nge.gif

    الخطاب السياسي في الحرب على سورية.. تحولات إبستمولوجية.. وانقطاعات سياسية.. حديث الثلاثاء47

    أ بهجت سليمان في دمشق[ حديث الثلاثاء "47": الحلقة السابعة والأربعون ]

    [ الخطاب السياسي في "الحرب على سورية".. ]

    [ تحولات إبستمولوجية "معرفية".. وانقطاعات سياسية.. وتحولات فكرية ]

    ● د. بهجت سليمان

    ■ لا تُختزل العروبة ب الأنظمة السّياسيّة الحاكمة في الدّول العربّية، بل العروبة هي تلك الرّابطة التي تتعالى حتّى على السّياسة نفسها، انطلاقاً من مبدأ الهويّة التّاريخيّ و قدر التّاريخ الذي لا رادّ له. و قد أكّدت هذه الهويّة ذاتها في التّاريخ في أكثر من مناسبة و أثبتت واقعيّتها و حضورها الحقيقيّ . ■

    ■ حشرت " الحرب على سورية " النّظام الرّسميّ العربيّ في زاوية خانقة و ضيّقة ؛ و هو الأمر الذي عملت الأنظمة الرّجعيّة العربيّة على تجنّبه عن طريق التّعتيم الإعلاميّ على حقيقة الحرب السّوريّة ، و تزوير هذه الحقيقة و تصويرها على أنّها حرب دولة ضدّ مجتمعها أو حرب قوى إقليميّة ذات أهداف سياسيّة خاصّة ضمن مشاريع ديموغرافيّة خاصّة ، و ما إلى ذلك من هروب رسميّ للنظام العربيّ ، من كشف زيفه التّاريخيّ أمام شعوبه و مجتمعاته ، التي دخلت مرحلة جديدة من الوعي السّياسيّ مع وقائع و حقائق الحرب الوطنيّة السّوريّة العظمى .■

    ■ اتّجهت سورية في مناخ غياب الهويّة السّياسيّة القوميّة ، إلى تحالفات و شراكات عقائديّة شكّلت بديلاً تاريخيّاً للهويّة القوميّة ، من دون أن تتخلّى سورية عن طموحاتها القوميّة و استشعار ضروراتها ، و هي التي لم تقطع نهائيّاً مع “العرب” في أكثر أشكال النّظام الرّسميّ العربيّ هزالة و هشاشة ، معوّلة على مستقبل سياسات الشّعوب العربيّة التي لا يمكن أن تبقى على ما هي عليه من مسوخيّات في إطار الأنظمة العربّية الرّجعيّة الممسوخة .■

    1 تقع الظّاهرة التّاريخيّة ، أو الواقعة التي هي كذلك في التّصنيف ، بين حدّين أساسيّين ، عمليّاً ، و هما الحاضر و المستقبل ، و لو أنّ ذلك لا يعني البتة أنّها من دون عمق تاريخيّ في الماضي يقع خلفها في المكان و الزّمان ، ويبقى متوطّداً بها في عمق جوهرها الذي لا يحّده في الماضي الزّمان أو المكان .
    و تستحوذ الّلحظة السّياسيّة الحاضرة على مخزون كبير من دلالات الماضي ، و لهذا فإنّ على الفكر العمليّ أن يتوجّه بالتّكافؤ مع الاتّجاه النّظريّ المحض ، الذي لم يكتفِ أو لم يكفِ التّنظير السّياسيّ الذي يتعامل مع المعطيات العامّة .
    وإذا كانت معظم كتاباتنا ، حتّى الآن ، قد توجّهت أساساً نحو الحاضر و الماضي في التّحليل النّقديّ النّظريّ ، فإنّه قد آن الأوان للالتفات عمليّاً إلى التّريّث النّظريّ في معطيات حاضر الحرب ، بوصفها ظاهرة تختزن إيحاءاتها التي تُضاف إليها مؤشّرات إنتاج المستقبل السّياسيّ ، و هذا نظريّاً على الأقلّ . .
    نحن سوف نتوجّه ، إذاً ، إلى حاضر المنتج الفكريّ ، لفحص سلبيّاته أو إيجابيّاته ، ليكون بإمكاننا متابعة مهمّة التّنظير بالمستقبل القادم موضوعيّاً ، بغضّ النّظر عن احتمالات الافتراقات و الانحرافات الواقعّية عن هذا التّنظير ، على اعتبار أنّ الطّاقة الفكريّة النّظريّة النّقديّة مرغمة على الإحاطة بالخطوط العاّمة القائمة - منذ الآن - في المستقبل ؛ و مطلوب منها أن تتمكّن من ذلك ؛ في العمليّة النّقديّة التي تُعتَبَرُ الشّغلُ الأساسيّ والأهمّ للتّنظير ، الذي يتجاوز ذاته ككلام ُمنَسّقٍ و مقدود بتكافؤ على ” قياسات اليقين” .

    ● أوّلاً - تحوّلات إبستمّولوجية " معرفية " :

    2 تعرّضنا غير مرّة إلى البعد الإبستميّ ( المعرفيّ ) الذي يُميّز روح العصور المتوالية ، و كنّا قد أشرنا إلى أنّ “ الإبستمّية” هي الرّوح المعرفيّة و الثّقافيّة العامّة لعصر من العصور ، بحيث تميّز هذه الرّوح أهمّ معالم المضامين المعرفيّة لأنساق التّفكير العامّة و أنماط الاستقطابات الثّقافيّة ، بجلاء الانقسام المتمايز للكتل الكبرى التي تدّعي أو تمثّل العقلانّية ، في اختزالات شاملة و معبّرة لدلالات الفكر و الفعل و العمل و السّلوك ، و لو خالف ذلك رغبة الفاعلين .

    3 و بتأمّل فلسفيّ سياسيّ خاصّ لتفاعلات “ الحرب” ، رأينا أن نقف عند أهمّ التّحوّلات “ الإبستمّية” بوصفها مفارقة أو مفارقات معرفيّة عن الزّمن السّابق للحرب ، و هذا بغضّ النّظر عن إرادة الفاعلين ، إذ أنّ ” الموضوعيّة” هي من تولّى هذا التّجاوز التّاريخيّ وليست ذوات البشر و رغباتها و حاجاتها الضّروريّة ، و هذا ما ينضاف بطبيعة الحال إلى تعريف “ الإبستمّية” في الأصل .
    إنّ من أبسط النّتائج التي استطاعت أن تشكّل ظاهرة ساحقة اجتماعيّاً ، هو ذلك الاتّجاه المباشر ، مقصوداً أو غير ذلك ، نحو امّحاء ” الطّبقة الوسطى” و زوالها زوالاً نهائيّاً من التّناضد الاجتماعيّ و السّياسيّ ، إثر هزيمتها الاقتصادّية الماحقة التي شكّلتها انزياحات مباغتة لإعادة توزيع الكتلة النّقديّة السّائلة في المجتمع ، هذا مع أخذنا بعين الاعتبار الخراب الذي عصف بشكل أساسيّ برؤوس الأموال الّصغيرة و المتوسّطة ، و خروجها نهائيّاً من عمليّة الإنتاج الاجتماعّية في انحسارات قسريّة أو زوالها زوالاً فعليّاً و تبدّدها ، نتيجة لاستهلاكها كرؤوس أموال هي نفسها بعد خروجها القسريّ من عمليّات الإنتاج .

