أزمة.. أم حرب؟!.. حديث الثلاثاء.. الحلقة 42

أ بهجت سليمان في مكتبه[ المعارضات السّياسيّة السّوريّة.. و الضّياع الاختياريّ المخجل في الثّقافة و السّياسة و المصطلحات ]

د. بهجت سليمان

1 يتردّد البعض منذ بداية “الحرب” على سورية في اعتبارها، بالتّسمية و التّوصيف، حرباً أم أزمة، فيما حسم البعض الآخر تسميتها بالحرب على سورية لغزارة توفّر الدّليل و القرينة، كما سوف نبيّن هنا، في الوقت الذي بقي فيه البعض الآخر مصرّاً على تسميتها بالأزمة، إّما جهلاً و إمّا قصداً و عنوة، يرمون من وراء ذلك إلى مقاصد مفهومة ليس أقلّها اتّهام الدّولة السّوريّة بأسباب ما جرى و يجري و حصر المسؤوليّة السّياسيّة عن هذه الحرب بالدّولة الوطنيّة السّوريّة، جاهلين أو متجاهلين، عدا عن مقاصد و أهداف هذه الحرب، أبسط القواعد الفكريّة في تصنيف الأحداث التّاريخيّة و الظّواهر الاجتماعّية السّياسيّة، و ذلك لتحقيق أغراضهم في اتّهام ”الخصوم” و الأعداء السّياسيين بما يرغبونه، رغبة الرّاغب في خلط الأمور و تمييع الحدود بين الحقائق و تعمية النّاظرين من العامّة إلى الأحداث و توجيه رياح المواقف في الوجهة التي يُعَبِّئُون إليها التّطلّعات.
و على أنّ هذا الأمر هو شأن مدروس لدى البعض من المتصيّدين في خارج الغلاف الجويّ الأرضيّ، إلّا أنّ جزءاً منهم قد آمنوا بذلك معهم لجهلهم بالسّياسة و أصولها، فيما الفريقان ما زالا يعيشان خارج حركة السّياسة العالميّة و مراحلها التي تفرز مصطلحاتها الخاصّة، و إلّا لما تمكّن أولئك أو هؤلاء من ممارسة كلّ هذا "الإخلاص" في الخدمة لأعداء الوطن من جهة، و للجهل و الغباء من جهة أخرى.

2 و بعيداً عن هذه الجدليّة، فإنّ مسألة استخدام ”المصطلحات” الثّقافيّة تكتسي أهمّيّة بالغة الخطورة عندما يكون الأمر متعلّقاً بفهم و تقويم أحداث و ظواهر من العيار التّاريخيّ الجارف و الكبير، كما هي الحرب على سورية و هي تدخل بضراوتها عامها التّاسع، مع كلّ ما ترتّب و ما سوف يترتّب على ذلك من نتائج و بخاصّة منها تلك التي ستدخل في الذّاكرة الثّقافيّة السّياسيّة الثّابتة للوعي الاجتماعيّ و السّياسيّ السّوريّ، كما ستؤسّس لمخيال سياسيّ مديد سيكون له الأثر غير المحسوب، الآن، و لا المتوقّع و لا المحتمل، على بنية النّسيج الاجتماعيّ و السّياسيّ و الأهليّ السّوريّ، ناهيك عن الدّور الذي سيلعبه هذار الواقع في تكريس القناعات التي ستؤسّس لجملة من القراءات الأنثروبولوجّية المحلّيّة أو الاستشراقّية، على اعتبار أنّ هذا الحدث السّوريّ إنّما هو حدث غير مسبوق في تاريخ البشريّة المعروف ؛ و من هنا كان علينا أن نقول قولاً نقديّاً موضوعيّاً في تسمية هذا الذي يدور في سورية منذ نيّف و ثماني سنين و يطول ربّما إلى المزيد.

3 يصرّ، حتّى اليوم، هؤلاء و أولئك على توصيف ما جرى و يجري في سورية من حرب عالميّة على الطّريقة المعاصرة، بالوكالة و بواسطة الشّعوب نفسها في ما بينها، بمصطلح ”الأزمة”، متجنّبين الاعتراف بأنّ ما يجري هو ”حرب” موصوفة بكلّ التّفاصيل؛ و هم يرمون من وراء ذلك إلى تحميل الدّولة - أو ”النّظام” -وفق ما يُحبّون أن يسمّوه؛ مع أنّ الأمر لا يبخس الدّولة السّوريّة أيّة مزيّة معاصرة عندما لا بدّ لهم، و بجميع معايير اللغات الحيّة، أن يقبلوا بأنّ ”النّظام” هو، في المبدأ، عكس ”الفوضى” التي يرجون؛ و تحميلها المسؤوليّة وحيدة في قيام ما جرى من فظاعات عالميّة و محلّيّة و أهليّة و إقليميّة، في هذه الحرب؛ و على أنّ ذلك مجرّد أزمة ”داخليّة” كان وراءها، بكل الأحوال، ما يُسمّونه ”النّظام”، لتحميل جزء واحد، فقط، من الواقع الاجتماعيّ و السّياسيّ، مسؤوليّات هذه اللحظة التّاريخيّة العاصفة، و التي لم تكن لتحصل، على ما كانت عليه، و على ما هي عليه، لولا اجتماع العالم على سورية، من أقصاه إلى أقصاه تقريبا.

