د. بهجت سليمان: صراع السّلطات.. حديث الثلاثاء "35"

أ بهجت سليمان في مكتبه[حديث الثلاثاء" 35" ]

■ بحث من خمس حلقات عن ( السياسة ) ■

{ الحلقة الخامسة }

( 5 من 5 )

[ صراع السّلطات ]

[ انتشار ”السّلطة”.. و تخفّي ”السّلطة” في الثّقافة ]

● د. بهجت سليمان

1 في المفاصل الانتقاليّة التّاريخيّة تختلط الصّورة الواضحة و تتركّب بدلاً منها صور أخرى تزاحمها و تعمل على استبدالها و غالباً ماتنتحل الصّورة الجديدة شكلَ الصّورة الأصليّة ، فيختلط المشهد على النّاظرين و النّقاد سواءٌ بسواء .
و بعد فترة من الغياب الأصليّ لوقائع التأسيس يغدو الواقع حولنا نابعاً تلقائيّاً من ذاته بذاته ، و هذا ما يحصل مع وعينا المزيّف ، في فضيلة “الحكم” العقلانيّ التي تؤيّد لنا سبل استمرارنا الطّبيعيّة ، مع أنّ الإنسان لا يحيى ،هكذا ، على أطراف الصّراعات التي تعنيه و تصنع مستقبله في وطنه و مستقبل أبنائه .

2 و لا تكتفي تلك السّلطات التي تتحكّم بالمجتمع و الجماعات الهامشيّة و الفئات المغلوبة اجتماعيّاً و اقتصاديّاً و سياسيّاً ، مسلوبة القرار و الرّأي و التّواجد في مركز الحدث بقربها النّسبيّ أو ببعدها عن مراكز القرارالاجتماعيّ والسّياسييّ ، ليحلّ محلّها أولئك الذين فوّضوا أنفسهم بأنفسهم ليكونوا ممثّلين حصريين للهامشيين من دون أيّ أصوات أو تصويت أو توكيل أو تفويض ، بحيث يبدو المشهد التّمثيليّ الكاذب عبارة عن اغتصاب سلطة عائدة للبسطاء من قبل طبقة من ”الأنتلجينيسيا” ذات الياقات البيض و الهندام البرّاق و الأهداف الشّخصيّة و الخاصّة ، التي تؤول جميع نتائج نشاطاتها و ”نضالاتها” إلى الطّبقة التي تمثّلها من أبناء ”الذّوات” ، بأهدافها المشغولة بعناية تاريخيّة خاصّة و تدبير يدخل في عداد الأسرار .

3 و مع وعي البسطاء لطبيعة هؤلاء الذين اّدعوا تمثيلهم و قد تخلّوا عن ”المواثيق” و الالتزامات و العهود التي رفعتهم إلى أماكن الّتمثيل السّياسيّ ، تحدث الخلخلة الاجتماعيّة التي لا يكمن التّعبير عنها في اختلال الثّقة ، و إنّما في مستقبل إنتاج هذه العلاقة و تعبيرها الموضوعيّ عن ذلك العقد الاجتماعيّ (المزيّف) إن صحّ إسمه على هذا النّحو .

4 هنا يحدث للوعي أن يتنامى عند هؤلاء الهامشيين ، ليجدوا في أنفسهم فئة مغلوباً على أمرها أو مغفّلة ، ليبرز من بينهم قادة نضاليون و تاريخيون ، يعبّرون عن مظالمهم الاجتماعيّة و السّياسيّة مطالبين بالحقوق ذاتها التي لعبت عليها الطّبقة االسّياسيّة ، التي تحكم و تشرّع ، و قد خانتها خيانات تاريخيّة ، فاندمجت هذه ”الطّبقة” في قطار ”المصالح” المبنيّة على تجاهل ”المجتمع” بطبقته المعدمة ، و لتتجاهل و تتناسى وعودها التي رفعتْها إلى واجهة الحدث السّياسي ، الذي جعل منها طبقة متمايزة عن مجموع السّكان و المواطنين .