    4 و لقر ترافق هذا الأمر مع تطابقات سياسّية و أخلاقّية للواقع الجديد ، حيث تقدّمت إلى واجهة المشهد السّياسيّ و الفكريّ و الثّقافيّ طبقة جديدة من “ النّجوم” الإعلاميين ، الذين ما كان لهم ذلك لولا انسحاب الطّبقة الوسطى نفسها انسحاباً غير اختياريّ ، على اعتبارها كانت هي الحامل الرّئيس للفكر و الثّقافة و القيم و التّقاليد الإدارّية التّنمويّة في المؤسّسات العامّة ، و السّلوك الثّقافيّ الحضاريّ ..
    و هذا على رغمُ أنّ مجتمعاتنا لم تنجز هويّتها الطّبقيّة الحدّيّة و الواضحة ، كما هو الأمر في الدّول الصّناعيّة و المجتمعات المتطوّرة ..
    فيما حلّ محلّ ذلك كلّه فئات متموّلة حديثاً في ظروف الحرب ، فكانت “حديثة النّعمة : نوفا ريش ” - كما يقال - إضافة إلى أنّها حديثة الظّهور في مقدّمة المشهد العامّ ، داحرة إلى الخلف فئة هي بطبيعتها خلقت لتكون في هذا الموقع المتوسّط بين الشّعب و الدّولة ، كما لتكون ذلك الوسيط الاقتصاديّ الذي يغذّي خطوط الانتاج الاقتصاديّ الكبيرة ، على اعتبارها فئة اقتصاديّة وسيطة ، أيضاً ، في التّداول و الخدمات و الاستهلاك ..
    ولقد جرى ذلك ، بطبيعته ، في ظروف هروب و تهريب رؤوس الأموال الكبيرة صاحبة المشاريع الاقتصادّية الكبيرة التي نعبّر عنها عادة بالبورجوازيّة الوطنيّة .

    5 جرى ذلك بوضوح “ إبستميّ” معرفيّ و فكريّ و ثقافيّ مباشر ، عندما تراجع المفكّر الحقيقيّ في هذا المشهد مندحراً اندحاراً مأساويّاً فرضته عليه ظروف ظهور الطّبقة الجديدة الهجينة من أصحاب القرار الاقتصاديّ - السّياسيّ - الثّقافيّ ، و هو ما جعلها أيضاً تُعمّم نفسها - بحكم “ الموضوعيّة” - على المبادئ الفكريّة في المجتمع و مقاييس الكفاءات و سلّم القيم .
    لقد تخلخل البنيان الاجتماعيّ خلخلة شديدة ، جرفت معها الكثير من علامات المهارات العقلّية البشريّة التي أصبحت أضحوكة اجتماعيّة و تجسيداً حقيقيّاً للنّفي و الغربة داخل الوطن ، ناهيك عن الشّكّ الشّامل بجدوى تلك القيم التي غابت و اندثرت مع أصحابها و إلى الأبد .

    6إنّ أهمّ ما يُميّز هذا التّحوّل “ الإبستميّ” ، علاوة على ما قلناه ، هو التّراجع الذّاتي و الموضوعيّ للمعرفة ، و دعم ذلك التّراجع حتّى الاختناق دعماً سياسيّاً في المؤسّسات العامّة ، عن طريق الوجه الآخر لهذه الطّبقة الاجتماعّية الوليدة كسرطان مستشرٍ في الجسد الوطنيّ ، ذلك الوجه المتمثّل بأصحاب القرار السّياسيّ الحكوميّ ، أو بالأحرى الحكوميّ السّياسيّ ، الذي كان أن تقدّم الصّفوف الحكوميّة في المؤسّسات كنتيجة طبيعيّة لاندحار الفكر و الّثقافة ، و دحرهما القسريّ ، و صار النّاطق السّياسيّ السّلوكيّ المباشر لطبقة المتموّلين الجدد التي تضمّه إليها ، في ما تضمّه ، كمعبّر فوقيّ عن هذا التّحوّل الإبستميّ .
    و نحن إذا قبلنا بمبدأ “ الواقع الفعّال” الذي يُعتبر أساساً لكلٍّ من التّواصل و التّعبير و الفعل و القول ، فإنّنا سنجد أنفسنا في قلب الخطاب الذي يوحي به النّصّ أو توحي به الآثار المباشرة لتحوّلات " المعرفية ( الإبستمّية) ، في ذروة العمل السّياسيّ الذي عليه ، بطبيعته ، تسويغ الواقع المعرفيّ على نحو يبدو معقولاً ، في إطار ” عقلانيّة” سياسيّة تحتاجها شرعيّات “ التّداوليّة” الدّلالّية السّياسيّة في إطار التّعبير ، ما أمكن ، على صواب الاتّجاه السّياسيّ الحكوميّ ، فيما هو في الحقيقة ينسف جميع المعايير التي بواسطتها خُلقت علوم التّقويم و قياس الأداء .

