د. نوفل نيّوف: نورٌ آخر غاب اليوم عن ظلامنا!

الرحمة والسكينة والسلام لروح الصديق الأديب المترجم الكبير للأدب الروسي أبو بكر يوسف.
أحرّ العزاء لأهله وأصدقائه ومحبيه.
يليق بأبو بكر يوسف أن نقول عنه إنه إنسان بحرف كبير.
أعيد هنا نشر مقالة له كأديب قبل أن يكون مترجماً.
"أحد كبار المترجمين العرب للأدب الروسي. مقيم في موسكو. ترجم عدداً كبيراً من الأعمال الأدبية الروسية، لعلّ أشهرها مختارات من أعمال أنطون تشيخوف (1860 ـ 1904) في أربعة مجلدات.
نشرت هذه المقالة من سلسلة مقالاته "أدباء عرب فى موسكو" في مجلة "رمال" الفكرية الثقافية غير الدورية التي كان يُصدرها في موسكو الدكاترة ميثم الجنابي وجلال ماشطة ونوفل نيّوف (صدر منها ثمانية أعداد ما بين 1998 و 2003). ـ ن. نيُوف".

نجيب سرور.. مأساة العقل
د. أبو بكر يوسف

"قل للمهرجين المجانين: لقد ضاعت ارزاق أهل الفكاهة والمجون.. ضاعت لأن أهل العقل انفسهم قد اصبحوا من المجانين. خلطوا فى تصرفاتهم وارتكبواالأعمال الشاذة ، فأضحكوا الناس جميعاً".
المهرج فى مسرحية "الملك لير" لشكسبير

فى اواخر ديسمبر 1978، و كان نجيب سرور قد فارق الحياة منذ بضعة اشهر، وصلنى آخر دواوينه (رباعيات نجيب سرور) مرسلا الى مع رسول من القاهرة .
وحينما قرأت كلمات الاهداء: "إلى ولدي وأخى وعزيزى أبو بكر يوسف.. نبضات من حبنا المشترك لمصر" داهمنى إحساس طاغ بأنها رسالة بعث بها نجيب إليّ من العالم الآخر، حيث استقرت أخيرا روحه الحائرة المعذبة! كان الاحساس واقعيا الى درجة ارعبتنى. ولم استطع التخلص من وطأته الا بعد تحامل على النفس أعادنى الى توازنى الذى كدت افقده... وانهالت الذكريات."فى عام 1959، وكنا مجموعة صغيرة السن من مبعوثى "الجمهورية العربية المتحدة" ندرس فى كلية الآداب بجامعة موسكو، جاءنى زميلى السوري عدنان جاموس، وكان أنضجنا خبرة وأكثرنا معرفة بشؤون الحياة والأدب، بعدد من مجلة "الآداب" البيروتية قائلا: هل قرأت هذه القصيدة؟ وللصراحة فقد كنت أرى هذه المجلة لأول مرة، إذ غادرت مصر الى موسكوعام 1958 بعد أن أنهيت الدراسة الثانوية لتوي، وعمرى 18 سنة، وكانت قراءاتى خارج المنهج الدراسى لا تكاد تحيط بما يصدر من روايات وقصص، فلم يبق للمجلات الأدبية وقت أو نقود. كانت القصيدة بعنوان "التراجيديا الانسانية" لشاعر لم أسمع عنه من قبل هو: نجيب سرور. وكان مطلعها لافتا وجاذباً:

كانوا قالوا: إن الحب يطيل العمر..
حقا، حقا.. ان الحب يطيل العمر!
حين نحس كأن العالم باقة زهر،
حين نرق كبسمة فجر،
حين نشف كما لو كنا من بلور،
حين نقول كلاما مثل الشعر،
حين يدف القلب كما عصفور،
يوشك يهجر قفص الصدر،
كى ينطلقَ يعانق كل الناس...

