nge.gif

    الحرب الدوليّة على سورية و دخول العالم عصر الحداثة السّياسيّة الرّابعة.. حديث الثلاثاء ح34

    أ بهجت سليمان في مكتبه[ حديث الثلاثاء " : الحلقة الثالثة والأربعون " 43 " ]

    [ الحرب الدوليّة على سورية.. و دخول العالم 
    عصر " الحداثة السّياسيّة الرّابعة " . 
    تردّد المواقع .. و تنافر الخطاب االظّاهريّ .. ]

    ● د . بهجت سليمان

    ■ النّصر ليس صبرَ ساعة فقط كما يُقال ، و إنّما هو مراكمة لتحصيل زمن مديد عشناه و ما نزال نعيشه في المباشر و في الأثر ، و هو ما يتطّلب منّا و من جميع الرّدفاء توحيد القوى بما فيها عناصر ”الخطاب” ، و التي تبرز أكثرَ فأكثر في المواقف و الأداء و السّلوك ، كما في العقيدة القتالية في المواجهة والمقاومة ■

    ■ لا نشّكك مطلقا ، بمواقف الأصدقاء و الحلفاء ، على رغم أنّ النّقد الفكريّ السّياسيّ في تضاعيف و انثناءات هذا الحديث ، إنّما نعتبره ضرباً من التّذكير ( والذكرى تنفع المؤمنين ) ■

    1 يعجّ العالم اليوم بالنّفوذ الأميركيّ الجائح ، بينما يقف الطّرف الآخر من العالم في المواجهات الاستراتيجّية على بعدٍ واضح ، درءاً لإثارة الوحش الهائج الذي لا تردعه قيم أو ضعف أو قوة أو أخلاق .
    و على الرَّغم من ذلك ، فإنّنا نشهد بداية الأسطورة التي ستطيح بالإمبريالّية الأميركّية و معها جميع الأسطوريين ، الذين يعملون بجدّ على تدمير العالم تقرّباً بقربانات الدّماء التي تشترط ، في زعمهم ، هذه النّهاية النّكراء .
    أنفقت أميركا شبابها الإمبراطوريّ الإمبرياليّ بواسطة توسّعها البراغماتيّ ، الذي يحتاج إلى دليل على صوابيّة النّهج الأميركيّ ؛ و هذا ما يذكّرنا بالنّهايات الإمبراطورّية لروما التي تخلّت ، في آخر الأمر ، عن استراتيجيّاتها في أنماط من نزعات التّفوّق الجيوبوليتيكيّ ، الذي يجعل الاستراتيجيّات نفسها في المقام الثّاني في تاريخ القوّة و السّيطرة و الانتشار .
    و يعود جزء كبيرٌ من التّراجع الإمبرياليّ الأميركيّ ، إلى الانتشارات غير المتكافئة في قوّتها العاتية ، من بحر الصّين في المحيط الهادي إلى مستنقعها القاتل في الشّرق الأوسط ، و الذي يمثّل ، هنا ، جيل الحرب الرابع تبعاً للحداثة المعاصرة التي يمكن أن نسمّيها ب ( الحداثة الرّابعة ).

    2 معروف في تاريخ العالم الحداثيّ المعاصر أنّ “الحداثة الأولى” قد أُنجزت مع الثّورة الفرنسيّة( عام 1789 ) كتتويج عنيف و دمويّ لفكر “الأنوار” في عصر التّنوير الحديث ، الذي بدأ مع ( هوبز ) و ( لوك ) في بريطانيا ، و انتهى في فرنسا الثّورة البورجوازيّة التي بنيت على أفكار ( فولتير ) و ( روسّو ) و ( مونتسكيو ) و ( كوندرسيه ) و ( ميرابو ) و آخرين.
    و جاءت الحرب العالميّة الأولى بمثابة ”الحداثة” العالمّية الثّانية ، بما حملته من مقدّمات فكرّية و نظريّة حديثة العهد ، بالنّسبة لإعادة اقتسام عالم الإمبراطورّيات البائدة ، كالإمبراطورّية البريطانيّة و الإمبراطورّية الهولنديّة و الإمبراطورّية الفرنسيّة و الإمبراطورّية السّلجوقيّة العثمانيّة .
    لقد رافق هذه الحداثة الثّانية جملة من الفلسفات التي تمجّد القوّة و العنف ، ضدّ عنف آخر مارسته الإمبراطوريّات الزّائلة ، و ذلك في السّياسة و الاقتصاد و الثّقافات االتي تدّعي التّفوّق العرقيّ النّبيل ، فكان حصيلة ذلك انتصار أفكار العبثيّة التّدميريّة ، التي رافقتها جملة من المحظورات الإمبريالّية التي جعلت ( أميركا ) تظهر على السّاحة العالميّة لملء الفراغ الإمبراطوريّ التّقليديّ ، الذي كان محتكراً في أوربا و اليابان على نحو خاصّ ..
    وهكذا فتحت الحرب العالميّة الأولى ، بما هي حداثة ثانية ، جرحاً عميقاً و إهانات قوميّة و وطنيّة لهويّات عالميّة ، ما جعل هذه الحرب تؤسّس لحداثة ثالثة جاءت مع الحرب العالميّة الثّانية ، التي جعلت الانتقام الإمبرياليّ يتركّز ، هذه المرّة ، بشكل أساسيّ على ألمانيا و اليابان بوصفهما آخر الإمبراطوريّات التّقليديّة التي انتهى دورها التّاريخيّ بما هي كذلك ، حيث صعدت أميركا كقوّة جارفة ، فيما كان الاتّحاد السّوفييتي يرقب هذا الواقع بالمزيد من التّسليح الوقائيّ الرّادع ، فظهرت ما تسمّى بالحرب الباردة ، التي طبعت العالم سياسيّاً و فلسفيّاً و أيديولوجيّاً و اقتصاديّاً و ثقافيّاً ..
    فيما خلقت هذده الحداثة الثّالثة ظروف حركات التّحرّر الوطنيّ العالميّة ، و هو ما جعل أميركا تعيش المزيد من التّشتّت الإمبراطوريّ ، الذي سوف يُضعفها بحسب قانون كثافة القوّة و ديموغرافيا الهيمنة و السّيطرة ، التي لم تكن في خدمة أميركا ، إن لم تكن عامل إضعاف تشتّتي للإمبراطورّية العظمى الأميركّية وارثة روما بعنفها و ثقافتها المحدودة و اختصاصها بالحروب و القتل و التّدمير .
    جاءت “الحداثة العالميّة الرّابعة” منذ نهاية القرن العشرين المبكّرة في العقد الأخير منه ، مع زوال الاتّحاد االسّوفييتيّ ، متوَّجة بأحداث الحادي عشر من أيلول /سسبتمبر عام ( 2001 ) ، و فاتحة جبهات العالم دفعة واحدة ، مع ما غذّى هذا الهجوم البربريّ من ثقافات سياسيّة تقوم أصلاً على النّزعة “القوميّة الدّينيّة” التي جاءت على مثال الكيان االإسرائيليّ ، بوصفه أوّل ” دولة” تاريخيّة معروفة تقوم على أساس النّزعة القوميّة الدّينيّة اليهوديّة التّلموديّة ، و هو ما جعل هذه الطّاهرة الشّاذة مثالاً يجري العمل على تعميمه في منطقتنا الإقليمّية ..
    و نخصّ بالذّكر هنا الإخوانّية التّركيّة ، و هو ما جعل هذا الواقع أكثر تعميماً في منطقة الشّرق الأوسط ، حيث وصل “الإخوان” إلى السّلطة في مصر ، في هزليّة تاريخيّة ستبقى وصمة عار على جبين العرب المصريين قبل غيرهم من الشّعوب العربيّة الأخرى .