    7 كان من نتائج هذه التّحوّلات “ الإبستمّية” ما هو ، أيضاً ، أخطر ، كثيراً ، ممّا تقدّم . لقد نسفت الظّروف المستجدّة ، وفق ما حاولنا الإحاطة بها من جانب محدّد ، أعلاه ، كلّ قيمة للعلوم و المعارف ، فيما لم نعد نسمع أو نشاهد إلّا ما يُسمَّون “ علماء الدّين” ، و كأنّ الدّين هو ذلك الحقل العلميّ الخطير و الدّقيق و الذي على أساسه فقط ، و على أساس “ علومه” ، تقوم نهضة الحضارة و إعادة تشييد المكان و ترميم الزّمان ..
    هذا في الوقت الذي تصل فيه أقصى ما تصل هذه “العلوم” إلى تحقيقات روايات ناقلي “الأحاديث” المكذوبة عن السّيّد محمّد نبيّ الله .
    هكذا اصطبغت “ إبستميّة” الحاضر السّياسيّ و االاجتماعيّ و الاقتصاديّ و العلميّ و التَّقنيّ ، بحدود “الأكاذيب و ” المكذوبات و “الصّحاح” ، في غفلة عن “الإبستمّية” العالميّة المعاصرة في جيل الحروب الرّابع ، و هو جيل الحروب و تحقيق الأهداف بواسطة الآخرين .
    لقد تبيّن للعقل المفكّر أنّنا ندخل “إبستميّة” قروسطيّة ، بدلاً من مواكبة الإبستمّية العالميّة التي تتميّز بأدواتها المعرفيّة العلميّة - الفلسفيّة - المعرفيّة و التّقنيّة (التّكنولوجيّة ) ، و التي كانت هذه الحرب ، المتطوّرة بشذوذ ، إحدى أهم نتائج هذه الإبستمّية التي تميّزت و تمايزت بها “ حضارة العالم” .

    8 و من هذه ”الإنضاجات” الإبستمّية أنّه تمّ ما يُشبه إذلال العقل ، عن طريق تمجيد الجهل و الأمّيّة الاجتماعّية و العلميّة و الإدارّية و السّياسيّة و الأخلاقّية ، في آن واحد ، عندما أتيح و يُتاح لكثير من الجهلة و الأّفاقين و المرتزِقة و الانتهازيين ، أن يعتَلوا سلالم ” المجد” و “الحكم” و “الشّهرة” و “المال” ، بحيث أنّ ذلك أصاب القيم الفكريّة الأرضّية و السّماويّة بالتّسخيف و التّحقير و عدم الجدوى في مواقف الشّرف الوطنيّة و الإنسانّية و الاجتماعّية و الأخلاقّية ؛ فانقلبت المعايير رأساً على قدمين ..
    و صار مجرّد ظهور الأشراف بين النّاس يشكّل استخفافاً بهم من قبل هؤلاء ، و في الأقلّ يشكّل إحراجاً لهم أمام نظرة قيميّة ساقطة و هابطة .

    9غير أنّ أخطر ما طرأ من تحوّلات “إبستمّية” - معرفيّة - إنّما هو تعميم فوضى أخلاق “الفساد” ، فبدا العالم في سورية و كأّنه مزرعة للفساد و زريبة للفاسدين ، الذين يكادون يكونون جميع من يستطيع الاعتداء على القيم العاّمة و الفضيلة المسلكيّة و المال العامّ و الشّأن العام ، من جهة أنّ كلّ من يستطيع إلى ذلك أيّ سبيل ، لم يعد يجد أمامه من رادع يردعه ..
    و قد تعمّمت هذه الأخلاقّيات العمليّة و المسلكيّة من الحاكميّة السّياسيّة التّنفيذيّة و حتّى أدنى مستخدم عامّ في أصغر المؤسّسات العامّة و في أصغر و أضيق أماكن و مشاريع “المجتمع الأهليّ” ، و في ما بين الأفراد اليوميين في علاقات الاجتماع و التّبادل اليوميّ المحدود والبسيط .
    لقد أدخلت الحرب سورية في نفق مظلم من قيم الجهل و الاستسهال في تحصيل الثّروة و المناصب السّياسيّة و المراتب الاجتماعّية ، في الوقت الذي خفضَ فيه من شأن الفكر و العلم و العقل و القيم و الأخلاق .
    هذه هي الصّورة “الإبستمّية” باختصار ، التي نشأت مع الحرب ؛ و من المشكوك فيه أنّها صيغة زمنيّة مؤقّتة باعتبارها أضحت حالة عامّة أخذت أشكالاً تنظيميّة أو منظّمة ، فأتقنت التّشبّث بمكتسباتها التي لا تتكرّر ولا حتّى في الأحلام ، فكانت منظومة و تشكيلة اجتماعّية اقتصاديّة و سياسيّة و فكريّة و تنظيميّة و أخلاقّية و معرفيّة غير مسبوقة قبل الآن .

    10 يغلبُ في الحروبِ سيادة مبادئ القبح البشريّ في أجلى صوره الكامنة ، و تحتلّ الإبستمّية العامّة للعصر فقدان مبدأ العدالة على نطاقٍ شامل واسع و مطلق .
    و في مكان العدالة يَشخَصُ مبدأ آخرُ تنقسم عليه الصّورة الشّاملة ، و الذي يمكن تلخيصه بانقسام العالَم إلى ظالمينَ و مظلومين .
    وغير أنّ هذا التّقسيم لا يُعرِّف طرفيّ الحرب المتصارعَين ، و إنّما تختلط صورته فإذا بالّظالمين و المظلومين في كلّ من طرفيّ أو أطراف الحرب ، على نحو يغدو فيه تبرير كلّ شيء و تسويغه أمراً ضروريّاً لاكتمال انتفاء مبدأ العدالة .
    إنّ الإبستمّية المعاصرة تتلخّصُ ببساطةِ عُمق مبدأ غياب العدالة ، أو غياب مبدأ العدالة ، فيما يجنح الكثيرون إلى “البطولات” المزّيفة ، و طبعاً باستثناء أولئك الذين تقدّموا مواكبَ الحياةِ إلى الشّهادة و الموت دفاعاً عن الآخرين .

    ● ثانياً - انقطاعات سياسيّة :

    11 لقد نسفت هذه الحرب ، لأوّل مرّة ، ذلك التّواطؤ بين الدّين و العلمنة ، في ما كان منتشراً من ” توفيقيّة ”كاذبة ما بين ما كان يُسمّى“ التراث”و “المعاصرة” كعنوان مُضلِّلٍ لذلك التّواطؤ التّاريخيّ الثّقافيّ ، ما بين ”السّلفيّات” بمختلف تسمياتها ، و المعاصرة السّياسيّة ، و بخاصّة منها المعاصرة اليساريّة كما نعرف جميعاً هذه ” المؤامرة” الاجتماعّية - السّياسيّة ، ضدّ الدّولة الوطنيّة وضدّ ” المجتمع” بوصفها نظاماً لبوتقة مختلف العناصر الذّريّة ، التي تشكّل موادّ التّفاعلات الكيميائّية الدّاخلة ، موضوعيّاً ، في مُعادلات الاجتماع الّراديكاليّ .
    لقد وصلت انفصامات و انفصالات هذه ”التّوفيقيّة” ، حتّى إلى جسد ”النّظام” السّياسيّ نفسه ، عندما أعلنت السّلفيّات ، بصيغتها السّياسيّة المتداخلة في نظام الدّولة الرّسميّ ، عن مفارقتها للمشروع العام المتمثّل بالدّولة ، فأظهرت موقفها المناوئ حتّى ضدّ هيكليّات الدّولة نفسها و ما يُعبّر عنها من مؤسّسات ..
    و رافق ذلك أنواع عديدة من الثّأر السّياسيّ و الانتهازّية ”الطّفوليّة اليساريّة” ( هذا إذا استعملنا كلمات لينين ) ، و نشأت التّحالفات الحمقاء بين أقصى اليمين السّياسيّ الدّينيّ الرّجعيّ ، مع أقصى الفكر السّياسيّ اليساري ( الشّيوعيّ ) ، مع شخصيّات سياسيّة مستقلّة محسوبة على اليمين الرّجعيّ ، و أخرى مثلها محسوبة على اليسار المتطرّف .