5 في هذا المشهد تبرز ، أساساً ، سلطتان متوازيتان ، تعمل كلّ منهما على استحواذ خطاب ”الوطنيّة” لتفوز ، بطبيعة الأمور ، الأقوى تلك المانعة للأخرى من التّمتّع بهذه الممارسة و إثبات إخلاصها الوطنيّ ، الحرّ أو المزعوم ، مع أنّ الممارسة هي معيار التّفريق الوحيد الذي بواسطته تثبت أيّ منهما موقعها الوطنيّ الحقيقيّ و الصّريح .

6 ترتفع وتيرة الفوضى و الخلط في هذا المشهد كلّما انحرفت الظّروف عن طبائعها الملاصقة ، و بخاصّة أيّام الفوضى الكارثيّة التي تنتج ، مثلاً ، عن الحروب و الأزمات الحادّة الشّاملة .

7 و بعيداً عن الحرب ، و بعد سكوت أصوات نارها ، تعود الحرب القائمة أبداً ، على ليّ أو تكاسر الإرادات الثّقافيّة و الفكريّة ، التي تحلّ محلّ لغة الرّصاص الحيّ ، إلى الواجهة الاجتماعيّة ، و من أجل الأهداف نفسها - إن لم تكن أبعد ، أيضاً - تلك التي كانت في جوهر أهداف الصّراع المسلّح الذي عبّر عن التّناقض بصراحة و من دون تخفٍّ ، كما يحصل ، عادة ، في ما يِسمّى أوقات السّلم .

8 تبرز إلى المواجهة الصّريحة و مقارعة القوّة للقوّة و السّلطة للسّلطة و صراع الأضداد ، الأفكار و المصالح و المشاريع العتيقة الحديثة ، و بعودة سريعة ، بحيث لا يخلو المكان التّاريخيّ الزّمنيّ من لغة التّناقض التي تكتب سطور التّاريخ بالعنف الصّريح و العنف المُبطّن ، و إن بلغة تختلف هذه المرّة عن لغة النّار .

9 و إذ تغدو ”الثّقافة” ، كما هي دائماً ، ملكاً للجميع ، فلا يستطيع أحدٌ ادّعاء ملكيّتها الحصريّة ، نجد أنّ صراع الهويّة الاجتماعيّة ينتقل إلى التّأويل و التّفسير في خلافات و اختلافات ”َتقَانِيَّةٍ” و ”أسلوبيّة” ، و لكنّها تتضمّن في الصّميم موقفاً تاريخيّاً ، اجتماعيّاً و سياسيّاً ، قلّما تتنبّه إليه سلطات ”الخطاب” الرّسميّة ، حيث تتفوّق عليها ، في هذا الجانب ، تلك ”السّلطات” ناعمة الملمس و فتّاكة الأثر و التّأثير .

10 و عدا عن الموروث و المتوارث من أفكار و مواضيع و تحدّيات الصّراع الاجتماعيّ و السّياسيّ ، فإنّ التّناقض الآخذ أشكالاً متباينة من الصّراع يتحدّد ، متجدّداً ، على المستقبل الاجتماعيّ و السّياسيّ ، في مجاراة ”التّطوّر” العالميّ ، الذي إمّا أن يوافق و إمّا أن يُهدّد المصالح التّاريخيّة المتواجهة للطّبقات أو الفئات أو الجماعات أو السّلطات أو الاستراتيجيّات ، التي لم يُنهكها وقوفها على هامش الحرب .. بقدر ما جعل منها واقعاً مستقلّاً مهّد لها الطّريق الأكثر قابليّة للظّهور و النّخفّي ، في التّعبير بالمواقف الصّريحة أو الضّمنيّة عن العداء الأبديّ للأفكار و المصالح التّاريخيّة الاجتماعيّة و الوطنيّة ، في مجرى سياق السّياسة في التّاريخ .