    3 كان للحرب السّوريّة ( وهي تسمية مجازية ل " الحرب الكونية على سورية ) سبقٌ تاريخيّ في إنجاز اصطفافات “الحداثة العالميّة الرّابعة” ، والإجهاز على ميوعة المشهد العالميّ . حيث أُعيد تشكيل العالم المعاصر من بحر الصّين في المحيط الهادي إلى الشّواطئ الشّرقيّة للمحيط الأطلسيّ ..
    فيما تقدّمت “ قارة” ( أوراسيا ) الرّوسيّة إلى شواطئ البحر الأبيض المتوّسط تعزيزاً للدّفاعات الاستراتيجّية و الهجوميّة الجغرافيّة ، في مواجهة قوّة ( النّاتو ) الإمبريالّية و لجمها في حدود جديدة ، أجهزت على طموحات أميركا و أوربّا في السّيطرة على منطقة الشّرق الأوسط ، التي كانت ملعباً مستباحاً للعربدة الأميركّية الأوربّية الغربيّة و الصّهيونيّة العالميّة المتركّزة في الكيان الصّهيونيّ الغاصب في ( ”إسرائيل”) .

    4من الدّوافع التي تقوم عليها اليوم الإمبريالّية و الصّهيونيّة العالميّة ، ثمّة جانب أسطوريّ صريح و معلن عن مستقبل الحرب الكلّيّة العالميّة الشّاملة التي ستضع حدّاً أخيراً لحياة الأرض . ولا مانع من أن نأخذ الأمر على محمل الجدّ ، إذ أنّ التّفكير الأسطوريّ هو التّفكير الوحيد الذي استمرّ متسلسلاً في ثقافات العنف العالميّة ، فيما أصاب حميع أيديولوجيّات العالم انقطاعات و تحويرات و تعديلات كانت ”الأسطورة” وحدها بمنأى عن تلك الانقطاعات الإبستمّية و الأيديولوجّية التي طالت أفكار و فلسفات العالم قاطبة من دون استثناء .
    و المشكلة الأعظم هي في أنّ جميع أديان الأرض تقريباً ، تؤمن بمثل هذه العقيدة الانتهائّية لكوكبنا الذي يزداد ظُلمة و وعورة ، لحمله أفكاراً متنافرة و متناقضة و متوحّشة في جانبها الأكبر ، نتيجة لأنّ الوجود الإنسانيّ نفسه قد ضمر وانكمش أمله بنفسه و بالمستقبل ، فراح يعيش في مدار الّلحظة الواحدة التي تفرضُ عليه إغلاق دماغه إزاء المستقبل .

    5 يخضع تاريخ الإنسانّية إلى معتقدات متشابهة في التّطوّر في الأطوار ، و ذلك بغضّ النّظر عن ما اختزنه الإنسان من خبرات و تجارب ، فهو قاصر العقل عندما يتّصل الأمر بالجشع و الغطرسة و استفزاز مكامن التوّحش البشريّ المتمحور حول الغلبة و السّيطرة ، الّلتين أصبحتا هدفين بذاتهما ، بمعزل عن ما يمكن أن يكون من ملحقاتهما في الكسب و الرّبح و المجد ، و لكن لأنّهما باتا بحكم الفضيلة التي تشوّهت بالفعل الإنسانيّ و انحرفت عن قيمتها النّظريّة و العمليّة ناهيك عن مضمونها الأخلاقيّ .
    يقول ( إدوارد جيبون ) المؤرّخ البريطانيّ الشّهير الذي اشتهر بتأريخه لسقوط الإمبراطورّية الرّومانيّة :
    “ إنّ الأسباب المؤثّرة في التّاريخ ليست جميعها قائمة على إرادة الأفراد و حكمة الصّالحين و براعة الأشرار ، و إنّما لملابسات الظّروف و الجوّ و الثّقافة الملائمة و حالة البيئة العاّمة ” .
    [ إدوارد جيبون - سقوط الإمبراطورّية الرّومانيّة - ص (٨٩) ] .
    و في كلام الرّجال المعتبرين في التّأريخ مثل ( جيبون) أبعاد مختلفة للعبارة و الخطاب ، حيث يُثير المؤرّخ هنا موضوع ” ملابسات الظّروف و الثّقافة و البيئة” العالميّة المحيطة بسقوط ( روما ) الإمبراطورّية ..
    و لا نرى أنّ هذه القوانين الحاكمة تاريخيّاً ، تصيب أمّة من الأمم دون غيرها ، و هكذا يمكن لنا أن نربط سقوط الإمبراطوريّات بظروف و عوامل متشابهة أيضاً .