كانت قصيدة مختلفة عن كل ما قرأت حتى ذلك الحين. وأثارت فى نفسى العديد من الأسئلة.. سألت صديقى عن هذا الشاعر فقال انه مصرى، وهو هنا فى موسكو، فأبديت تشوقا للتعرف به. فوعدنى عدنان الغامض - الذى بدا لى آنذاك لغزا لا يفصح إلا عن قليل مما يعرف- بأخذى معه الى نجيب سرور فى المدينة الجامعية الجديدة لجامعة موسكو على تلال لينين. و كنا نحن نسكن فى المدينة الجامعية القديمة على اطراف موسكو.. فى نفس المبنى الذى كان يسكن فيه قبلنا ببضع سنوات ميخائيل جورباتشوف، عندما كان طالبا فى الجامعة.
استقبلَنا نجيب سرور بابتسامة عريضة كشفت عن فجوة وسط اسنانه العليا (علامة الشبق!). وكان حاجباه معقودين بتقطيبة طبيعية، وعيناه الضيقتان، الشديدتا الذكاء و المَكر، تشعان بالمرح و الثقة بالنفس، و تنقلان اليك احساسا بأن صاحبهما ينظر الى ما حوله و من حوله نظرة فيها كثير من السخرية والمرارة الدفينة. و كان ثمة تناقض هائل بين هذا الوجه البشوش الممتلىء والضاحك، وهاتين العينين بنظرتهما الثاقبة والساخرة.
لفتت نظرى فى ذلك اللقاء تفصيلة خارجية. فقد كان الحاكى يعمل طوال جلستنا، ونجيب يغير الاسطوانة بين الحين والحين، وكانت كلها موسيقى كلاسيكية لموسيقيين لم اكن سمعت حتى بأسمائهم. وكنا قد تعودنا منذ صغرنا ان نسرع بإغلاق المذياع أو تحويل المحطة ما ان يعلن المذيع عن فاصل من الموسيقى الكلاسكية، التى لم نكن نفهمها بنغماتها المشوشة التى لا تسير على ايقاع واحد ، بل تزعج آذاننا الشرقية بهذا التخبط بين الانغام صعودا وهبوطا، طولا و قصرا، ونحن نبحث فيها عبثا عن مستقر للايقاع المطرد المطرب! وأسارع فأقول اننى مدين لنجيب سرور بتعرفى على الموسيقى الكلاسيكية الروسية والغربية وتذوقى لها. فمنذ ذلك اليوم وطوال وجوده فى موسكو، كان نجيب يعلمنى كيف أتذوق اللحن الغربى، ويشرح لى مواضيع السمفونيات، و يلفت انتباهى الى هذه النغمة أو تلك، والى خصائص الأسلوب الموسيقى لهذاالموسيقار أو ذاك. كان يفعل ذلك بتلقائية و حماسة و حب غير مصطنع للموسيقى جعلنى لا اشعر بأننى تلميذ فى حضرة معلم. و عندما سألته عن سبب تعلقه بالموسيقى الكلاسيكية قال إن المخرج - و كان نجيب سرور قد جاء فى بعثة حكومية لدراسة فن الاخراج المسرحى- ينبغى ان يكون على اطلاع واسع بكافة الوان الثقافة و الفنون، لأن المسرح هو مجمع الفنون، والجهل او قلة الدراية بأى لون منها يؤثر سلبا على قدرات المخرج الابداعية و على مستوى حِرَفيته.
ومنذ أن تعرفت بنجيب سرور أحست بأننى مشدود الى هذه الشخصية الفذة كقطعة حديد الى مغناطيس قوى. كان فارق السن بيننا غير كبير، إذ كنت فى العشرين و كان هو فى اواخر العشرينيات، ولكن الفارق فيما عدا ذلك كان هائلاً.
كان نجيب- بالنسبة إليّ على الأقل- كنزا لا يفنى من المعرفة، وشخصية متعددة المواهب الى درجة خارقة. فقد كان ممثلا، وشاعرا، ومخرجا، وناقداً، وكاتبا. وكانت معرفته بالأدب العربى والغربى واسعة. ولكثرة ما لاحظت فى اشعاره من استشهادات بالتاريخ والأساطير المسيحية ظننته في بداية تعارفنا مسيحيا، خاصة وان الاسم (نجيب سرور) أقرب الى الاسماء المسيحية فى مصر. وتحرجت أن اسأله. و لكنه ملأ أمامى ذات مرة استمارة إقامة فرأيت جواز سفره، وكان اسمه فيه: محمد نجيب محمد سرور هجرس! وفيما بعد لمست كيف كان يستلهم فى اشعاره التاريخ والأساطير الفرعونية والاغريقية والشعبية المصرية والفلكلورية العربية، إذ كانت الروافد الثقافية المختلفة تصب لدى نجيب في نهر انساني عريض يغترف منه كيف يشاء . أما الانتماء الدينى فكان مسألة تركها وراء ظهره!
