nge.gif

    محمد حسنين هيكل: سنة من الوضوح

    مقال (بصراحة: محمد حسنين هيكل)

    (الأهرام- 22 شباط 1963)

    وحدة الهدف تصنع تأثيرها... وملء الأفق نجوم فى سمائنا
    سنة كاملة مرت، منذ تكلم جمال عبد الناصر فى عيد الوحدة، فى أول احتفال به بعد انفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة، وأطلق فى يوم 21 فبراير سنة 1962 - شعاره الجديد للعمل فى المجال العربى "وحدة الهدف، قبل وحدة الصف".

    سنة كاملة مرت، منذ ذلك اليوم.
    سنة كاملة من الوضوح الفكرى، والرؤية الشفافة الصادقة.
    سنة كاملة واضحة... سنة كاملة رائعة.

    فى ذلك اليوم - منذ سنة كاملة - كانت آفاق الشرق العربى غارقة فى ظلام كثيف، ولم تكن هناك على هذه الآفاق نجمة واحدة تلمع من بعيد تمنح الباحثين عن أمل تلوح بشائره - وعداً أو موعداً.
    وكان مجرد وقوف جمال عبد الناصر يومها فى احتفال بعيد الوحدة، بعد الانفصال، باعثاً على العجب.

    ما الذى يمكن أن يقول فى مثل هذه المناسبة؟
    وكان التعليل الذى خطر على بال البعض وقتها: أن وقوف جمال عبد الناصر للحديث ذلك اليوم هو عناد رجل من صعيد مصر لا يريد أن يستسلم حتى وإن وقف وحده مكابرة ضد زحام الحوادث الذى بدا وكأنه يعترض طريقه، ويكاد أن يسد عليه كل سبيل!

    وحتى حين أطلق جمال عبد الناصر فى ذلك اليوم شعار "وحدة الهدف قبل وحدة الصف" لم تظهر على الفور كل الأبعاد التى يرمى إليها هذا الشعار، ومرة أخرى كان التعليل الذى خطر على بال البعض وقتها: أن هذا الشعار ليس إلا صيغة كبرياء يحاول به جمال عبد الناصر أن يغطى عزلته.

    وقتها كان يبدو للنظرة العابرة أن جمال عبد الناصر يريد أن يداري وقوف مصر وحيدة، وسط مجموعة من الحكومات العربية، تملك ما تستطيع أن تسميه وحدة الصف ضده.

    كانت حكومة الملك سعود، وحكومة الملك حسين، وحكومة الإمام أحمد، وحكومة عبد الكريم قاسم، وحكومة ناظم القدسى، تقف كلها فى صف واحد مضاد له، أو بمعنى أصح مضاد لكل ما يمثله "هو" ويعمل له.

    وإذن - كذلك كان تساؤل البعض يومها - ماذا تعنى حكاية وحدة الهدف التى جاء يتحدث عنها، ومن معه فيها؟

    وكانت الإجابة التى خطرت على البال وقتها كما قلت: عناد الصعيد... والكبرياء!
    ولكن إلى متى؟

    بهذا كانوا يمنون النفس، ثم ينتهون إلى أن تشديد الضغط، سوف يكسر كل مقاومة ثم ينتهى كل شىء حتى عناد الصعيد... وحتى الكبرياء!

    ومضوا جميعاً، بوحدة الصف الذى جمعته الكراهية، إلى آخر ما عندهم.
    الملك سعود، الذى كان قد تولى تمويل مؤامرة الانفصال بسبعة ملايين جنيه إسترلينى كشفتها التحقيقات التى جرت فى دمشق ذاتها بعد الانفصال، فتح خزائنه بغير حساب بعدها بغية تشديد الضغط.

    لقد صرف الملك خلال هذا العام الذى مضى، ما جعل شركة أرامكو، حامية العرش السعودى، تضج من كثرة ما سحب منها الملك مقدماً مما يستحق للسعودية من عائدات البترول.

    سحب الملك من الشركة ما يوازى عائدات ثلاث سنوات مقبلة، وكان العذر الذى يقدمه لأرامكو أن أمامه فرصة العمر لكى يخلص هو من كل تهديد عليه، وتخلص شركة أرامكو معه من الخطر.

    ودفعت شركة أرامكو على أمل، ثم ضجت شركة أرامكو، حين زاد الدفع عن كل حد ولم يظهر له فى أى ناحية أثر!

    وكانت شركة أرامكو فى النهاية بين القوى صاحبة النفوذ التى نصحت باستبدال الملك بشقيقه فيصل، عله يكون أكثر اقتصاداً فى الدفع وفى السحب، وكارثة شركة أرامكو اليوم أن نصيحتها لم تغير من الأمر شيئاً لأن فيصل ما زال يدفع... ويسحب.