    6 نعيش اليوم فترة عالميّة للإمبراطورّية الأميركّية التي تنصب الفخاخ لحركة التّاريخ بوسائلها التي لا تُحصى في مقاومة السّقوط ..
    و يعجب المرء ، فعلاً ، من هذه القدرة على المرونة و التّنوّع االهائل في الأدوات و المزايا التي تتمتّع بها أميركا مقاومة تراجعها أو زوالها ، و هي قول لبريجينيسكي أنّ التّخطيط الاستراتيجيّ ليس لفترة ( 50 ) عاماً ، كما اقترح يوماً ، و إنّما لقرن كامل كما دعاه المتشدّدون السّياسيّون الأميركيّون من المحافظين الجدد ، بأنّ المئة سنة المقبلة ، و اعتباراً من بداية الألفّية الثّالثة ، هي القرن الأميركيّ باحتكار فريد .
    إنّ الذي يجب أن يؤخذ على محمل الجدّ في ما أسميناه ” الحداثة الرّابعة” ، إنّما هو الدّور الأميركيّ المركزيّ في هذه ”الحداثة” ، و التي كان لسورية أن تقتسم العداء مع أميركا ، في سبيل إنضاج معالم هذه الحداثة ، الجديدة ، مع كلّ ما يرجو المرء و يرغب في أن تكون الأمور على حالة أخرى مختلفة ، و لكنّه الواقع العالميّ الذي لا مهرب و لا فكاك منه .
    لقد تركت الحرب السّوريّة ( الحرب الكونية على سورية ) ، بالصمود الأسطوري للدولة السورية ، بصمتها التّاريخيّة الرّائدة في الحداثة الرّابعة كما لم تتركها مثلها دولة أو أمّة من الأمم .
    و فيما أنّ سورية قد أذلّت أهداف هذه الحرب الإمبريالّية الأميركّية ، و منعت أولئك الذين أشعلوا هذا البركان في سورية من تحقيق أغراضهم الاستراتيجّية ، إذ لا خلاف على حجم و بهاظة الثّمن الذي دفعته سورية..
    فإنّ المنطقة الإقليمّية المحيطة بسورية لم ترتقِ إلى مستوى هذا الحدث التّاريخيّ المفارق و العميق في تأثيراته و نتائجه ، على المكان بقدراته و مقدّراته و مخزونه التّاريخيّ ، الذي بدا أنّه قد انجرف أمام سيل هذه الحرب الطّاحنة ، حيث ما تزال أطراف و دول إقليميّة تؤدّي دوراً من خارج البؤرة الملتهبة في تصوّرات قاصرة على المصالح المباشرة ، جاهلة أو متجاهلة حجم المقبل الأميركيّ من العنت الذي يطبع السّلوك الأميركيّ في استدامة هذه الحرب في المكان و الزّمان ..
    و هو الأمر الذي يضع مفهوم التّخطيط الاستراتيجيّ لدول المنطقة في قفص الاتّهام التّاريخيّ ، و هي غير عابئة بمستقبل هذه المواقف الّلامسؤولة ، التي ستنعكس عليها عاجلاً أو آجلاً بالويلات القادمة ، و بخاصّة عندما تنفرد في رؤاها الإقليمّية و سياستها المنفردة قصيرة النّظر ، و لو على مستوى الخطط ”الخمسيّة” أو “العشريّة” ، التي أثبتت عجزها و كذبها في تحقيق أغراضها التّنمويّة ، في مقابل ما قلناه عن التّحدّي العالميّ و الإقليميّ في ”القرن الأميركيّ” ، الذي تتجنّد له مراكز للبحوث و معاهد للإحصاء و اختراعات و إنتاجات جديدة لأدوات القتل و التّدمير و احتكار أموال العالم على مرأى من الجميع .

    7 لا يباري الخبثَ الأميركيّ في العالم ، دولةٌ أو أمّة في السّياسات الجيوبوليتيكيّة أو الاستراتيجّية ؛ و من هنا كان من الضّروريّ على أطراف المكان ، و بخاصّة منها ما يعرف بمحور المقاومة ، مهمّات عظيمة و واجبات جسامٌ لم تصل إلى هذه المرحلة من دورها التّاريخيّ الذي يهدّد تجاهله وجودها كلّها ، في إطار التّحالفات الأميركّية - الإسرائيلّية - التّركيّة - الخليجيّة ، بحيث يبدو محور العدوان محوراً قارّاً و ثقيلَ العيار أمام تجربة ما تزال في طور الفتوة في محور المقاومة .
    و نتساءل ، ألا تحتاج بعض أطراف هذا المحور ، لمواجهة التحدي الوجودي الداهم ، أن تقطع مع المحور العدوّ ، و من دون تغليب المصالح الاقتصادّية القاصرة ، هذا مع العلم أنّ ما يجب التوقف عنده مليا ، إنّما هو واقع الانسجامات الأيديولوجّية ، تلك التي نوّهنا بها في بداية هذا الحديث عندما تناولنا أمر المفاهيم الأيديولوجّية القائمة على جذر القوميّات الدّينيّة و التي تتقاطع ، من حيث النّظريّة المبدئيّة ، مع العقيدة اليهوديّة التّلموديّة الإسرائيلّية ، و أقلّ ذلك من حيث المبدأ العامّ الذي يدفع إلى خلخلة بنية و هيكليّة محور المقاومة و يجعله رهين التّحالف الأيديولوجيّ ، بقصد أو من غير قصد ، مع المحور العدوّ ..
    و مهما قيل على دور المصالح الاقتصادّية التي تربط بعض الدول الإقليمية والعالمية، فإنّ النّظرة السّياسيّة في ظروف هذه الحرب الحداثيّة العالميّة المعاصرة ، إنّما تبدو نظرة قاصرة قصوراً ذاتيّاً مضافاً إليها القصور الموضوعيّ نتيجة المواجهات الجادّة بين المحاور التي أفرزتها هذه الحرب .

    8 إنّ العُدّة الأميركّية التي تستخدمها أميركا و حلفاؤها الموضوعيون ، هي أكبر قياسيّاً من العُدّة التي استخدمتها سورية مع شركائها و حلفائها ، و هذا ما يُفسّر حجم الخسارات و الأثمان التي دفعتها سورية مع ردفائها في هذه الحرب الماجنة.. 
    و لا يزال الموعد قائماً مع المزيد من التّضحيات و الخسارات ، و كلّ ذلك - في رأينا - هو نتيجة لاستراتيجيّات أصبحت قاصرة في هذا العصر الحداثيّ العولميّ ، الذي غدا فيه أمر الفرز التّاريخيّ شيئاً ناجزاً إلى النّهاية . 
    و يلفت النظر ، هنا ، تلك المسرحيّة التي تفتعلها أميركا و تركيا بتنسيق ماهر و عجيب بشأن انزعاج أميركا المزعوم من تزوّد ( تركيا ) بصواريخ ( S 400 ) روسيّة الصّنع ، و ذلك من قبيل رسم فخ لروسيا للإسراع بتنفيذ هذه االصّفقة التّجاريّة غير المسبوقة ، بمنح أميركا فرصة نادرة للاطّلاع على أحدث التَّقنيّة العسكريّة الرّوسيّة في صناعات الدّفاع الفضائيّ المعاصرة ، و كلّ ذلك تحت عنوان المصالح الاقتصادّية الحاكمة ..
    و الأمر نفسه ينطبق على العلاقات الاقتصادّية الإيرانّية - التّركيّة ، و ذلك مهما قبلنا أو قبل غيرنا بمفهوم التّباينات الجزئيّة في مواقف الحلفاء و الشّركاء ، و مهما فهمنا تسويغات ذلك فهماً معاصراً ، لولا أنّ الحرب القائمة بالنّسبة إلى سورية على الأقلّ ، هي حرب مصيريّة بالنّسبة إلى سورية كما بالنّسبة إلى الحلفاء و الأصدقاء . 
    و من البديهي والمنطقي أن يتقاسم الأصدقاء و الحلفاء و الرّدفاء و الشّركاء ، الغنم و الغرم إلى حدّ أكبر ممّا هو عليه الآن في واقع و ظروف هذه الحرب التي أحاطت بقَدَرِ هذا المكان .