وكان نجيب شخصية معقدة، ولكنها فى غاية الغنى و العمق، منطلقة و رحة الى اقصى حد. كان لا يكف عن القاء النكت والقفشات الفورية، بنت الساعة. وحتى فى ذروة الجد واحتدام النقاش كانت القفشة تفلت رغما عنه، فينفجر الحاضرون بالضحك، و ينفرط عقد التزمت والجدية.
ولم يفلح نجيب في تعلم اللغة الروسية حسب القواعد، فكان يخلط خلطا شديدا بين حالات الاعراب الست فى اللغة الروسية، حتى أشاع انه اخترع حالة جديدة ، سابعة، للاعراب، هى الحالة التى يتكلم بها! و لكنه كان دائم القراءة باللغة الروسية، ودؤوبا - كتلميذ- فى استخراج معانى الكلمات الجديدة من القواميس، وكأنما يريد أن يسبق الزمن ليطّلع على الأدب الروسى بلغته الاصلية. وعندما يعجبه كتاب، سواء فى الادب أم فى الفلسفة أم فى التاريخ .. كان ينكبّ عليه وينقطع له، فلا ينام احيانا عدة ليال ولا يأكل الا لماماً، ولكنه لا يكف عن تناول الشاى والقهوة. و يظل فى هذه الحمأة، وهذا التوتر الذهنى و العصبى، حتى يفرغ من قراءة الكتاب المكتوب بلغة لا يكاد يعرفها!
وتلك كانت احدى خصال نجيب سرور التى عرفتها فيه فيما بعد.
ولم يكن نجيب سرور يكتب الشعر كثيرا. قصيدتين أو ثلاثا فى السنة.. ولكنه كان يعانى مخاض القصيدة بالأسابيع.. يكتب ويشطب ويمزق، ويشرد كثيراً وهو يدندن لنفسه بإيقاعات ما، واحيانا يصبح غير قادر على تحمل هذه الحالة النفسية وحده، فيبوح لى بمطلع القصيدة أو ببضعة أبيات منها، و كأنما ينفس عن زفرة جاش بها صدره.
ولم يكن لنجيب سرور مثيلٌ فى إلقاء الشعر.. وشعره خاصة. وقد اجتمعت له ملكة الصوت الجهير العميق، المتوسط النبرة ما بين "الباص" و"الباريتون" مع القدرة على التحكم في مخارج الالفاظ التى اكتسبها عن دراسة فى المعهد العالى للفنون المسرحية بالقاهرة. لم يكن يقرأ الشعر بل يمثله، مؤديا بصوته أدوار الشخصيات المختلفة إذا كانت القصيدة درامية، أو مختلف العواطف، اذا كانت القصيدة وجدانية. وحتى الأبيات العادية، التى ما كانت لتحرك فيك أحاسيس قوية لو قرأتها بنفسك، كانت تنبض بالمشاعر الجياشة فى إلقاء نجيب سرور وبصوته المتفرد، وتهزك إلى الاعماق. وقد عرفت شعراء عديدين لا يجيدون القاء شعرهم فيضيعون الكثير من جماله، و يهدمون بصوتهم ما بنته قريحتهم.. كنا نلتقى ثلاثتنا - نجيب وعدنان وأنا - فى مقهى من مقاهى موسكو، حيث يختلف الجو عن مثيله فى المقاهى الشرقية. فالمكان هنا مغلق دائما بسبب الجوالبارد، وهو اقرب الى المطعم منه الى مقهى المشروبات الشرقي، والرواد يأتون ليأكلوا ويشربوا ويرقصوا. أما نحن فكنا نختار طاولة فى احد الأركان، و ننفصل بها عن كل ما كان يحيط بنا من صخب الموسيقى، وضجة الأطباق والملاعق، وشهقات الثمالى، ونظرات الشقراوات الداعية، ودقات أحذية الراقصين المدوية. كان نجيب يقرأ لنا من اشعاره، ونحن نصغى اليه فاغرى الأفواه. وعندما يلقى قصيدة حزينة كقصيدة "الحذاء" (عن والد نجيب الذى ضربه الاقطاعى أمام ابنه نجيب) كان صوته يتهدج، وتنساب الدموع على خديه، وما إن ينهى القصيدة حتى نهب لعناقه وتقبيله ومواساته، والدموع تسيل على خدودنا نحن أيضاً!...
وكنا لا نغادر المكان الا بعد انفضاض جميع الرواد، وجمع الكراسى والمفارش، واطفاء اضواء الصالة، وتقريبا بعد طردنا طردا، بينما نحن مندمجون مع اشعار نجيب سرور، غير عابئين بما يفعله خدم المقهى لإجبارنا على الانصراف. وفى ليالى الصيف القصيرة فى موسكو، إذ يحل الفجر فى الثانية صباحا وتشرق الشمس فى الرابعة، كنا نمضى متسكعين فى شوارع موسكو النظيفة والخالية، وخاصة فى وسط المدينة، ونجيب يواصل القاء اشعاره تحت تماثيل الشاعرين بوشكين وماياكوفسكى والأمير يورى دولجاروكى مؤسس موسكو. ونظل نضرب فى الشوارع حتى الساعة السادسة صباحاً، موعد افتتاح محطات المترو، لنستقله فى اتجاهين متعاكسين: هو الى المدينة الجامعية الجديدة، وعدنان وانا الى المدينة القديمة...
