nge.gif

    يحيى زيدو: (إيميسا).. تغريبة السوري في الحب و الحرب

    من عالم الفلسفة الذي ينشد ما يجب أن يكون، وعالم السياسة الذي لا يعبأ إلا بما هو كائن أو ممكن الوجود و التحقق، تدخل أستاذة الفلسفةربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏يبتسم‏‏ السياسية الدكتورة (هلا أحمد علي Hala Ahmad Ali) بثقة إلى عالم الأدب الثري بتنوعه و تعدده لتزرع وردتها "إيميسا" في حقل سبقها إليه كثيرون، وسيتلوها كثيرون آخرون. فحقل الأدب يتسع دائماً و يزهو بكل جديد، و يزداد تألقاً بقدر ما يكون هذا الجديد أصيلاً في شكله و مضمونه و عبيره. و لعل هذا هو ما فعلته (هلا أحمدعلي) في روايتها الأولى "إيميسا"، و هي رواية" عن الحرب و ويلاتها، عن أبطالها رجالاً و نساءً، عن الحب و مفارقاته، عن الانسان".
    " إيميسا"، الاسم اليوناني القديم لمدينة "حمص" السورية التي تتوضع في قلب سورية، و منها خرجت ثلاث امبراطورات ليجلسن على عرش روما، و من باديتها خرجت السورية" زنوبيا  المتمردة على ظلم و سطوة الامبراطورية الرومانية. هاهي اليوم تعيد إنتاج ذاتها بأباطرة و امبراطورات يتخلقون في أتون الحرب التي استهدفت الجسد السوري،كما استهدفت قلبه و روحه و عقله.
    من قلب "إيميسا" تبدأ أحداث الرواية لتتسع و تمتد على أرجاء سورية كلها، و تلامس كل منطقة تلظت بنار الحرب.
    تفتتح الكاتبة روايتها بمشهد "سلام" الذي يتراءى بالبصيرة و يُرى بالقلب لكنه عصيٌّ على التحقق في الواقع و أمام الباصرة. "سلام" المفقود الذي اختفى، شأنه شأن كثيرين من الرجال و النساء من المفقودين و المخطوفين في هذه الحرب، هو الحاضر الغائب على امتداد الرواية، إنه "سلام" سورية الذي ينشده الجميع، و يتراءى مرات لكنه لم يتحقق بعد.
    معمار الرواية يتقاطع أفقياً و عمودياً مع البناء السردي للأحداث كما تتقاطع المصائر في الأزمنة المتواترة في الرواية. نحن أمام زمن كلي تنبني عليه أحداث الرواية، لكننا سنجد توتراً في الزمان يحيلنا إلى الماضي أو المستقبل بحسب ما يقتضيه كل حال. فالرواية تتسع أفقياً لتقدم مشهدية الحرب وفق تموضع شخصياتها في مساراتها المتنوعة و المتباينة، التي أجادت الكاتبة في توصيف ملامحها الخارجية، و تفاعلها مع الأحداث، و تقاطع مصائرها مع بعضها البعض. كما تتعمق الكاتبة عمودياً في العوالم الداخلية لشحصياتها في توترها،و تصاعد ردود أفعالها، و خيباتها، و انكساراتها، و فرحها أو حزنها، و في استجاباتها المختلفة للأسئلة و الوقائع المستجدة.
    و لعل أبرز ما يلفت النظر في "إيميسا" هي تلك النماذج النسائية المتنوعة التي شكلت جسد الرواية، و عليها تطرزت حوارات مزركشة متواشجة تتقاطع فيها الأزمنة و المصائر و التقلب في الأحوال و المآل بين الحب و الحرب، و الخيبة و الأمل، و الانتصار و الانكسار. إنها الحرب التي لا رحمة فيها، فكل حبٍّ لا بد أن يتخلق من خيبة، و كل أمل لا بد أن ينبثق من قلب الألم، و كل نجاح لا بد أن يولد من رماد الفشل، و كل انتصار له ثمن باهظ يترك ندبته على الجسد و القلب والروح.
    "أم ماهر "أنموذج المرأة القوية المسيطرة المدبرة، لا تستطيع إلا أن تكون قاسية قسوة الحياة عليها، ستكون المرأة هي أولى ضحاياها في تناقض واضح لشخصية كان عليها أن تدافع عن بنات جنسها، لكن الأنثى التي بداخلها لم تستطع أن تتجاوز قضية "الغيرة" من امرأة أخرى حتى لو كانت من الماضي، ففي سعيها لقتل ذلك الماضي تنضم "أم ماهر" إلى قائمة الذين اتهموا "أم جميل" في شرفها، و هي التي لا ذنب لها سوى أنها كانت ضحية تم اختطافها من قبل المسلحين عند هجومهم على مدينة "عدرا العمالية" قرب دمشق أثناء زيارتها لتمريض أختها.