    9 يوحي التّردّد بالمواقف ، بتباين المواقع في المحور الواحد في هذه الحرب ، و أعني بالنّسبة إلى المحور السّوريّ مع الحلفاء و الشّركاء و الأصدقاء ..
    فهل يمكن تفسير أو تعليل هذا الواقع في إطار الأيديولوجيّات الدّينيّة الحاكمة للمكان و المدعّمة بحكايا و روايات المصالح الاستهلاكّية ؟! .
    و عندما يصل بنا الأمر إلى هذه المواصل ، فإنّ الخطاب السّياسيّ العلنيّ نفسه يغدو غير منسجم ، ناهيك عن الخطاب الآخر الباطنيّ أو السّرّيّ بين الأطراف المختلفة ، و الذي يعمل بعكس ثقافة هذه الحرب التي انقسم عليها العالم و كانت إنجازاً أخيراً لحداثة عالميّة مفارقة و عميقة ، بقدر ما كانت إنجازاً إشكاليّاً بالنّظر إلى حجم الخسائر االسّوريّة الباهظة التي دفعتها سورية بالجملة و ليس بالتّقسيط .

    10 يأخذ مفهوم المستقبل في المنعطفات العالميّة الصّريحة ، بعداً أو أبعاداً مغايرة لما هو عليه هذا المفهوم ، في الأوقات العادّية و التّقليديّة النّافذة بحكم قوانينها السّارية بهدوء .
    يقترن مستقبل العالم اليوم بانطباعات شبه نهائيّة حول صراع القوى العالميّة ذات المصالح المتنافرة ، المتناقضة ، و غير المنسجمة بحكم تناقض مشاريع حامليها التّاريخيين . و حيث سيؤسّس تحديد المستقبل القريب لتوزّع ديناميّات القوى الإقليمّية و العالميّة في المحاور و الجبهات العالميّة ، فإنّ الارتقاء بمفهوم المصالح التّاريخيّة بحتاج أن يتّبع خطاباً سياسيّاً و تاريخيّاً جديداً يكون لائقاً بمستوى التّحدّيات ، و هذا في الوقت الذي يكون فيه الجميع قد تموضع تموضعاً فعليّاً في نواحي التّطوّرات العالميّة الجامحة ، بما يتجاوز الخطاب الّلفظيّ و الإعلاميّ الذي صار محلّ سخريّة و استهجان الأمّيين السّياسيين قبل المفكّرين و المختصّين و المحترفين .
    ويجب ألّا ينسى الجميع أنّهم معنيّون بالتّحوّلات الإقليمّية و العالميّة التي يباشرها الحدث ، اليوم . و هكذا فإنّ مستقبل تطوّرات هذا الحدث العالميّ و آفاق توزيعه بما هو طاقة ، سوف يُصار إلى انفراغها و تفريغها في المنطقة و العالم ، يتوقّف مباشرة على الكيفيّات الّلحظيّة المعاصرة و اليوميّة الحالّة في التّعاطي مع ظروفه المعقّدة ..
    و واضح أنّ من يكسب الحرب ، على نحو من أنحاء الكسب ، و لو في استيعاب الصّدمة و الصّمود و فهم عناصر التّحوّلات ، إنّما هو من ينعقد عليه الأمل في كسب الّسلم في الظّروف الطّبيعيّة من مستقبل قادم لا محالة و لا شكّ ..
    و بالمقابل فإنّ من يتعامل مع هذه الّلحظات الحادّة و المصيريّة التي ترافق هذه النّهايات ، بخاصّة ، على نحو تحايلي و تنكّريّ أمام فجاعة الجدّيّة التي تُطبّق على المكان ، فإنّه سوف يحصد ثمار هذا السّلوك اضمحلالاً إقليميّاً و عالميّاً و محليّاً و نهائيّاً ، بعدما أتاحت له ظروف هذه الحرب استعادة أمجاده التّاريخيّة التي كادت تموت إلى غير رجعة أو بعث أو حياة .

    11 إنّ اجتماع ” الفطرة و الفكرة ” ، وفق ما يقول ( وايتهيد ) .. هي حالة نادرة في التّغيير التّاريخيّ لمعالم المعاملات التّاريخيّة في إطار المنظومات ، بين القديم و الجديد ؛ تقودنا إلى قناعة مفادها هو أنّه لم تُتِح الظّروف التّاريخيّة لهذا النّضوج للفطرة و الفكرة معاً ، كما تتيحها اليوم في غضون هذه ”الحداثة” المعاصرة ، التي تتميّز عن سابقاتها بوضوح الأفكار و الأهداف و علنّية الأغراض و الغايات و شفافّية الوسائل و التّوجّهات .
    ربّما يكون تعبير ( وايتهيد ) على “اجتماع الفطرة و الفكرة” من التّعابير النّبوئيّة السّباقة لتسمية عصر ”الحداثة الرّابعة” - عندما يكون هذا العصر على صراط البشريّة العادل - في ما نقوله نحن بالنّظام العالميّ المعاصر و الذي سبق و أن ميّزناه بالتّفنيد و التّفصيل عن النّظام الدّوليّ ، على هذا المنبر ؛ و من أجل الدّقّة فهو يندمج في ما يقولونه بعصر ”العولمة” .
    و سواءٌ أردنا أم لم نُرِد ، فنحن في قلب العولمة المعاصرة التي من ميزاتها أنّها لا تقبل الاصطفافات المتردّدة أو التّذاكي و التّخابث ، فشموليّتها و عمقها و أفقها قد تجاوزت جميع هذه الأدوات الاعتبارّية المتحفيّة و الأثرّية ، بحيث وضعت العالم في حقيقتيه الكبريين وجهاً لوجه ، و أعني بالحقيقتين ذينك الاصطفافين الذين كنّا نقرأ عنهما في الأفكار ، فإذا بهما يواجهاننا في الواقع في طرفيّ المظلوميّة التّاريخيّة - و هذا إذا شئنا توصيفاً أخلاقويّاً لها - والتي يمكن أن نكون في الواقع أقرب إلى الحقيقة في تسميتنا لها تسمية أكثر واقعيّة و هي ”فطرة” الوجود على غير ”فكرة ”هذا الوجود ..
    إذ أنّنا ، نعتقد بفكرة أخرى لهذا “الوجود” و المتمثّلة بالعدالة الطّبيعيّة التي اعتدت عليها شراهة الأفراد و شراهة الإنسان ، الذي يتعّلم مغزى الوجود بالتّدريج ، و ذلك عندما تجتمع ”الفطرة مع الفكرة” في هذا الوجود .
    يتطلّب منّا الإسهام في اجتماع ”الفطرة” مع ”الفكرة” بما هو تحدّي الذّات التّاريخيّة في الهويّات الهامشيّة ، و إعلان نوع جديد من الإنسان الذي سيبدو أسطورّياً مع حاجتنا إليه ، ليكون أكثر واقعيّة و حساسيّة و جماليّة و عفافاً ، و حسب ..
    حيث أنّ مثل هذا النّوع الإنسانيّ هو النّوع الذي تحضّ عليه ”الفطرة” كما تحضّ عليه ”الفكرة” في وقت واحد . إنّه النّموذج الأخير للغاية من الخلق ، هذه الغاية التي ما زالت تشوّهها ”السّياسة” الوضعيّة و”السّياسيّون” .

