الصفحة الرئيسية
n.png

مالك مسلماني: ميلاد الدولة الإسلامية.. مِن الاستيلاء على مَكَةَ إلى نهاية حروبِ الرَّدةَ- ج8 والأخير

السيطرة على المناطق المساحلة للمحيط الهندي وبحر عُمان

عُمان  

كان الأزد يشكلون غالبيّة سكان عُمان، وقد ناصروا ذا التَّاج لَقِيط بن مالك الأزديّ، الَّذِي كان يسمى في الجاهليّة الجُلَنْدي ـ في صراعه مع جَيْفَر وعبّاد،[1] وتعتبر كتب التاريخ الإِسْلاميّة ذا التاج مُدّعيّ نبوّة، إلّا أنّها لا تقدم ما يدعم رؤيتها، وقد درج المؤرخون الإِسْلاميّون على النظر إلى كلِّ زعيمٍ قبليٍّ، دخل في صراعٍ مع الحركة الإِسْلاميّة كمُدّعيّ نُبوّة.مالك مسلماني

تمكّن ذو التاج من السّيطرة على عُمان فأضطر جَيْفَر للانسحاب إلى الجبال، ومنها بعث إلى أَبِي بَكْر يستجيشه لمحاربة ذي التاج؛ ولم يُضع أَبُو بَكْر الفرصة، إذ بعث حُذَيفة بن مِحصن الغَلْفانيّ من حِميْر إلى عُمانَ، وعَرْفجةَ البارقيّ من الأزد إلى مَهْرَة، وطلب من عِكْرِمَةَ بنُ أَبي جهْل ـ بعد مَعْرَكَته الفاشلة مع مُسَيْلِمة ـ التوجه إلى عُمانَ لمساعدتهما. ونستطيع القول إنّ التدخّل في عُمانَ تمّ بالتزامن مع الانتصار على بني حنيفة، أو حَتَّى سبقه قليلاً.

        التحق جَيْفَرٌ، وعبّادٌ بقوات المسلمين، والتفت قواتهم في دَبا مع قوات ذي التاج، والَّذِي كادت قواته أن تحقق النصر، لولا وصول إمدادات من بني ناجية، ومن عبد القيس، فتمكّن حلفاء الحركة الإِسْلاميّة من تحقيق النّصْر.[2]

 

مَهْرَة

       

بعد ذلك توجه عِكْرِمَةُ إلى مَهْرَةَ، ومعه قوات من ناجية، وعبد القيس، وراسب، وسعد. وكانت مَهْرَةُ منقسمة بين معسكريْن: الأوّل مع شخريت،[3] والثاني مع المُصبَّح، والَّذِي كان معه أغلبيّة النّاس؛ ففاوض عِكْرِمَةُ شخريت على الانضمام إليه، وبالفعل وافق على الاقتراح وبذلك استطاع عِكْرِمَةُ الاستفراد بالمصبّح، وألحق به هزيمة.[4]

اليمنُ

       

ما إنْ وصل خبرُ وفاةِ مُحَمَّدٍ إلى اليمنِ حَتَّى اهتزت الوَضْعيّة السِّيَاسِيّة فيها من جديد، عندما اشتعل الصّراع بين القوى الَّتِي شاركت في اغتيال العَنْسيّ، فدخل قيس بن عبد يغوث المكْشوح في صراع مع فَيْروزَ ودَاذَوَيْه، إذ حاول قتلهما، ولم يتمكّن إلا من قتل دَاذَوَيْه، وبينا استطاع فَيْروز النجاة. ولم تكن لوفاة مُحَمَّدٍ دور في إشعال نيران الصّراع بينهما، بل نشأ على خلفيّة العداء بين الأبناء الَّذِين كانوا يؤيدون فَيْروزَ، ودَاذَوَيْه، وبين عرب اليمن؛ لا سيّما أنّ أَبَا بَكْر كلّف فَيْروزَ مسئوليات إدارة البلاد كما تقول الرِّوايَات، ولعله بارك توليه القيادة، فلم يكن بوسع أَبِي بَكْر أنْ يكلّف شخصاً سُلْطةً لا يملكها. والأزمة نشبت بسبب من تبوّؤ فَيْروز القيادة، وشعور قيس بالغبن، وهو من أهل البلاد الأصليين، الَّذِين كانوا يشعرون بالتذمر من الأبناء.

شعوراً منه بالظلم، تحرك قيس لتصحيح الخارِطَة السِّيَاسِيّة في اليمن، فتمكّن من جمع مقاتلين من قبائل حِمْيَر، ويعود نجاحه فيهم دون غيرهم إلى أنّه كان ينتسب إليهم؛ بالمقابل استعان فَيْروز ببني عُقَيْل، وبعكّ، وقد التقت القوى المتعاديّة قرب صنعاء، ومنيت قوات قيس بهزيمة أجبرتهم على الانسحاب والتذبذب فيما بين صنعاء ونجران. وبسبب من عدم قدرته على تحشيد القبائل العَرَبِيّة في اليمن اضطر قيس لطلب المعونة من فلال قوات الأسود الَّتِي كانت تجوب في المنطقة أيضاً، وتمكن بمعاونتهم من السيطرة على صنعاء وما حولها.[5]

لم يتردد أَبُو بَكْر في توظيف المستجدات في اليمن، وبسرعة تدخل في صراعات أطرافها؛ لمد سُلْطان الحركة الإِسْلاميّة إليها، ولهذا قرر تجييش جنودٍ من قبائل موالية للمدينة في اليمن، وذلك لمساندة الأبناء في صراعهم ضد قيس وأتباعه، وما هي إلّا يسيراً حَتَّى حاقت الهزيمة بقيسٍ، ووقع بالأسر، فتسلّم فَيْروز ـ المتحالف مع المدينة ـ ولاية صنعاء مجدداً.[6]

        أُرسل قيس إلى المدينة، فعفا عنه أَبُو بَكْر رغبةً منه في الاستفادة من خبرته لصالح الحركة الإِسْلاميّة حيث كان قيس على دراية جيدة بمسائل الحَرْبِ ووسائل الصراع السِّيَاسيّ، وسيبعثه أَبُو بَكْر فيما بعد إلى العراقِ ويأمر قواده أنْ يستشيروه، وحسب، وألّا يُنيطوا به أيّةَ مسئوليةٍ قياديةٍ.[7]

لقد انتهت الصّراعات الداخليّة في اليمن لصالح القوى الَّتِي تحالفت مع الحركة الإِسْلاميّة، والصراع فيها لم يكن موجهاً ضد الإِسْلام، بل كان صراعاً محليّاً، يسعى كل طرف فيه للحصول على دعم المدينة.[8] لقد تمكّنت المدينة من الهيمنة على اليمن بسبب من تفكك تركيبتها السِّيَاسيّة الداخليّة، وحاجة الأطراف المتصارعة لقوى خارجيّة تساندها، وفي كلتى المرتين (الأولى ضد العَنْسيّ، والثانية ضد قيس) كان حلفاء الحركة الإِسْلاميّة هم الَّذِين ينتصرون، لكنْ في المرّة الثانية كان الانتصار قد تحقق بفضل إمدادات مباشرة من المدينة، وعند هذه النقطة وبعد أن حقق فَيْروزُ انتصاره بفضل الدعم المباشر من الحركة الإِسْلاميّة أصبح مستحيلاً عليه الحفاظ على استقلاله، لأنّ القوات الَّتِي ساعدته كانت تدين بالولاء لغيره، فأساء فَيْروز السلوك السِّيَاسِيّ لأنّه لم يكن يفهم أن الأمير العاقل يتجنب القوات الخارجيّة، ويعتمد فقط على قواته الخاصة، و يؤثر أنْ يخسر المعارك بقواته على أنْ يكسبها بقوات غيره؛[9] لقد غدا فَيْروز أسير المدينة، وحاكماً في بلاده بأمر قائد المدينة.

أمّا بالنسبة لسكان نَجْران فإنّهم آثروا بعد وفاة مُحَمَّدٍ البقاء بعيداً عن صراعات القبائل، فبعثوا وفداً ليجددوا عهدهم مع قيادة المدينة، وقد صادق أَبُو بَكْر على العهدِ الَّذِي كان بينهم وبين مُحَمَّدٍ من قبل.[10] وفي قرارهم هذا نجد أنّ أهل نجرانَ الَّذِين فضلوا المحافظة على العهد الَّذِي بأيديهم قد خففوا الضغط على قوات المدينة ـ مكّة، ومكنوا المسلمين من السيطرة على اليمنِ، إذ لو كانوا تدخلوا إلى جانب القبائل الحميريّة، لكنا شهدنا حرباً داميّةً كالَّتِي جرت في عَقْرَبَاءَ، لكنّ أهلَ نجرانَ المسيحيين سهّلوا على الحركة الإِسْلاميّة بسط نفوذها في اليمنِ بتجنبهم المشاركة في الصّراعات القبليّة الداخليّة؛ ولربما ظنوا لبعض الوقت أنّ الصّراع إِسْلاميّ ـ وثنيّ.

       

إخضاع حَضْرمَوْت

بعد الانتهاء من البَحْرَيْنِ، قرّر أَبُو بَكْر توجيه جيشٍ لمحاربة الحضارمة، الَّذِين تقول عنهم الرِّوايَات إنّ مُحَمَّداً مات وعمَّاله على بلادهم كتالي:

1 ـ زياد بن لَبِيد البياضيّ (الأنصاريّ) على حَضْرمَوْت.

2 ـ عُكَّاشَةُ بنُ ثُوْرِ على السَّكاسِك والسَّكون ـ من قبائل كندة الحضرمية ـ.

3 ـ المُهاجرُ بنُ أَبي أُميّةَ على كِنْدة ـ وكان مُحَمَّدٌ قد عيّنه عليها، بيد أنّه لم يكن قد خرج من المدينة بعد حين تُوفيَّ مُحَمَّدٌ، فبعثه أَبُو بَكْر للمشاركة في معارك اليمن والمُضِيّ بعد ذلك إلى عمله.[11] وإذا كان شارك حقاً في معارك اليمن فإنّ مشاركته كانت بوصفه مقاتلاً لا قائداً عسكريّاً، إذ لا يوجد له ذكر في لائحة القواد.

