يحيى زيدو: (العتق).. معاناة خط الدم

صدرت منذ أيام رواية الصحفي و الأديب (محمد حسين) بعنوان (العتق)، و هي الجزء الثاني من ثلاثية (للحيطان آذان و ذاكرة)، و كان الجزء الأول منها قد صدر بعنوان (الوحل)ربما تحتوي الصورة على: ‏‏نص‏‏.
- يفتتح محمد حسين رواية (العتق) بمشهد «محمد المعمَّد بدمه» حين كان يقاتل مع أحد التظيمات المؤيدة للدولة السورية ،ليلتقي في المشفى بدم الآخر؛ الفنان التشكيلي الذي تحول مهرب أسلحة لصالح تنظيمات معادية للدولة السورية،لكن سيارته تتعرض للاستهداف بصاروخ حراري فيصل إلى المشفى محترقاً، و قد احترق معه كل ما كان يعتقد أنه جمال و فن فيما مضى. ليستكمل الكاتب بعدها ما بدأه في (الوحل)، في تتبع خيط الدم الذي يرسم حدود الدول، و مصائر الناس فيجمعهم و يقسمهم أخوة أو أعداء، أو أخوة أعداء على ضفاف مساره.
من مرسين، حيث يغادر (علي اليتيم) و (هيفاء) لواء اسكندرون، بعد سلخه بتواطؤ تركي-فرنسي-دولي، إلى الساحل السوري، و بيروت ،و دمشق، يروي الكاتب حكاية خط الدم و علاقته بمصائر البشر و الدول ، و يقص حكايات الحب و الحرب و الخيبة و الهجرة بريشة شاعر مهووس بعوالم جوانية عرفانية مليئة بالرؤى و رائحة البخور و العطر و الشعر؛ رؤى لا تعبأ بالزمن المستقيم بل بالمعنى العميق و المكثف للزمن.
فإذا كان الزمن في(الوحل) يشبه الشجرة التي تدل عليها أغصانها و ثمارها، فإن الزمن في (العتق) هو زمن عنكبوتي متصل منفصل في آن، فكل الشخصيات تطل على بعضها، و ترى ماضيها و مستقبلها من موقع اللحظة الراهنة، و كل المصائر متصلة ببعضها فلا خلاص فردي لأي منها، ولا خلاص جماعي يلوح في الأفق، بل خيط واهٍ يربطها كلها أشبه ب(شعرة معاوية) التي قامت (ميشا) الفرنسية بتقديم تفسير صوفي لها يختلف عما ذكرته كتب التاريخ ؛ فهي ليست مقولة الخليفة الأموي (معاوية) بقدر ما كانت مقولة” وزير إعلامه“ عمرو بن العاص، لتغدو (الشعرة) لاحقاً رمزاً لكل شيء يجمع بين الشبق إلى السلطة و المال.
يتنقل محمد حسين بين خيوط الدم من نكبة فلسطين إلى هزيمة 1967 مروراً بالصراعات السياسية و الحزبية في سورية منذ الاستقلال و حتى نهاية الستينيات، وصولاً إلى أحداث 1980 و ما يسمى اليوم ب(الربيع العربي) عبر شخصيات تتأبى على الموت، فكلما اعتقدنا أن شخصية ما ستنتهي يفاجئنا الكاتب بولادة جديدة لها تنسال منها حكايات أخرى و مصائر جديدة. هذا ما حصل مع (علي اليتيم) الذي لم ينته بعد من تقلباته في قمصان مصائره التي لا ثابت فيها سوى حبه لهيفاء. هيفاء بدورها، و من خلال علاقتها مع شيخ متصوف يعزف الناي، و يقرأ أشعار السنجاري و العاني و الحلاج، ستكتشف أنها ليست هيفاء بقدر ما هي (فاراتوش) الأرمنية الناجية من مجازر العثمانيين بحق الأرمن، و هي ابنة (إيليا) الغائب الحاضر في الرواية. أما (برهوم) الذي يتجه ليكون ماضياً فإنه سيكتشف بحدسه أولاً، ثم بالوثائق ابنه (أيمن) الذي سيكون مستقبله، لكن هذا المستقبل (الابن) ما زال متردداً في الانتماء إلى هذا الحاضر لأنه لم يعاني مشاعر هذا الانتماء كما يجب، و لعل رفض إحدى الممرضات لوجوده في المشفى، و هو القادم من إحدى المناطق الساخنة التي تسيطر عليها التنظيمات المسلحة، قد عزز لديه هذا التردد الذي يمنعه من الانتماء الغريزي لحاضر يلفظه بسبب الجغرافيا التي رسمها خط الدم بقوة السلاح. الأمر نفسه يحدث بين محمد و حبيبة التي تحمل في سن متأخرة متمردة على قيم المجتمع الذي يتشظى، و تتفسخ بنيته القيمية في الحرب الدائرة.
في( العتق) كل الشخصيات تتوق إلى الانعتاق و التحرر لكنها كلها مشدودة إلى الماضي بخيط الدم، عاجزة عن مغادرة القاع و بعيدة عن ولوج المستقبل، لذا تبقى تراوح في حاضرها و تكرر خيباتها في محاكاة فانتازية لمفهوم (العود الأبدي).
ربما كانت اللغة الشعرية، و توظيفها فنياً إلى جانب الأشعار الصوفية و العامية في الرواية، هو التحدي الذي اختاره الكاتب، و هو ربما اختار الأسلوب الأصعب، ونجح في استخدام أدواته في مقاربة شخوص روايته و مصائرها في انتقالات زمانية قد تتعب القارئ الذي يجب أن يبقى متنبهاً يقظاً كي لا يقع في الخلط بين الحدث و الزمان.
و من قال أن (العتق) و الحرية يمكن أن تأتي بشكل مجاني دون تعب و معاناة و تيقظ دائم ؟
.............
* صدرت رواية العتق للأديب و الصحفي محمد حسين عن دار أرواد للطباعة و النشر.

March 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
24 25 26 27 28 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
31 1 2 3 4 5 6

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟
عدد الزيارات
5692541

Please publish modules in offcanvas position.