    12 أكثر ما تثيره ”السّياسة” من نفور ، هو أمر ممارستها التّغلّف في معرض المكاشفة ، و الخجل في معرض الجرأة و الصّراحة ، و الغموض السّلبيّ الذي يرافقه الخبث و التّذاكي في معرض الوضوح .
    و لقد كانت وهلة من التّاريخ طويلة جدّاً تلك التي أسّست لمثل هذه ”السّياسويّة” في النّظريّة و العمل و الأخلاق ، عندما لم تكن تضحيات الجنس البشريّ ، بعدُ ، على كلّ هذه الجسارة و الكمّيّة و الوضوح ..
    و كان أن رافق ذلك ، بطبيعة الحال ، تنظيرات شتّى حول طبيعة ”السّياسة” و جِدّيّة المواقع و المواضع ، و آفاق ”الخطاب” . .
    و جميعنا يعرف ذلك الكمّ الهائل من التّنويعات النّظريّة و العمليّة التي سعت بحثاثة و وقاحة للتّعليم ”السّياسيّ” الوقح وقاحة أصحابه و ضآلتهم ، الذين استولوا ، لأسباب كثيرة ليس هنا مجال البحث فيها ، على اتّجاهات و آفاق ”الخطاب السّياسيّ” المغدور ، الذي تحوّل بفعل فاعلين إلى نظير لخطاب ”السّياسة” النّزيه نزاهة الغاية من وجود البشريّة على هذا الكوكب الضّائع في الكون!
    غير أنّ درجات الحرّيّة تمرّ ، اليوم ، في عصر الحداثة السّياسيّة الرّابعة ، بانكماشات تتزايد يوميّاً على أثر هدير المخلوقات السّياسيّة “القِشريّة” الزّاحفة كخرافات واقعيّة و يوميّة ، و هي تعملُ على استعباد جماليّات الطّبيعة و الخلق ، و تبثُّ في أوردة العالم قبحها الذي لم يعُد يُطاق . 
    نحن أمام انعطافة نوعيّة للبشريّة أقلّ ما يُقال فيها أنّها مفضوحة الاستقطاب و الانقسام و الانحياز ، بعد أن أفصحت العولمة عن آخر و أهمّ أهدافها و أهداف أسيادها ، الذين لا يُدركون مطلقاً كيف يمكن أن تكون صراعات التّحوّلات و مخاضات النّضوج الأخير لغاية الوجود ..
    وحيث يتقاسم هؤلاء القّوة و العنف و المال و السّيطرة ، فإنّ ما يجعلهم أكثر ”حرّيّة” في خياراتهم تلك ، هو واقع التّخاذل الإنسانيّ عن ”الحقّ” ، بواسطة نسيان الحقّ ، و نسيان الحقيقة الموكلة للإنسان بموجبه ، و كذلك واقع التّجرّد من القدرة الممنوحة بفرض ”الطّبيعة” و المقسومة للجميع ، للتّعبير على دوافع ”الفكرة” المتعلّقة بالعدالة و النّزاهة ، بواسطة تضحيات قام بها أفراد في كلّ مكان في المعمورة ، بينما تجنّبتها أفراد و شعوب و أمم و دول ، فيما كان المغزى هو العكس من ذلك ، وهو بالضّبط ما تقتضيه الفطرة الوجوديّة عندما تبلغ غايتها في الفكرة الآيلة إلى الحقّ .
    و هكذا يبدو التّخلّي ، اليوم ، عن مقتضيات مقولة ”الحقّ” و فروضها في العدالة و النّزاهة و اختيار الموضع القدسيّ المنعقد حول الشّرف و الكرامة و الذي اكتشفه الإنسان مبكّراً ، في حضارتنا هذه ، و منذ آلاف السّنين ، يبدو ضرباً من التّواطؤ الإنسانيّ ضدّ طبيعته نفسها مضحيّاً بخلوده ، من خلال خلود الفكرة التي هو جزء منها ، و ذلك من أجل القليل من السّلطة الوهميّة و المجد السّياسيّ العابر و بعض بريق النّعوت الكاذبة و السّاذجة و التي قايضها البشر بالانتماء إلى حظيرة الخلود ..
    و من الواضح و الطّبيعيّ أنّنا لا نتحّدث ، هنا ، بلغة أخلاقّية ( أخلاقوّية ) ، و لكنّنا نعني ما نقوله بلغة الوجود و الوجدان الذي سيبقى أثراً كونيّاً بعد هذا الوجود ..
    و يتّضح أمامنا بسهولة و بساطة نادرتين ، مغزى ما نذهب إليه من أنّ جميع مجد الأرض المؤّسس على الذّلّ و الهوان ، بالنّسبة إلى الأفراد و الأمم و الّدول و الشّعوب ، إنّما هو ضغثٌ من أضغاث الغرور الإنسانيّ ، عندما يفقد الإنسان قيمته بنظر نفسه ، و ذلك مهما كانت التّسويغات الفاشلة لموقف واحد في حظيرة الخنوع يدركه صاحبه ، بالفطرة ، قبل أن يدركه الجميع في الفكرة التي لا ترضى الامتزاج و لا الاختلاط .

    13 ما يسوقنا إلى مثل هذا الخطاب الشّامل ، هو واقع الزّراية الذي وَضَعَنَا فيه تمرّد الأقوياء على مقتضيات الطّبيعة و فروض ”الحقّ” ، و القبول بتلك الاستزرائّية المُهينة و التي تعجب منها حتى الحجارة و الصّخور .
    في أثناء الاستقطابات الأخيرة المعاصرة ، قلّما تتنوّع أمامنا الخيارات في الوقوف في موقع المدافع عن “حقّ” الشّرف و الكرامة الذي غدا علينا ، و على شركائنا في هذا التّحدّي ، ضرباً من ضروب الشّعور بالذّات أمام التّحدّيات التي باغتتنا مؤخّراً بضراوة بالغة ، و هي تراهننا على جميع مستقبلنا المتعلّق بوجودنا الكريم ..
    و ممّا يُدهَشُ له المرء ، في ميزان الكرامة ، هو قبول البعض بمساومات تاريخيّة خاسرة سلفاً ، بما هي عليه من مضمون محاولات ترويض الإجرام و المجرمين ، و ذلك أيّاً كانوا في صيغة أفراد أو مجموعات أو دول ، و كأنّنا ننتظر الغيث من سراب .
    و هكذا ، فقط ، يزداد ”الآخر” إهانة و استهانة بالعقول المبالغ في سماحتها ..
    و استمرار الإزراء ، واحدا وراء آخر ، بدون الرد الحاسم والجازم على أصحابه ، سيجهز على القيم و المستقبل ، قبل أن يتمكّن الآخر من الإجهاز النّهائيّ علينا و جعلنا مطيّة رخيّة له يحقّق بواسطتنا ، و قد أحالنا إلى أدوات ، أهدافه التي يعلن عنها على الملأِ ؛
    و ليس أقرب مثال إلى هذا الواقع ذلك الاستهتار العجيب و المبالغ فيه بأقدارنا و مقدّراتنا و قد وضع ذلك ”الآخر” المعتدي نفسه في مكان استطاع إليه المثول ُمنَصِّباً من نفسه قدراً و إلهاً مُطاعاً و يُطاع ..

