جول الخوري: عن العلمانية... هوامش

أ جول الخوري■ إن معركة التعوّد على الحوار هي ألف باء مايجب أن نسعى إليه / المفكر الباحث الأستاذ محمد محسن /

● لم تُطرح فكرة العلمانية كرد فعل غوغائي أو صادم على أي فكر دينيّ (من جهة مفصلية في أساس وجوده كمسألة إيمانية في حياة البشر من حيث الإقرار بوجود الله أو نكرانه أي الألحاد) أبداً... وبالتالي

يُفترض بالعقل والتفكير الواعي والمدرك والمحايد أن لايخلط بين مفهومين يبدو للوهلة الأولى أنهما متناقضان ولنهما يحملان في نكهتهما والغاية من وجودهما نفس المعنى.. لا بل يُكملا بعضهما البعض

● في جزئية الاستعجال في طرح العلمانية كطريق عريض وواسع ومستقيم لحل المشكلات العالقة... أعتقد وبناءاً على كل المعطيات والموجبات، وبدون الإدعاء بملكية الحقيقة كونها نسبية، ان الوقت مواتٍ تماماً لتكون فكرة العلمانية هي الخلاص الوحيد والمتفرد لهذا المأزق الفكري والإجتماعي والثقافي والمؤسساتي الذي نغوص في وحله... دون المساس بأية أيديولوجيات متناغمة بالأهداف معها بشرط أن لاتكون هدامة للأسس المتينة السابقة والتي تحمل في طياتها نهضة المجتمع ومفاعيل نجاح وتطور مؤسسات الدولة... بل التفاعل والحوار البنّاء معها لإنتاج أسس مجتمعية جديدة بقواعد متينة ووعي إجتماعي مدرك لحاضره ومستقبله... وإنتماء وطني منيع عصي على كل مايزعزعه أو ينال منه..

● إن طرح العلمانية كمنهج او طريقة حياة لم يأت من فراغ ولاتكتب له الحياة في الغراغ لطالما كان العقل هو الضامن الوحيد لعدم إنزياحه نحو مفارق وأتجاهات غير نافعة بل ومؤذية... حيث لاإنغلاق ولاحيطان مسدودة ولا تابوهات ولا أفكار محنطة بالية تقف في وجهه فهو متغي ومتحول وبأبواب ونوافد مفتوحة لكل عابر نظيف وكل هواء غير ملوث...

● لايخفى على كل ذي بصيرة وبصر انه وسط هذا الفراغ الإجتماعي / كهوة عميقة من الفقر والعوز / والثقافي والأخلاقي والسياسي المعرفي (وكل له اسبابه ونتائجه) الذي خلّفته الحرب على الوطن السوري مضافاً إليه جرعة الفساد العالية والتي تنتشر كالنار في الهشيم... صار الدين... وأصبح العنصر الوحيد الذي يمسك بزمام التماسك الإجتماعي وربما القادر على توجيهه على حساب غياب عقيدة الإنتماء للوطن كحجر أساس يكرس مفهوم المواطنة بكنهه الحقيقي السليم الأمر الذي أدى أتوماتيكياً لتعزيز الإنتماء الديني كهوية مجتمعية وتجذير هذا الإنتماء من خلال مسميات جديدة (جمعيات.. منظمات.. اخويات... مؤسسات رعاية... الخ ) وتأجيج النوازع الدينية عند الفرد على حساب وأد منطق الإنتماء للوطن كعقيدة ثابتة لاتقبل التأويل أو المناقشة.

وغاب عن ذهن الكثيرين وتحليلاتهم ويقينهم أن ما عاشه المجتمع من إنسداد في الأفق وإنكشاف للحقائق، وهي مريعة ومذهلة، والرهانات والفاعلين كلها جعلته يتطور وينضج بكل الإتجاهات... ويكاد الشارع السوري يُجمع ويُسلّم بالفكرة الأخلاقية والإنتماء الوطني كضامن وحيد وأوحد للعيش تحت مظلة الوطن... والعلمانية في جوهرها تقوم على إحياء النوازع الأخلاقية وتأطيرها بالأطر القانونية والدستورية الضامنة لديمومتها وبالتالي تجذير عقيدة الإنتماء للوطن كهوية فوق كل الهويات وبالتالي تصبح قضية يعتد ويعتز بها وهي بالنهاية تنسف كل الإنتماءات الرخوة وتطم كل المصطلحات الوافدة كمقولة (العيش المشترك) وتكون هي المؤشر على مناعة الوطن لكل نفوذية سامة قادمة تحت أي مسمى.

● إن الحرب على سوريا لم تكن دينية في الداخل.. بل هي حرب دينية من الخارج قادها وخطط لها وبرمجها تنظيمات وغرف صهيونية مشتركة مع أعراب الخليج ومن لف لفيفهم بدلالات صليبية تارة وبأستبدال مفاهيم وأيديولوجيات جديدة مناقضة للسائدة ( المد الشيوعي... الإلحاد.. المد الإسلامي... الإرهاب.. الديموقراطية.. الخ) ولا أعلم حتى الساعة لماذا يُسقط البعض أسباباً واهية ومؤهبة للحرب على سوريا مثل، الجهل والفقر والفساد وتغييب مبدأ المحاسبة، من حساباتهم.. بل قال البعض، أننا أسقطنا مفهومي الدين والعروبة كسلاح في مواجهة الغرب وإسرائيل؟ مع العلم أن هشاشة هذين المفهومين (بالمعنى التطبيقي المعاش) هي التي أدّت بمعنى ما إلى سقوطهما.

وبمعنى آخر إنحناءة ظهر الدين وكسر قدمي العروبة سمحتا للغرب بهذه النفوذية العالية المسام والمؤلمة في صراعنا الحضاري والوجودي معه ومع طفلته المدللة إسرائيل.. وبالعلمانية الصحيحة والمنفتحة على كل المشارب، وبالعلم وبمراكز البحث العلمي وتطوير الجامعات وتعزيز وتدعيم القانون وسبر كنه الغرب نكون قد ملكنا السلاح الأهم والفعّال لمواجهته والوقوف في وجهه نداً وسداً منيعاً... وليس بالدين والعروبة وحدهما.

● العلمانية تعني أن المجتمع يعيش، وليس يتعايش، ضمن بوتقة واحدة وفي ظل مواطنة كاملة تعطي ماعليها وتأخذ ما لها من موجبات الحياة الكريمة وفي ظل دستور حامٍ وضامن للكل.. وبالكل على أرض مقدسة تدعى الوطن يرخص له كل غالٍ ونفيس /ولنا في عقيدة الجيش السوري الراسخة والجامعة المانعة خير دليل وبرهان /

●العلمانية مقدسها الإنسان والوطن وكل ما يحق تقدمهما ورفعتهما... وخارج هذه المعادلة هي لاتملك المقدس بمعناه الضيق ولاتدافع عنه ولاتستجير به... وهي لاتملك الحقيقة بل هي في طور سبر أغوارها وتلمس الطريق إليها بعيداً عن التحزب والنظريات والقوالب الجامدة والتأويل والمواربة... العلمانية هي الروح المضيئة المتوثبة أبدا لخير الإنسان ونقاء وبقاء الوطن.

June 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 31 1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 1 2 3 4 5 6

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟
عدد الزيارات
6852439

Please publish modules in offcanvas position.