4 و لا مانع من أن نبدأ هذا الحديث بالتّفريق و التّمييز ما بين مصطلحيّ ”الأزمة” و “الحرب”، و ذلك بالاعتماد على بديهيّات بسيطة يقبلها كلّ فكر غير معاند و يتمتّع بالحدّ الأدنى من العقلانّية و الواقعيّة و الموضوعيّة ؛ لننتقل في ما بعد إلى نقد الأساس الذي تقوم عليه مواقف ”المعاندين”، أصحاب ”الأزمة”، و تعرية الّداء الثّقافيّ الذي يُعانون منه، و لا نرجو له، بالطّبع شفاء!

● أولاً - في ”الأزمة”:

5 بمراجعة بسيطة للذّاكرة الحيّة تحضرنا عناوين نظريّة و عمليّة كثيرة تقبع في مضمونها الدّلالة الواقعّية لمفهوم “الأزمة”، و قد يكون الجميع قد بدأ في هذه اللحظة، فعلاً، بالتّأمّل في هذا المغزى من خبراته العمليّة أو من خبرات الآخرين أو من تجارب التّاريخ و أدب السّياسة الذي لا بدّ و أنّه تركَ انطباعاً محدّداً في أذهاننا حول ”الأزمة”.
معروفة تلك الأزمات الاقتصادّية العالميّة، و بخاصّة منها ما يُعتبر أحد مظاهر أو نتائج الاحتكار العالميّ الإمبرياليّ، و منذ تفاقم قيمة المال النّقديّة و اكتشاف الرّأسماليّة المعاصرة لرأس المال الماليّ الذي صار يوظّف بوصفه، هو، نفسه، خالقاً للقيمة الاقتصادّية بشقّيها، كما بوصفه سلعة يمكن احتكارها و استثمارها السّياسيّ، بعد انتشار الهيئات و المؤسّسات و المحافل الماليّة في العالم و سيطرة عوائل عالميّة ، على حصرها، على مؤسّسات المال و التّمويل الدّوليّ و العالميّ العابر للقارات و أدوات العمل و وسائل الإنتاج و قّوة العمل و قوّة الإنتاج، كما هو عابر، تماماً، للعمل نفسه و كذلك للسّلعة التي أصبحت في مثالنا هذا هي “المال” نفسه.
كان من أشهر الأزمات الاقتصادّية الشّاملة على مستوى الكرة الأرضّية، تلك الأزمة الاقتصادّية التي تعرف بأزمة ”الكساد الكبير” التي بدأت في العام (1929) عندما انهار الإقتصاد العالميّ بسبب الوحشيّة غير المتناهية للاحتكارات الأميركّية - الغربيّة في تركيز رأس المال في شكل رأس المال الماليّ، و الاحتيال في القروض العقارّية و التّهرّب الضّريبيّ.. إلخ؛ حيث بدأت تلك الأزمة اعتباراً من (أميركا) بسبب انهيار سوق الأسهم و الأوراق المالّية اعتباراً من (وول ستريت)، لتعمّ نتائجها التّدميريّة المخرّبة، و التي ظهرت في صورة كساد مفزع لجميع أنواع البضائع و الصّناعات و التّجارات و العمل و الموادّ الخام و قوّة العمل..، جميع دول العالم من دون استِثناء.
غالباً ما تتظاهر الأزمة الاقتصادّية بانكماش للاقتصاد و الاستثمار و الاستهلاك و العمل نفسه، إذ أنّ الأزمة هي هذه الاختناقة في جميع مظاهر الحياة العاّمة؛ و ينتج عن مثل هذه الأزمات، أزمات مالّية تتبعها تعبّر عن حالها بتقلّص السّيولة النّقديّة و بالإفلاسات الكّليّة أو الجزئيّة للمصارف و البنوك..
و مثل هذه الأزمة الاقتصادّية و الماليّة تلك التي يعرفها الجميع و التي حلّت بالاقتصاد العالميّ، و بخاصّة الاقتصاد الأميركيّ و الغربيّ و كذلك الاقتصادات المرتبطة به ارتباطاً عضوياً، و ذلك في العامين (2008 - 2007)؛ و مثلها ما هو متوقّع في عاميّ ( 2020 - 2019).

6و يمكننا قبل أن نتطرّق إلى تعريف الأزمة تعريفاً عامّاً، أن نشير إلى أنّ مختلف الأزمات السّياسيّة و الإدارّية، تظهر للأسباب ذاتها التي تؤّدي إلى الأزمة الاقتصادّية، و لكن بفارق انزياحات الأصول و الملكيّات الماليّة انزياحاً عضويّاً، بحيث تأخذ أشكالٌ من الاحتكار و الإفلاس و الانكماش، مظاهر رمزّية بدلاً من المظاهر المادّيّة.

7 و بناءً على ما قلناه يمكننا أن نعرّف “الأزمة” بأنّها تلك الظّاهرة التي يغدو معها واقع مُعيّنٌ و بمختلف بُناه ُو بِناهُ، المادّيّة و اللوجيستيّة و الرّمزيّة، و قد أصيب بشلل ظاهر و مؤثّر و فعّال، في صميمه العضويّ؛ و بشكلٍ سلبيّ، أيضاً، و هو الأمر الجوهريّ و الشّرطيّ و الأساسيّ، إذ أنّ“الأزمة”حالة انسحاب ماّديّ و رمزيّ، بحسب نوع الأزمة، و انكماش و فشل عضويّ ذاتيّ يُصيبُ الواقع و الأشياء بجمود يليه آثار مختلفة تتّجه كلّها في اتّجاه من العضويّة الدّاخليّة، من مركزها، لتنتشر إلى الخارج و إلى أطراف مسرح الأزمة، و ذلك بموجب قانون و حالة التّعضّي التي يكون عليها نسيج العلاقات التي تشملها الأزمة، بالتّأثير المباشر أو بالتّأثير غير المباشر.