وسرعان ما اصبحت راوى اشعار نجيب سرور فى مجموعة الدارسين المصريين والسوريين فى موسكو. ورحت اقلده فى طريقة القائه المتميزة، ونجحت فى ذلك الى حد ما. فقد لاحظت ان السامعين لا يعجبون بالأشعار فحسب، بل وبطريقة القائى لها. وشيئا فشيئا تجمعت حول نجيب سرور مجموعة من الطلبة الشباب المصرين والسوريين، فانتعش وارتفعت معنوياته، وبدأ يخرج من عزلته التى كان قد ضربها على نفسه عند مجيئه لموسكو، لاقتناعه- كما قال لى فيما بعد - بأن المبعوثين المصريين آنذاك (عام1959) كانوا منتقين بعناية من اجهزة المباحث بحيث لا يفلت منهم تقدمى واحد. أما هو فأفلت بأعجوبة، لأنه وصل الى موسكو فى قمة الحملة المعادية للشيوعية فى "الجمهورية العربية المتحدة"، وهى حملة صاحبت اقامة الوحدة بين مصر و سوريا. ولعبت هذه الصدفة دورا مأساويا فى حياة نجيب سرور فى موسكو.
فما ان افصح نجيب سرور عن انتمائه للفكر الماركسى، وأشاع انه كان عضوا بأحد التنظيمات الشيوعية فى مصر(جماعة حد تو) حتى وجد نفسه محاصرا بشكوك ورِيَب قوية من قادة التنظيمات الشيوعية العربية فى موسكو، وخاصة تنظيم الحزب الشيوعى السورى الذى كان يقوده فى موسكو احد اعضاء اللجنة المركزية للحزب اللاجئين الى الاتحاد السوفييتى. وكان مبعث الريبة هو: كيف يتمكن شخص يقول انه شيوعى من المجىء الى موسكو فى هذه الفترة بالذات، ويفلت من اجهزة المباحث المصرية التى كانت فى اوج عنفوانها، بل وفوق ذلك يأتى طالب دكتوراة فى بعثة حكومية!
وفى محاولة منه لتبديد هذه الشكوك جنح نجيب الى التطرف، فلجأا لى تشكيل مجموعة من "الديمقراطيين المصريين" لإصدار البيانات واتخاذ المواقف المعادية للنظام الحاكم. واستغل ذات مرة فرصة انعقاد أحد المؤتمرات التضامنية مع الشعب الكوبى فى جامعة موسكو، فقفز الى المنصة واستولى عليها، واطلق بيانا ناريا ضد "النظام القمعى الديكتاتورى" فى مصر وسوريا. وبينما هدرت القاعة المملوءة عربا واجانب بالتصفيق ظهر الحرج والضيق على أوجه المسؤولين فى الجامعة، الذين وضعهم نجيب فى ورطة شديدة. ونجحوا اخيرا فى تنحيته عن المنصة ولكن بعد فوات الأوان! ففى اليوم التالى احتجت السفارة المصرية على جامعة موسكو، وفصل نجيب من البعثة (هو وماهر عسل الذى ترجم له البيان وألقاه بالروسية) وألغيَ جوازا سفرهما، وطالبت السلطات المصرية المسؤولين السوفييت بترحيل نجيب سرور وماهر عسل الى القاهرة فورا!
بهذه الحركة نجح نجيب فى كسب ثقة الشيوعيين العرب فى موسكو فدافعوا عن بقائه فيها وتكللت مساعيهم لدى السلطات السوفييتية بالنجاح فظل نجيب فى موسكو، ولكنه نقل الى مدينة جامعية اخرى حتى لا يحتك بالمبعوثين المصريين الهائجين ضده. وبمرور الوقت ادرك نجيب انه ارتكب حماقه، ولم يعد يدرى ماذا يفعل بهذه المجموعة الصغيرة التى التصقت به. واعترف لنا صراحة بأنه لا يفقه شيئا فى السياسة، وانه لا يريد ان يلحق بنا الضرر، ولذلك قرر تركنا والانصراف الى الدراسة، و نصحنا ان نحذو حذوه.
حتى ذلك الحين لم اكن قد ادركت مدى تعقد شخصية نجيب سرور، فأزعجنى منه هذا السلوك الذى اعتبرته "غير رجولى"، ولم استطع ان افهم سبب هذه الازمة التى داهمته فى الوقت الذى بدا و كأن اموره تسير الى الأفضل بعد تبدد سحب الشكوك فيه وانتصاره فى المواجهة مع السلطات المصرية وفشل الضغوط التى مورست ضده. واخذ نجيب يبتعد عنا ويغرق فى الشراب والديون. وفى هذه الفترة بدأ يكتب قصيدة "العودة" التى اورد مقاطع منها فى ديوانه "لزوم ما يلزم". وهى قصيدة مغرقة فى اليأس والضياع والحنين الى الوطن:

