د. رندة مارديني: الحقيقة بين العلم و الحكمة

في مقارنة بين العلم و الحكمة (أو الروحانية) في معرفة الحقيقة نجد عدة فروق جوهرية، و لكن كما يقال كل الطرق تقود إلى روما، و إن طال بعضها او قصر، لا بدّ من الوصول و اكتمال الدائرة و إغلاقها..

يعتمد العلم على التجربة و البرهان و كافة مبادئه تكون قابلة للتعديل بحسب تطور مناهجه..

يحاول العلم تطويع لغته لتناسب إطار الواقع، و إن كان لا يوفّق تماما في هذا، فالواقع في العلم يبدو آلة معقدة مهما ألبسناه من صيغ جمالية، و لم يستطع العلم او لم يصل حتى الآن إلى صورة كليّة لهذا الواقع تفسّره و توّحد جميع نظرياته في إطار كليّ الوجود، كي يتمكن العلم من التفسير أو كي يصنع العقل فهماً، فإنه يقوم بعزل الظواهر عن حركية الحياة أي عن الواقع، ثم يرتبها بشكل يجعلها قابلة للفهم و التداول في حقول العلم و العمل المختلفة، و ينتج عن ذلك انكشاف جزء من الحقيقة و اختفاء أجزاء أخرى..

هذا لا يعني أن العلم او الرؤية العقلية غير مجدية، و لكنها بشكل ما كانت قاصرة دوماً عن الوصول إلى الحقيقة برمّتها، و في هذا الإطار نجد اعترافا من العلماء أنفسهم بهذا القصور..

فمبدأ اللاتعيين او عدم اليقين عند هايزنبرغ ألغى الحتمية و السببية في بعض مستويات الواقع مبيناً أنه لا يمكن قياس سرعة جسيم ما و موضعه بنفس الوقت بدقة متناهية، و الدقة في قياس أحد هاتين الكميتين يؤدي إلى عدم التأكد من القياس الآخر، و العالم الرياضي تورينغ مبتكر آلة تورينغ التي هي أساس عمل جميع الحواسب المعاصرة، اثبت في أحد أوراقه البحثية أنه لا يمكن ايجاد خوارزمية واحدة شاملة لكل الحقيقة في الرياضيات التي لابد ان تحتوي دائما على فرضيات لا يمكن إثباتها، و ماثلَه في هذا العالم كورت غودل صاحب مبرهنة عدم الاكتمال و التي تقول انه في اي نظام رياضي بديهي غنيّ كفاية للقيام بعملية حسابية ابتدائية ستكون هناك دوماً بعض البيانات الصحيحة و التي لا يمكن إثباتها، اي بعبارة أخرى فإنه على نظام المسلٍمات ان يكون غير كامل..

و مع هذا، فإن العنصر الذي يشير إلى قوة اي نظرية معرفية هي في أن تكون قابلة للدحض و هذا ما تبناه فيلسوف العلم كارل بوبر، بعكس النظريات غير القابلة للتحليل او المقارنة او الاثبات عن طريق النفي و في هذا يقول بوبر: "مازلت اعتبر معيار القابلية للتكذيب مركز فلسفتي".. و في هذا قدسية للحقيقة و احترام للعقل المعرفي و المنهجية العلمية الموثوقة..

أما الحكمة، فهي حدسية ماورائية، و هي تعتمد على الرمز للتعبير عن الحقيقة فالحقيقة برأيها غير قابلة للكشف كليّاً، فالحقيقة هنا تكمن في الرمز الذي يشير إلى السرّ الكامن في حكمة القدماء او الأساطير مثلا التي يتم تناقلها عبر العصور..

الحقيقة في الحكمة غير مثبتة علميا او تجريبيا، و لكنها تتجلّى في روح الكون الكامنة في كل شيء، و هي تمثّل الوحدة و الكليّة مع الوجود...

الحكمة ثابتة على مر العصور برموزها و بنيتها المعرفية لأنها تعبّر عن حقيقة كلية و لو تنوّعت الصياغات الأسطورية او الدينية..

هل يتصالح العلم مع الحكمة؟ لاشك أن العلم اليوم يعود إلى ينابيع الحكمة ولاسيما مع الفيزياء الكوانتية التي تتجاوز القسمة الثنائية الحادة بين عالم المادة و الروح و التي تتجاوز أيضا المفاهيم التي رسختها العلوم التجريبية..

ارتقاء الوعي الإنساني الذاتي و الإلهي يحتّم أن تبدأ الحقيقة بالحكمة الوجودية الكامنة في كل شيء أو بالحدس العقلي و الروحي، لينتقل بعدها التطور الى العقل و الثنائية ثم التعددية و العلم، و لاشك أن حركة التطور ستقود العلم في النهاية إلى العودة الى حقيقة الحكمة التي سيكتشفها العلم، و هنا يحصل اكتمالُ و كمالُ و تحقّقُ الوعي في تلاقي كل مكوناته الحدسية و الروحية و العقلية..

April 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
31 1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 1 2 3 4

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟
عدد الزيارات
5977268

Please publish modules in offcanvas position.