ليندا ابراهيم: التناص

((هل الخوُف من "التَّناصِّ" قد يشَكِّلُ عقدةً تمنعُ الشَّاعرَ منَ التَّواصلِ مع التُّراث الشِّعري خشية التأثّر به بما ينعكسُ على استقلالِ هويَّةِ الشَّاعرِ و فرادةِ إبداعهِ...؟أ ليندا ابراهيم ثم هل هدف الشاعر من التواصل مع التراث الشعري اقتباسه؟ أم لعله التقاط أسرار تقاناته؟ أو ربما التكامل معه، أو إعادة بعثه أو استلهامه؟ وأين كل هذا من "التناص"، أختم تساؤلاتي بسؤال عنترة منذ حوالي قرنين من الزمن: هل غادر الشعراء من متردم؟ آمل أن الجواب مخبوء في متن ماسبق من أسئلة وما سيلي من توضيح))
لا أرى أنه من الصحة أن لا نتواصل مع التراث والموروث الشعري انطلاقا” من الخوف من التأثر والوقوع بفخ المطروق والمتداول والنمطي، برأيي لا يمكن الولوج إلى التجديد دون مخزون ثر من الموروث الشعري الذي لا بد منه لننسج كل جديد لأن الومضة الشعرية لن تأتي إلا من مخزون متراكم من كل قديم وجديد، حسن وسيء، نمطي وحديث. من هنا لا نؤمن ببكارة النص من عدمها بقدر ما نؤمن بقدرته على المحاكاة والتجديد والإقناع بما يقدمه من ومضات شعرية فريدة ولافتة..
والتناص فكرة لا يمكن الهروب منها أبداً، وأظن أنّ الشعراء في الأصل يكونون هيكلاً واحداً للذاتِ الشاعرة المتفردة، وإن كان الشاعر الجاهلي قد قال: "هل غادر الشعراء من متردم ؟ "فكيف للشاعر المعاصر أن يقول إذاً ؟
نعم اختلفت الأزمان وتطورت الكتابة الشعرية وآلياتها وأغراضها وصورها، ولكنّ التناص سيفرض نفسه على النص مهما حاول الشاعر مرواغته، قد يكون التناص في اللفظ أو الجملة المسبوكة أو المعنى أو الصورة، ولا أظن ذلك سينعكس سلباً على استقلال التجربة الشعرية للكاتب إذا ما توفّرت لديه التجربة الحقيقية والخلق الشعري المبدع.
ورب فكرة تقول إن معظم النصوص الشعرية هي عذرية التكوين ما دام نهر الإبداع يجري باستمرار أمام عتبات تأملاتنا نحن المبدعين، وأقول إذاً ما علينا إلا أن نلقي بصنارة الفكرة في مياه التصور الجارية بتجهيز "طعم" رؤانا لالتقاط أسماك دهشة الخلق..
وقد يتصادف التناص والتخاطر الإبداعي، وهذا لا يفسد ود النص، وفرادة حضوره على موائد بصمتنا الإبداعية، المهم لا بل الأهم، أن يحمل نصنا سر تميزنا ويبتعد عن التلاص وأن نكرم "شيطان" شعرنا بحراثتنا لبوار حقول اللغة..
وهنا أسأل، ألستم معي في محاولة بعض الشعراء أو المفكرين كسرَ اللغة والنمط السائد في التفكير لخلق لغة جديدة وفكرة جديدة لجهة الكتابة والتأليف؟ أدونيس "أنموذجاً لا حصراً!
ونقول بلى، ولهذا وجب أن نحول ما ترسخ من صور في أذهان الحاضر قادمةً من كل أزمنة الشعر بإيقاظ ومضتنا الإبداعية كي نخلق ما يعلن مستقبل فرادتنا في الصورة والنص، وهنالك أمثلة لشعراء من جيل شاب تبلورت تجربتهم، والذين إذا ما قيست نصوصهم ببعض نصوص المبدع "محمود درويش" مثلاً، لوجدنا أنَّ بها خلقاً من مخزون الماضي في الحاضر المقروء إبداع مخزونٍ جديد للمستقبل فوق التناص وبين ضلوع أزمنة الشعر وأربابه...
وهنا تحضرني أصوات وتجارب شعرية حديثة معاصرة مثل أيمن معروف، صلاح أبو لاوي، تمام التلاوي..
يقول"باشلار" في كتابه جماليات المكان: (إن كلّ كلامٍ هو تناص لما سبق)، وبناء عليه فلا يمكن الهرب من التناص مع الآخر السابق سواء كان ذلك شعراً أم نثراً أم موروثاً.
الإبداع عبارة عن معادلة، مدخلاتها هي مواقف وقراءات... الخ، ثم تتحول بوجود طريقة تفكير ومنطق الكاتب وقدرته على التعبير إلى مخرجات مفتوحة اﻷفق والرؤى، و يبقى على النقاد فقط موازنة المعادلة.
إن الشاعر الحق لا يبحث عن استقلالية، بل هي التي تبحث عنه حين يكون لحظة الكتابة الشعرية متوحداً مع نصه وتجربته دون أن يحضره أي نص غائب، فإذا أنتج ووجد هنالك تفاعلا وتداخلا وتعالقا مع التراث فهذا طبيعي لأنه لا مناص من التراث..
-"إنَّ النص هو تقاطعُ نصوصٍ حيث نقرأ على الأقل نصاً فيها وهو ما يتفق مع ماجاء به (باختين)، أن كل نصّ هو عبارة عن فسيفساء من الاقتباسات، وكل نصّ هو تشرّب وتحويل لنصوص أخرى.."

جوليا كريستيفا

الثورة

June 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 31 1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 1 2 3 4 5 6

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟
عدد الزيارات
6731681

Please publish modules in offcanvas position.