11 و لأّنه ما من ”إرادة مطلقة” يمتلكها أيٌّ من مختلف أطراف الصّراع التّاريخيّ حول ”السّيطرة” و ”السّيادة” ، فإنّنا نقف ، دائماً ، على أوضاع للصّراع توحي بالبراءة و المجازيّة ، فيما هي تخفي ، و تتخفّى على ، أشدّ و أشرس مشاريع الصّراعات في ”المشروعة” و التي لا تعاقب عليها ”القوانين” .. في مشهد تاريخيّ مربك ، عادة ، للسّلطات ”الخطابيّة” التّقليديّة ، و محيِّدٍ لها من ساحات الصّراع .

12 ينشط في هذا المناخ المخصّب للصّراع جميع أدوات الماضي التي ما زالت صالحة للاستخدام ، بما في ذلك أكثرها تأثيراً عاطفيّاً و تنويعاً على ”الثّقافة” ، بالإضافة إلى الوسائل المستحدثة و المحسّنة من الأجيال ”الَّتقنيّة” المعاصرة ، لأدوات و وسائل و أساليب الّتحدّي التي تستخدم كلّ جديد في سبيل تأبيد العتيق ، و رفع المكان الاجتماعيّ الرّجعيّ إلى واجهة صدارة المكان السّياسيّ ، في لغة انتقائيّة هي من مبتكرات ”الثّقافة” بتقاليدها ، التي تختلط فيها جميع معالم الزّمن و إيحاءاته ، لكي تتمكّن من السّيطرة على مفاصل الحركة في سيرورة التّوالد الزّمنيّ لمعطيات الحضور السّياسيّ ، القادر على تزييف كلّ مكان يحلّ فيه ، بطريقة استعاريّة ، و ربّما بلاغّية ، قادرة على تلويث الأمكنة الاجتماعيّة الخام و البريئة ، التي لم تعهد عصر الصّراعات المباشرة ، التي تقول الأشياء بصراحة التّحدّيات التّاريخيّة ما بين الأطراف المتصارعة ، كإحدى بديهيّات العلاقات التّاريخيّة و الاجتماع .

13 من البديهيّ أن نذكّر ، من لا يعلم .. أنّ كلمة ”الثّقافة” هي من أكثر الكلمات التباساً و تعقيداً مفهوميّاً في تاريخيّة الاصطلاحات الّلغويّة في جميع لغات العالم القديم و الحديث و المعاصر ، هذا و لم يسلم من هذا التّعقيد ، و أحياناً التّمويه المقصود ، كلّ ما كانت ”الثّقافة” من مصطلحاته في الصّفات و النّعوت ، و ممتلكاته المباشرة و الصّريحة أو غير المباشرة و الضّمنيّة ، و مهما كانت مناسبة أو سياق الاستخدام و الاستعمال و الاستثمار .
بَيدَ أنّ أقرب المقاربات في الإمكان للتّعبير عن دلالات ” الثّقافة ” ( Culture ) التي نقصدها ، هنا ، و كذلك على العموم ، هو في مقابلتها لكلّ شيء ”طبيعيّ” - من ”طبيعة” ( Nature ) - أو كما كنّا قد أشرنا أعلاه في كلمة ”الخام” .
و في هذا ”المدار” تبتعد و تتعاظم و تكبر حجوم ”القُطوع” النّاقصة ( Ellipse ) - بالّلغة الرّياضيّة - لتشمل فوق ما تؤطّره من “قِطاعات” واقعيّة أو موضوعيّة ، بما تمتلكه كلمة “الثّقافة” من إمكانيّات استعاريّة و مجازيّة و جوازيّة و قدرات باطنيّة ، على تشويه أو تمويه “الحقائق” البسيطة التي يتّفق عليها “العقل السّليم” ، الذي لا ينحاز إلى “السّلطات” أو إلى “الخطابات السّلطويّة” ، ناجزة المواقف و المواقع التّاريخيّة و السّياسيّة المتصارعة ، بصراحة و وضوح أيديولوجيين كفيلَين بجعل كلّ “ثقافة” خطّة محكمة التّفخيخ ، في مواجهة “الذّات” لِ”الآخر” بالتّجرّد عن كلّ وصف لهما .