8 و في مفهوم الأزمة، نحن لسنا أمام ”انزياحات” نوعّية، بقدر ما نحن أمام انتشار من البؤرة إلى الأطراف، و هذا في جميع أوصال الظّاهرة المحدّدة الواحدة و التي تتشارط عضويّاً، من غير أن تنزاح هذه الحالة - الأزمة إلى ما يوازيها أو ما يصاقبها أو ما يجاورها من حقول عينيّة أخرى، بمثال أنّ الأزمة الإدارّية لا تتعّدى ذاتها إلى الواقع المنزليّ، أو بمثال أنّ الأزمة الاقتصادّية لا تشمل قطاعات عليها أن تكون بمنأى عن تأثيراتها كالقطاع العسكريّ و الجيش و السّلاح و التّسليح.. أو بمثال أنّ الأزمة السّياسيّة لا تشمل الأطفال الرّضع، حيث، بالطّبيعة، هم في بعد عضويّ كاف ليكونوا بمنأى عن هذه الأزمة .

9 ونحن لا نجد، هنا، أنّنا في حاجة إلى تكرار تعريفات الأزمة، التي يقترحها أو يتّفق عليها رأي أو آراء في دائرة معيّنة، كما هو الحال في التّواضع على التّعريف الأكاديميّ القاصر للأزمة، لنصل مع هؤلاء إلى مفاهيم مثل “احتواء الأزمة” و “إدارة الأزمة” و “الاستفادة” من تجربة الأزمة و مراكمة خبراتها لوضع الخطط التي تأخذ بحسبانها أسباب أزمة معيّنة، إذ أنّ الأزمات تتعّدد و تتوالى، و قلّما تتكرّر أزمة واحدة بالشّروط و الأسباب و الأحوال التي كانت لسابقتها و لو كنّا نتحدّث عن أزمات في الشّأن الواحد..
و نحن نحبّذ أن نترك هذه الاجتهادات الأكاديمّية لأطروحات شهادات الماجستير و الّدكتوراه!
ويبقى من المفيد أن نعيد تأكيد أنّ الأزمة، بكاّفة أشكالها، إنّما تقوم على أمرين كشرطين لازمين لحصولها، مع أخذنا بالاعتبار الشّروط الكافية الأخرى و التي تخضع لتباينات الزّمان و المكان و الموضع و الموقع و غير ذلك، و أعني بذين الشّرطين:
التّضمّنيّة الدّاخليّة، من جهة..
و الأدائّية السّلبيّة لفيزيولوجيا الأطراف و الأشياء، في عضوية مسرح الأزمة.

● ثانيا - في الحرب:

10من الطّبيعيّ أنّ الحرب بذاتها هي بغنى عن التّعريف بل و لا تحتاج إلى تعريف.
و لكنّ ما يجعل المرء يلجأ إلى تعريف المعرّف و المعروف، إنّما هو واقع السّياسة الذي يظنّ المشتغلون فيه بأنّ كلّ شيء مباح فيه، بما في ذلك العناد و الغباء و الجهل و التّجاهل و ضيق الأفق و البلاهة الفكرّية و التّعصّب الّلئيم للعواطف التي تجرّ وراءها أصحابها جرّاً على أبوازهم عندما يُسلّمون قياد أفكارهم لغريزة القطيع..
على كلّ حال، فإنّ الحرب يمكن أن نقاربها بالمقارنة مع ما قلناه عن ”الأزمة”، بأنّها حالة اعتداء تقع على دولة أو مجتمع أو شعب أو أمّة بالوسائل العنيفة كالسّلاح و الإعلام و الحرب النّفسيّة المرافقة للحرب العسكريّة المسلّحة.

11 واضح من خلال هذا التّعريف المألوف للجميع؛ و أعني باستثناء، الأدوات المخصّصة لمهامّ و وظائف رخيصة خاوية من الشّرف الوطنيّ و الشّرف الشّخصيّ، معاً؛ أنّ (الحرب) على عكس (الأزمة) هي فعل عدائيّ خارجيّ يقع على “الآخر” بالإقدام على العمل، و أعني بحالة أدائيّة موجّهة إلى هدف بغرض يتجاوز، غالباً، وقائعها؛ فيما هي، أيضاً، على عكس الأزمة، فعل خارجيّ خالص، و ذلك، في رأينا، حتّى في الحروب الأهلّية، إذ أنّ أدواتها و دوافعها و غريزتها تكون موجّهة مباشرة من مقاولين خارجيين لغايات لهم خاصّة بهم، يجنون من ورائها مكاسب مختلفة.

12 من الغريب قول هؤلاء القوم الُمسَمَّون بالمعارضات، و بخاصّة منهم من يشتغل بالسّياسة و الفكر إلى درجة يجعل الأبله يشمئزّ من الفكر و السّياسة و من المشتغلين بهما؛ و لا سيّما عندما لا يخجلون في توصيف ”الحرب الّسوريّة” الواقعة على سورية منذ أكثر من ثمانية أعوام، بأنّها ”أزمة” كانت بسبب جور ما يُسمّونه "النّظام" قاصدين به بوضوح الدّولة السّوريّة أو القيادة السّياسيّة السّوريّة على وجه التّحديد ،على اعتباراتهم الرّعناء أنّ النّظام عدوّ للمجتمع، و كذلك أنّ الشّعب ضدّ هذا ”النّظام”، و ”النّظام” متسلّط على الشّعب، إلى الدّرجة التي خلقت ”أزمة”..
ولكنّ ما لا يجيبون عليه من سؤال، في خواطرهم الضّمنيّة، هو كيف لدولة أن تحارب شعبها أو مجتمعها و في نيّتها أن تستمرّ كدولة و قيادة، و بإصرار لا نظير له، و كيف لهذه الدّولة أن تنظر في نفسها و هي خاوية من مبرّر وجودها، و أعني المجتمع الذي هو الوسط الطّبيعيّ للحياة السّياسيّة للدّولة، و هو ما يسوّغ وجودها كدولة و نظام.

