلمة هامة فيه، و بعد تقاعده من عمله الجامعي آثر البقاء في مدينته (حمص)، و عمل على تأسيس ما سمي (مجلس الحكماء) في محاولة لتقديم إسهام ما للخروج من الأزمة التي عصفت بالوطن، لكن صوت الحكمة كان خافتاً في مقابل أصوات الرصاص التي صارت تعلو أكثر فأكثر، فبقي (مجلس الحكماء) على حكمة الصمت الذي لم ينتج شيئاًربما تحتوي الصورة على: ‏شخص واحد‏.
في آخر سنوات عمره عانى الدكتور طيب تيزيني من المرض و العزلة في منزله بحمص، و في هذه السنوات صار أسير أولئك الذين يخدعونه بما يقولون عن الأزمة أو بما ينقلونه له، و كانت كتاباته في الصحف الخليجية، و بشكل خاص في صحيفة (الاتحاد) الإماراتية ترجمة لتأثره ببعض هذه الأفكار، إذ كان من الصعب علينا أن نصدق بأن الدكتور (طيب) يقول: إن الدولة لم تحرر (دوما) في غوطة دمشق و مناطق أخرى في حلب، لكنها قامت بذلك من أجل إحلال الفرس مكان سكان تلك المناطق. فالوقائع تكذب ذلك، و المنهج العلمي الذي قضى الدكتور (تيزيني) عمراً يعلمه لنا يرفض هذا الاستنتاج، مما يرجح استغلال بعض المقربين منه لوضعه الصحي من أجل تمرير مقولات على لسانه لتحقيق مكاسب سياسية مغرضة، و مادية (من خلال ما تدفعه صحف الخليج أجوراً لمقالاته)، و هذا ليس بمستغرب ،فقد تعرض كثير من المفكرين لاستغلال ذوي القربى من أجل مكاسب مادية رخيصة على حساب اسم المفكر أو الكاتب (مثال ذلك الراحل سعدالله ونوس الذي صادفت ذكرى رحيله منذ أيام، و الاستغلال الرخيص لاسمه من قبل زوجته الممثلة المتقاعدة فايزة شاويش، و ابنته ديمة ونوس، حتى وصل بهما الأمر إلى بيع مكتبته للجامعة الأمريكية في لبنان).
رحل (طيب تيزيني) اليوم، و هو لم يقضِ حياته في الصلاح و التقوى على طريقة المتدينين، بل كان له أسلوبه الخاص الأكثر جدوى و فاعلية في ممارسة الصلاح و التقوى، فقد عاش حياته مفكراً و أستاذاً و صاحب مشروعٍ فكريٍّ، و خاض بشجاعة معارك فكرية ستبقى علامة فارقة في الثقافة الوطنية و العربية، كما ترك مؤلفات هامة سيعود إليها الباحثون كثيرا، و قد تنقضي عقود من السنوات قبل أن يتمكن مفكر جديد من تجاوز فكر (تيزيني) .
برحيل المفكر (طيب تيزيني) تخسر الثقافة واحداً من أبرز أعلامها، و تنفتح فجوة في جدار الثقافة يصعب ترميمها
يكفي أن الدكتور (طيب تيزيني) قد حصد في كتاباته و سجالاته الكثير من الخصوم و الأصدقاء، و من المفارقة أن الخصم كان يكبر بالخصومة، و الصديق كان يكبر بالصداقة لأن قامة المفكر الدكتور (طيب تيزيني) كانت هي المعيار.
و سواء اختلفت مع (تيزيني) أو اتفقت معه فإنك لا تملك إلا أن تحترمه.

(طيب تيزيني) ..الأستاذ و المفكر و الفيلسوف.. وداعاً

*******

كتب شادي أحمدربما تحتوي الصورة على: ‏‎‎شخص واحد‎, ‎‎‎يبتسم‎, ‎‏وقوف‏‎‎‎‎‏

عرفته منذ سنوات طويلة..

و لا ادعي شيئاً عظيماً إذ قلت بأني قرأت جميع كتبه دون استثناء و معظم مقالاته و حواراته...

و كم خضت حوارات طويلة عن نتاجاته مع أصدقاء متعددين.. كانوا يبحرون في شرح نظرياته (توافقاً و انتقاداً).. لأكتشف فوراً انهم لم يقرأوا له شيئاً على الإطلاق.. كحال مع من رثاه اليوم و بكى على فراقه...

هو رجل اشكالي بكل معنى الكلمة...
كتاباته اشكالية
تناقضاته العديدة بين ما يكتب و ما يقول و ما يفعل... كانت مفهومة جداً.. و له الحق في أن يكون متناقضاً..

لم يكن يكره (السلطة) فقط... كان يكره (الدولة) بحد ذاتها في طوباوية واضحة لتأملاته لمجتمع دون دولة....

و تحققت امنيته في بداية 2011 حين خرج من خرج ليدمر الدولة و المجتمع على حد سواء... فكان (رحمه الله والتاريخ) اول من خرج لتحقيق ذلك و في طليعة (الثوار) في لحظة تاريخية كان ينتظرها، كأني بإبن خلدون يدعوا الغزاة لتحقيق حتميته التاريخية..

قدم خدمة للأسلاميين، اكثر من البوطي.. حين ظهر أمامهم بأنه انكفأ أمام سيدهم في المناظرات الشهيرة خلال فترة زمنية لم تكن قناة الجزيرة قد بدأت البث الفضائي..

و اليوم و برحيله يطرح آخر اشكالياته (الفكرية..) لاسيما بعد أن قرأت تلك المراثي الهائلة من قبل هذا الشعب الطيب.. و هي الإشكالية التالية:

{{ ما هو الحد الفاصل في تقييمنا للمفكر بالنسبة القضايا الوطنية... هل هو فيما يكتب أو فيما يفعل؟}}

إذا كان فيما يكتب... سأجهز مرثية من الآن للمفكر السوري الكبير د. برهان غليون...

August 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
28 29 30 31 1 2 3
4 5 6 7 8 9 10
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29 30 31

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟
عدد الزيارات
7612987

Please publish modules in offcanvas position.