        هذا ما تورده المصادر، وكالعادة لا يمكن تقّبل هذه الرِّوايَات دون التشكيك الشديد بها، ولا سيّما أنّ أحدهم ـ المُهاجرَ بن أَبي أُميّةَ ـ لم يخرج إلى مهمته، إذ مات مُحَمَّدٌ، وهو في معقل حركة الإِسْلام، فما هو الحائل الَّذِي منع التحاقه بعمله بعد وفاة مُحَمَّدٍ مباشرةً؟ ومن جهة أخرى لا تذكر المصادر اسم شخصيّة مكلّفة بتعليم الإِسْلام. لكن ما يمكن قبوله بصدد حَضْرمَوْتَ أنّ ثَمّة أسباباً معينة سمحت لِمُحَمَّدٍ بإرسال زياد بن لَبِيد، ويبدو أنّ وجوده كان مرتبطاً بحركة العَنْسيّ، الَّذِي ينتمي إلى مذحج، وكان الحضارمة على عداءٍ معهم، وعلى أساس هذا المعطى السِّيَاسيِّ أُقيمت علاقات بينهم، وبين مُحَمَّدٍ، والَّذِي يجب أن يكون قد وعدهم المناصرة في حال تعرضوا لهجمات من العَنْسيّ الَّذِي بلغت سلطته حدود حَضْرمَوْت، هذه العلاقة خدمت الجانَبِيّن، فبالنسبة لِمُحَمَّدٍ كانت جزءاً من نشاطه لمحاصرة العَنْسيّ، وبالنسبة للحضارمة كانت العلاقة مع الحركة الإِسْلاميّة توفر لهم حليفاً في حال تابع العَنْسيّ توسعه باتجاههم، أي إنّهم دخلوا في إطار السلم الإِسْلاميّ، مما يرتب عليهم دفع الزّكاة كثمن للحماية الَّتِي منحتهم إِيَّاها الحركة الإسلامية.

إذاً، كان زياد عشية رحيل مُحَمَّدٍ في حَضْرمَوْت بوصفه ممثلاً ـ عاملاً ـ لحركة الإِسْلام؛ على أنّ وجوده كعامل لِمُحَمَّدٍ لا يعني أن الحضارمة قد اعتنقوا الإِسْلام؛ ولهذا لما مات مُحَمَّدٌ لم يعلنوا قبولهم بسيطرة حركة الإِسْلام عليهم، وخصوصاً بوصول خبر مقتل العَنْسيّ، فقرروا التريّث حَتَّى تقرّ القبائل بسُلْطة المدينة، لكن زياداً أخبرهم أنّ المهاجرين والأنصار قد اجتمعوا تحت راية أَبِي بَكْر، فطلب منه الأشْعَثُ بن قَيسِ إمهالهم حتى يروا إلامَ تئول الأمور، فلم يعلّق زيادٌ على هذا الكلام. وهي إشارة واضحة من قِبل الأشْعَث إلى أنّ سيطرة الإِسْلام على مناطق نفوذها (مكّة، والمدينة، والطائف ومحيط هذه الحواضر) باتت أمراً مشكوكاً به، وكان الأشْعَث يفكر وفق الحساب التالي، إنّ القبائل العَرَبِيّة لن تخضع بسهولة للمدينة، وكندة هي أبعد القبائل العَرَبِيّة عنها من جهة الجنوب، ومن الأفضل انتظار نتائج الصراعات الَّتِي ستخوضها الحركة الجديدة، وهذا يسمح بتجنب الانزلاق إلى صراع معها.[12]

        ككلَّ مكانٍ في الجَزِيْرة العَرَبِيّة، كان الحضارمة منقسمين على أنفسهم، فرقة تؤيد الاستمرار بالعلاقة مع حركة الإِسْلامِ، والالتزام بتقديم الزَّكاة، وفرقة ترفض دفع الزَّكاة، وتؤيد الحفاظ على التشكيل الحالي للقبيلة والاستقلال الاقتصاديّ. ومن المرجح أنّ سبب هذا الانقسام وجود مصالح متعارضة بين بطون القبائل؛ وهذا التعارض ـ إضافة لعدائهم مع مذحج ـ سمح لِمُحَمَّدٍ بإرسال زياد بن لَبِيد إليهم.

        في هذا الجو غير المستقرّ نسبيّاً شرع زياد بن لَبِيد يجمع الزّكاة، من أجل أنْ يوجه بها إلى أَبِي بَكْر بعدما حققت القوات الإِسْلاميّة انتصاراتها الواضحة على القبائل المتمردة القريبة من المدينة؛ ويبدو أنّ المقصود بعيد مَعْرَكَة ذي القصة. وعلى أي حال لم يكن الجميع يشعر بالرضى على جمع الزَّكاة؛ مما جعل المَنَاخَ السِّيَاسيّ قابلاً للاشتعال جراء أيِّة شرارةٍ، وبالفعل ستهتز الأرض تحت أقدام زياد بن لَبِيد عندما طلب حارثة بن سُرَاقة ـ من زعماء كندةَ ـ منه استرجاع ناقة، من الَّتِي أُخذت كصدقة، وهي كانت لفتى من كندة، على أنْ يعطيه غيرها من أبل حارثة نفسه؛ إلّا أنّ زياداً رفض ذلك، رغبةً منه على ما يظهر بالتشدد، وعدم التسامح مع أيّة نزعة تضمر تحركاً مناوئاً للإِسْلام.

ألحق هذا الرفض الَّذِي يفتقد للحكمة السِّيَاسِيّة إهانةً كبيرةً بحارثةَ بن سُرَاقة، ودفعه للتوجه إلى المكان الَّذي تجمع فيه إبل الصدقة، فاستردّ الناقة المطلوبة بنفسه، ثمّ أعلن: «نحن إنّما أطعنا رسول اللَّهِ إذ كان حيّاً، ولو قام رجل من أهل بيته لأطعناه، وأما ابن أبي قحافة فما له طاعة في رقابنا ولا بيعة».[13]

نحن نرى هنا أنّ رفض سُلْطة المدينة ـ مكّة يتجلى برفض لشخص هذه السُّلْطَة، لا للسُّلْطة نفسها. وعلينا الحذر من القول الَّذِي أنفرد به الواقدي: «لو قام رجل من أهل بيته لأطعناه»، فالواقدي ينتمي لمدرسة المدينة في التاريخ، وبنفس الوقت فيه شبهة تشيّع. على أيِّ حالٍ سيتخذ رفض سُلْطة الخلافة شكلَ رفضِ سُلْطة الشّخْص المتربع على كرسيها، والرافض يبحث عن البديل الوهمي ـ النقيض ـ للقيادة وحسب، وهي تخفي الرفض الحقيقي برداء رفض شخصِ الخَلِيْفَة ـ ليس إلّاـ. وهذا ما يبقى الرافض في إطار المنظومة الإِسْلاميّة، ويسمح له بالصّراع مع السُّلْطَة من خلال نفس المنظومة الفكريّة، هذا إذا لم يكن من موقع إيديولوجي أقوى ـ موقع الدفاع عن السُّلْطَة الشرعيّة، سلطة أهل البيت. وهذه السيرورة قد جرت في عهد متأخر ويمكن أنْ نتلمّس خطوطها الأوليّة في نهاية عهد عثمانَ، لكنّها ستتوضح في بداية عهد مُعَاوِيَة، بعدما آل الصراع الدمويّ على السُّلْطَة بين عليٍّ ومُعَاوِيَةَ إلى انتصار الأخير، وتوطيده أسس الدّوْلَة المَلَكِيّة ـ شيمة دُوَلِ تلك الأزمنة ـ، في هذا القول، ومثليه نجد إسقاطات من أزمنة لاحقة، وتفسيرات لأيام نشأة دولة الإِسْلام، تلبي حاجات الصّراع على السُّلْطَة والشرعيّة في العهديْن الأمويّ، والعباسيّ، ولهذا لن نستغرب أن تحدثنا شخصيّات العهد الإِسْلاميّ المبكّر بلسان غير لسانها، بل بلسان رواتها، ومحرري أخبارها.

أحفظ تصرف حارثةَ زياداً، فغادر مقرّه، ومعه أصحابه، فلما صار على مسيرة يوميْن كتب إلى القوم متوعداً؛ فأغضب هذا الوعيد كندة أشدّ الغضب، وعلق الأشْعَثُ بنُ قَيسِ على ذلك بأنّه كان حَرِياً بقومه قتل زياد بن لَبِيد، فالعواقب أصبحت واحدة، ورأى أحد الكنديين أنّ قبولهم لوجود زيادٍ يماثل موافقتهم على الخضوع للعبوديّة، وأعلن: «واللَّه لا طَمِعتْ قريش في أموالنا بعدها أبداً».[14]

في هذه الأثناء بعث زيادٌ بأموال الزَّكاةِ الَّتِي كان قد جمعها إلى أَبِي بَكْر، وعطف إلى بني ذهل بن مُعَاوِيَة ـ فرعٍ من كندة ـ، وطلب منهم الحفاظ على ولائهم للحركة الإِسْلاميّة، فرفض الحارث بن مُعَاوِيَة ـ أحد ساداتهم ـ طلبه. وسرعان ما رفضت بقية قبائل حَضْرمَوْت الخضوع لسلطة المدينة ـ مكّة؛ إذ إنّها لم تكن ترغب بنصرة زيادٍ على أحد بطونها.

و إذ لم يستطع ابن لَبِيد حيازة تعاطف قبائل كندة بسبب مسئوليته عن إشعال نار الفتنة من جهة، وكون الصّراع كان مع بطنٍ كندي؛ فإنّه قرّر العودة إلى المدينة، ومن هناك بعثه أَبُو بَكْر قائداً لجيش مكوّن من أربعة آلاف من المهاجرين والأنصار لإخضاع حَضْرمَوْتَ.[15] وعلينا أنْ نفترض أنّ بعث الجيش كان بعد الانتهاء من مُسَيْلِمة، حيث كان يستطيع أَبُو بَكْر تجييش قوات كبيرة نسبياً للقتال.