13 نستطيع تكرار الكثير ممّا قلناه و يقوله الآخرون، بمن فيهم سياسيّون و ساسة غربيّون شهود على اجتماع مئات الآلاف من شذّاذ آفاق الكرة الأرضّية و مجرميها، و تشغيلهم كأدوات خارجيّة عند “قادة إسلامويين” و هّابيّين و إخونجيين بدعم و تمويل و تدريب و تحريض و تجييش من قبل دول غربيّة و إقليميّة و عربيّة و إسلامّية، من أجل الفتك بالمجتمع السّوريّ و إشعال المجازر و الحرائق في أجساد و أرواح الشّعب السّوريّ و جيشه الوطنيّ..
و نستطيع أن لا نتوقّف في هذه السّلسلة الواقعيّة الحيّة التي رآها كلّ العالم المعاصر، باستثناء معارضي السّياسة في سورية و أعداء الشّعب السّوريّ و المجتمع السّوريّ و الدّولة السّوريّة، إذ لم يلاحظوا ذلك، و إنّما لاحظوا أنّ ثمّة “أزمة” في أوهامهم تعيشها سورية، بعد كلّ هذا التّدمير و التّخريب و الحرق و الذّبح الحلال على ”الطّريقة الإسلامّية” للسّوريين الذين كانوا آمنين في يوم من الأّيام.

14 و إذا كان كلّ ما قلناه و ما لم نقله و ما قاله غيرنا، و ما عشناه كشعب سوريّ من قتل و ذبح و خوف و رعب و تشييد المقابر الجماعيّة للآمنين العّزل، و تدمير البنى التّحتيّة و البنى الفوقيّة للمجتمع و الدّولة في سورية، و تهليل الإعلام "العربيّ - الإسلاميّ" المأجور و الإعلام الغربيّ المتصهين؛ و إذا كان كلّ ما كان من اعتداء خارجيّ مسلّح و موصوف على الأرض و الشّعب و الدّولة في سورية، فكيف يا ترى تكون ”الحرب”؟

● ثالثاً - نقد أفكار المعارضين:

15 ليس مهمّاً أن نتوجّه بنقدنا هذا، هنا، إلى أولئك المعارضين السّياسيين المكابرين و المعاندين و الجهلة حتّى منهم من يدّعي ”الشّيوعيّة” أو ”الماركسيّة” أو ”اللينينيّة” أو ”الماويّة” أو “التّروتسكيّة”، أو غير ذلك من انتماءاتهم الفكريّة أو الثّقافيّة المزيّفة، أو من انتماءاتهم الحزبيّة المخجلة؛ بحسبان أنّهم إمّا جهلة أو أنّهم يتجاهلون..
و إنّما نحن نقدّم أفكاراً للتّاريخ السّياسيّ لسورية المعاصرة، و هذا جلّ أهدافنا و غاياتنا من هذه المطارحات.

16 بالعموم، نحن نعطي الأهّميّات المجانيّة للكثيرين، عندما نعتبر جميع أفواج المعارضة السّياسيّة السّوريّة، يفهمون أو يُدركون أطر تفكيرهم و أدوات و وسائل شغلهم و أغراضهم، التي يتوجّهون بها إلى أهدافهم التي هي هذه و حسب ما يُدركون على التّأكيد، تحت تأثير غريزة الكسب الوهّاجة و رغبة الأخذ السّياسيّ و الماليّ التي لا ينجو منها إلّا القليلون، و التي هي أقصى حدود “البرنامج السّياسيّ” الذي يقود تصوّرات هؤلاء في ما ادّعوا من معارضات و مواقع سياسيّة و ثقافيّة و مواقف لها دلالاتها و مدلولاتها و حقدها و حنقها، في إطار أهدافها النّهائيّة المناهضة للدّولة الوطنيّة السّوريّة و للمجتمع السّوريّ.
على أنّ المعارضات السّياسيّة السّوريّة معذورة لغبائها - و لا أقول في غبائها و محدوديّتها، طبعاً - في أنّها توقّفت ثقافيّاً - هذا إن كانت مثقّفة ساعتذاك - عند حدود السّتينبات و السّبعينبات من سنوات القرن العشرين الفائت، و أخصّ منها بالحديث، هنا، تلك المعارضات ”الشّيوعيّة” بكافة أطيافها المعروفة جيّداً للمتابعين، و جميع مَن كان مِن حولهم ممّن يدّعي الماركسيّة - اللينينيّة، أو يتمسح باللون الأحمر الثّوريّ , فباتت محنّطة في مواقعها..
إلّا أنّ هذا الواقع لا يمنعنا من بعض الإيضاحات التي قد تعصم أجيالاً جديدة من هؤلاء، مع أنّنا لا نظنّ أنّ لهم خلفاء في فرادة محدوديّتهم الثّقافيّة و المعرفيّة في هذا العصر، و لو أنّ معظم المعارضات المعاصرة قد انحطّت إلى أسوأ من ذلك بكثير، كما أظهرت لنا طبيعة أحداث الحرب التي تعيشها سورية اليوم.