"يا مصر يا وطنى الحبيب!
يا عش عصفور رمته الريح فى عش غريب..
يا مرفأى، آت انا آت.. و لو
فى جسمىَ المهزول آلافُ الجراح..
و كما ذهبت مع الرياح..
يوما اعود مع الرياح..
و متى تهب الريح؟ أو هبت..
فهل تأتى بما يهوى الشراع؟
ها انت تصبح فى الضياع..
فى اليأس.. شاة عاجزة..
ماذا لها ـ ان سلت السكين ـ غيرُ المعجزة؟!.."

وهجر نجيب سرور المسرح الذى كان يدرس فيه تحت اشراف المخرج الكبير نيكولاى اخلوبوكوف متعللا بأن اخلوبوكوف مخرج شكلى يهوى المؤثرات الصوتيه والضوئية ولا يغوص فى اعماق النص المسرحى. وقد شاهدت بالفعل مسرحية "هاملت" من اخراج اخلوبوكوف فأصم اسماعنا دوى الطبول فى اوركسترا المسرح، وأغشت ابصارنا الأضواء الباهرة التى كان يسلطها على الصالة. ومع ذلك لم يكن هذا هو السبب الحقيقى الذى نفّر نجيب من دراسة المسرح، و انما كانت الأزمة الحادة التى أخذت تتفاعل فى اعماقه، والتى لم استطع - رغم كل ما بذلت من جهد آنذاك - أن ادرك أسبابها وبواعثها. كنت لا ارى غير ظاهرها: الاغراق فى الشراب، اليأس المطبق، الاحباط المطلق. كل ما استطعت ان ادركه هو ان اغراقه فى الشراب كان الوسيلة التى لم يجد سواها للهروب من أزمته. وذات مرة سألته مستنكرا- و كنت اجالسه فى احد المطاعم - لماذا يفرط فى الشراب الى هذا الحد؟ فأجاب:

ـ لكى أنسى!
قلت له:
ـ وما الذى تريد ان تنساه؟
فأجاب بروح دعابته الحاضرة دائما:
ـ وهل ترانى أذك!

فى اواخر فترة وجوده فى موسكو، حوالى عام 1963، بدأ نجيب يكثر من الحديث عن النفوذ الصهيونى فى الاتحاد السوفييتى. واستنكرنا منه ذلك بشدة، إذ كنا نعيش فى "عصر الأممية" ولم نصدق ان الاتحاد السوفييتى العظيم يمكن ان يكون خاضعا للنفوذ الصهيونى، واعتبرنا - انا و زملائى - أن نجيب يغالى كعادته، وخاصة فى ظل تفاقم ازمته الشخصية. وبعد ذلك بسنوات أدركت مدى صواب ما يقال عن عين الفنان التى ترى ما وراء الظاهر و تغوص الى اعماق الاشياء، وتكشف لنا ما لا نراه، مثل عينى زرقاء اليمامة! وأنا لا اريد هنا ان اقول إن نجيب سرور كان محقا تماما آنذاك، بيد أنه رأى بوادر الظاهرة التى لم تتكشف لنا إلا فيما بعد.
ثم وقعت الحادثة التى وضعت نهاية لبقاء نجيب سرور فى موسكو...
كان يسامر احد الاصدقاء اليمنيين فحدثت مشاحنه بينهما وبين أحد الرواد الذى ظنهما يهينانه. وتدخل رجال الشرطة وحاولوا اقتياده بلَى ذراعيه. وكان نجيب قوى البنية فتخلص منهم بقوة اعتبروها مقاومة، فاجتمعوا عليه واقتادوه الى قسم الشرطة حيث اوسعوه ضربا. وقال لى نجيب وهو يروى هذه الواقعة: لقد بكيت آنذاك ليس من الألم، بل على انهيارالمثال، واحسست انه لا فرق بين شرطة سوفييتية ومباحث مصرية، فكلها اجهزة قمع، وانما نحن الذين صدقنا الاوهام عن "انسانية الاشتراكية". وكعادته "نظّر" (بتشديد الظاء) نجيب لهذا الحدث، واختزل فيه كل جوانب الظاهرة!
وسافر نجيب الى بودابست بدعوة من أحد اللاجئين السياسين المصريين هناك، حيث عمل فى القسم العربى بإذاعة بودابست. والتف حوله العرب ورحبوا به، ولكن سرعان ما عاودته أزمته التى لم يفلح تغيير المكان فى اطفاء جذوتها. وكان يتصل بى من هناك هاتفيا، مؤكدا على استفحال النفوذ الصهيونى لا فى القسم العربى فى الاذاعة فحسب، بل وفى معظم اوجه الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية فى المجر. وبالطبع أخذت ما قاله على محمل المبالغة المعهودة فيه...
وذات مرة اتصل بى من بودابست، وكان ذلك فى ربيع عام 1964، وطلب من عاملة البدالة أن تكون المكالمة على حسابى، فوافقت مستغربا. وعندما تم الاتصال أخبرنى انه طلب ذلك لأنه لا يملك ثمن المكالمة، وقال بصوت متهدج أفجعتنى نبرته المتهالكة إنه جائع ولم يأكل منذ ايام، وسيذهب غدا الى السفارة المصرية "ليسلِّم نفسه" (كما قال) لأنه لم يعد يحتمل الزيف المحيط به ويريد ان يعود الى مصر ليموت فيها، مثل سنوحى!
رجوته أن يهدأ ولا يتسرع وسنحاول تدبير الأمر، ولكنه أصرَّ قائلا إنه لم يعد ثمة معنى للاستمرار فى لعبة الخداع، فالعالم كله لصوص ومخدوعون، وما المذاهب إلا أساليب يلجأ إليها اللصوص لتغطية سرقاتهم. وبهذه المناسبة فقد كتب نجيب سرور فى بودابست قصيدته الشهيرة "المسيح واللصوص" حيث "اتهم" فيها المسيح بأنه السبب فى ظهور اللصوص الذين اخذوا يتاجرون باسمه، وباسمه يحكمون!
وحين يحاول "مسيح نجيب سرور" أن يرد على الشاعر بأنه سيعود ليصحح الأوضاع، يجادله الشاعر:

ــ هل تصدقُ ما تقولٌ؟
ــ الآب قال بأنني حتما أعودْ
مَلِكاً على أرض البشرْ
لتَسودَ فى الناس المسرةُ و السلامْ!
ــ لو عدتَ.. منذاَ يعرفُكْ؟
ــ سأقول: جئتُ انا المسيحْ!
ـ سيطالبونك بالدليلْ.
ــ ستكونُ فى جيبى البطاقةُ والجوازْ.
ــ هذا قليل..
ما أسهلَ التزويرَ للأوراقِ فى عصرِ اللصوصْ.
و لديهمُ (الخبراءُ) سوف يؤكدونْ
أن الهويةَ زائفةْ!
ــ لكنْ عليها الختمُ.. ختمُ الآب..
ــ يا بئسَ الدليلْ!
سيؤكدُ الخبراءُ ان الختمَ برهانٌ على زيفِ الهوية!
ــ سأريهمُ هذى الثقوبْ..
فى جبهتى - انظرْ- و فى الكفينِ، فى الرجلين..
جئتُ أنا المسيحْ!
ــ سيقول لوقا: قالَ مرقصُ
إنَّ متَّى قال يوحنَّا يقولْ:
"فى البدء كانَ الأمرُ إصلبْ
والآن صار الصلب أوجَبْ!"
حتماً ستُصلبُ من جديد
همْ فى انتظاركَ.. كلُّ اتباعِكَ ـ قطعانُ اللصوص-
همْ فى انتظاركَ بالصليبْ...
ماذا؟ أتبكى؟ كلُّ شىءٍ مضحكٌ حتى الدموعْ!
العصرُ يضحك من دموعك، من دموعى، عصرنا
عصرُ اللصوصْ ،
بل أنتَ... حتى انت لصٌّ!
لو لم تكن ما كان فى الأرض اللصوصْ!
حتى أنا لصٌ.. ألم أخدع طويلا باللصوص؟!