    12 نشأت التّعاضدات بين ”التّغريب” السّياسيّ الأوربّيّ مع أقصى أشكال الرّجعيّة الدّينيّة ، متمثّلة بدول و قوى استبداديّة دينيّة و طائفيّة إرهابيّة و تكفيريّة عربيّة و إسلامّية ..
    فيما نهضت من جديد قوى اجتماعيّة خاملة في إطار ”خطاب” سياسيّ استخدمته ”المعارضات” الممسوخة و المرتهنة للنّظم السّياسيّة في دول عربيّة و إسلامّية رجعيّة ، برعاية الغرب الأوربيّ و الأميركيّ ، في تجييش خطاب سياسيّ استخدم أقصى أدوات التسذيج الفكريّ و الثّقافيّ الرّجعيّ و السّلفيّ ، المطعّم بشعارات مستعارة من شعارات ”الثورة البورجوازيّة الفرنسيّة” ، و المؤسّسات و الهيئات الدّوليّة المرتهَنة للغرب الإمبرياليّ ، كمنظّمات ” حقوق الإنسان” و “الدّفاعات عن الحرّيّات” العامّة وذلك بخطاب مكشوف التّحريض الغربيّ على الدّولة و ”المجتمع ”في سورية ، منطلقاً من الاّتكاء على قوى اجتماعيّة رجعيّة دينيّة و قبليّة و عنصريّة ، و متوجّهاً بالعداء المباشر إلى الأقلّيّات الدّينيّة و الدّيموغرافيّة الأخرى ..
    و قد شكّل هذا الواقع أبعد أشكال الفصام السّياسيّ الدّاخليّ للمعارضات الظّرفيّة الرّاهنة المرتبطة بالأجنبيّ ، مع فصامات أخرى لتلك المعارضات مع قوى اجتماعيّة وطنيّة ، فاتّخذت لها تلك المعارضات مواقع عدائيّة صريحة للتّقدّم التّاريخيّ .

    13 تأكّد للتّاريخ صراحة خلو المعارضات السّياسيّة الظّرفيّة من أي أثر لأيّ تيار علمانيّ تقدّميّ يمكن البناء عليه ، إذ سرعان ما انفضّت قوى اقتصاديّة و سياسيّة لها وزنها الاجتماعيّ عن قوى المعارضة ( غالبيّة تجار و صناعيي و اقتصاديي دمشق و حلب) ، فما كان من المعارضات إلّا أن لجأت إلى الاستقواء بالحاضنة الاجتماعّية الرّجعيّة ، متمثّلة بأقصى قوى التّطرّف الدّينيّ الرّجعيّ و تعبيراته الاجتماعّية المنغلقة على نفسها في المجتمع السّوريّ .

    14 أثبت التّاريخ زيف معظم مرتكزات الحامل الفكريّ الماركسيّ في المجتمع السوري ، عندما تعاضدت قوى“ماركسيّة - لينينيّة” مع أقصى التّيارات التّكفيريّة الدّينيّة و الإرهابّية ، ذات التّوجّهات البربريّة الدّينيّة القائمة جذريّاً على العداء الطّائفيّ و المذهبيّ الدّينيّ ، في صيغة من صيغ التّحالف النّادرة في التّاريخ السّياسيّ ، و حتّى في التّاريخ الرّاديكاليّ السّياسيّ في تاريخ الأمم و الشّعوب المشتهر .
    من جانب آخر ، فقد زال كلّ أثر لتلك " الإجتهادات " التي جاء بها ( الأفغاني ) و ( محمد عبده) حول ما سمي بالتّحديث الدينيّ في ما سمّي عصر النّهضة أو اليقظة العربيّة في أوّل القرن الماضي ، العشرين ، و دعوتهما إلى الإسلام العلمانيّ أو الدّين العلمانيّ ، إذ أثبت التّاريخ السّياسيّ أنّه ليس هنالك رابط سياسيّ حَمْليّ ، أبداً ، سلبيٌّ أو إيجابيٌّ ، ما بين العلمانيّة و االدّين ..
    و هذا لا يعني بطبيعة الحال أّنه ليس ثمّة رابط بين العلمانيّة و الإيمان ، أو العلمانّية و ممارسة الشعائر الدّينيّة و العبادات الكاملة عند أصحابها المؤمنين .
    إنّ العلمانيّة لا تتّجه إلى المعتقدات الشّخصيّة للأفراد ، و إنّما هي سبيل إلى تنظيم أداء الهيئات الاجتماعيّة و السّياسيّة في إطار العمل و العلم و الإنتاج .

    15 طرأ تخلخل عميق على البنى الاجتماعّية و السّياسيّة ، و انفضّ آخر وهم عن إمكانيّة المصالحة التّاريخيّة بين الدّين و السّياسة ، و لو أنّه بصعوبة كأداء يمكن أن يسلّم ”الدّين” السّياسيّ ، أسلحته ، ليستسلم لواقع التّغيّرات الاجتماعّية و السّياسيّة التي لا رجعة تاريخّية عنها ، و لو أبدى الواقع ما يُخالف هذه الحقيقة .
    إنّ ما زال لا يمكن له أنّ يعود .. و التّاريخ السّوريّ المعاصر حافل بمثل هذه الأمثلة الاجتماعّية و السّياسيّة التي شكّلت منعطفات ثقافيّة سوريّة تقدّميّة ، و هذا ما يُلقي الضّوء ، أيضاً ، على تفسير سُعار القوى الدّينيّة الرّجعيّة في الدّولة و المجتمع ، و محاولاتها تجديد مشاريعها الدّينيّة و جعلها أكثر مقاومة و معاصرة ، تحت ضغط الإحراج السّياسيّ للنّظام الرّسميّ الذي لا يمكنه ، اجتماعيّاً ، القطع النّهائيّ مع قوى الماضي الرّجعيّة على أساس أنّها تتسلّح بضغط اجتماعيّ واقعيّ جدّيّ يمكن للسّياسة استيعابه ، و لكن في إطار المشروع الذي يجب أن يكون ناجزاً أمام الدّولة و مؤسّساتها في التّغيير .