17 و لأنّ الخلافات و الاختلافات الثّقافيّة و المعرفيّة بين أطراف الصّراع السّياسيّ، غالباً ما تأخذ شكل التّباين في فهم المصطلحات، كما أشرنا في البداية، و في معرفة كيفيّة استخدام المصطلحات بوصفها تعبيراً على مفاهيم نظريّة و عمليّة في العمليّة السّياسيّة العامّة، فإنّ علينا التّوقّف مع بعض المصطلحات المعاصرة في حدودها ما بعد الحداثيّة و ما بعدها أيضاً، مع أنّ مثقفي المعارضات السّوريّة لا يعنيهم هذا الأمر، مفترضين الجهل الاجتماعيّ و الثّقافيّ عند قواعدهم و محازبيهم و مناصريهم و مريديهم، و هم على “حقّ”، بالفعل، في هذا الأمر على الأقلّ، على رغم سياسة التّجهيل التي يتّبعونها مع قاعدتهم الاجتماعّية المحدودة، فيكونون قد خانوا مرّتين: الأولى خيانة سياسّية بحقّ ذواتهم؛ و الثّانية خيانة تاريخيّة بحقّ أفواج أجيالهم الجديدة، التي هي في تناقص مطّرد في واقع الأمر.

18 أصاب المفاهيم السّياسيّة الحداثيّة، كالسّلطة و النّظام و السّلطات و فصل السّلطات و الدّيموقراطيّة و الانتخاب و التّمثيل و الحرّيّة و العدالة السّياسيّة و المساواة الاجتماعّية، تغيّرات تتراوح بين تطّور المضامين المفهوميّة للمصطلحات و بين الانقلابات الشّاملة و الجذريّة على تلك المفاهيم.
و قد قدّمت ما بعد الحداثة و ما بعدها.. تعليلات واقعّية أو وضعيّة لمضامين المصطلحات الجديدة، بحيث تتلاءم مع الاتّجاهات السّياسيّة العالميّة الجديدة ذات الجذور النّظريّة و الفكريّة الخالصة، و ذات القبول الاجتماعيّ الواسع في الوقت نفسه، بغضّ النّظر عن القيمة الأخلاقّية لهذه المضامين، حيث تتساوى في ذلك المصطلحات السّياسيّة على مرّ العصور التّاريخيّة، و ذلك عندما نجرّدها من قيمها المعرفيّة و قيمها الفلسفيّة المبكّرة الأولى، و هي كذلك في كلّ حال.
و فيما نكون أمام عالم من الوقائع، فإنّنا سوف نكون، في الحدّ الأدنى، واهمين، عندما لا نأخذ المتغيّرات الّلاحقة للمفاهيم بالاعتبار، أو عندما نقرأ الواقع المعاصر بلغة الماضي الذي تحنّط فينا و الذي يعود إلى مئات السّنين.
و أكثر من هذا، فإنّه حتّى المصطلحات التي يمكن أن نعتبرها معاصرة كتلك التي جاءت مع الثّورة البلشفيّة الرّوسيّة عام (1917)، قد أصيبت بتحوّلات بل و بانحرافات كبيرة و شديدة و عميقة و بخاصّة مع الماركسيّة الفرنسيّة و الماركسيّة الإيطالّية؛ بينما يروى أنّ أوّل من استخدم كلمة ”ما بعد حداثيّ”، للتّفريق بين المشهدين السّياسيين، الحديث و المعاصر، كان الفيلسوف الألمانيّ (رودولف بانفيتش)، و ذلك في عام (1917)..
و هو ما جعل الثّقافة السّياسيّة العالميّة، وحتّى الفكر السّياسيّ المعاصر و الواقعي الأخير، يدخلان في ترتيبات عملّية جديدة لم تكن في حسبان الكثيرين ممّن عجزوا عن مواكبة هذه التّغيّرات، بتغيير و تطوير عدّتهم السّياسيّة بالكامل و ليس بشكل جزئيّ.

19 شكّلت ”الحداثويّة ” ( Modernism ) انتقالة نوعيّة عمليّة، أكسبتها تجربة نظريّة خاصّة، عن ” الحداثة ” ( Modernity ) بالمعنى الذي اشتغلت فيه أفكار ”الحداثويّة” بأدوات “الحداثة” المفهوميّة ، فكان ذلك أوّل اختبار لزيوف الكثير من الممارسة السّياسيّة لأفكار الحداثة، و هو الأمر الذي بعث في مفاهيم الحداثة نفسها إجراءات تعديليّة عميقة، أُولى، على مضامين المصطلحات الحداثيّة التي بشّرت بها ” الأنوار”.
و لكنّ التّحوّرات الشّديدة التّالية للمصطلحات و المفاهيم، و الانقلابات الجذرّية حتّى في الموقف من العالم مأخوذاً بواسطة المعرفة و الثّقافة السّياسيّتين، كان في التّغيّرات التي شهدتها الثّقافة و شهدتها المعرفة، في السّياسة، في ما سمّي لاحقاً “ ما بعد الحداثيّة " ” Post modernism
" كان أهمّ تلك التّحويرات العميقة ذات البعد السّياسيّ المترافق بموقف مغاير على العالم و الواقع و التّاريخ و الثّقافة و المعرفة الشّاملة، و أكثرها تأثيراً في الممارسات السّياسيّة المعاصرة الّلاحقة، و منها ما نعيشه اليوم بالتّحديد، أن أجريت انزياحات مفهوميّة جيولوجيّة عميقة، زلزاليّة بمعنى الكلمة، تركت أثرها الواضح على “الحداثات” السّياسيّة العولميّة الأخيرة
هذا في الوقت الذي لا يزال فيه المثقّفون السّوريّون المعارضون الماركسيّون يشتغلون بأدوات معرفيّة و سياسيّة و ثقافيّة، تعتبر أدوات حجريّة بالنّسبة إلى الأدوات “الّليزريّة”.. التي يشتغل بها اليوم ساسة و سياسيّو العالم!

