د. أحمد الخميسي: ديـنـو بـوتـزاتـي.. الشـوق إلـى الـحـقـيـقـة

ما الذي ينبغي أن يفعله الفنان، أي فنان، حينما يشعر بأن التواصل بينه وبين الجمهور قد انقطع؟ حينما يستولي اليأس عليه؟ أو الاحباط؟ أو الشعور بعدم جدوى الابداع؟ وتنفتح أمامه أ أحمد الخميسيعلى مصراعيها أبواب العزلة؟ هل يتوقف؟ هل يعتزل؟ أم يواصل دوره؟

يطرح الكاتب الايطالي العظيم دينو بوتزاتي هذا السؤال في قصته القصيرة المسماة "الخبر"، وفيها يتحدث ن مايسترو شهير يقود بحرارة السيمفونية الثامنة لبرامز في دار الأوبرا. المايسترو وعازفو الأوركسترا والنغم والجمهور والضوء والمقاعد والأنفاس ينبض مثل قلب واحد. التواصل السحري بين المايسترو والجمهور يسري في الجو مثل كهرباء خفية. لكن فجأة، يغمغم أحدهم في الصالة بخبر أن ألأعداء يهاجمون روما، فيبدأ الجمهور واحدا بعد الآخر في مغادرة القاعة بهدوء.

وحين يرهف المايسترو السمع من وراء كتفيه فلا يسمع سوى همهمات، ووقع خطوات متلصصة، وحركة مقاعد، وأصوات أبواب تفتح وتغلق. ينظر المايسترو بجانب عينه فيلاحظ ازدياد الأماكن الخالية، بينما كان المايسترو مقبلا على تقديم الحركة الأخيرة من السيمفونية، الحركة التي يفترض أن تعزف بحماس جارف وفرح. لكن خيط الإلهام السحري انقطع فجأة بسبب ما حدث في الصالة، وأخذ كل شيء في الانهيار، داخل المايسترو وفي ما حوله، ولم تعد إشارات عصا القيادة تنقل إلي العازفين روح العمل.

خيانة الجمهور كانت فجائية وصارمة وتركت المايسترو خاليا من كل روح، وبلا معنى. إنه مازال واقفا على المنصة يعطي إشاراته، لكن من دون أن يعبر عن شيء. قال المايسترو لنفسه: "هذا جمهور جبان". قالها ثم قدر أن الهلع قد استولى عليه هو ذاته وأنه فكر:" إلي أين أذهب لو أن الحرب اندلعت فعلا؟ وإلي أين أرسل أسرتي؟ وما العمل في الفيلا التي بنيتها لتوي؟ هل أهرب إلي خارج البلاد؟". سيطر الذعر على المايسترو والعازفين والجمهور فتمزقت خيوط الإلهام والإبداع. ما الذي كان ينبغي للفنان أن يفعله في تلك اللحظة؟! أيهرب؟ أم يواصل؟ أم يعتزل؟

أحيانا كثيرة ينقطع خيط التواصل، ليس بين المايسترو والجمهور، بل وبين الكاتب والقارئ، وبين المثقفين والناس، فتتوالى كلمات تشير إلي الأحداث وآراء ومواقف لكن من دون إلهام، من دون إيمان، فاترة بلا حرارة. تقرأ النص فتجده مفهوما واضحا لكن شيئا ما ينقصه. بهذا الصدد كان الناقد الروسي بيلينسكي يقول: "ليست الكلمة هي المهمة، المهم النبرة". هل أن الظروف السائدة هي التي تقود الكتاب إلي الاحباط والتوقف؟ أم أنها قدرة الفنان الذاتية على المقاومة؟

يقول دينو بوتزاتي إنه لابد للفنان من إيمان قوي بالحقيقة وبتأثيرها، ولابد أن تقال الحقيقة بالفن في أي ظرف، وهو إيمان يحتاج إلي تماسك إنساني وأخلاقي في مواجهة النفس، والآخرين، وفي مواجهة الشكوك في جدوى الفن.

يسأل الكاتب نفسه: لماذا أكتب؟ وما الذي يريده الناس من كتابه وفنانيه؟ المتعة؟ أم معرفة جزء ولو كان صغيرا من الحقيقة؟ لكن أية حقيقة؟ ألا تموت الثقافة والكتابة ما لم تستند إلي مد شعبي وإلي ظرف اجتماعي موات؟ يكتب الكتاب، ويرمون أوراقهم إلي الصحف كمن يرمي روحه وخلاصة عقله من النافذة إلي الشارع لتسقط على الإسفلت من دون صوت أو تأثير. هل أفاد أحدا؟ هل ترك أثرا؟ الكاتب هنا يصبح مثل شخص يمسك بوق السماعة ويتكلم وقتا طويلا إلي الفراغ والصمت، لأن الجمهور على الجانب الآخر قد غادر مقاعده، ولم تعد تسمع سوى همهمات المغادرين. يفكر من يكتبون: ومن تلزمه الحقيقة؟ الجميع يعرفون الحقيقة. وأحيانا يعرفونها أفضل بكثير ممن يكتبون عنها.

يفكر البعض: الحقيقة لا تلزم أحدا، وهذه هي الحقيقة الوحيدة. والكلمات في نهاية الأمر مجرد حروف على ورق. مثل هذه الشكوك تنخر روح الفنان وتأكل كل شيء. والكاتب في النهاية شخص بمفرده، معلق في فراغ من الهواجس، والمخاوف، والتردد. ومع ذلك تظل الحقيقة والرغبة في إشهارها قوية وحارقة. لهذا أدرك المايسترو في قصة دينو بوتزاتي وهو واقف على منصة المسرح أن الخلاص الوحيد أمامه أن يستمر في معزوفته حتى النهاية، لأن في ذلك الاستمرار وحده نجاته هو ونجاة الآخرين أيضا. وبذلك الإيمان انتفض المايسترو ورفع العصا الصغيرة وهو يلقي على أعضاء الأوركسترا نظرة حية ملهمة أعادت إلي القاعة سريان الحياة وردت إلي اللحن الخامد روحه. وتألق من جديد الشوق إلي الحقيقة والجمال، الشوق الذي لا ينبغي لنوره ان ينطفي تحت أي ظرف.
*
جريدة الدستور (المصرية) الأحد 12 مايو

June 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 31 1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 1 2 3 4 5 6

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟
عدد الزيارات
6728232

Please publish modules in offcanvas position.