14 لم يكن ( فرويد ) ناصعاً ، على ما كانت عادته ، عندما قال ” الدّين هو عُصابٌ اجتماعيّ شامل” ؛ و كان الَأولى به القول إنّ هذه الهيستيريّة الثّقافيّة في المجتمعات المتديّنة هي حالة العُصاب الاجتماعيّ الشّامل ، بعيداً عن غرض ”الإيمان” ، و كممارسة لأقصى الأيديولوجيّات الموهومة التي تتصارع في الثّقافات المتعدّدة في المجتمع الواحد ، من أجل تفوّق فكرة أو أفكار على أخرى ، و العمل على استبداد الأكثر عنفاً بباقي الأفكار ، التي تنزوي في زوايا الخوف و الاضطهاد و الخضوع .

15 إنّ الخروج من حالة الحرب في ( سورية ) ، كما في كلّ التّاريخ ، يَعِدُنا - كما تبشّر المعطيات الثّقافيّة - بالتّحوّل بالأدوات الاجتماعيّة و السّياسيّة من الفشل في المكان الاجتماعيّ و السّياسيّ ، في تحقيق أهداف هذه الحرب - على كلّ ما حقّقته من تخريب و قتل و تدمير - و التي كانت تذهب بأهدافها إلى أبعد من ذلك بكثير ؛ و تغيير السّلاح إلى سلاح آخر هو الدّخول في هوّة الحرب الثّقافيّة عبر مؤسّسات و أفراد و جماعات ، و أخذ المجتمع إلى ما لم تستطع الحرب أن تأخذه إليه ..
و ذلك في تجربة الأدوات الثّقافيّة المختلفة من مثل افتعال المواجهات الاجتماعيّة و الاعتقاديّة و الدّينيّة بخرافاتها السّاحقة ، لتخريب بقايا القيم الوطنيّة و الثّقة الأخلاقيّة بالهويّة الوطنيّة السّوريّة ، و استبدالها إلى قيم تشرذميّة منغلقة في الفعل و ردّ الفعل الاجتماعيّ ، المبنيّ على جذر ”ثقافيّ” مُتقيّح الحقد التّاريخيّ في العلاقات الّراكدة و المتزمّنة ، من عصور بدائيّة قهريّة و ساديّة في نظرة بنيتها المتفاوتة و المختلفة صراحةً في الموقع و النّوع و العدد ، و ما يستتبعه ذلك من أوهام التّفوّق التّاريخيّ ، الذي لا يحول عن محاولاته في تدشيم التّخوم المصطنعة ، في الوعي المهدّد ، بالاندحار أمام حقائق العصر و حاجاته و فروضه ، التي لا تقبل التّأجيل أو التّبديل .