        أحدثت أنباءُ مسير جيشِ المسلمين انقساماً داخل مجتمع حَضْرمَوْتَ، ما بين داعٍ للتراجع عن تحديهم لحركة الإِسْلامِ، وآخر رافض، وقد زاد من قلق الحضارمة أنّهم كانوا على عداوة مع مذحج، وخافوا من أن تنقلب الآية، فتتكتل عليهم قوات مذحج، وقوات المسلمين. وفيما هم يتجادلون أشرف جنود المسلمين على بني كندة، فأقبلت إليه السَّكاسِك والسَّكون ـ قبيلتان من قبائل كندة ـ فطلبوا من قائده السّلام، ووعده المناصرة.[16]

        كان بنو هند أوّل بطنٍ من بطون قبيلةَ كندة، تعرّض لهجوم المسلمين، فحاقت الهزيمة بهم، وأخذ المسلمون نساءهم، وأولادهم، واستولوا على أموالهم، وتتابعت انتصارات المسلمين، على بني العاتك، ثم على بني حجر، وعلى بني جمر. فلما علم الأشْعَثُ بنُ قَيسِ بما فعله زياد بن لَبِيد بتلك البطون الكنديّة، أقسم على نفسه مواجهة قوات المسلمين، فلم يعد ممكناً بالنسبة إليه تجنّب القتال بعدما تعرّضت نساءَ وأطفالَ كندةَ للسبي، واستولى المسلمون على أموالهم.[17]

        جمع الأشْعَث مقاتلين من بني مرّة، وبني عدّي، وبني جبلة، وسار يريد التصدي لزياد، ومعه ألف فارسٍ من قومه، وزياد في أربعة آلاف من المهاجرين والأنصار، إضافة لخمسمئة رجلٍ من السَّكاسِك والسَّكون.

        التقى الفريقان قريباً من مدينة من مدن حَضْرمَوْت، يٌقال لها تَرِيمُ، فاقتتلوا، حيث حاقت الهزيمة بزيادٍ ومن معه من المسلمين، فاُجبروا على دخول مدينة تَرِيم، والتحصّن فيها؛ ويبدو أنّ تَرِيمَ حصنّ أكثر من كونه مدينةً، فاسترّد الأشْعَثُ الأموال، والغنائم، والسبي، فردّها إلى أهلها؛ ثُمّ إنّه ضرب حصاراً شديداً حول الموقع. وبينا هم مُحاصَرون أقبل المهاجر بن أميّة عليه في ألف فارسٍ، فتنحى الأشْعَث عن باب تَرِيم، ولما دخل المهاجر المدينة، عاد زياد لفرض الحصار، وطلب الأشْعَث من قبائل كندة العون، فلباه الجبر بن القشم في قومه من بني الأرقم، وأبو قرَّة الكندي في قومه من بني حجر، والجفشيش بن عمرو في قومه من بني هند؛ وهذا ما سمح بتشديد الحصار على زياد، والمهاجر.[18]

        وصلت الأخبار إلى أَبِي بَكْر، فلم يجد بدّاً من الكتابة إلى الأشْعَثِ بن قَيسِ مقترحاً عليه تسوية القضيّة، وأخبره إنّه سيعزل زياداً إذا كان تصرفه هو الَّذِي سبب انتفاضتهم، ويولي عليهم من يحبون، وقال لهم إنّ حاملَ الكتابِ مخولٌ بتوجيه الأمر لزياد بالانصراف في حال قبوله العرض. فلما وصل الكتاب إليه مع مسلم بن عبد اللَّه، لاحظ الأشْعَث بعد قراءته للرِّسَالة أنّها لا تحمّل ابن لَبِيد مسئولية القتال، وبه تبرئة له مِنْ قتل مَنْ قتل، فأيدّ الرسول ذلك، مما أثار فتىً من بني مرّة، فضرب الرسولَ بالسيف، فأرداه قتيلاً؛ واحتجاجاً على هذا التصرف رحل بنو حجر، وبنو الأرقم. واحتجّ أبو شمر الكنديّ ـ من بني حجر ـ على ذلك، فرد الأشْعَث: «يا هؤلاء لا تعجلوا فإنّه قد شهد عليّ وعليكم بالكفر. وبعد، فلم أمر بقتله، ولا ساءني ذلك». وقد حاولت القوات الإِسْلاميّة استغلال انسحابهما، فتصادموا مع قوات الأشْعَث خارج تَرِيم؛ إلّا أنّهم فشلوا في تدمير قوات الأشْعَث، ولاذوا مجدداً بتَرِيمَ، فضُرب الحصار عليهم مرة أخرى.[19]

        لإنقاذ المسلمين المُحاصَرين وحسب اقتراح عمر بن الخطّاب، طلب أَبُو بَكْر من عِكْرِمَةَ بن أبي جهل، والَّذِي كان يومئذٍ بمكّةَ، المسير بمَنْ تطوع من المكّيّين، وأنْ يستنهض في طريقه القبائل العربيّة.[20] فتمكّن عِكْرِمَةُ من جمع ألفي مقاتلٍ من قريشٍ، وأحلافهم، وسار بهم حَتَّى وصل نجرانَ، وبها جرير بن عبد اللَّه البجلي، في بني بجيلة، فدعاه للمشاركة في محاربة الأشْعَث، لكن جريراً أبى ذلك.

 

القضاء على تحرك الأشْعَث

       

استعداداً لقدوم عِكْرِمَةَ، الَّذِي يحمل إمدادات إلى قواتِ المسلمين المُحاصَرة، قام الأشْعَث بإصلاح حصن النَّجَيْرِ، ثم جمع فيه نساء وأولاد قومه. ولما علم زياد بن لَبِيد بأنباء الدعم إليه شرع بالقتال مجدداً، لكنه أخفق في هزيمة قوات الأشْعَث. ثم بعث عِكْرِمَةُ إلى زيادٍ يحدد له موعدَ قدومه، وفي اليوم المحدد خرج زياد لمحاربة الأشْعَث، وبينما كانت رحى المَعْرَكَة تدور، وصلت قوات عِكْرِمَةَ، وهي في حالةٍ جيدةٍ، على خلاف قوات الأشْعَث المنهكة؛ ومع ذلك أبلت قوات الأشْعَث بلاءً حسناً، واستمرّ القتال حَتَّى المساءِ، وفي النّهاية انهزمت قوات الأشْعَث، فلاذت بالحصن الَّذِي تم إصلاحه.[21]

اشتد الحصار على مَنْ في الحصن، فتشاور الأشْعَث مع قومه، وكان رأيهم الصمود حَتَّى الموت الكريم، وفي إيماءة ذات دلالة رمزية، جزّ الأشْعَث ناصيته،[22] وربطها على رأس رمحه، وفعل القوم مثله، وتبايعوا على الموت، فلما كان الصباح، ُفتح باب الحصن، فخرج الأشْعَث في أوائل القوم؛[23] فاقتتلوا على باب الحصن قتالاً دامياً، ثم تراجعت قوات الأشْعَث إلى الحصنِ، فحُوصرت مجدداً.

تحركت القبائل الَّتِي كانت قد تفرقت عن الأشْعَث بعد حادثة مقتل رسول أَبِي بَكْر، فاتجهت لمحاربة قوات المسلمين؛ ومن أجل التصدي لها توجه عِكْرِمَةُ لملاقاتها ولا تحدد المصادر إنْ كان يقود القوات الَّتِي أتى بها أو بعضاً منها، كما لا تحدد حجم القوات الحضرميّة الزاحفة لإنقاذ الأشعثِ، أمّا زياد فإنّه بقي قائداً للقوات الضاربة الحصار على الحصن، وقد طلب من عِكْرِمَةَ أنْ يبيد المقاتلين عن بكرة أبيهم في حال أتاحت الظروف القيام بذلك.[24]

اقتتلت قوات عِكْرِمَةَ مع القوات الزاحفة لمعونة الأشْعَث على مدار يوميْن. في حين كان الأشْعَث لا يعلم بما يجري، ولهذا فإنّه طلب من زيادٍ الأمان، ولأهل بيته، ولعشرة من وجوه أصحابه،[25] وكان المقاتلون المُحاصَرون في الحصن يعتقدون أنّ الأشْعَثَ يفاوض على الأمان لهم أيضاً.

علم عِكْرِمَةُ بالاتصالات الجارية، وبماهيّة الاتفاق بين زياد والأشْعَث، فأخبر الكنديين بذلك؛ فغادروا ساحة المَعْرَكَةِ بعد فقدان مبرّرِ قتالهم؛ كان الاستياء واضحاً عليهم، وعبروا عن ذلك بسبّ الأشْعَث ولعنه. ورجع عِكْرِمَةُ مسرعاً خوفاً من أنْ تستأثر قوات زيادٍ بالغنائمِ في حال دخولها الحصن وهم غائبون، فرجع والأشْعَث يجري الترتيبات النهائية، ولم يكن قد نزل من الحصنِ بعد؛ وعندما أبصر زيادٌ عِكْرِمَةَ، اتهمه غاضباً بالجبن والطمع في الغنيمة.

غضب عِكْرِمَةُ أشد الغضب، واتهم زياداً بالتسبب بهذه الحَرْب بسبب من سوء تصرفه بقضية الناقة، وأضاف بأنّه لولا مجيئه لكان تعرّض لسيوف الكنديّين، ولوقع في الأسر، وعزم على الرحيل في جنوده، فأعتذر إليه زيادٌ عمّا سلف من كلامه، وسوّى الإشكال معه.[26]

يكشف ما جرى بين زيادٍ وعِكْرِمَةَ ماهيّة العلاقة بين الجيوش الإِسْلاميّة آنذاك، إذ إّن علاقتها ببعضها كانت علاقة جيوش وقوات مستقلّة، وخضوعها لسُلْطان المدينة لم يكن خضوعاً لإدارة مركزيّة تشرف على إدارة مباشرة للعمليات العسكريّة، بل كان ثمة فسحةٌ في قرار القائد الميداني، وعلينا أن ننظر إلى جيوش ذاك الزّمانِ الإِسْلاميّة لا من خلال مَوْشُوْرِ رؤيتنا المعاصرة ومفاهيمنا عن الجيوش، وقيادات أركانها.

إذاً، قبل عِكْرِمَةُ من زياد اعتذاره، وعقب ذلك سلّم الأشْعَث نفسه لزيادٍ، فهمّ زيادٌ بقتله لأنّ اسمه لم يكن مثبتاً في لائحة الممنُوحين الأمان؛ فتساءل الأشْعَث هل يضطر طالب الأمان لغيره أنْ يسجّل اسمه في اللائحة، ثُمّ خوّفه ردّة فعل قبائل كندة.[27] وبعد ذلك دخل المسلمون الحصن، وشرعوا يأخذون المقاتلين، ويضربون رقابهم صبراً،[28] فسألوا مستغربين عن سبب ذلك؛ لاعتقادهم أنّ الأمان يشملهم، فجاءهم الجواب بأنّ الأمان لا يشمل إلا مجموعة صغيرة من أقارب الأشْعَث، عندها أدركوا خيانة الأشْعَث لهم.[29] ولن تكون الحالة الوحيدة في التاريخ الإِسْلاميّ، وغير الإِسْلاميّ الَّذِي يقوم القائد بخيانة شعبه بعد أن يورطهم بحروب دامية.