    16 أنجزت سورية الإطار التّاريخيّ لمفهوم الهويّة الحضاريّة المشرقيّة ، بتوضيح حقيقة هزالة الهويّات القطريّة العربيّة الممزّقة ، إذ أعادت إلى الأذهان ضرورة التّحالفات الكبيرة المعاصرة لمواجهة زحف العولمة الذي يُريد ، أوّلاً ، إنهاء المجتمعات و الدّول و الهويّات و تفتيتها إلى كيانات عاجزة وأكثر عجزاً ..
    فاتّجهت سورية في مناخ غياب الهويّة السّياسيّة القوميّة ، إلى تحالفات و شراكات عقائديّة شكّلت بديلاً تاريخيّاً للهويّة القوميّة ، من دون أن تتخلّى سورية عن طموحاتها القوميّة و استشعار ضروراتها ، و هي التي لم تقطع نهائيّاً مع “العرب” في أكثر أشكال النّظام الرّسميّ العربيّ هزالة و هشاشة ، معوّلة على مستقبل سياسات الشّعوب العربيّة التي لا يمكن أن تبقى على ما هي عليه من مسوخيّات في إطار الأنظمة العربّية الرّجعيّة الممسوخة .
    و في هذا المناخ رفضت سورية أيّة تسوية مع “الغرب” الاستعماريّ ، لتكون قدوة أمام النّظام الرّسميّ العربيّ ومحفّزاً له ، لينقلب على تحالفاته الرّجعيّة تاريخيّاً مع الدّول الكولونياليّة التّقليديّة في أميركا و أوربّا الغربيّة على وجه الخصوص .
    لقد كشفت الحرب السّوريّة حجم التّدخّلات الغربّية في الشّؤون الدّاخليّة العربيّة ، و في هذا الإطار فضحت الحرب جبن و رجعّية النّظام العربيّ الرّسميّ ، و أماطت الّلثام عن الوجه المزيّف للأنظمة العربّية و تواطؤاتها مع الغرب الاستعماريّ و ارتباطاتها العضويّة فيه ، فقدّمت للشّعوب العربيّة نموذجاً وطنيّاً و قوميّاً يُحتذى ..
    و هذا ما حشر النّظام الرّسميّ العربيّ في زاوية خانقة و ضيّقة ؛ و هو الأمر الذي عملت الأنظمة الرّجعيّة العربيّة على تجنّبه عن طريق التّعتيم الإعلاميّ على حقيقة الحرب السّوريّة و تزوير هذه الحقيقة و تصويرها على أنّها حرب دولة ضدّ مجتمعها أو حرب قوى إقليميّة ذات أهداف سياسيّة خاصّة ضمن مشاريع ديموغرافيّة خاصّة و ما إلى ذلك من هروب رسميّ عربيّ من كشف زيفه التّاريخيّ أمام شعوبه و مجتمعاته التي دخلت مرحلة جديدة من الوعي السّياسيّ مع وقائع و حقائق الحرب الوطنيّة السّوريّة العظمى .

    17 و من جانب غير استثنائيّ تعالت أصوات رافضة لعروبة سورية بعد أن اتّضح كيف جرى لسورية ما جرى لها من ويلات بسبب العرب أنفسهم أوّلاً ؛ و كان من الواضح أنّ هذه الأصوات قد سوّغت لها الظّروف السّياسيّة العربيّة الرّسميّة نفسها أن تتعالى ، من دون تمييز أنّ العروبة بذاتها لا ُتقَوّمُ من خلال النّظام العربيّ الرّسميّ ، الذي يُطبق على صدور شعوبه و يجثم عليها أثقالاً خانقة تمنعها من التّنفّس و التّعبير عن مشاعرها العربيّة إزاء سورية و بأي شكل من أشكال التّعبير .
    لقد انشطرت الهويّة إلى شطرين ، فمِن مؤمن بالهويّة العربيّة لسورية ، إلى من ينادي بالهويّة السّوريّة التّاريخيّة و غير العربيّة . و بدا أنّ لكلّ فريق من الفريقين مسوّغات اعتقاده المعاصرة .
    لقد تخلّى النّظام العربيّ الرّسميّ عن سورية ، ناهيك عن ” الدّول العربيّة” التي كانت رأس الحربة في طعن سورية و غدرها غدراً لئيماً ..
    هذا مع أنّ من بقي على إيمانه بعروبة سورية لم ينطلق من واقع عربيّ إيجابيّ بالنّسبة إلى الحرب السّوريّة ، و لكنّه تمسّك بعروبة سورية التّاريخيّة و عمقها القوميّ في إطار أمّة هي تاريخيّاً ، ربّما تكون قيد استعادة أمجادها القوميّة التّاريخيّة التي شهد لها بها العالم يوماً من أقصاه إلى أقصاه .
    غير أنّه بقيت أصواتُ العروبيين عالية بعد أن تفهّم أصحابها أنّ العروبة لا تُختزل إلى الأنظمة السّياسيّة الحاكمة في الدّول العربّية ، و إنّما العروبة هي تلك الرّابطة التي تتعالى حتّى على السّياسة نفسها انطلاقاً من مبدأ الهويّة التّاريخيّ و قدر التّاريخ الذي لا رادّ له . و قد أكّدت هذه الهويّة ذاتها في التّاريخ في أكثر من مناسبة و أثبتت واقعيّتها و حضورها الحقيقيّ .
    و على هامش هذا العبث بمبدأ الهويّة التّاريخيّ ، و في ظلال ذلك ظهرت طروحات مشكوك بأسبابها نادت بالكونفيدرالّية السّياسيّة ( و حتّى الدّينيّة ) فاستغلّت بعض الأصوات السّياسيّة ، الفرصة السّياسيّة الثّمينة للعبث بالمكوّن التّاريخيّ الثّابت للمكان ، بأن قامت تلك الأصوات بطروحات سياسّية شاذّة ، تدعو إلى كونفيدراليّة إقليميّة إسلامّية ، كبديل عن مبدأ الهويّة ، تشتمل دولاً عديدة في المنطقة ، و ذلك بدءاً من إيران و مروراً بالخليج العربيّ و سورية و نهاية - حتّى - بتركيا نفسها بالذّات .
    لقد كان من الواضح أنّ هذا الطّرح السّياسيّ ، إنّما هو طرح مؤدلج في إطار مشروع مرغوب فيه من قبل الإسلام السّياسيّ في المنطقة ، و ذلك على مختلف أنواع و أشكال و ضروب هذا الإسلام السّياسيّ .