16 لقد صار ثابتاً أمام الثّقافة أو الثّقافات التي ”تفاءلت”(!) بدمار الهويّة الوطنيّة السّوريّة ، واقع أنّ ثمّة في الواقع السّياسيّ ما يكفي من الفيض الاجتماعيّ و الثّقافيّ للتّماسك التّاريخيّ للمكان ، و هو ما كان واضحاً ، عمليّاً ، في التّضحيات الوطنيّة الكبيرة التي عصمت هذا الواقع من الانفجار و التّشظّي المنتظر من قبل أولئك ”المتفائلين” ..
و حينما أصيبوا ، بعدّتهم و عديدهم ، بخيبة أمل و إخفاقات سياسيّة مباشرة ، فإنّهم يحاولون ، اليومَ ، تغيير ”التّاكتيك” في بنية ”الخطاب” الثّقافيّ ، لكي يحصدوا خرابات لم تتحقّق لرغباتهم في الحرب ، بواسطة الّلجوء إلى تأزيم ”المجتمع” ، المتأزّم أصلاً ، بجرعة جديدة من إثارة الغرائز الثّقافيّة المستبطنة في بنية الجماعات المختلفة، و إشعال فتيل صراع جديد متوقّع على كلّ حال ، و الذّهاب بآمالهم المسمومة إلى أقصاها ، انتقاماً من فشلهم و ثأراً للذّئب في نفوسهم ، و ربّما انتحاراً للضّبع الجريح في معتقداتهم ، التي تدخل في إطار الثّقافات المبيّتة و الخاملة ، و لكن التي يرون أنّ وقتَ إذكائها قد أزفَ ، و صار مناسباً في هذا الهزيع من الزّمان .

17 من طبيعة واجبات السّياسة الوطنيّة ، و من حقوقها ، أيضاً ، أن تتوقّع وقوع الحدث الثّقافيّ الجِنائيّ .. قبل و قوعه و الذي يتجاوز في إمكانيّته الاحتمالُ الحَدَّ الحَرِجَ ، لا سيّما أنّ المُبَسِّرَاتِ ”الثّقافيّةَ” الدّّالّةَ على وشاكته ، بدأت ببعض الافتعالات الانشقاقيّة في النّسق الفكريّ السّياسيّ ذي البعد الثّقافيّ الاجتماعيّ ، و ربّما تمهيداً لتفجير أكثر أشكال الوعي الجمعيّ بدائيّة و سعاراً ، تحت عناوين مختلفة و لكنّها تتغذّى من المناهل الثّقافيّة و الاجتماعيّة المعطَّلة بفعل السّياسات الوطنيّة للدّولة ، أو شبه المعطّلة ، تستهدف ، مباشرة ، النّسيج الاجتماعيّ التّقليديّ ، كما تستهدف القيم الثّقافيّة الاجتماعيّة الجديدة و الإيجابيّة التي خلقتها تضحيات الوطن في هذه الحرب الحمقاء .

18 في هذه المقاطع التّاريخيّة الحرجة ، يكون واجب السّياسة مضاعفاً بالقوّة و الحكمة و ترصّد المداخل المحتملة للتّفتيت الاجتماعيّ بواسطة التّناحرات الثّقافيّة الدّالّة على أغراض و أهداف و غايات انتقاميّة و ثأريّة ، من جانب مَنْ يعمل على تأجيج آسبابها و دوافعها ..
و هو ، بلغة أخرى ، واجب الدّولة السّياسيّ الذي يتجلّى في مظاهر أساسيّة من المسؤوليّات التّاريخيّة ، التي هي من اختصاص الضّابطة السّياسيّة الوطنيّة لإيقاعات تجفيف مستنقعات دماء الحرب و بلسمة العواطف الجريحة في كلّ صوب و من كلّ حدب ، و مراقبة أفعال افتعالات الشّروخ الاجتماعيّة الثّقافيّة الإضافيّة التي لم تستطعها الحرب .