    14 ف هل بأيدينا ، ك حلفاء ، نعمل على جعل إطباق ”الآخر” علينا مصيراً لنا و قدراً لا يُردّ ، عندما نلجأ إلى سلوكات سياسيّة في النّظريّة و التّطبيق ، مفترضين محدوديّة ذلك ”الآخر” و غبائه ، بينما تجري مساعدته بالمساهمة بفعاليّة عجيبة لاستحكامه النّهائيّ لنا ؟.
    إنّ السّياسات و الدّبلوماسيّات التي يتوهّم البعض أنّها تنطلي على القطب ”الأعظم” في العالَم ، هي ممّا قد تجاوزه ”الآخر” تجاوزاً تجريبيّاً و ملموساً و حيّاً منذ أن وصلت الرّأسماليّة العالميّة و دخلت طور الإمبريالّية الفظيع . 
    إنّنا لا نبدع جديداً ، و لا يُمكن ، بالاحتيالات السّياسيّة العالميّة و بالسّعي الممجوج وراء اقتصادات استهلاكّية التي ظن البعض أنّها ضرب من ضروب كماليّات ”المقاومة” ، أن نواجه أو ”نقاوم” جزّارينا ، هذا في الوقت الذي يجب علينا فيه ، ألا نصّدق و نعتقد بأفكار و رؤى بطيب النّوايا و بعيداً عن تجريم ”الذّات” أو اتّهام هذه ”الذّات” .
    إنّ جلّ ما يمكن تحقيقه ، بواسطة هذه الأداءات المكشوفة و المفضوحة ، هو تأكيد العجز ، تأكيداً عمليّاً و مباشراً ، و تسليم العدو عنان قيادة الدرب التي هي وهم ، بينما هي تعاضد معه ضدّ أعدائه الذين هم نحن..
    و هذا في حالة واحدة و وحيدة و أعني بها حالة كوننا متخندقين ، فعلاً ، في موقع ”المقاومة” ، هذه ”المقاومة” التي اجترح فكرتها ، في حالة من حالات الإبداع بالإيمان بأنّنا قادرون على تحدّي النّحر و الاستباحة و السّبي ، و لو بالشّهادة و ..النّصر ، خيالٌ ابتكاريّ سياسيّ و أخلاقيّ و خلّاق لا يُضيّعه الإمتثال إلى الحقّ امتثالاً صادقاً و تامّاً ، عندما يكون هو على هذه الصّيغة ، و حسب .

    15 لا نفرض ، نحن في سورية ، الفروضَ على أحد في العالم ، من دول و أيديولوجيّات هذا العالم ، إلّا أنّنا يحقّ لنا فحص العبارات و الشّعارات في مواءمتها للدّلالات .
    و إذا كنّا ، هنا ، نُعِدُّ ما وصلت إليه حروب العالم و سياسات الدّول ، هو الحداثة السّياسيّة العالميّة الرّابعة ، فذلك لأنّنا نتحدّث في الفكر السّياسيّ ، هذا في الوقت الذي ربّما لم يتجاوز فيه العالم ، بعد ، بربريّته الأخلاقّية و توحّشه البدائيّ ..
    و هذا بالضّبط ما يُحيلنا بتلقائيّة إلى إيضاح موقعنا ، كعرب سوريين ، مع ما يتطلّبه الأمر من خطاب مختلف و مفارق لا يعرف التّردّد و التّواطؤ و الدّلال الدّبلوماسيّ و السّياسيّ و الاقتصاديّ و العسكريّ ، بالتأهل مع أعدائنا تحت أيّ عنوان من عناوين ”المصالح” مختلفة الصّفات و النّعوت ، أو تحت أيّ شعار و قد صار مع كلّ ما يُشبهه من حذافير السّقوط في هذا الصّراع الذي يعمل لإبادة روح سورية ، بينما الآخرون.. و أّياً كانوا هؤلاء الآخرون ، يجرّبون النّظريّات القروسطيّة حول مفهوم المصلحة أو الاحتواء أو عدم استفزاز العدوّ .. ، إلخ ..
    في الوقت الذي حسم فيه ”الآخر” أمره و موقفه ، معلناً و ممارساً لعقيدته الإذلالّية للدّول و الشّعوب و الأفراد و الأمم و الأوطان و الأحلام و الحقّ في الوجود ، و طوّر في سبيل أغراضه و أهدافه ”خطاباً” حربيّاً عسكريّاً ، و اقتصاديّاً و سياسيّاً و ثقافيّاً ، في خدمة توجّهه توجّهاً علنيّاً إلى حذفنا من الجغرافيا و التّاريخ .
    و فيما يتفاقم استقطاب العالم المعاصر بلا حياء و لا خجل ، و بصراحة و علنّية و شفافيّة و وضوح ، و ينقسم ببساطة إلى غزاة و مدحورين ..
    فإن المنظومة الإقليمّية لا تزال تعتمد ، مفاهيم تقليدية عن ”المصالح” و تعمل بمقاربة ناعمة تؤدي إلى الضعف ، إن لم نقل يتآكلها التراخي في وضع الّلمسات الأخيرة و الحاسمة على ما هو مواجهة أو مقاومة أو كفاحاً أو نضالاً ضدّ عتاة هذا العالم المريض .