20 و يمكن، ببساطة، أن نأخذ فكرة عامة عن نتائج تلك الانقلابات السّياسيّة النّظريّة في الثّقافة و المعرفة المعاصرتين، إذا استطعنا إدراك مكمن الفرق النّوعيّ، العضويّ، عند مقارنتنا بعض مفاهيم ”الحداثة” التي قطعت مرحلة وسيطة في مفاهيم (”الحداثويّة” ما بعد الحداثة، وصولاً إلى مفاهيم ”ما بعد الحداثيّة”.. ما بعد بعد الحداثة) و التي تخضع اليوم لتحديث عولميّ عمليّ لاختبار مضامينها النّظريّة، بعد أن اختلفت مفهوميّاً و انقلبت اصطلاحيّاً بصراحة القوة و العنف السّياسيين العالميين..
فالقصّة الطّويلة المتسلسلة الأحداث و المتوالّية (الرّواية الكبرى) جرى عليها، و أجري، مجموعة من القصّ و القطع و التّجزيء في المكان و الزّمان و الوعي، و الأهمّ من كلّ ذلك الإيحاء بذلك إيحاء مباشراً إلى الإدراك ليصير هذا الواقع الجديد ، بغضّ النّظر عن حقيقيّته أو توهّمه أو الإيهام به، واقعاً حقيقيّاً تجاوز حدوده الافتراضّية..
و تبعاً لذلك جرى تقطيع أوصال الأفكار الكلّيّة إلى أجزاء بل و إلى مجتزءات غير سياقيّة ، لتعميق و تكريس الإيهام بزوال عصر ”الحكاية” ، و تبديل المقطوعات الإعلامّية المنتقاة بأيديولوجيا حرفانيّة عالية الحرفيّة ، بالرّواية الكاملة .
و بالاتّجاه نفسه ، جرى استبدال المقلّد و المزيّف و المختلف و المغاير ، بالأصل ؛ كما استبدلت الفروع و الوظائف و الأدوار ، بالمرجعّية المركزيّة الظّاهريّة ، و ذلك مثلما ، تماماً ، استبدلت حاملات الطّائرات المتحرّكة و الثّابتة و القواعد العسكريّة الإمبريالّية ، بأراضيها الأمّ ..
و قد ترافق ذلك مع تبديل الفوضى و الخلط و الاختلاط ، بالهيراركّية العلنيّة و التّراتبيّة و التّرتيب ؛ و القراءة السّريعة و الابتكار الغثّ و الخفيف ، بالتّأليف و القراءة المنتظمة و التّقاليد.
من جانب آخر ، فقد تمّ الإجهاز على بقايا اليقين ، و اعتماد واجهات ”واقعّية” بانوراميّة متبدّلة و متغيّرة ، من أجل سحب النّوى الصّالحة للتّخصيب في عقل العالم ؛ و زرعت النّهايات الافتراضّية للوجود في شرائح يجري اليوم ، و على الملأ ، تحضيرها لزرعها ، عضويّاً ، في أدمغة البشر...!
و هكذا تمّ تطوير مواصفات ضوئيّة خادعة للأفراد العمالقة و الجبابرة ، في مقابل حذف كلّ ذكرى من ذكريات الإنسانوّيات المتعدّدة و التي احتلت تاريخاً طويلاً من إيمانات البشر في حاضراتها الإنسانّية .
و القائمة تطول ..
باختصار لقد اختلف العالم كثيراً و كثيراً جدّاً ، في الوقت الذي ما تزال فيه الثّقافات الطّرفيّة المتخلّفة تعيد إنتاج ذاتها لخوفها ، و برعب شديد ، من استبدال ما تتضمّنه ، و ذلك بسبب التّهيّب من إيجاد المعلومة و المعرفة البديلة ، و كذلك بسبب إيثار الثّقافات السّياسيّة الغثّة أن تبقى في مجال الرّاحة التّاريخيّة و تخنّث الهمّة و اختفاء الإرادات .

21 و بالعودة إلى ثقافتنا المحلّيّة المحدودة ، و التي تشكّل مثالاً ، و حسب ، على ثقافات كلّ غير المشاركين في صناعة هذا العصر ؛ فإنّنا نأسف حين نتفاجأ بمقارنات تاريخيّة سياسيّة ، يقوم بها جهابذة من شيوعيي و ماركسيي المعارضات السّوريّة ، حتّى اليوم ، و ذلك مثلما كانوا يستخدمونها في لغة السّبعينيات و الثّمانينيات من القرن العشرين المنصرم ؛ و آخرها تلك المكابرة الحمقاء من أجل إبقاء صورة هذه الحرب في إطار الأزمة التي خلقها ، حسب تعبير المعبّرين ، “ النّظام ” السّوريّ ، و لو كان ثمن هذه الأغلوطة المفضوحة جملة أخرى من الأغاليط السّياسيّة التي تزخر بها أدمغة هؤلاء المأفونين ..
فلا نعدم - على سبيل المثال - تشبيههم ما يجري في سورية بما جرى في ( إسبانيا ) ما بين الأعوام ( 1936 - 1939 ) في ما سمّي بالحرب الأهلّية الإسبانّية ، في تلك الأعوام.
و الغريب في الأمر ، بل و المضحك ، أّنه بعد توصيف تلك الحرب الإسبانّية بالحرب الأهلّية ، بصراحة من يتحدّث بذلك ، فإذا به يعود إلى اعتبارها ”أزمة” ، ليقوم بعمليّة إسقاط خرقاء على ما يجري في سورية ، مع أنّ كلا التّوصيفين هما توصيفان ذاتيّان كاذبان و مفتعلان ، و ذلك سواء بالنّسبة إلى الحرب الإسبانّية أم بالنّسبة إلى " الحرب السّوريّة " ، و فق ما سوف نبيّن ذلك ، مباشرة.