19 يجب أن يكون قد ولّى زمن التّناحرات الاجتماعيّة الثّقافيّة التي كانت من محرّضات الحرب ، من المحرّضات على هول هذه الحرب ، و ذلك ما لا يتحّقق إلّا بقدرة الدّولة و قوّتها السّياسيّة التي عليها أن تكون صارمة في مثل هذه الظّروف ، مهما كانت اجتهادات و تقوّلات جماعات و قطعان و أوشاب النّاقمين على الدّولة و نظامها السّياسيّ العامّ ، أولئك الذين يتربّصون بالأمن الاجتماعيّ عبر محاولاتهم التي من طبيعتها التّاريخيّة التّناقضيّة ، لا يمكنها أن تهدأ أو ترعوي أو تسلّم أسلحتها ”السّرّيّة” التي تشهرها في أوقات إفلاساتها الشّاملة .
و حيث أنّ أضعف و أقوى الأسلحة السّرّيّة ، في الوقت نفسه ، هي أسلحة التّمزيق الثّقافيّ لمجتمع جاهز بما آل إليه مع هذه الحرب ، من انعدام الثّقة المتبادل بين مختلف الثّقافات الاجتماعيّة المتواترة التّوتّر في التّاريخ ..
و هنا بالضّبط يكمن أضعف الجوانب التّاريخيّة المؤهّلة لاحتمالات انزلاق المجتمع إلى حروب ”الثّقافة” ، بما هي صراعات مجّانيّة لولا مخاطرها القائمة في هذه الظّروف الحسّاسة و الحاسمة من تاريخ سورية الحاضر ، بما قد انتابه من تهويش ”ثقافيّ” حدّي ، في الصّراع الذي بلغ ذروته المعقّدة في غضون نهايات هذه الحرب بالذّات !

20 أخيراً لا مانع يمنع من ضرورة التّذكير بأنّ صراع الثّقافات على أهداف أصحابها ، أو بعض أصحابها ، المتباينين في القوّة و العنف و الطّموح السّياسيّ الّلاغي للشّرعيّة الوطنيّة ، إنّما هو صراعٌ على ”السّلطة” ..
هو صراع بين ”سلطات” ثقافيّة و اجتماعيّة متفاوتة الكمون الجماهيريّ ، و هو ما يجعلها تنساق وراء إغراءات أوهامها بالإمكانيّة و القدرة و التّفوّق و الحسم و السّيطرة و كتابة التّاريخ بأقلام من زور و بهتان و إفك ، من واجب القوّة المباشرة ، أو غير المباشرة و في الأدوات الثّقافيّة حصراً ، للدّولة بكلّ ما أوتيت من أدوات و بما لم تؤتَهُ أيضاً ، و الذي يمكن لها أن تخترعه ، أن تشكّل الظّهير التّاريخيّ المنيع للثّقافة المعاصرة التي اختبرتها المجتمعات المتقدّمة ، عمليّاً ، و كانت أن أثبتت نجاعتها في التّغيير و المضيّ في المختبر السّياسيّ لعالَمٍ ، كلّ ما فيه يشكّل تحدّياً للمجتمعات التي لم تنجز هويّتها المتماسكة و الدّافعة ، نحو الغايات التي تنشدها الشّعوب.

*******

وفيما يلي تعقيب الشاعر والمهندس ياسين الرزوق زيوسأ ياسين الرزوق1:

في حديثك تخرج السلطة من قمقم الانتشار التعسفي إلى فضاء الظهور المتخفي و التخفي الظاهر لا لتنقلب الدولة على أعقابها تجرّ ذيول الخيبة بل لتعيد بناء التاريخ كما ينبغي له أن يكون في زمر السلاطين و في فلكهم و هم يجعلون الدين بوابة من بوابات دخول السلطات و انتشارها كما يحولونه إلى بوابة من بوابات خروج السلطات و انحسارها و تخفيها !

هذا إذا لم نقل أن السلطة هي ثقافة منقلبة على أعقابها في كلّ مشوار حياة كي يتحول الوجود في مفاهيم الدين و الدولة و المواطن إلى مفهوم تسخيري يسخرون من خلاله ما يستطيعون به إباحة كل شيء لهم و لمشاريعهم و لمصالحهم التي مهما رفعوا شعاراتها البراقة ستتعارض مع مصالح الدولة و الوطن و المواطن !