    16 و إذا كنّا اكتفينا ، الآن ، بهذا القْدر من نقد مفهوم “المقاومة” في تقويمٍ علنيّ مفيد و ضروريّ ، فإنّ الّلافت للانتباه هو هذا الواقع الإعلاميّ للمقاومة و الذي يبدو للمراقب أنّه شيء متنافر و يعوزه وضوح الخطاب المباشر ، و تحصيل عناصر الخطاب غير المباشر انطلاقاً من المواقف الصّريحة عمليّاً ، و كلّ ذلك بدلاً من أن نقع تحت مطرقة الذّاتيّة السّياسيّة التي يكمن وراءها انفرادٌ و استقلال ، و لا يهمّ هنا نسبيّة أو إطلاقّية هذه النّزعة الذّاتيّة في العزلة و الانفراد. 
    من المؤسف ، بعد كلّ تضحياتنا بالتشارك مع الأصدقاء و الشّركاء ، أنّنا لم نستطع ، بعد ، تجاوز أوهام احتكار المواقف و الأعمال و البطولات ، و هذا في الوقت نفسه الذي لا يزال فيه البعض يُعوّل على دول عدوّة ، و مهما كان شكل ذلك التّعويل ، فيما يستغلّ العدوّ ما يبدو أنه سذاجة بعضنا و يبني عليها ، في القوّة ، مواقف و عناد و عنت لا يخيب .
    في الأحوال و الحالات غير المسبوقة ، كما هو الأمر بالنّسبة إلى هذه الحرب العالميّة على سّوريّة ، فإنّ النّصر ليس صبرَ ساعة كما يُقال ، و إنّما هو مراكمة لتحصيل زمن مديد عشناه و ما نزال نعيشه في المباشر و في الأثر ، و هو ما يتطّلب منّا و من جميع الرّدفاء توحيد القوى بما فيها عناصر ”الخطاب” ، و التي تبرز أكثرَ فأكثر في المواقف و الأداء و السّلوك ، كما في العقيدة القتاليّة في المواجهة و المقاومة ، و لو كان ذلك الأمر في أبسط أشكال التّعبير أو في أكثرها تعقّداً و تعقيداً و تضحيّة تسوّغ جميعها خطاب ”المقاومة” في سبيل النّصر النّهائيّ و الذي يتمثّل هنا ، في مناسبة هذا الحديث ، بعدم المساومات التّاريخيّة و الاقتصادّية و السّياسيّة ، و “المصالح ”التي تندرج تحت هذه العناوين و مهما اشتملت تلك ”المصالح” من حيويّات مؤقّتة ..
    إذ ماذا يعني ، هنا ، على هذا الصّعيد ، مفهوم التّضحية و خيار المقاومة إن لم يكن ، أوّلاً ، قد اشتمل و عَنَى واقع الصّبر و المصابرة و تقاسم التّضحيات بعدالة النّتائج وفق المقولة الفقهيّة القانونيّة التي تقول : ”الغُنْمُ بالغُرْم” ؟!

    17 و لنكونَ مُهابي الجانبِ ، ثمّة شروط معروفة و بديهيّة و صريحة و علنيّة ، و نحن هنا بغنًى عن تعدادها لكثرة وضوحها و شهرتها ، و بخاصّة في ما يخصّ العلاقات الإقليمّية ، تفرضها علينا نهايات هذه الحرب ، أو بالأحرى نهايات هذا الشّكل من الحرب .
    و إذا كنّا على موعد مع استمراريّة و استدامة و إطالة زمن هذه االحرب و مضاعفة أثمانها، و هو الشّيء الوحيد الذي يتّخذ له قوّةً تتجاوز قوّة التّوقّع و الاحتمال ، فإّن علينا أن نعود إلى مبادئ التّمسّك بوجودنا و حقوقنا و شرعيّاتنا ، في ما وراء الدّبلومايسيّات و المصالح الاقتصادّية و السّياسيّة و الجغرافيّة ، و ذلك بالنّظر من جديد في التّاريخ الطّويل و الذي يُعدّ ، في الأقلّ ، بالمئات من السّنين ، للصّراع في المنطقة المسمّاة اليومَ بالشّرق الأوسط ، و بإعادة اعتباراتنا التّاريخيّة لمبدأ الصّراع في هذه المنطقة من العالم و الذي يُعتبر استحضاره ، فحسب ، بمثابة درس بليغ من دروس التّاريخ بالنّسبة إلى مختلف الأمم و الّدول الدّاخلة اليومَ في هذه الحرب ، و على الأخصّ ، بالنّسبة إلى الشّركاء المنضوين تحت عنوان شعار المقاومة .

    18 لسنا بحاجة إلى تذكير الجميع بالتّضحيات التي قدّمتها سورية بالنّيابة عن هؤلاء “الجميع” ..
    و إذا كنّا ننظّر ، هنا ، الآن ، على كيفّيات تحمّل المزيد من مستقبل هذا الصّراع ، فإنّ هذا لا يعني أن تتحمّل سورية وحدها ، أو أكثر من غيرها بكثير جدّاً ، نتائج و آثار و مفاعيل هذه الحرب .
    و فيما تقضي العدالة الأخلاقّية السّياسيّة ممارسة الأقوال بدلاً من تحوّلها إلى شمّاعات و أُلهيّات لشعوب المنطقة ، و بخاصّة للشّعب العربيّ في سورية ، فإنّ الحدّ الأدنى من مضمون تلك العدالات يقتضي أن يتضّمن الموقف المباشر و الصّريح و المنسجم و غير المتناقض ، جنباً إلى جنب مع تكريس خطاب سلوكيّ أكثر وضوحاً و عمليّة من مجرّد تأليف الكلمات و صبّها في القوالب الجاهزة لممارسات الشّعارات التي غدت ، في نظر الشّعوب ، و المشاركة الحيّة و الواضحة في تحوّلات أمداء تلك المواقف و الشّعارات إلى ممارسات حيّة و لو كانت مكلفة ، حيث لن تتجاوز قيمتها الفعليّة جزءاً من جزءٍ من مئات و آلاف القيمة العددّية و الكمّيّة و النّوعيّة التي سدّدها الشّعب العربيّ السّوريّ نيابة عن جميع الرّدفاء و الشّركاء و المتحالفين ..
    و في هذا السّياق ، فقط ، تعود سورية إلى موقعها الضّروريّ و لو أنّه غير طبيعيّ ، و لكنّها تعود ، و الحالة هذه ، إلى جزء من كلّ في تحالفاتها المعلنة ، في مواجهة إعلان ”الآخر” ، العدوّ ، عن صراحة أهدافه و سلوكاته و مواقفه المنسجمة مع مؤدّى خطابه السّياسيّ المعلن ، دون أيّ حرج من جانبه و دون التّعلّل بالمواقف الرّخوة المبنيّة على مضامين المصالح المختلفة ، و الذي حسم في ذلك خياراته ، بل و تجاوز ذلك في استثماره رخاوة موقف دول التّشارك و التّحالف ، بمواقفه التي تزداد عنَتاً يوماً بعد يوم .

    19 لا نشّكك مطلقا ، هنا ، بمواقف الأصدقاء و الحلفاء ، على رغم أنّ النّقد الفكريّ السّياسيّ الذي مارسناه في تضاعيف و انثناءات هذا الحديث ، إنّما نعتبره ضرباً من التّذكير ( والذكرى تنفع المؤمنين ) إلى إمكانيّة حيازة شرف الانتصار في هذه الحرب ، و نصرها الأخير ، من قبل جميع المتحالفين ، من دون تلويثه بالمواقف الجانبيّة أو المباشرة التي لها أن تبخسنا جميعنا في محور التّحالف المقاوم والمانع والداعمين له ، حقائق و حقوق استُحقّت و مستحقّة ، و التي عليها ينبغي بنا أن نبني مستقبل هذا الحدث التّاريخيّ الذي جعل من سورية أيقونة عالميّة في التّضحيات و الصّبر و التّحدّي المرفق بالإيمان بالحقّ ، و هذا ما ينعكس على جميع الحلفاء و الأصدقاء .