بلغ عدد القتلى سبعمئة،[30] وزاد زيادٌ في تنكيله في الأحياء عندما منع جثث القتلى من أنْ تُوارى، وتركها للحيوانات المفترسة؛ كان لهذا التصرف وقعٌ شديدٌ على الناجين من المجزرة، وبلغ السبي ألف امرأة.[31] أمّا الأشْعَث فإنه رُحّل أسيراً إلى أَبِي بَكْر، فطالب عُمَرُ بقتله، لكنّ الأشْعَث برّر ثورته بأنّ زياداً جار على قومه، فقتل منهم من لا ذنب له، فأنف من فعلته، وانتصر لقومه؛ وطلب من أَبِي بَكْر تزويجه أمّ فَرْوة بنت أبي قحافة ـ أخت الخَلِيْفَة نفسه ـ، وأكد له بأن هذا سيساعد على ضمان ولاء قبائل المنطقة للحركة الإِسْلاميّة، وتقول الرِّوايَات بأنّ الأشْعَث كان قد خطبها لمّا قدم على مُحَمَّدٍ، وأخّر الزواج إلى أن يقدم ثانيةً، ولما مات مُحَمَّدٌ تأخر هذا الزواج، ولهذا حسب هذه الرِّوايَة فإنّه طلب من أَبِي بَكْر ردّ زوجه.[32] من الواضح أنّ هذه الرِّوايَة إضافة لاحقة لتبرير عفو أَبِي بَكْر، لأنّ المؤرخين لم يفهموا استراتيجية أَبِي بَكْر القائمة على الاستمالة وقت الإمكان، والعنف عندما يتعذر الأمر.

        وافق أَبُو بَكْر على اقتراحه، فأطلق سراحه، وسراح من معه من زعماء كندة، وزوّجه أخته؛[33] فذهب الأشْعَث إلى سوق الإبل، وشرع بعَرْقَبة الجمال والنوق،[34] فقال الناس: «كفر الأشْعَثُ»، فلما انتهى من ذلك طرح سيفه، وقال: «إنّي واللَّه ما كفرت، ولكن زوّجني هذا الرجل أخته؛ ولو كان ببلادنا لكانت لنا وليمة غير هذه. يا أهل المدينة انحروا، وكلوا»، ثُمّ طلب من أصحاب الإبل القدوم لأخذ أثمانها.[35] لكنّ الوليمة الحافلة بالقتل كان قد قدّمها لزياد، عندما فتح له الحصن، وخدع مقاتليه، وقدّمهم على طبقٍ من ذهبٍ للقتل وقبض هو ثمنهم زواجاً ورخاءً؛ أمّا أَبُو بَكْر فسيندم في سويعات احتضاره على عفوه عن الأشْعَث،[36] ولعلّه تساءل وملاك الموت يقترب منه كيف له أن يزوّج أخته لِمَنْ خان شعبه.

الصدام مع أهل دَبا

بقي أنْ نذكر مَعْرَكَةً جرت مع أهل دَبا، ويرويها الواقدي في سياق حديثه عن المَعْرَكَةِ مع الأشْعَث، وسنرويها بلسانه، ونعرض رَأْينا.

بعد أنْ غادر عِكْرِمَةُ ـ الزاحف لإنقاذ ابن لَبِيد ـ نجرانَ بلغ صنعاء، وهناك تمكّن من جمع بعض المقاتلين، ثم سار إلى مأرِب، وفي غضون ذلك بلغ أهل دَبا أنباءُ زحف عِكْرِمَةَ لمحاربة الكنديّين، فأغضبهم هذا التحرك؛ لأنّ قبائل كندةَ تمتّ إليهم بصلة نسب العمومة؛ ولهذا قرروا طرد حذيفة بن عمرو ـ عامل أَبِي بَكْر ـ من بلدهم، الَّذِي ألتحق بعِكْرِمَةَ.[37] فلما وصل خبرُ طردِ حذيفةَ أَبَا بَكْر طلب من عِكْرِمَةَ معاقبة المتمردين دون رحمة، وإرسالهم إليه أسرىً، على أنْ يتابع مسيره بعد ذلك لنجدة قوات زياد المُحاصَرة.

        هنا نجد خللاً زمنيّاً في أحداث الرِّوايَة؛ ولهذا فهي تحتاج إلى تصحيح؛ فأولاً، لم يكن أَبُو بَكْر ليطلب من عِكْرِمَةَ ترك قوات إِسْلاميّة مُحاصَرة، ويتهددها الموت جوعاً، وعطشاً من أجل معاقبة قوم طردوا عاملاً له؛ ثانياً، إنّ المسافة بين مأرِب والمدينة والَّتِي تبلغ تقريباً 1000 كم لا تسمح لعِكْرِمَةَ بانتظار قرارِ أَبِي بَكْر، وكذلك المسافة بين مأرِب ودَبا شاسعة، والَّتِي تزيد على 1500 كم، حيث تقع الأولى في أرض اليمن، والثانية في أرض عُمان، فكيف لأَبِي بَكْر أنْ يعلم بوقت مناسب، وأنْ يقرر إرسال قوات نحو السّاحة الأبعد، في حين أنّ ثمّة ساحةً أقربُ جغرافياً، وفي حاجة لإمدادات عاجلة من المدينة خوفاً من إبادة جيش إِسْلاميّ. ورَأْينا أنّ أَبَا بَكْر لم يعلم بما جرى لعامل الحركة الإِسْلاميّة في دَبا إلّا بعد أنْ نفذَّ عِكْرِمَةُ مهمته وفكّ الحصار، فطلب منه أَبُو بَكْر التوجه إلى دَبا، وعلى هذا الأساس نضع تاريخ المَعْرَكَة عقب استسلام الأشْعَث واقتحام حصن النَّجَيْرِ.

بعد النَّجَيْرِ ـ حسب بنائنا للرّواية ـ، توجه عِكْرِمَةُ إلى دَبا، وهناك تصادم مع أهلها، فانتصرت فيها قواته، فأضطر المنهَزِمون إلى التحصّن في مدينتهم، ثُمّ إنّ عِكْرِمَةَ فرض عليهم حصاراً؛ وعند ذاك طلبوا من عاملهم السابق ـ حذيفة بن عمرو ـ الصلح مقابل دفع الزَّكاة، فبعث إليهم: «لا صلح بيننا وبينكم إلّا على الإقرار منكم أنّا على الحق، وأنتم على الباطل، وأنّ قتيلنا في الجنّة وقتيلكم في النّارِ، وعلى أنْ نحكم فيكم بما رأينا».[38]

نلاحظ أنَّ عرضهم للصلح ترافق مع استعدادهم لدفع الزَّكاة، مما يعني أنّهم لم يدفعوها حَتَّى ذلك الحين، ويكشف أنّ العامل الأساسيّ لطردهم حذيفة بن عمرو هو رفضهم دفع الزَّكاة ـ الضريبة ـ وأما مسألة تضامنهم مع قبائل كندة فهي مسألة أوحت بها لحظة تحركهم، ولعلّهم رأوا أنّ الكنديّين كانوا هم الغالبين على قوات المسلمين، وقرروا استغلال الفرصة للانعتاق من شبح سُلْطة المدينة المتمثل بعاملها، والتخلّص كلياً من دفع الزَّكاة، فطردوا العامل، وخصوصاً أنّ الحركة الإِسْلاميّة حققت نفوذها في عُمان نتيجة لصراعات محليّة فيها، وبمساعدة قبائل من خارج المنطقة، وليس طوعاً من قبل أهاليها، ولما رأى أهل دَبا أنّ كفة الميزان تميل لصالح جيرانهم الحضارمة اعتقدوا بأنّ يثربَ في حالة ضعف، وأنّ الوقت آن للانتفاض عليهم.

        وافق القوم على مبدإ أنّهم على باطل، فخرجوا من المدينة بدون سلاحٍ حسب طلب حذيفة أيضاً، فدخل المسلمون إلى حصنهم، فقتلوا أشرافهم، وسبوا نساءَهم وأولادهم، وأخذوا أموالهم، ووُجّه بالأسرى رجالاً، ونساءً، وأطفالاً إلى أَبِي بَكْر، فهمّ أَبُو بَكْر بقتل الرجال، فتدخل عُمَرُ، وقال إنّهم على دين الإِسْلام، لكنْ شحوا على أموالهم، وطالب بحبسهم والتريّث بأمرهم. وسيبقي الأسرى في الحبس إلى وفاة أَبِي بَكْر، حيث سيقوم عُمَرُ بإعطائهم حقَّ الذهاب أينما شاءوا عندما يستلم زمام السُّلْطَة؛ فرجع بعضهم إلى بلاده، وتوجه آخرون صوب البصرة بعد عمارتها.[39]

        بانتهاء معارك حَضْرمَوْت ـ دَبا، وهي امتداد لمعارك اليمن تمكنت الحركة الإِسْلاميّة من بسط سيطرتها على كامل الجَزِيْرة العَرَبِيّة تقريباً، خلا بعض الجيوب في البَحْرَيْن؛ وبذلك تطوى آخر صفحة من صفحات الرفض ـ الرّدة ـ في كتاب الحركة الإِسْلاميّة؛ ليبدأ فتح صفحات التوسع ـ الفتوحات ـ والَّتِي قيض لأَبِي بَكْر أنْ يخطّ صفحاتها الأولى بعدما تمكّن من تسطير الصفحات النّهائيّة لعملية مركزة الجزيرة العَرَبِيّة بيدِ الحركة الإِسْلاميّة.

ما بعد السَّيْطَرَة على الجَزِيْرَةِ العَرَبِيَّةِ

أ ـ تحشيد القبائل خلف قيادة المدينة

لقد ورث أَبو بَكْر تركةً ثقيلةً من مُحَمَّدٍ؛ إذ كان منوطاً به إدارة مجتمعٍ تتفاعل فيه أزمة سِيَاسِيّة عميقة، والَّتِي كانت امتداداً للحظة الانقسام الداخليّ في المدينة عقب الاسْتِيْلاء على مكّة، وتمايز مجتمعها بين الأنصار أهل المدنية، والمهاجرين؛ فبدأ الأوّلون يفقدون تأثيرهم على الحركة الإِسْلاميّة، وصاروا يشعرون أنّهم يفقدون سلطتهم على مدينتهم نفسها، الَّتِي أصبحت معقل هذه الحركة، بعدما بدا واضحاً أنّ زمامَ الأمورِ انتقلت عمليّاً إلى المهاجرين بعد الاسْتِيْلاء على مكّة، ومن ثم توسّع نفوذِ الحركة الإِسْلاميّة، وانضمام النخبة القرشيّة لِمُحَمَّدٍ، لكنْ كنخبةٍ، لا كأتباع عاديّين.