    ولو حاول أحد، أمامه قصاصة ورق وفى يده قلم، أن يحسب كم صرف الملك خلال هذا العام الذى مضى لكانت نتيجة الحساب شيئاً يشبه الأرقام الفلكية:

    - فى سوريا وحدها صرف الملك ما لا يقل عن عشرة ملايين جنيه - غير السبعة التى سبق دفعها من أجل تدبير الانفصال - ذهبت كلها إلى جيوب ساسة، وضباط، وصحفيين اشتراهم الملك، كما يشترى جوارى الحريم!

    - فى الأردن قال الملك نفسه أخيراً فى سويسرا: إن مجموع ما "أعطاه" لحسين يصل إلى خمسة عشر مليون جنيه وكان الملك فى ثورة غضب عندما بلغه أن الملك حسين قرر أن يسحب طائراته من مطار الطائف.

    - فى اليمن صرف الملك حتى الآن ما يكاد أن يصل إلى أربعين مليون جنيه، ومن الباكستان وحدها اشترى الملك مائة ألف بندقية وخمسين مليون طلقة، ولقد كانت حملة اليمن كنزاً تفتح فى السعودية لسماسرة القصر، وللطيارين الأمريكيين، ولبعض مشايخ القبائل فى منطقة الحدود اليمنية، ولأمراء أسرة حميد الدين المخلوعة، وللسيدين خالد ومحمد السديرى وهما يشرفان باسم الملك على توجيه الحملة من نجران وكانت أحوالها قبل معارك اليمن أقل مما يطمعان وبعد حملة اليمن فليس فى رأسيهما اليوم إلا تحين فرصة للفرار لكى يلحقا بملايين - حصلا عليها من غنائم الجهاد! - فى اليمن.

    بيت واحد من بيوت العلاقات العامة فى أمريكا، قبض من الملك مليون دولار، لخلق رأى عام صديق للملك فى أمريكا عن طريق نشر مقالات تقول إن الملك يحارب فى اليمن من أجل الحضارة والتقدم وعصر الفضاء!

    - ورحلات الملك هذا العام تكلفت خمسين مليون جنيه، المرحلة الأولى إلى أمريكا لإقناع كيندى وحكومته أنه لا أمل فى المنطقة كلها إلا بتشديد الضغط على مصر، والمرحلة الثانية إلى سويسرا عندما ضاقت شركة أرامكو بمصاريف الملك وأرادت أن تقتصـد.

    ثم ما دفعه الملك من أجل عقد مؤتمر فى مكة تحت ستار الإسلام ليعطيه فتوى بأن الاشتراكية حرام، ولقد كان سرور الصبان هو أمين هذا المؤتمر، وكان المؤتمر فرصة للصبان لتعويض ثلاثة ملايين جنيه من أمواله وضعت تحت الحراسة فى مصر!

    - وأربعة ملايين جنيه دفعها الملك للذين أقنعوه أن فى استطاعتهم نسف منصة يتحدث من فوقها جمال عبد الناصر يوم 23 يوليو.

    - وخمسة ملايين جنيه سحبتها من جلالته جماعة مصر الحرة، التى أصبحت شركة تجارية رابحة لبعض الهاربين من مصر.

    عملية واحدة تكلفت نصف مليون جنيه، هى عملية إقناع ملحق عسكرى مصرى فى بيروت بأن يترك خدمة وطنه إلى خدمة الملك.

    ربع مليون جنيه دفعت باسم الملحق العسكرى مقدماً قبل أن يخطو من بيروت خطوة واحدة!

    وربع مليون آخر دفعت لأقاربه الذين أقنعوه بما فعل!

    - وقبل ذلك كله، أو بعده، هذه المبالغ الطائلة التى سحبها الملك على عجل، وحولها إلى الخارج على عجل بعد أن داهمته ثورة اليمن وخلعت بالرعب قلبه، وهناك من رجال الملك أنفسهم من يقدرونها بمائة مليون جنيه فى هذه السنة وحدها!
    مجموع ما صرفه الملك بعد هذه التفاصيل، خلال هذا العام الذى تصوره الملك فرصة لتشديد الضغط حتى يكسر العناد والكبرياء، يتعدى المائتى مليون جنيه.

    May 2019
    Su Mo Tu We Th Fr Sa
    28 29 30 1 2 3 4
    5 6 7 8 9 10 11
    12 13 14 15 16 17 18
    19 20 21 22 23 24 25
    26 27 28 29 30 31 1

    شارك برأيك

    مارأيك بالهدنة؟
    عدد الزيارات
    6425105

    Please publish modules in offcanvas position.