22 ليس صحيحاً ، بناء على ما حلّلنا الأزمة أعلاه ، أنّ ( الحرب الإسبانّية ) أو كما توصف سياسيّاً في الثّقافات الرّاديكاليّة التّقليديّة ، ب ( حرب فرانكو ) ، نسبة إلى الجنرال فرانكو الذي حكم إسبانيا منذ الحرب و حتّى عام ( 1975 ) هي عبارة عن ”أزمة”..
و هذا إذا أخذنا عوامل الأزمة ، إذ أنّ ”الحرب الأهلّية” و لو أنّها حرب “داخليّة” ، ”ذاتيّة” ، فهي ليست لا داخلّية و لا ذاتّية فقط ، و ذلك بالنّسبة إلى حجم القوى الخارجيّة التي أجّجت الحرب و مجموعة القوى الأخرى و الأجنبّية الغريبة عن ( إسبانيا ) و التي خاضت غمار تلك الحرب على مدى ثلاث سنوات وفق الإحصاءات الرّسميّة ، و هي أطول من ذلك ، و هذا بالنّسبة إلى مجموعة القوى المسلّحة و الميليشيات و الفصائل المقاتلة التي قاتلت إلى جانب كلا طرفيّ الحرب و القتال ؛ هذا أوّلاً .
و أمّا ثانياً ، فإنّ تشبيه تلك الحرب الإسبانّية مع الحرب السّوريّة المعاصرة ، إنّما هو شيء من قبيل النّموذج الإفلاسيّ الأخير من جملة الإفلاسات التي قاستها و عانتها المعارضات السّياسيّة السّوريّة " المثقّفة " ، و هي تحاول الانخراط بحياء في حرب العصابات الدّوليّة على سوريّة ؛ و هي تمارس جهلا و تجاهلا مأجورا و متعمّدا و حاقدا و لئيما ، على نحو مزدوج ؛ فلا الحرب السّوريّة كالحرب الإسبانّية ، و لا كذلك هذه أزمة أو تلك أزمة أيضاً.

23 ببساطة الوقائع التّاريخيّة ، قامت الحرب الأهلّية الإسبانّية بين فريقين عسكريين في حكومة الجمهوريّة الإسبانّية الثّانية..
[ الجمهوريّة الإسبانّية الأولى هي حكومة قصيرة زمنيّاً قامت ما بين عاميّ ( 1873 - 1874 ) عندما تمرّدت الجنرالات العسكرّية لاستعادة حكم آل بوربون الملكيّ ]..
و ذلك بين الدّيموقراطيين الموالين للجمهوريّة ( الثّانية ) ، أو اليساريين ، و بين الوطنيين الذين مثّلوا المعارضة اليمينيّة المدعومة بجنرالات الجيش بقيادة الجنرال( فرانسيسكو فرانكو )..
بحيث قادت كلتا الجهتان ، و كلّ منهما على حدة ، فصائل مسلّحة و ميليشيات أهليّة محليّة و أجنبيّة ، متواجهتين في حرب أهليّة دامت ثلاث سنوات ، إلى أن أسقط ( فرانكو ) الجمهورّية الإسبانّية الثّانية التي قامت في عام ( 1931 ) ، و حكم البلاد حتّى تُوفّي عام( 1975 ).
و من الطّريف أوّلاً تسمية هذه الوقائع الدّامية بالأزمة ؛ ثمّ من الأكثر طرافة تشبيه هذه الحرب ب " الحرب السّوريّة " المعاصرة ، و هما حربان مختلفتان اختلاف القطب الموجب عن القطب السّالب ؛ و الأنكى ليس اعتبار كلّ منهما أزمة ، و حسب ، و إنّما أيضاً قرنهما ببعضهما كما يقول أمّيّو السّياسة و التّاريخ من بقايا المعارضة الماركسيّة و الشّيوعيّة السّوريّة..
فمن أين لحرب أهليّة حقيقيّة في إسبانيا أن تكون قرينة " الحرب السّوريّة " التي هي حرب عالميّة على الشّعب السّوريّ و على الجيش السّوريّ و على الدّولة السّوريّة ، بواسطة أكبرعدد من مئات آلاف مجرمي هذا العصر من متأسلمي النّاتو المتأمركين المتصهينين..؟!

24 في حصيلة هذا الحديث يحقّ لنا كشعب سوريّ أن نخجل من معظم مثّقفينا و سياسيينا في معارضاتهم المزعومة ثوريّة ، و ذلك إلى أن تندى جباهنا من تاريخ سياسيّ ثوريّ سوريّ مزيّف لم يُنجب غير الأفّاقين و المعوّقين و العجزة و الخائفين من مواجهة التّاريخ ، بحقائقه المتاحة لجميع الشّجعان في اختيار معرفة تحصيل التّطوّر بأسبابه ، أو في اختيار الانقراض من صورة هذا العالم المحيّر و المعقّد في تغيّره و تطوّره و اختلافه الدّائم ، حتّى للمجتهدين.