ما جعل الوَضْع يميل للاستقرار في حياة مُحَمّدٍ هو استراتيجيّته الناجحة عبر توجيه المقاتلين نحو تخوم الشّام، والسّيطرة القويةّ الَّتِي كان يتمتع بها، لأنّه حاملُ رسالةِ السماءِ، ويتلقى دعمها؛ ومجريات الأحداث نفسها خدمت استقرار مثابته ـ يثربَ ـ عندما شرعت وفود القبائل العَرَبيّة بالقدوم إليه مقرةً بنفوذه مقابل ألّا يعرضهم لضربات جنوده؛ وهذه الوَضْعية، وإذ سمحت له بتجاوز الأزمة السِيَاسِيّة في المدينة، الَّتِي كانت قد دفعته للقيام بحملة تَبُوْك، إلّا أنّها خلقت صعوبة أخرى لِمُحَمَّدٍ، وهي كيف له أنْ يدعم كيانه السِيَاسِيّ الناشئ اقتصاديّاً، وقد أدرك مُحَمَّدٌ خطورة المشكل الاقتصاديّ في سنتيْه الأخيرتيْن، وذلك بعدما أعلنت قبائل بَدَوِيّة الولاء له، ودخلت في السّلم الإِسْلاميّ على حد تعبير وات، وامتنعت عن القتال فيما بينها، فلم يعد ممكناً لهذه القبائل التعويض عن عجزها الماديّ بالإغارة على جارتها، وإذا كان يجب استمرار السّلم الإِسْلاميّ، فلا بدّ من المحافظة على مستوى المعيشة، ولهذا مسّت الحاجة لمصدرٍ جديدٍ للرزقِ. وربّما رأى مُحَمَّدٌ لبعض الوقت الحلّ في تنمية التّجارة، فنشأت تجارة بين المدينة وسوريا، غير أنّ المصادر لا تتحدث عنها إلّا نادراً مما يدلّ على أنّها لم تكن لها أية أهميّةٍ.[1] ورحل مُحَمَّدٌ، ولم يكن قد وجد حلاً شافيّاً لهذه المسألة المعضلة؛ وعلى أساس هذا المعطى نحن ننظر إلى التحرك الرافض لسلطة الإِسْلام بعد وفاته كنتيجة إلى أنّ السّلم الإِسْلاميّ الَّذِي بناه، والَّذِي كان يشترط كبح هجمات القبائل على بعضها، قد ألحق ضرراً أيضاً بالمصدر الماليّ للقبائل البَدَوِيّة، والَّتِي كانت الغارة أساس حياتها الاقتصاديّة، ولم يكن مُحَمَّدٌ قد سلك درب الفتوحات بعد، مما يسمح للقبائل المنضوية تحت لواء السّلم الإِسْلاميّ بالائتلاف فيما بينها، والتعاضد. وإذا كان سبب ولائها الرئيس لِمُحَمَّدٍ يعود إلى رغبتها في المحافظة على كياناتها القَبَليّة، فإنّ هذه العلاقة أدت إلى إغلاق المصدر الماليّ لحياة القبيلة وقضي عليه بالدّمار، مما عنى أنّ انسحابها من علاقتها بمُحَمَّدٍ ـ السلم الإِسْلاميّ ـ صار أمراً لا مفرَّ منه بعدما بدا أنّ الأيام ستقلب لها ظهر المِجَنِّ فاقةً وجوعاً؛ وأخذاً بهذه العوامل فإنّنا نعتقد أنّ مُحَمَّداً كان سيخوض بدوره حروب الردة لو بقي على قيد الحياة؛ لأنّ الظروف الداخليّة في الجزيرة العربيّة لم تكن تسمح له بعد بتوجيه جيوشه بشكلٍ منهجيٍّ نحو الفتوحات. وفقط في المرحلة الثّانية لعهد أَبِي بَكْر ـ بعد السيطرة على حَضَرْمَوْتَ ـ تهيأت الظروف الداخليّة في الجَزِيْرة العَرَبِيّة لهذا الطور الَّذِي لم يعد بمستطاع أحد تجاهله وإلّا غامر بتقويض الدّوْلَة الإِسْلاميّة وهي في المهدِ.

        على الرَّغْمِ مِنْ أنّ مُحَمَّداً لم يخطُ نحو الفتح، إلّا أنّه كان يستشعر ضرورة اتباع سياسة التوسع، ولهذا أسَّس لها عقائديّاً قبل وفاته، كما يدل عليه تزايد الطابع العسكريّ للحركة الإِسْلاميّة منذ عقد صلح الحُدَيبِيَة، وانعكاسه في فكر مُحَمَّدٍ، الَّذِي أصبح قائداً عسكريّاً، ونبيّاً مؤيداً من اللَّهِ، كختام نهائيّ للمعركة الَّتِي بدأها منذ الهجرة. وبعد رحيله كان مطلوباً من خليفته المحافظة على الإنجازات الَّتِي تحققت، ومواجهة ثلاث حركات، كل منها بزعامة كاهنٍ ـ زعيمٍ قَبَليٍّ: حركة مُسَيْلِمة في الْيَمَامَةِ، وحركة الأسود العَنْسيّ في اليمنِ، وحركة طُلَيْحَة في بني أسدٍ. كان يتأتى على الخليفة متابعة خطِّ مُحَمَّدٍ، وأنْ يحملَ سمات نَبَوِيّة في نفس الآن؛ بشرط أنْ يصبح هذا الخليفة نبيّاً مقاتلاً محضاً؛ إذ كان يجب في هذا الطور على السّماء أنْ تدعم، وتبارك معارك قوات المسلمين بعد انتهاء عصر الوحي. والمتتبع لسيرة مُحَمَّدٍ يجد أنّ هذا الطور كان ينضج تدريجيّاً في حياته كما تعكسه بجلاء آيات سورة التوبة، والَّتِي تنمّ عن إدراك واضح يرى أنّ القوي ليس قويّاً بما فيه الكفاية، حَتَّى يُحَوّل قُوَّتَه إلى حَقٍّ وطاعتَه إلى واجبٍ.[2]

        إنّ الحركات الَّتِي سمّتها التواريخ الإِسْلاميّة ردةً لم تكن بأيّ معنىً من المعاني تندرج ضمن هذا الوصف، فحركة مُسَيْلِمةَ، وطُلَيْحَةَ، والعَنْسيِّ كلها كانت في حياة مُحَمّدٍ نفسه، ولم يكن أصحابها أو أتباعهم قد أقروا بالإِسْلام قط، ونحن لا نستطيع تقدير مصير الحركة الإِسْلاميّة لو أنّ محمّداً بقي على قيد الحياة، لا شك إنّ مسار الأحداث كان سيفرض على حركة الإِسْلام التصادم مع هذه الحركات، بحكم أنّ يثربَ كانت في طور نشوء دولة، ومن أعراض نشوء الدول التوسّع، لكنّنا نعرف بأنّه لم يكن ثمة أيُّ تحركٍ مضادٍ إلّا باتجاه حركة العَنْسيّ، مع ذلك لم يرقَ هذا التحرك نحو إرسال جيشٍ إِسْلاميٍّ. وربما لو بقي مُحَمَّدٌ حيّاً لما دخل مجتمع المدينة الأزمة الداخليّة الحادة.

إنّ حدة الأزمة، وعمقها، والَّتِي تمخضت عن اجتماع السَّقِيْفَة دفعت قادة الإِسْلامِ للتّحرّك بسرعة، إذ كان يمكن في حال وجود أزمة داخليّة أقلّ تعقيداً أنْ يكون التّحرك أبطأ. إنّ تحرك المدينة المسلّح، والسريع كان يهدف للاستجابة للتداعيات الَّتِي أدت إليها وفاة مُؤَسِّس الإِسْلامِ، أيْ إنّ الوفاة حرّضت استجابة المدينة المسلحة، والسريعة؛ ولهذا كان مدى اهتمام قيادة المدينة بالتوسّع باتجاه المناطق المجاورة يتناسب مع عمق التوتر الداخليّ الَّذِي نشأ بعد وفاة مُحَمَّدٍ، والَّذِي تجلى بصورٍ شتى بدءاً من الخلاف حول مكان دفن جثمان مُحَمَّدٍ حَتَّى مسألة تعيين الخليفة، لا سيّما أنّ الاجتماع أسفر عن تعيين قرشيٍّ في موقع القرار. فكان من الضروري البحث عن الوسائل الكفيلة برصّ الجبهة الداخليّة، وتوفير مصادر ماليّة للمدينة ومكّة، اللتيْن تضررتا في حربهما الطويلة ذات الأعوام التسعة؛ فدخلت قيادة المدينة ـ مكّة في صراعها الأوّل لتحصيل الضريبة الضروريّة لها ـ الزّكاة ـ، وإذ تمكّنت من السيطرة على بني أسدٍ، وغطفانَ، وهزيمة طُلَيْحَةَ، فإنّها وجدت نفسها مدفوعة بحركة داخليّة ـ ذاتيّة للاستمرار في عمليّة إخضاع بقيّة الجزيرة العَرَبيّة من أجل تسكين القبائل المهزومة، ولتقديم التعويض لها على الإتاوَة ـ كما سمّاها زعماء القبائل ـ الَّتِي يتوجب دفعها للمركز الإِسْلاميّ.