    ● ثالثاً - تحوّلات فكرّية :

    18 من الطّبيعيّ أن تصبّ تلك الانقطاعات و التّحريفات في تحوّلات فكرّية ، يخشى أن يكون لها طابع التأصيل و الدّيمومة في تاريخ سورية المقبل .
    لقد توهّم الكثيرُ من “المفكّرين” السّياسيين و المثقّفينَ على مختلف عقائدهم و مشاربهم العلميّة و الفكريّة ، أنّ “المشكلة” الجوهريّة ترتسمُ ضمن إطار غياب الدّيموقراطيّات و الحرّيّات العامّة و بخاصّة منها حريّات الأحزاب السّياسيّة و ما أسموه “ المجتمع المدنيّ” ، فانتبجتْ الأفكار “العصرّية” (”المودرن”) التي تقلّد “ الغرب” تقليداً بالمحاكاة الحَرْفيّة لمفاهيم و مبادئ فصل السّلطات و تداول السّلطة ، و إطلاق الحرّيّات العامّة للتّنظيمات و الأحزاب السّياسيّة ، في بلد مجتمعه هو أشبه بالجماعات المتخندقة و عيونها القبليّة مفتوحة أبداً على الثّأر و الموتوريّة والطّغيان .
    و مع أنّ المشكلة - كما قد تبيّن ، أخيراً ، للجميع ، فيما حدّدها الوطنيّون السّبّاقون ، مُبكّراً - إنّما تكمن في المشروع العالميّ الذي كان لهذه الحرب تقدير أن تكون مفتاحه الجيوبوليتيكيّ الدّوليّ في مواجهات الدّول و القوى و التّجمّعات الكبرى العالميّة ، عبر " مؤامرة " إمبرياليّة عالميّة ..
    فإنّ الدّولة السّوريّة قد استجابت إلى أفكار هؤلاء بسرعة قياسّية تمخّضَ عنها تغيير كامل أو تعديل عميق للدّستور ( دستور 2012 المعدّل ) ، فيما لم يُفلح هذا الأمر و لم يترك أيّ أثر على سير الصّراع الذي كان صراعاً مخطّطاً قبل بداية تنفيذه بزمن بعيد .

    19 نتيجة للتّواطؤ الغربيّ العالميّ و الإعلام الرّجعيّ العربيّ و الدّعم المحلّيّ و الإقليميّ و العربيّ لقوى الإرهاب في “الثّورة المضادّة” ، جرى تطوير لأفكار اجتماعيّة و ثقافيّة و سياسيّة ، بأنّ ما يجري في الحرب السّوريّة هو حرب شعبيّة ضدّ نظام احتكاريّ و دكتاتوريّ !!
    و لقد جرّ وراءه هذا التّفكير المدجّن حاضنة شعبيّة سوريّة واسعة للإرهاب ، فيما كان ثّلة من المرتزقة في “الخارج” يقودون الكثير من رعاع الدّاخل ، مع الغرباء الذين جرى استيرادهم من مجرمي العالم المتأسلمين السّياسيين ، و يسعّرون الأفكار الغوغائّية التي قادت التّنظيمات الإرهابّية المسلحة في وجه الدّولة و المجتمع السّوريين لمدة قاربت ، و هي تقارب ، عقداً ، حتّى الآن ، من الزّمان .

    20 و إذا أخذنا بعين الاعتبار المعدّلات الّشاذّة و المنحرفة لمتغيّرات دالّات الجهل و الأمّيّة و الحقد الدّينيّ و الطّائفيّ و عدم الانخراط في أطر تنظيمّية شعبيّة ، منضافاً إلى ذلك تردّد التّنمية و انخفاض معدّلات الإنتاج و تواضع الموازنتين الاستثمارّية و الجاريّة ، و سوء توزيع الثروة الفعليّة و تفاوتها بين المدينة و الرّيف ، و عدم استقطاب جمهور العاطلين عن العمل الذي يشكّل ، و قد شكّل ، الخزّان الاحتياطيّ لمجرمي الإهاب و المقاتلين المسلّحين ضدّ الدّولة السّوريّة ..
    فإنّ ذلك أسّس للاستثمار الثّقافيّ الفكريّ في الجماعات المهمّشة السّوريّة ، كما شكّل إغراء للمجرمين الأجانب المستقطبين إلى سورية ، و ذلك في إطار نجاحات واقعّية و حقيقيّة لإنتاج أفكار منظومّية دينيّة و طائفيّة و عنصريّة شتّى ، كانت الذّخيرة النّظريّة في صلابة التّحوّلات الفكرّية الجديدة التي لن تُمحى بهذه السّهولة و اليُسر ، الّلذين قد يدغدغان عقول السّاسة السّوريين ، و هذا أمر لا يبدو أنّ أحداً قد أخذه على محمل الجِدّ ، بعد .
    و يبقى عامل عدم إيلاء برامج الّتنمية الحديثة الأهمّيّة الأولى و الجوهرّية في المجتمع السّوريّ ، بمثابة الخلفيّة الثّابتة لإعادة إنتاج قوى الّتكفير الظّلامّية ، هذا إذا احتسبنا تطوير المدارك التّاريخيّة و التّربويّة و الاجتماعّية و السّياسيّة و الفكريّة ، في مختلف مستويات التّربية و التّعليم ، جزءاً استراتيجيّاً من برامج التّنمية الشّاملة .