    "أم جميل" التي كانت ضحية مرتين؛ مرة حين تم اختطافها، و مرة بعد تحريرها حين تواطأ الجميع على إدانة الضحية بحثاً عن تطهر زائف تفرضه ثقافة النفاق الاجتماعي. 
    في مقابل هاتين المرأتين ثمة نماذج أخرى لنساء أخريات. "أم هشام" التي تعرضت للاغتصاب في مدينة حماة أثناء الحرب مع عصابات الأخوان المسلمين، تحمل جرحها و تستقر في مدينة حمص لتكون بعد فترة أنموذج المرأة القوية الناجحة التي ينشد الجميع ودها بسبب نجاحها في فرض نفسها كخياطة بروح فنانة تسابقت سيدات المجتمع على ارتداء أثوابها. "أم هشام" التي لم تتزوج و لم تنجب ستكون على موعد مع الإنجاب من روحها المبدعة لفتاة تشبهها في رغبتها بتحدي الفشل و الصعاب، إنها "سلاف" التي لم تستسلم لخيباتها الاجتماعية أو انكساراتها العاطفية، تأتي إلى مشغل "أم هشام" لتقتفي سيرة نجاحها، و تتفوق عليها، بل و ترث ماضيها العاطفي الجميل. كأننا هنا أمام استعادة معاصرة لسير نجاح السوريات اللواتي كن روح سورية، أو عشتار أخرى تهب الحياة و التجدد من قلب الوجع. و الأمر نفسه ينطبق على "حياة" المتمردة الواثقة، أو "سماح" الرقيقة المسالمة التي تتعرف على ذاتها حين تتعرف على عاشقها الذي قتل صديقه بناء على أوامر مشغليه الارهابيين. وصولاً إلى "سهر" المرأة التقليدية المستسلمة لمصيرها، و التي تنتهي حياتها بتفجير سيارة مفخخة و كأن البقاء في الحرب هو فقط لمن يجيد فن الإضافة إلى الحياة.
    الشخصيات الذكورية في الرواية ليست أقل غنى من الشخصيات النسائية، من "ماهر" المبدئي الذي يستعجل ذهابه إلى الجيش لأن الوطن يحتاجه نراه يعيش صراع المبدأ و الواجب،بين ما يؤمن به و بين ما يجب أن يكون، يقتل أنانيته بزواجه من زوجة صديقه الشهيد دون أن يجرؤ على الدفاع عن حب "سلاف" تحت ضغط والدته المسيطرة, إلى "ثائر" العاشق الرومانسي الخائب، إلى "جوان" الشاب الكردي الدونجوان الذي له في كل مدينة امرأة، فهو يحب كل المدن و كل النساء، في مقابل "آكري" الفاشل في الحب، و الذي لا يجيد سوى الاعتراض عن ضعف أو غيرة أو جهل، إلى "أبي ماهر" الذي جعلته الحرب مشلولاً لكنه لا يتنازل عن رجولته و انسانيته، إلى" هشام" البورجوازي الذي يستطيع أن يعيش حياة مزدوجة تتعدد فيها عشيقاته لكنه يحافظ على زواج تقليدي ينتهي بتفجير كبير يقتل زوجته و ابنته، و في قلب هذا الألم لا يقاوم "هشام" إعجابه بشخصية "سلاف" التي ستكون امتداداً لماضيه الانساني مع رفيقته في المدرسة "أم هشام" التي اغتالها تفجير كبير.
    تتشابك مصائر و أقدار شخصيات"إيميسا" كما تتشابك و تتقاطع أحداث الحرب، و أوضاع البشر، و انقسامات المجتمع، وتبدلات سلم القيم الاجتماعية،و تصبح المقبرة عنواناً لتجمع السوريين للقاء أحبة رحلوا خلال الحرب، أو لنسج قصص حب ينقصه السلام؛ سلام الوطن، و النفس، و سلام الذي يتأتى و لا يأتي.
    لغة الرواية بدت موفقة جداً، و قد أجادت الكاتبة في وصف مساحات بعيدة عن المرأة مثل الحياة الاجتماعية و العملية في المعسكرات، و كانت العبارات الإخبارية الموجزة ميزة استطاعت الكاتبة توظيفها في متن السرد الذي لم تبخل فيه بلغة شاعرية لم تغب عندما يتعلق الأمر بلحظة عشق أو موقف وجداني.
    في رواية "إيميسا" استطاعت "هلا أحمد علي" أن تتفوق على نفسها عندما نجحت في مراكمة معارفها و قراءاتها في الفلسفة والسياسة و الأدب لتتحدث بلغتها التي تشبهها دون أن تتشبه بأحد، و هذا ربما كان يشكل نوعاً من تحدي الذات الذي أثق أن "هلا" ستكون على مستوى هذا التحدي، و تجاوز الذات في أعمالها القادمة.
    .......... 
    * رواية "إيميسا" للكاتبة "هلا أحمد علي" صدرت عن دار التكوين بدمشق منذ أيام،و هي متوفرة في المكتبات.
    * الصورة للكاتبة هلا أحمد علي مع "إيميسا".

    May 2019
    Su Mo Tu We Th Fr Sa
    28 29 30 1 2 3 4
    5 6 7 8 9 10 11
    12 13 14 15 16 17 18
    19 20 21 22 23 24 25
    26 27 28 29 30 31 1

    شارك برأيك

    مارأيك بالهدنة؟
    عدد الزيارات
    6389234

    Please publish modules in offcanvas position.