كلّما حققت دولة المدينة نصراً على قبيلةٍ، كلّما وجدت صعوبة في الاكتفاء بما تحقّق، ولم تستطع وقف آليات التوسّع. وبعد أنْ خضعت الجزيرة العَرَبيّة كلها لسُلْطة المدينة وإنْ كان بشكلٍ نسبيٍّ، اكتشفت القيادة الإِسْلاميّة صعوبة خلقِ لحمة داخليّة في الجَزِيْرة العَرَبِيّة تحت راية الإِسْلام دون توفير الأسس الضروريّة لبقاء الوحدة السِيَاسِيّة، أي الرّابطة الاقتصاديّة؛ إذ لم يكن مقبولاً بالنسبة للقبائل الاستمرار بدفع الزّكاة إلى المدينة ودون أنْ تكسب شيئاً من هذه العلاقة، ودون أنْ تتلقى تعويضاً عنها، ولم تكن المدينةُ قادرةً على أخذ الزكاة بشكلٍ دائمٍ دون أنْ تجازف بخطر تفجّر صراعٍ مسلّحٍ غيرِ قابلٍ لِلسيطرة مع تلك القبائل؛ إذ لم يكن شكل الإنتاج في الجَزِيْرة العَرَبِيّة يسمح لنخبة الحركة الإِسْلاميّة بالحصول على مداخيل بصفة ضرائب تُفرض على السكان، أو بواسطة استغلالٍ اقتصاديٍّ متطورٍ، وغيرها من وسائل نهب السكان؛ ولهذا كانت سياسة الفتح (التوسّع) هي الوسيلة الوحيدة من أجل الحفاظ على مداخيل زعماء المدينة ومكّة من جهة، وتوفير مداخيل لزعماء قبائل الجَزِيْرة العَرَبِيّة، الَّتِي خضعت كرهاً أو طوعاً لحركة الإِسْلام. ومنذ الآن سيتعيّن على الدّوْلَة الإِسْلاميّة أن تتوسّع باستمرار كي تتمكن نخبها من الحصول على المداخيل؛ وقد اشترط ذلك المحافظة على وحدة الدّوْلَة الإِسْلاميّة. لكنْ عندما توقفت الفتوحات لاحقاً نتيجةً لعواملَ عديدةٍ، انتفت دوافع وحدة الدّوْلَة الإِسْلاميّة لأنّ النخب الحاكمة لم تعد بحاجة لهذه الدّوْلَة الواحدة من جهة؛ ولأنّ الشروط الموضوعيّة قد تبدلت. وهذا هو العامل الَّذِي مهّد لقيام الدّوْلَة الإِسْلاميّة والَّذِي سيلعب فيما بعد دوراً رئيساً في تفكيكها. فمنذ البدء حملت الدّوْلَة الإِسْلاميّة في بنيتها سقوطَها الحتمي وتفككَها. وقد بدأت ملامح انهيار دولة الإِسْلام بالتّكشّف عبر الصّراع الداخليّ الَّذِي نشأ بعد توقف الفتوحات، والَّذِي تمظهر بصراع الباديّة ـ حاضرة، أو البَدَوِيّ ضد الحَضَرِيّ.

كما كان ثمة حاجة شديدة لتجاوز معضلة «لكنّ قريشاً قوماً يعتدون»، والحواجز القَبَليّة، ولإيجاد وسيلة تربط قبائل الجَزِيْرة العَرَبِيّة زمن أبى بكر تحت راية الإِسْلام ـ المُوَحِّد الأيديولوجيّ ـ، وفرض عَصَبِيّة قريشٍ كعَصَبِيّةٍ قائدةٍ لهذا التحرك، ولم يكن هناك من أداةٍ أخرى لربط الكيان الناشئ إلّا الغزو (الفتح)، إذ كانت الجَزِيْرة العَرَبِيّة تفتقد مقومات الوحدة الداخليّة، فهي مجزأة قَبَليّاً، وكياناتها السكانيّة متشظيّة بسبب طبيعتها الاقتصاديّة (المشاعيّة الصحراويّة) لأغلب قبائلها الَّتِي لا تقبل التلاحم مع المجموعات القَبَليّة الأخرى. وقد أثبتت سياسة الغزو لاحقاً أنّها كفيلة بتجاوز التشظيّ القَبَليّ عندما وحّدت مصالح القبائل العَرَبيّة، وجعلت عمليّة قيام مجتمعٍ مُوَحَّدٍ أمراً ممكناً وإنْ كان على نحوٍ نسبيٍّ؛ فتشكلّت اللحمة الاجتماعيّة الضروريّة للمجتمع الإِسْلاميّ. ويبدو أنّ التوجه نحو إسبانيا فيما بعد كان مدفوعاً بعامل مشابه، إذ وجد الفاتحون العرب المسلمون أنّ من الأفضل لهم استيعاب القبائل البربريّة بهذه السِيَاسِيّة الناجعة، وخصوصاً أنّ البربر قاوموا ببسالة الجيوش الإِسْلاميّة؛ وذلك لعدم تقبّل التكوينات الاجتماعيّة البربريّة للسُلْطَة، مثلها مثل القبائل البَدَوِيّة في الجَزِيْرة العَرَبِيّة ذات النزعة اللَّقاحيّة (نزعة رفض الخضوع للسُلْطَة)، وهذا خلافاً لما جرى في العراقِ والشّامِ، اللذين لم تلقَ فيهما جيوش العرب المسلمين مقاومةً من قِبل الأهالي، كونهم كانوا خاضعين لدولتيْن استبداديتيْن (فارس وبيزنطة).

كانت المهمات الَّتِي تصدى لها أَبُو بَكْر في البداية تتعلق بالشأن الداخليّ، ونتيجة لهذا التحرك ـ حروب الردة ـ حدثت مركزة الجَزِيْرة العَرَبِيّة، وهي لم تكن هدفاً واضحَ المعالمِ في رءوس قادة الإِسْلام، بل نتجت عفوياً. كما أنّ الدّوْلَة الإِسْلاميّة تشكّلت بدورها عبر ممكنات المسارات التَّارِيْخيّة للحركة الإِسْلاميّة، لا عبر المخطط الواعي للقيادة الإِسْلاميّة، سواءٌ كان ذلك في عهد مُحَمّدٍ أو خلفائه من بعده؛ إذ كانت أهداف الحركة تتمثل للقيادة الإِسْلاميّة نتيجةً لما تمليه الظروف الموضوعيّة، وكانت الحصيلة شيئاً من الواضح أنّ قيادة الحركة الإِسْلاميّة لم تكن تتوقعه.

لقد استغلّ أَبُو بَكْر التناقضات الحادة في كلِّ تكوين قَبَليّ في الجَزِيْرة العَرَبِيّة، فتمكّن من بسط سيطرته عليها بشكل شبه محكم؛ لكنّ كانت هذه المجتمعات القَبَليّة غير مستقرة؛ وعندما سعت بعض الأطراف للتحالف مع المدينة كانت تهدف لتحقيق انتصارات على منافسيها القَبَليّين، وبعد أنْ تمكّنت الأجنحة المتحالفة مع الحركة الإِسْلاميّة من إقصاء خصومها كانت الخطوة التّالية بالنسبة إليها ودون شك هي التخلّص من شبح هيمنة المدينة للحفاظ على استقلال مجتمعاتها، وكان هذا هو التناقض الخطير الَّذِي توجب على أَبِي بَكْر معالجته بسرعة. كما أنّ الإشكال الَّذِي واجه أَبَا بَكْر بعد نجاح عملية السيطرة على الجَزِيْرة العَرَبِيّة، تركّز في أنّ سيرورة بناء الدّوْلَةِ الجديدةِ تشترط أنْ تكون قوةً توسعيّةً، وتنبني السِيَاسِيّة التوسعيّة على الفعاليّة العسكرية، وهذا صحيح ليس فيما يتعلق بالدّوْلَة الإِسْلاميّة وحسب، بل بنشوء كافة الدول، حَتَّى العصر الحديث، فلم يقدم لنا التّارِيْخ مثالاً واحداً نشأت فيه دولة دون أن تمارس سِيَاسِيّة توسعيّة في مرحلة نشوئها المبكرة. وأَبُو بَكْر الَّذِي كان يلتقط بحس عالٍ متطلبات اللَّحظة التَّارِيْخية عمل على تطويع الممكنات المتاحة بما يخدم هدف التوسع كشرطٍ لا بدّ منه لقيام دولة الإِسْلامِ؛ ولهذا لا يمكننا وضع خط حديّ بين حروب الرّدة، وحروب الفتح. إنّ التمييز المفهوميّ غيرُ ممكنٍ هنا، إذ إن هذيْن الطوريْن متداخلان في الحركة التَّارِيْخية الفعليّة، وهما متكاملان لأنّ الحركة التَّارِيْخيّة متكاملة، وهذا الفصل مضلل؛ لأنّه يعتمد على المعتقد الدينيّ، وأساسه المنهجي خاطئ؛ ولهذا فنحن نجد أنّ حروبَ الفتحِ في منطق حركة التَّارِيْخ امتدادٌ لحروب الرّدة، فكانت هذه الحروب بجملتها تجليّات نشأة الدّوْلَة الإِسْلاميّة.

ب ـ كبح النزعة العَصَبِيّة

        كانت العَصَبِيَّة إحدى أخطر العوامل في تغذيّة الصّرّاعات الَّتِي خاضتها حركة الإِسْلامِ. ففي شروط مجتمعات الجَزِيْرة العَرَبِيّة كانت الجماعة تحالفاً طبيعيّاً؛ حيث كانت تتشكّل من أفرادٍ تربطهم صلة القُرْبَى (الجد المشترك)، وقد تأسَّست هذه العلاقة القَرابيّة على واقع أنّ الجَزِيْرة العَرَبِيّة الواسعة الأرجاء كانت خاليّةً من الشروط الطبيعيّة من أجل تشكّل الدّوْلَة، وبالأخص طبيعتها الصحراويّة، فأصبحت العَصَبِيّة القَبَليّة شكلاً وحيداً لحماية الفرد بحكم غياب أيِّ حامٍ خارج الجماعة؛ وبهذا تكون العَصَبِيّة القَبَليّة شكلاً سِيَاسِيّاً ناتجاً عن ظروف الجَزِيْرة العَرَبِيّة الاقتصاديّة. ونحن نتبنى الرؤية الخَلْدُونيّة لِلعَصَبِيّة، الَّتِي تنظر إليها من حيث الدور الَّذِي تقوم به في الدفاع عن الجماعة، وتلبية الحاجة إلى الحِمايَة، والمدافعة، والمطالبة، وكلِّ أمرٍ يُجتمع عليه؛[3] أيْ باعتبارها تقوم في الباديَة بنفس الدور الَّذِي تقوم به الحامية، والأسوار في المدن، وهي ـ العَصَبِيّة ـ رابطةُ دفاعٍ، أو قوةُ مواجهةٍ؛[4] ولهذا فإنّ الرابطَ العَصَبِيّ يقوى في مناطق القفار، ولدى القبائل العَرَبيّة الَّتِي هي أقرب للبدواة، البعيدة عن المجتمعات الزّراعيّة مثلما في مُضَرَ من قُريشٍ، وكنانةَ، وثقيفٍ، وبني أسدٍ، وهُذَيْلٍ، بينا تغيب العَصَبِيّة في المجتمعات ذات الظروف الملائمة للزراعة، مثل: حِمْيَرَ، وكهلانَ، لخمِ، وجُذَامَ، وغسّانَ، وطيِّىءٍ، وقُضاعة وإيَادَ.[5] ففي تلك المجتمعات البَدَوِيّة أو شبه البَدَوِيّة؛ فإنّ العَصَبِيّة هي الضمانة الوحيدة لاستمرار الحياة القَبَليّة، كما أنّها الضمانة السيا ـ اقتصاديّة للفرد في القبيلة، فبدون توفّر الحِمايَة للفرد فإنّ حياته تصبح مستحيلةً.