    21 بالمقابل فقد ظهرت هُوَةٌ فكريّة و سياسيّة حقيقيّة و فعليّة في جسم الدّولة السّوريّة ، من خلال منظومة إدارّية ، بخلفيّة فكريّة بدائيّة و متخلّفة في النّظرة إلى الشّأن العامّ ، غريبة تماماً عن “الدّولة”.
    و لقد أثبتت الحكومات المتوالية في سورية ، في العقد الأخير ، من تاريخ الدّولة الوطنيّة السّوريّة ، أنّها ، بمجملها ، تعيش و تمارس الحكم و الإدارة ممارسات ارتجالّية و شخصيّة ، بعيدة كلّ البعد عن المشروع السّياسيّ و التّنمويّ الذي يعتنقه رئيس الجمهوريّة و يؤمن به و يعمل عليه .
    و لقد ظهر الأثر السّلبيّ الحادّ لهذا العجز الفكريّ السّياسيّ الحكوميّ ، صريحاً ، بفضل الممارسات الاستهتارّية الحكوميّة بجوهر القرار السّياسيّ السّياديّ الأعلى ، و بالّلهفة الصّريحة التي يُصاغ بها هذا القرار متكرّراً مع كلّ تشكيل أو تغيير أو تبديل حكوميّ .
    إنّ الهُوّة العميقة و الواسعة و العريضة و التي تفصل الدّولة عن ” الدّولة” المتمثّلة بالحكومات المتوالية ، قد شكّلت ظاهرة خطرة في أداء المؤسّسة العامّة و المرفق العامّ ، حتّى يُخيّل للمراقب الاجتماعيّ و السّياسيّ ، أنّ هذه الحكومات هي حكومات تصريف أعمال أو حكومات في بلدان اسكندنافيّة!
    إنّ الفجوة الفكريّة و الاجتماعّية و السّياسيّة التي تفصل الأداء الإداريّ الحكوميّ عن المجتمع ، و التي شكّلت عزلة كبيرة و واسعة للدّولة عن المجتمع ، هي في تفاقم و ازدياد و ليست ، على العكس ، في اندمال و تقارب .
    و من الطّبيعيّ أن نصنّف هذه الظّاهرة في عداد الانحسار الفكريّ السّياسيّ ، في الشّعور بالمسؤوليّة و الالتزام بالواجبات ، و من الطّبيعيّ ، بالتّالي ، أن نعاصر إنذارات اجتماعيّة و سياسيّة ، سيكون أول تظاهراتها في فينومينولوجيا الأفكار ، و هذا ما هو غير صحّيّ ، و هو من باب الدّيموقراطيّة الذّرائعيّة ، الآن في مثل هذه الظّروف الاستثنائّية التي يمرّ فيها الوطن ؛ مع العلم أنّ هذه “ الظّاهرة” المستحكَمة ، قد سبّبت و تسبّب عزلة جديدة للدّولة عن المجتمع ، على اعتبار أنّ المواطن ، بشكل عام ، ليس من شأنه التّفريق أو التّمييز بين “ الحكومة ”و “ الدّولة” .

    22 إنّه بالقدر نفسه الذي اتّسعت فيه هذه الفجوة مشكّلة هُوَّةَ العزلة السّياسيّة للدّولة عن المجتمع ، و بالتّوازي معه ، ظهرت أفكار نفعيّة و أخلاق متدنية و تُعلي من شأن الاهتبال الانتهازيّ للمتاح من حقوق و أملاك العاّمة من الشّعب ، على أنّها هي صاحبة الّلحظة الزّمنيّة ، بجميع ما تتضمّنه هذه الّلحظة و تشتمل عليه ، من فرصة و نفعيّة و مصلحة و انتهازيّة و قرصنة مشهودة و علنيّة ، حتّى باتت أفكار فنون اغتنام الّلحظة سائدة بشكل واسع ..
    و من الطّبيعيّ أن يستبعد هذا النّمط الفكريّ العمليّ و التّفكيريّ كلّ اتّجاه نحو التّنمية العامّة للموارد الوطنيّة ، إذ أنّ مفاهيم كالوطنيّة و الاجتماعّية و المصلحة العامّة و الشّأن العام ، أصبحت في عداد المصطلحات المنقرضة من التّداول و التّبادل و العمل و التّقويم .

    23 هكذا استحال الخطابُ السّياسيّ السّوريّ العامّ ، من خطاب منظّم و مُقيّد بضرورات اجتماعيّة و حضاريّة و ثقافيّة و وطنيّة و عالميّة ، إلى خطاب سائب و متسيّبٍ في أروقة الخلفيّات الموازية للزّعم الإعلاميّ المتواطئ ، بطبيعته - إذ أنّه جزء من آليّات و مكوّنات هذا النّظام - و المتملّق ، بالإنجازات التّنمويّة الوهميّة الكاذبة ..
    في الوقت الذي لم يكن فيه النّظام الحكوميّ و الماليّ و الاقتصاديّ ، معنيّاً بتقويم القدرة الشّرائيّة للدّخول المحدودة ، و التي عانت من تقهقر محسوب محليّاً و عالميّاً ، وفق سعر صرف الليرة السّوريّة ، بتراجع بلغ ما يزيد أكثرَ على عشرة أضعاف الدّخل نفسه قبل الحرب ، و هذا ما يستطيع رؤيته و حسابه تلميذٌ في المرحلة الابتدائّية ، و لكنّه كان صعباً على الأداء الحكوميّ ، إذ لطالما كانت الطّبقة الاقتصادّية السّياسيّة قادرة على عدم الخضوع لهذا التّقهقر المأساوي الاجتماعيّ ، على اعتبارها بمنأًى عن هذا التّأثير المباشر أو غير المباشر عليها .

    24 إنّ الاستحالات الفكرّية و السّياسيّة و الواقعيّة و الاجتماعّية ، و بخاصّة في ظروف هذه الحرب المدمّرة الموجعة الطّاحنة للمجتمع ، قد تركت ، و سوف تترُك ، آثاراً من العصيان الزّمنيّ و الاستعصاء التّاريخيّ بعلامات فارقة دائمة و شبه أبديّة ، إن لم يجرِ استدراكها ، الآن ، و منذ هذه الّلحظة ، و معالجتها معالجة جريئة و مباشرة ، و بآليّات تخضهع إلى دراسات نظريّة إسعافيّة و سريعة ، من قبل من هم مشهود لهم - بالنّسبة إلى الدّولة و أجهزتها التّاريخيّة بالاستقصاء المعلوماتيّ الأرشيفي - بالشّرف المسلكيّ و الخبرة الواسعة و النّادرة في التّدبير و الإدارة و التّنمية و المال و الاقتصاد و القانون .. ، إلخ ؛ و المجرّبون و المعروفون على مستوى القيادة و الإدارة و التّنظيم و التّنفيذ و التّشريع و التّقنين و التّقعيد ، بعقليّة حرّة و مواكبة للتّطوّرات المؤسّساتيّة العالميّة ، لا يحد من هذه الحريّة سوى حدود مفهوم المصلحة الوطنيّة بأوسع معانيه و دلالاته و ضروراته و مقتضياته ..
    و يؤمنون بأنّ المسؤوليّة و الواجب هما قضيّتا أخلاق مسلكّية و وطنيّة ، قبل أن تكونا مسؤوليّات قانونيّة و جزائيّة ينبغي تطبيقها بحذافير منطوق القوانين ، و هذا ما ينطبق أوّل ما ينطبق على معالجة ضعف الجهاز القضائيّ ، هذا الضعف الذي تجاوز كلّ المعايير و المقاييس المعروفة .