ونقول بين قوسين إن الأديب المصرى الكبير يوسف ادريس كتب فى نفس الفترة تقريبا مسرحية "المخططين" التى تتصدى ايضا لظاهرة استيلاء "جماعة المنتفعين" على الحكم، ومنع اى محاولة لتصحيح الأوضاع حتى لو كانت من صاحب الفكرة نفسه! وهذا دليل على انتشار ظاهرة عدم الثقة فى الأنظمة الحاكمة آنذاك، والتى كانت تتشدق بالشعارات الديماغوجية عن الحرية والديموقراطية والاشتراكية، فى غيبة تامة لهذه المثل.
على أن نجيب سرور كتب فى نفس الفترة فى بودابست روايته الشعرية الرائعة "ياسين وبهية" التى حوَّلها المخرج كرم مطاوع الى مسرحية قدمت على "مسرح الجيب" فى القاهرة عام 1965 بعد عودة نجيب سرور الى مصر. وتمثل هذه الرواية رؤية جديدة لقصة "ياسين وبهية" المعروفة فى الأدب الشعبى المصرى، إذ يجعل نجيب من بطلها مناضلا ضد الاقطاع وثائرا على الظلم، ومضحيا بحياته فى سبيل تحرير الفلاحين، كاسبارتاكوس محرر العبيد. فكيف اجتمع فى نفس نجيب ذلك الضياع الخانق واليأس المطلق مع هذا الايمان الحار بعدالة النضال من أجل الحرية والثورة على الظلم و الاضطهاد؟ أهى اصداء مرارته القديمة من الاقطاعي الذى أهان الوالد أمام ابنه الصغير؟.. أم هى روح الفلاح المصرى الكامنة فى اعماق نجيب سرور، والتى تتجاوز الايمان أو الكفر بالنظريات والمذاهب، لأن النظريات تقوم وتسقط، أما الارضية الفلاحية الضاربة فى عمق التاريخ المصرى لآلاف السنين فتبقى هى الأساس الراسخ الذى ينقذ من اليأس والضياع. وبالفعل، فلو تجاوزنا عن الخط المتعرج والمتأزم لحياة نجيب سرور، فسنجد خطه الابداعى، ممثلا فى مسرحياته التالية لـ "ياسين وبهية": ("آه يا ليل يا قمر"، "قولوا لعين الشمس..")، هو خط نضال العامل المصرى والجندى المصرى - بعد الفلاح فى ياسين و بهية- ضد الظلم الطبقى والاستعمار الأجنبى. ولهذا فبوسعى أن اقول إن نجيب سرور، رغم كل شطحاته وتقلباته وضياعه وأزماته، كان فنانا ملتزما بقضايا شعبه ووطنه على المستويين المصرى والعربى, حتى الرمق الأخير... .
وكم مرة طرحت على نفسى هذا السؤال: ما السبب فى الأزمة التى لازمت نجيب سرور طوال حياته القصيرة وكانت السبب فى رحيله المبكر؟
فى البداية ظننته الاضطهاد.. ولكن نجيب عاد الى مصر فلم يتعرض للملاحقه ولم يوضع في السجن.. وكنت اظنه الظلم وحرمانه من فرصة تحقيق مواهبه.. ولكنه نشر دواوينه ومسرحياته، ومثَّل على المسرح وفى التليفزيون، وأخرج للمسرح وأخرجت له مسرحياته.. ربما لم ينل كل ما كان يريد.. و لكنه لم يحرم تماما...
ثمة تفسير منطقى واحد لهذه الأزمة، لا أجد غيره..
إنه الصراع فى نفسية الشاعر بين الواقع المرفوض.. والمثال المستحيل..
انه مأساة العقل.. الذى يحفر كالمثقاب فى طبقات الزيف والأكاذيب ليصل الى الحقيقة، ولكنه للأسف يواصل الحفر حتى يخرج الى الجانب الآخر، محدثا ثغرة فى السد، تتسع مع الزمن، لتندفع منها المياه المخزونه مدمرة كل شىء!..
الفنان شمعة تحترق.. لتضيىء لنا الدرب الى الحقيقة، والخير، والجمال...
ونجيب سرور فنان لم يدَّخر ضوءه، فاحترق سريعا كشهاب مرَق فى سمائنا .. ولكنه ترك فى نفسى، وفى نفوس الكثيرين غيرى، أثرا ساطعا لا ينسى.. لأنه أثرُ الموهبة المبدعة...

May 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
28 29 30 1 2 3 4
5 6 7 8 9 10 11
12 13 14 15 16 17 18
19 20 21 22 23 24 25
26 27 28 29 30 31 1

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟
عدد الزيارات
6366727

Please publish modules in offcanvas position.