و كما يبدو أن الثقافة السلطوية تتجه إلى استثمار الأغلبية الهامشية بشعارات ظاهرة عكس ما تخفيه و مخفية عكس ما تظهره بما يخالف فرويد كما يتماشى معه و بما يتماشى معه كما يخالفه باستخدام العصاب الديني باتجاه واحد مهما تعددت فروعه هو المصالح التي تقوم السلطة عليها و من دونها تنهار و يتلاشى القائمون عليها و المنظرون لها !

و عليه :

١ ) : ليس انتشار السلطة هو الفصل في بسط يدها على عقول العالمين و معرفة ما يخفونه و ليس تخفي السلطة هو الفصل في ارتفاع يدها عن عقول العالمين و التغني بما يظهرونه بل الأذرع الضاربة هنا على صعيد المال و الدين هي التي تجعل الانسياق حتميا وراء سلطات تتخفى ظاهرة بمظهر يألفونه أو تظهر متخفية بشكل لن يروه بما يجعل السياق التاريخي لعبة الاستشراق في تثبيت السلاطين و الحكام أو زوالهم الظاهري أو المتخفي ما بين سلطات ظاهرة و مخفية تتصارع في ميدان الانتشار و خاصة عندما تتعارك السلطات الموازية و الدول العميقة مع السلطات الرسمية و الدول الطافية الظاهرة !

٢ ) : عندما تتضارب مشاريع السلطة الخفية مع الشعارات البراقة يغدو صراع السلطات لا مفر منه و يغدو السباق إلى السلطات الموازية كسباق التسلح و سباق الإرهابيين إلى بقع الحرب الكونية في سورية ما يؤكد أنّ انتشار السلطة و تخفيها ما هو إلا مشروع سلطوي تختلف مكانة القائمين عليه في الجسد الهرمي للمصالح التي لا تدري نفس ماذا تكسب لها غدا و لا تدري نفس بأيّ أرض تموت و تتلاشى .
و لعلّ لبنة من مكان مجهول في الهرم توازي رأس الهرم في زعزعة الاستقرار و خلق صراعات لا تنتهي في الشرق بمفاهيم الشرف و الدين التي تسبق مفاهيم الوطن و الوطنية و المساواة و المواطنة !

٣ ) : ليست الحكمة في الفكر السلطوي هي تلاشي النزاعات حقناً لدماء الطبقات الهامشية التي تغلب لكنها لا تتغلب على عقدها حتى تُقوّم عقد و اعوجاج السلطة و السلاطين بل هي إشعال نار الدم كي تحرق ما زرعه من حقنوا هذا الدم لمصالح باتت من الماضي سواء على صعيد الأشخاص أم على صعيد الدول و المفاهيم المجهولة !

٤ ) : عندما تغدو العولمة سلاحاً فتّاكاً راديكاليا في قلب الأنظمة ليس للأنظمة إلا أن تؤتمت وجودها و تكثر غلمانها الآلية كي تنتصر لحرب السماء على الأرض أو لحرب الأرض على السماء كما تشاء السلطة و كما يشتهي السلاطين !

٥ ) : ليست للسلطة أبواب قادرة على صدّ الردة الشعبية إن لم تخلق صراعات تخفٍ بالانتشار أو انتشار بالتخفي و هذا ما يجعل السياسة الملك و البيدق في وقت واحد و في أزمان متضاربة !

٦ ) : لنا بحديثك أن نخرج الثقافة من الموروث التناحريّ مهما انقلب العالم علينا و نحر أدمغتنا الوطنية لتتغلب عليها المصالح السلطوية الضيقة .
و لنا بالدكتور بشار حافظ الأسد القائد العملاق أسوة حسنة كي تغدو فيالق الثقافة منتصرة في صراعاتها لنفسها لا منتصرة لأعداء نفسها ولأعداء وطنها الأم الذي يلم ما ينسى أن يفرقه مهما تصارعت السلطات !

دكتورنا الغالي بهجت سليمان Bahjat Sulaiman

April 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
31 1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 1 2 3 4

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟
عدد الزيارات
5977219

Please publish modules in offcanvas position.