******

فيما يلي تعقيب الشاعر والمهندس ياسين الرزوق زيوس:

في حديث الأمة بين شفاه نفسك و عقلك و روحك و قلبك لا يعود المصطلح إلى سيرته الأولى بل ينطلق إلى كلِّ السير الوطنية و بها ليضع التعريف في مواجهة مع ذاته و مع محيطه كي لا يسمح للعابثين أن يعبثوا أكثر و كي لا يسمح للخونة أن يتباهوا أكثر بانحرافاتهمأ ياسين الرزوق1
و أعينهم كما عقولهم لا تدرك أدنى درجات المطابقة التي لحقت بأحقادهم و لم تتركها على مفترق التحليل بقدر ما جعلتهم منغمسين بها لينحرفوا أكثر و أكثر مع كلِّ عدوٍّ متحاملٍ على وطنهم و على إنسانهم , و هم للأسف يجرِّدون الإنسان من إنسانيته بتفصيله على أمزجتهم التبعية وبتأطيره على أساس اصطفافاتهم المشبوهة!

و عليه:

1 ) : الأزمة ليست مصطلحاً يصل إلى قمة حرب و الحرب ليست مصطلحاً عادياً بل هو في قاع قمته و في قمة قاعيته التي مهما ارتفعت سيخسر الإنسان بها و لو روحه أو أشلاءً من جسده كي يكسب معركة أكبر ربما تكون معركة روحه و لو خسر جسده أو معركة ربح الاثنين معاً , و هو يعيد دفة العالم إلى الاعتراف بالتوازنات التي تعيد إنتاج التاريخ بشكل جديد أو تصنع تاريخاً ينتج متبنيه بقدر ما ينتج الظروف المحيطة بالتهييئ له , و هذا ما يجعل الأزمة في فارق نظري و تطبيقي كبير عن مفهوم الحرب الذي يرسم معالم المراحل في التاريخ و الاقتصاد و السياسة و الجغرافيا باختلافٍ جذريّ عن انتشارات و تمدد فعل الأزمات الذي يكون مرحلياً يفرض طريقة تعاطٍ شكليٍّ متغير وفق المتغيرات بما لا يغيِّر وجه التاريخ و حدود الأمكنة و الأزمنة!

2 ) : العين السياسية لمعارضين من هشاشة التعاريف تفقد مطابقة التسمية فتجعل المتابع بعيداً عن ملاحظة التسميات الجرثومية بسبب أوهام انشغاله بالتأثير الذي يغرس كوهم حرب على الروح و الجسد و لا يوضَّح من خلاله أنَّ هذه الجراثيم ما هي إلا أوبئة لا ترقى حتى إلى مصطلح أوبئة مزمنة فتفقد حتى تأثيرها الأزماتي بالتكيف و التأقلم و ابتداع الطرق الأنسب للالتفاف على تأثيرات الأزمات التي يريدون من خلالها احتلال العين الوطنية و جعل الصورة أمامها مزورة تحت أمنيات إبليسية بفقد رؤيتها المخلصة للوطن و الإنسان و على رأس هذا الإنسان قياداته الوطنية المخلصة!

3 ) : الانطلاق من الأزمة إلى الحرب يخضع لتسلسل التهييئ الممنهج داخلياً و خارجياً وفق منظور شبه ثابت بينما الحرب هي مفاجأة مهيَّأٌ لها مسبقاً لقلب الطاولة على كلِّ التعاريف الأزماتية بالتعاريف نفسها لخلق صدمة الواقع المفروض من غرف القرار العالمي بما يرسم حدوداً أو يزيل حدوداً تبعاً لمعطى السياسة و لمنحى الاتجاه الاقتصادي المتلاعب به باختلاقات أزماتية و بتسويق فوضوي منظم و متفق عليه في هذه الغرف البيضاء أو السوداء!

4 ) : أزمة الكساد الكبير تختلط بحروبٍ إسبانية و بحروب المئة عام و بحروب أهلية لا تحصى و بحروب أميركية لا تعدُّ و لا تحصى على كلِّ عواصم العالم كما يقتضي شكل هذه الحروب التي من الممكن أن تكون على شكل أزمات يتبناها الباطنيون و الظاهريون لتعيد إنتاج الأزمات بما يبين أن ما يجري في سورية ما هو إلا حرب عظيمة مركبة تختلط فيها هذه الأزمات بكلِّ أبعادها كي تطفو بها على السطح النية العالمية الأميركية السوداء بأقبح أشكالها التي تداخلت و جعلت الصورة رمادية أمام العامة و ناصعة أمام من أدركوا بوصلة الوطن و مركب الخاصة و العامة تحت سقف الوطن الذي يعاني هذه الحرب الانفجارية القذرة!

5 ) : لنا بحديث الأمة على لسان حماتها أن نعيد الهوية منتصرة من كلِّ ميادين الحروب الخارجية الكونية العظمى لتغدو الأزمات خفقة تصحيح و تنظيف داخليّ ينقذ خانات الهوية من الانهيارات المشبوهة التي علينا جميعاً إخراجها من المكان الرمادي لتعلن عن نفسها و لتفصح عن أنفس مواطنيها كي نقدر على إنقاذهم من شرور أنفسهم و من خديعة الداخل و الخارج تحت مسمَّى الأزمات التي تركب رأسها حروب معقدة بكل ما يعني التعقيد من معنى و لا تقدر على قطع رأسها من جديد إلا النفوس العاقلة العارفة معنى تيه الوطن بين حرب الوجود و أزمات اليقين!

October 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
29 30 1 2 3 4 5
6 7 8 9 10 11 12
13 14 15 16 17 18 19
20 21 22 23 24 25 26
27 28 29 30 31 1 2

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟
عدد الزيارات
8629290

Please publish modules in offcanvas position.