    20 من المهمّ اليومَ ، و الأكثر أهمّيّة ، وضع حدّ لأوهام الأعداء الإقليميين و الذين أصبحوا العائق المباشر شبه الوحيد ، و من دون إبطاء من قبل التّحالف المقاوم ، على وجه الحصر ، يأخذ هذا الشّكل أو ذاك ، لكي نتمكّن في التّرادف و المحاذاة مع أصدقائنا و حلفائنا ، لإنجاز هذه العبارة التّاريخيّة التي ستقول إنّ محور المقاومة و في قلبه سورية قد استطاع ، و تمكّن من ، التّأسيس ، و إنجاز أوّل أو أهمّ مبادئ الحداثة السّياسيّة العالميّة الرّابعة ، و التي ستبقى في أعلى قائمة دروس التّاريخ ، و ذلك لمن يحبّ و يرغب في الاتّعاظ و الاعتبار و العبرة من الّتجربة العسكريّة الحربيّة و السّياسيّة في أوائل هذه الألفّية من تاريخ الشّرق الأوسط و تاريخ ( أوراسيا ) ، بل و العالم كّله.

    ******

    فعقّب الشاعر المهندس ياسين الرزوق زيوسأ ياسين الرزوق1:

    في هذا الحديث الوطني الحداثوي الفلسفي التنويري العصري تتداخل الألفيات لا لتغلق جولات الحداثة في ظلّ الحروب بل لتفتح آفاق النتائج على معطيات الزمان و المكان بما يجعل صدام التاريخ مع التاريخ سبيلاً إلى حركة التطور التاريخيّ الأصح لا بمنظار المأساة الشخصية المرتبطة بعمرنا القصير بل من منظور التماهي مع التاريخ وفق سيرورته الطويلة على مقاس عمرنا بينما لا تساوي حقباً صغيرة على مداره الطويل!

    و عليه:

    ١ ): الحروب لا تقاس من منطق إنما النصر صبر ساعة بل تقاس من منطق إنما النصر خدعة و أسباب قوة و تلافي أسباب ضعف و توازنات كبرى و صغرى و مد دخلي و خارجي لا يقف عند حدود الانتصار اليتيم بل يمتد إلى التهييئ في كل الاتجاهات لحماية المنجزات و تحليل المعطيات القادرة على تثبيت الفهم و الوعي لدى الناس و ترسيخهما في اللاوعي الطويل!

    ٢ ): الأسطورة ليست المولد الرئيسي للحدث في مناطقنا الشرق أوسطية السائرة على بركان لاهوتي متحرك و إنما الجزء الأبشع منها الذي تمّ إخراجه على هيئة خرافات تسرق العقل البشري و تحقّر و تقزّم إنسانية الإنسان من بابه إلى محرابه و بكل أبعاده المنصوص عليها و غير المنصوص عليها بما يجعل الحالة الغيبية سيدة التسيير و أم المعارك في تحييد العقل و التسليم للترهات بدءاً من عذاب القبر و انتهاءً بالقطع و الأمر!

    ٣ ): قبر المنطقة لم تحفره أميركا وحدها أو لم تهيئ لذلك وحدها بل حفرته شرعة طمر التساؤلات و التوازنات في ظلّ انكماش ملحوظ للبنية الشعبية في المنطقة من منظور القضاء و القدر المطلقين لا من منظور القدرة على صناعة الأقدار سواء على مذهب الثورة الفرنسية أو على طائفة الحرب العالمية الأولى أو على عرق الحرب العالمية الثانية و ليس انتهاء بالحداثة العالمية الرابعة التي تخوض أشرس معارك و مخاضات ولادتها سورية العظيمة روح الفينيق و أم كل قدرٍ تلده الإرادة و لا تنتجه الغيبيات البالية و الخطابات الخشبية المهترئة!

    ٤ ): الحرب الكونية على سورية جعلت وقفة التاريخ طويلة أمام لعبة المحاور و التحالفات بعد أن تهشّم وجهه بشظايا الغدر و الخيانة و أدرك ما معنى أن تكون التحالفات مبنية على أخذ مصير المنطقة إلى آخرة القرار و السيادة و المحبة و السلام بدلاً من أن تكون مبنية على شرعة الغاب التي فيها الكل ينهش الكل و القوي يبتلع الضعيف على قواعد غير واضحة و ردود أفعال خدّاعة جسدّها قزم الخوّان المسلمين أردوغان بعد كل ما لقيه في سورية من حفاوة مبيناً بمرآته المتشظية أن التحالفات ليست بضحكة مسمومة و ليست بتشارك الوجبات و الحفاوة و إنما هي فعلاً تلك التي ترى للمنطقة مصيراً يجب أن يكون حراً ناصعاً لا تابعاً مظلماً و أن لا يخضع لانتماءات الدين بقدر ما يجب أن يخضع لانتماءات الأوطان المتحالفة التي تكمّل بعضها على هوية المنطقة و هوية مواطنيها و على حداثة المنطقة و تحديث مواطنيها لكنْ حكماً ليس على شكل السيسي و عبد الله و سلمان الذين جعلوا وجه المنطقة في الوحل و يريدون طمس كل المنطقة في وحل الخيانة و التبعية تحت ذريعة العيش الكريم و تحت وطأة الحروب و العقوبات!

    ٥ ): في ظلّ تردد المواقع و شبه تلاشي المسؤوليات و الأخلاقيات السياسية تظهر الشحن التنافرية ظاهرياً و حتى باطنياً مما يجعل النهاية الحتمية للعالم مأساوية ليس لأن أميركا تريد ذلك بل لأن العالم نفسه يهوى خوض نهايته بيده ليبرهن أمام مؤسساته أن لا مكان لقرار الإنسان و أن ما يجري يقرف منه حتى الشيطان!

    ٦ ): بأحاديث كهذه سيعود العالم يوماً إلى حداثته التي تقرها سورية روح الفينيق و هي تبرهن أن قيامة العالم تسبق نهايته!

    لك السلام العربي الحداثوي الفينيقي سلام الشجعان دكتورنا الغالي Bahjat Sulaiman.

    June 2019
    Su Mo Tu We Th Fr Sa
    26 27 28 29 30 31 1
    2 3 4 5 6 7 8
    9 10 11 12 13 14 15
    16 17 18 19 20 21 22
    23 24 25 26 27 28 29
    30 1 2 3 4 5 6

    شارك برأيك

    مارأيك بالهدنة؟
    عدد الزيارات
    6723631

    Please publish modules in offcanvas position.