        العَصَبِيّة ليست شكلاً مُحَدِداً للوجود الاجتماعيّ، بل هي شكلٌ عاكسٌ لطبيعة هذا الوجود، لكن في أحيان كثيرة تبدو النتيجة سبباً، ويعود هذا إلى أنّ النتيجة ـ العَصَبِيّة هنا ـ تمارس دوراً فاعلاً على الظروف الَّتِي أنشأتها في إطار عملية التفاعل بين السّبب والنتيجة، وهذا ما شَوّش على طه حسين، فقال: «نفست قحطانُ على عدنانَ أنْ يكون لها نبيٌّ من دونها، فظهر فيها الأسود العَنْسيّ، ونفست ربيعة العدنانيّة على مضرَ أنْ تستأثر من دونها بالنّبُوّة، ونفست أسدٌ وتميمٌ المضريتان أنْ تستأثر قُرَيشٌ بالنّبوّة من دون سائر مضرَ، فظهر طُلَيْحَة في بني أسدٍ، وظهرت سَجاح في بني تميمٍ»؛[6] هنا ينظر طه حسين للحركات المناوئة للإِسْلام في إطار التنافس العَصَبِيّ، وغاب عنه أنّ الأساس الَّذِي تقوم عليه الرابطة العَصَبِيّة هو المصلحة المشتركة الَّتِي تشكل فيها أمور المعاش العنصر الرئيس والفعّال؛ فالصّراع العَصَبِيّ، ذو طبيعةٍ اقتصاديّةٍ على الرَّغم مما يتقنع به من اعتبارات معنويّة ومظاهر سيكولوجيّة واجتماعيّة.[7]

        لم يهدف قادة الإِسْلام في أزمنة حروب الردة والفتوحات إلى تحطيم العَصَبِيّات القَبَليّة، بل سعوا لصهر هذه العَصَبِيّات في إطار بوتقةِ عَصَبِيّةٍ كبرى تتأطّر بأيديولوجيا الإِسْلام، مقابل أنْ تحافظ كلُّ عَصَبِيّةٍ على وجودها، والحركات الَّتِي أوحت بأنّ أنبياءها تحركوا من أجل المنافسة على النّبُوّة في حلبة التنافس العَصَبِيّ، هي في الحقيقة دفاع التكوينات الاجتماعيّة ـ القَبَليّة عن شكلِ وجودها، ونمط حياتها في وجه حركة نامية تسعى لتذويب العَصَبِيّات في إطار أيديولوجي فوق ـ عَصَبِيّ على المستوى النظراني. وبهذا أخذ الصراع أحياناً هذا الشكل الظاهر، شكلَ حربٍ بين عَصَبِيّات، مثلما ما تخبرنا به رواية من أنّ رجلاً انضم إلى مُسَيْلِمة على الرَّغْمِ مِنْ عدم تصديقه نبوّته، قائلاً له :«أشهد أنّك كذابٌ وأنّ محمّداً صادقٌ، ولكنّ كذّابَ ربيعةَ أحب إلينا من صادقِ مُضَرَ»، وفي رواية أخرى عند الطبري: «كذّاب ربيعة أحبّ إليّ من كذّاب مضر».[8] إذ بدا للرّواة كأنّ الصراعَ هو صراعُ عَصَبِيّاتٍ، ولا شك إنّه بدا كذلك حَتَّى لمقاتلي الأطراف المتصارعة، فالرجل الَّذِي انضم لمُسَيْلِمة دفاعاً عن عَصَبِيّته الرَبعيَّة، انضم للدفاع عن شكل حياته، ونمط وجوده، والَّذِي ارتبط كلّيّاً بوجود قبيلته.

        بغض النظر عن طبيعة العَصَبِيّة، وسبب منشئها فنحن لا نستطيع التقليل أبداً من دورها في نشأة الحركة الإِسْلاميّة، وفيما بعد في قيام الدّوْلَة الإِسْلاميّة، فسلامة مُحَمَّدٍ أثناء فترة الدعوة المَكّيّة تعود إلى أنّ عَصَبِيّته دافعت عنه، وبالرَّغْمِ مِنْ وجود من لا يوافق على عقيدته من أفراد أسرته، لا بل إنّ أبا لهبٍ الَّذِي ندّد به القرآن بشدة بسبب ما كان يُعَرف عنه عداؤه الحاد لِمُحَمّدٍ ضرب ابن الغيطلةَ لأنّه تعرّض لابن أخيه ـ مُحمّدٍ ـ بعد موت أبي طالب، الَّذِي كان يحمي مُحَمَّداً، وأعلن أبو لهب سببَ ضربه ابنَ الغيطلةِ واجبه الدفاع عن ابن أخيه، ومنع الضيم عنه، وليس إقراراً بالإِسْلام، ثمّ توجه إثْر ذلك إلى ابن أخيه، وقال له: «يا محمّد امضِ لما أردت وما كنتَ صانعاً إذا كان أبو طالب حيّاً فاصنعه، لا واللاّت لا يوصل إليك حَتَّى أموت!»،[9] ويمكن ملاحظة أنّ حمزةَ أعلن إِسْلامه جرّاء حادثٍ مشابه. وهذا ما دعا ابن خَلْدُون لملاحظة أنّ من شروط النّبُوّة هو أنْ يكون النّبِيّ في مَنَعَةٍ في قَوْمِهِ، وتمتعه بعَصَبِيّة تحميه على الرَّغْمِ مِنْ تأييد اللَّه له؛[10] فاللّه يهيئ الحِمايَة لأنبيائه من بيئتهم، وفي شروط الجَزِيْرة العَرَبِيّة حماية اللَّه لنبيّه تكون بالعَصَبِيّة ذات الشوكة.

        أمّا فيما يتعلق بدورها في نشأة الدّوْلَة الإِسْلاميّة، فيعود إلى أنّ صدام العَصَبِيّات كان يهدّد بتقويض الدّوْلَة الناشئة، ولهذا فإنّ حركة الفتح، أو التوسّع خارج الجَزِيْرة العَرَبِيّة كانت تهدف لخلق عَصَبِيّة كبرى، عبر خلق الأسس الضروريّة لها، ودورها الهام هو أنّ التناقض الحاد بين عَصَبِيّات الجَزِيْرة العَرَبِيّة خلق هذه الحركة التَّارِيْخية التوسعيّة الكبرى. وقد وصف ابن خَلْدُون ظاهريّة هذه السيرورة، برؤيته أنّ كلَّ حيٍّ أو بطنٍ يشتمل على نسبٍ عامٍ، وفي داخل هذا النسبِ تتواجد عَصَبِيّات أخرى (مثل عَشِيرٍ واحدٍ، أو أهل بيتٍ واحدٍ، أو إخوة بني أبٍ واحدٍ)، وهو ما أطلق عليه تسمية النسب المخصوص، والرِّئاسَة تكون في عَصَبِيّة واحدة من النسب العام؛ والعَصَبِيّة الَّتِي تتولى الرّئاسَة تكون أقوى العصائب، وهي تنتقل من فرعٍ إلى فرعٍ على أساس القوة، ثُمّ إنّ الرّئاسة تتحول إلى مُلْكٍ بعد أن يبلغ صاحب العَصَبِيّة السُّؤْدَدِ والأتباع، وهذا عبر التحام عَصَبِيّات القبيلة الواحدة في عَصَبِيّة كبرى، مما يساعد على تجاوز الاختلاف والتنازع الداخليّ. وتستمر العَصَبِيّة في هذا المسار إلى أنْ تتصادم مع العَصَبِيّات الأبعد ثم الأبعد عنها، وتسيطر عليها، وفي ختام هذه الحركة تبلغ العَصَبِيّة ذات الشوكة مستوى الدّوْلَة.[11]

        هذا هو الوصف الظاهراتي الخَلْدُونيّ لدور العَصَبِيّة في نشأة الدّوْلَة الإِسْلاميّة، والَّذِي قُبض فيه جيداً على الحركة الظاهريةّ لِسيرورة تكوّن دولة الإِسْلام الأولى، كما التقط جانباً فعالاً في دفع هذه السيرورة قدماً أيضاً، وذلك عندما عيّن الشرط الَّذِي يسمح للعَصَبِيّة بلعب دورها التَّارِيْخي، وهي تنحصر في أنْ يكون النّاس أحراراً من كلِّ سُلْطَة خارجيّة، سواءٌ كانت سُلْطَة الدّوْلَة أو سُلْطَة عَصَبِيّةٍ مستبدةٍ،[12] أيْ المجتمع المتحرر من سُلْطَة الدّوْلَة، وهو المجتمع الَّذي تسيطر عليه النزعة اللَقاحية.