    25 و أخيراً ، فإنّه إذا كان للدّولة مصلحة في الاستمرار و النّجاح - و هذا دأب جميع دول العالم - فإنّ الوقتَ قد حان ، و هو في حينونةٍ كاملة ، من أجل تلمّس بداية الطّريق التي ستضع سورية على طريق الدّول العتيدة ، قبل أن يتمكن الذين شنوا الحرب عليها ، من حشرها في حظيرة الدّول الفاشلة ؛ و عندها فإنّ من البديهيّ أنّ خطّ الرّجعة و طريق العودة ، إنّما يكونان قد دخلا مجال المُحال..
    وهذا ما قاتلت القيادة العليا للدولة قرابة عقد من الزمن ولا زالت تقاتل ، لمنع وقوعه ولقطع الطريق عليه.

    ******

    وفيما يلي تعقيب الشاعر والمهندس ياسين الرزوق زيوسأ ياسين الرزوق1:

    ( خطاب سياسي يذوب و هوية تقاوم الذوبان الأبستمولوجي )

    ترفع الأبستمولوجيا سيف تحولاتها فنضيع بين غمد و غمد و تحدث الانقطاعات السياسية فراغات فكرية تفرض التحولات في كلّ الاتجاهات بحيث يتغير الخطاب السياسي بقدر تخبط و فراغ الخطاب الاجتماعي الذي ينحدر من موروثات تاريخية لا تأخذ من التاريخ أكثر من مذبحة العقل.

    ما بين عروبة فقدت أذرعها الاخطبوطية و ما بين سريانية فقدت سوريتها الضاربة في عمق التاريخ و الحياة المدنية الإنسانية وسط فوضى من الحروب الكونية و المؤامرات المتتالية لتدمير المفاهيم و لتقليص ما تبقى من محاكمات منطقية لإعادة الفساد إلى غرفته الضيقة بدلاً من انتشاره الضارب بكذبة المحاكمات الميدانية و المقاربات الداخلية و الإقليمية و العالمية..

    و عليه:

    ١ ): إن مؤرخي الاستشراق و مستشرقي التاريخ لم يجدوا من اليسارية غير هامشية الالتحاق سواء بركب الأذرع الداخلية المدججة بالسلطة و لو كانت في أقصى اليمين أو بركب الأذرع الخارجية المعادية للوطن و الدولة و الشعب و الجيش.
    بل و هي صانعة هذا اليسار الذي خلق لشق الصفوف بقدر يد اليمين الضاربة لقمع التكوين اليساري الصحيح سواء في غرف اليمين أو في مصانع اليسار المدجج بالنفاق و اللا يسار على إثر مذبحة إثر مذبحة نعيشها لتجسيد الانهيار التام و التغييب شبه التام للعقل و المعنى!

    ٢ ): الفجوة بين رئيس جمهورية اسمه الدكتور بشار الأسد رئيس الجمهورية العربية السورية لا يتصرف بمنطق المواكب الجرارة و بين مسؤولين سلطويين لا فكريين أو إداريين يتصرفون بمنطق عقدة الاسم غير المعروف و الفاقد لأدنى درجات المعنى و هم أعرف العارفين أن فاقد الشيء لا يعطيه و يصرون على هذا الأسلوب ليكونوا مطية الأزمنة في انقلاب الإدارة على الإدارة و الدولة على الدولة و الجيش على الجيش و الشعب على الشعب و الوطن على الوطن.
    و كي يسوغوا فكرة الاستهداف بمسوغ الإنجاز و التربص العالمي ما يتيح لهم تسخير المؤسسة بشخصنة و كيدية و بتأهب مكوناتها و خلط الحابل و النابل فيها بحجة الحصار و الحرب و التربص.
    هذه الفجوة التي ذكرناها هي التي خلقت شرخاً مزمناً علينا إعادة ترميم ما ابتلعه من ثقة باتت على شفير التحولات العالمية باستهدافنا لنبقى في مخاض الفشل لا مخاض النجاح!

    ٣ ): ليس الانقطاع السياسي هو هذه الانغماسات الأبستمولوجية في تعاريف و مكونات خلقت من رحم الأزمة العاصفة في سورية بل هو التمرد على فكرة الحقيقة بوهم أبعد ما يكون عن كل الحقائق و هذا ما يجعل جغرافية و جيولوجية الحلول و عمودها الليتولوجي و الجيوسياسي في الدرك الأسفل من عدم المعرفة بطبيعة التحولات و طبيعة ترسيبها و ترسباتها الزمنية و التاريخية في العقل و القلب و الجسد.
    بعد ضرب أو محاولة ضرب مفهوم أن الدولة و الشعب و الجيش و الحكومة و القائد و الوطن كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر و الحمى.
    و كلنا نعلم أن الانقطاع السياسي ينتج عن فوالق و هزات سياسية كبرى يحاولون خلقها في سورية كي يلغوا فكرة استقلاليتها و يجعلوها من خدم العم سام لخلق جسم سوري جديد معجون بالصهيونية الإسرائيلية العالمية!

    ٤ ): تتدحرج المفاهيم المتحولة و يسقط جوهر الهوية أمام تحولات تجعل مصير الأمة على شفير النزاعات العالمية على مفاهيم الأمبريالية و الاستعمار و الغزو بكل أصنافه بدءا بالعسكرية و ليس انتهاء بالثقافية و هذا ما يجعل دور السلطات التي تعيش تورمها و نرجسيتها حتميا في حمل الهوية كي يكون لها حاملاً يحميها بدلاً من أن يكون أول الواطئين!

    ٥ ): ليست الهوية تلك التحولات الفكرية و التعاريف الأبستمولوجية التي تتداخل ثوابتها بمتحولاتها بل هي تلك النزعة التي تبقي حرب القومية منتصرة لنفسها قبل أن تخسر حتى نفسها وسط طوفان الاندماج و الذوبان و التخلي!

    ٦ ): لنا بحديثك أن نمارس تحولاتنا كي ندرك أن الوطن سيد التحولات ليبقينا ثابتين عارفين فاهمين بمعنانا و بإنسانيتنا وسط ضياع العالمين و لك أن نرى فضاءك متسعا كإنسانيتك دكتورنا الغالي بهجت سليمان.

    July 2019
    Su Mo Tu We Th Fr Sa
    30 1 2 3 4 5 6
    7 8 9 10 11 12 13
    14 15 16 17 18 19 20
    21 22 23 24 25 26 27
    28 29 30 31 1 2 3

    شارك برأيك

    مارأيك بالهدنة؟
    عدد الزيارات
    7179210

    Please publish modules in offcanvas position.