إنّ قيام الدّوْلَة الإِسْلاميّة ارتبط بتطوّر وبتبلور المُلْكِيَّة الخاصة في الجَزِيْرة العَرَبِيّة؛ ولهذا تأسَّست الدّوْلَة الإِسْلاميّة على أرضيّة التجمعات الأكثر حضارةً في الحِجَاز (مكّة، يثرب، الطائف)، والَّتِي كانت تعيش مرحلة تجاوز العلاقات الاقتصاديّة القديمة، بعدما نَمَتْ ثرواتها بشكلٍ كبيرٍ، لاسيّما ثروات القرشيّين. وقد دفعت هذه التجمعات بسيرورة تكون الدّوْلَة قدماً. وكانت لعَصَبِيّة قريشٍ نصيب الأسدِ في نشأة الدّوْلَة الإِسْلاميّة، حَتَّى بدا للبعض أنّ الدّوْلَة الإِسْلاميّةَ هي دولةُ قريشٍ.[13] لكنّ الواقع هو أنّ الدّوْلَة الإِسْلاميّة ارتكزت على العَصَبِيّة القرشية، فكانت قريشٌ مجردَ الأداةِ التَّارِيْخيةِ وحسب، وقيام الزّعامة القرشيّة بإدارة شئونها لا يعني أنّ الدّوْلَة لها؛ فالدّوْلَة هي منظمة سِيَاسِيّة في المجتمع ذي المصالح المتضادة، وهي تأخذ شكلَ هيئةٍ سِيَاسِيّةٍ لأجل القيام بالشئون العامة الناجمة عن طبيعة كلِّ مجتمعٍ، وهذه الضَّرُوْرَة هي الَّتِي تقرر ظهور الدّوْلَة بوصفها وحدة سِيَاسِيّة تشمل جميع الوحدات الاجتماعيّة (البدو، الحضر، الطبقات الخ). وفي الوقت نفسه يؤمّن كيانُ الدّوْلَة القيادة السِيَاسِيّة، كقاعدة لأقوى وحدة على الصعيد الاقتصاديّ، وهذه الوحدة تستغل السُلْطَة السِيَاسِيّة الَّتِي تستولي عليها لأجل تعزيز وترسيخ مواقعها بإطراد. ولهذا قادت قريشٌ سيرورة نشوء الدّوْلَة الإِسْلاميّة وقامت بدورٍ محوريٍ في هذه العمليّة بحكم زعامتها الاقتصاديّة والدينيّة في الجَزِيْرة العَرَبِيّة قبل ظهور الإِسْلامِ؛ فتراءى أنّ الدّوْلَة الناشئةَ هي دولةُ قريشٍ. وقد تطوّرت الأرستقراطيّة القرشيّة نحو الأرستقراطية الإِسْلاميّة على أساس عوامل قوتها، وقَنّنَ الصحابة المهاجرون هيمنةَ قريشٍ سِيَاسِيّاً اعتماداً على حديث نَبَوِيّ يحصر الخِلافَة في قريشٍ، أيْ: استناداً إلى قاعدة دينيّة جعلت عَصَبِيّةَ قريشٍ عَصَبِيّةً قائدةً للدولةِ الإِسْلاميّة.

كانت ثمّة مشكلتان تجابهان القيادة الإِسْلامِيّة بعد معركة حَضْرمَوْت ـ دَبا؛ أولاهما، تحشيد القبائل العَرَبِيَّة في الجَزِيْرَة العَرَبِيّة خلف قيادتها؛ وثانيتهما، السيطرة على النزعة العَصَبِيَّة، كان كلُّ عاملٍ بمفرده كفيلاً بتقويض الإنجازات المحققة؛ فرأت القيادة أنّ من الضروري متابعة حروب الردة، وكانت هذه الضَّرُوْرَة تبحث عن منافذ لها.

إنّ الضَّرُوْرَة تتحقق في أحيان كثيرة عبر الصّدْفَة؛ فالحركة التَّارِيْخية هي تركيب جدليّ للضَّرُوْرَة والصّدْفَة، ولا يمكن في دراسة التَّارِيْخ فصلهما عن بعضهما بعضاً، حيث إنّ الصّدْفَة التَّارِيْخية هي تقاطع سلاسل العلاقات السَّبَبِيَّة المستقلّة عن بعضها البعض، فتصبح الصّدْفَة امتداداً للضَّرُوْرَة، وشكلاً يتجلى فيه لا العامل السببيّ المفرد، وحسب، بل جملة العوامل السَّبَبِيَّة الَّتِي تصنع الحدث التَّارِيْخي، فكما مر معنا سابقاً لعبت الصّدْفَة التَّارِيْخية دورها في وصول يثربَ إلى مُحَمَّدٍ، الَّذِي كان يبحث عن الحلفاء، والصّدْفَة الَّتِي جرت هنا كانت لحظة تقاطعت فيها ظروف يثرب الاجتماسيّة، وظروف الدعوة الإِسْلاميّة في مكّة. كما نجد أنّ الصّدْفَة قابعة في عملية اغتيال الأسود العَنْسيّ، إذ كان الدور الأبرز في العملية دور آذاد، والَّذِي كان حاسماً في إنجاح العمليّة، ونحن نجد أنّ مُحَمَّداً كان قد تزوّج صَفِيَّة بنت حُيَيّ بن أخطب ـ أحد زعماء خيبر ـ بعيد أسرها؛ ومع ذلك نجى من عواقب هذا الزّواج، والتدقيق في الأمر يظهر لنا أنّ عدم تعرضه لمحاولة اغتيال مشابهة يعود لعوامل الصّدْفَة التَّارِيْخية، الَّتِي أنقذته من العواقب الممكنة، إذ كان يمكن لصَفِيَّةَ أنْ تلعب دور آذاد لو وجدت خليّة متآمرة داخل قيادته قررت استثمار نقطة الضعف هذه في حياة مُحَمَّدٍ؛ فالسبب الداخليّ كان قائماً، بينا كانت العوامل الخارجيّة غائبةً. بمعنى أنْ نجاح اغتيال العَنْسيّ والسيطرة على تمرده يعود لالتقاء عوامل سببيّة (صراع في القيادة على السُلْطَة، وزوجة ناقمة، رفض الأبناء للتنازل عن وضعهم المميز، حاجة المسلمين لمنافذ يعبرون منها إلى اليمن).

إذاً، تملك الصّدْفَة دوراً ملموساً في حركة التَّارِيْخ، ويجب عدم التقليل منها، إنّما في إطار تقاطع العوامل السَّبَبِيَّة. ومن هنا فإنّ دراسة العوامل السَّبَبِيَّة هي الَّتِي تقودنا لاكتشاف الصّدْفَة، وتحديد نقطتها في إحداثيات العوامل السَّبَبِيَّة أو في مخطط الحركة التَّارِيْخية؛ مما يعني أنّه كان يمكن أن تؤدي العوامل السَّبَبِيَّة إلى نتيجة مغايرة لو كان التقاء العوامل السَّبَبِيَّة (الصّدْفَة) قد حدث في نقطة مغايرة، ومن هنا فنتائج التَّارِيْخ وإن كنا ننظر إليها كنتائج ضرورية تنبع من الظروف الموضوعية، لكنها ليست نتائجَ حتميّةً، لم يكن بالإمكان أن تجري إلّا كما جرت، أو مُقدرة وفق جبريّة إلهية أو تاريخيّة.

عندما سلطنا الضوء على يثرب عشية اجتماع السَّقِيْفَة، أردنا أن نميط اللثام عن العامل الحافز لهذه الحركة التَّارِيْخية، ودون أنْ نجعله عاملاً وحيداً في نجاح هذه الحركة الَّتِي كسحت الجَزِيْرة العَرَبِيّة، كما حاولنا أنْ نبين قدر الإمكان العوامل الخاصة لكلِّ منطقةٍ، الَّتِي ساعدت الحركة الإِسْلاميّة على تحقيق انتصاراتها. وعندما كنا نتحدث عن عاملٍ سببيٍّ، كنا نفهم أنّ السبب ليس حدثاً لحظيّاً، بل هو سيرورة، أو جملة عمليات أدت لتكوين هذا العامل المسبب أو ذاك، مثلما كان الأمر في عوامل نجاح أَبِي بَكْر، حيث لاحظنا أن العامل السببي في التَّارِيْخ هو جملة أحداث، وظروف، أو حركة مستطيلة من الزمان الماضي حتّى اللَّحظة الَّتِي تجسّد السببُ فيها نتيجةً.

لعبت الصّدْفَة التَّارِيْخية ـ حسب مفهومنا ـ دوراً كبيراً في علاج إشكاليّة توحيد القبائل، والسيطرة على العَصَبِيَّة في الجَزِيْرة العَرَبِيّة عندما قدمت الظروف الجغراسيّة فرصةً للخروج من الجزيرة العَرَبيّة لمعالجة الوَضْع الدقيق الحساس؛ وتمثلت هذه الصّدْفَة بحالة الإمبراطوريتيْن الفارسيّة والبيزنطيّة، ففي القرن السابع الميلاديّ كان النصف الغربيّ للإمبراطوريّة الرومانيّة مع الثّقافة الَّتِي تمثلها قد انهار منذ مئتيْ عام تحت ضربات الأقوام الجرمانيّة، وبقي نصفها الشرقي قائماً، مع ثقافته الَّتِي اصطبغت بصبغة يونانيّة.[14] كما كانت الدّوْلَة الفارسيّة والبيزنطيّة قد بلغت سن الشيخوخة الحضاريّة، وأصبح عسيراً عليهما نجدة جبهاتهما بسبب من المسافات الشاسعة. وفي حالة جبهة الجَزِيْرة العَرَبِيّة، فإنّهما لم تتوقعا صدور حملة عسكريّة خطيرة منها؛ ولهذا لم تستقر في هذه الجبهة حامية بمعناها المعروف حَتَّى ذلك العهد. إضافة إلى ذلك كان أهالي هذه البلاد محجمين عن المشاركة في القتال، وذلك: أولاً، بسبب من عدم اندماج الساميّين، والأقباط بالدّوْلَة البيزنطيّة؛ ثانياً، قسوة بيت المال في جبي الضرائب وحقد الناس على كبار الملاكين، وكانوا جميعاً من أصل يوناني أو ممن اصطبغوا بصبغة يونانية. كل هذا كان من شأنه أن يدعم حركات استقلاليّة سرعان ما أخذت أشكالاً دينيّة، فقد آمن الآراميون والأنباط بمشيئة واحدة للمسيح فاضطهدتهم الكنيسة البيزنطيّة الرسميّة أو ناوأتهم. أما النساطرة فقد خرجوا من بلادهم ولاذوا بآل ساسان.[15]

لم يكن هذا هو حال بيزنطة وحسب، بل حال الدولتيْن العظمييْن آنذاك، وقد تقاطع عامل ضعف فارس وبيزنطة مع حاجة الحركة الإِسْلاميّة للخروج من الجَزِيْرة العَرَبِيّة، وقد جاءت أَبَا بَكْر الفرصة، وذلك عندما ازدادت حدة الاشتباكات بين المُثَنَّى بن حارثةَ الشيبانيّ، وبين الفرس في جنوب العراق؛ وبهذا اجتمعت سلسلة عوامل ضروريّة تفرض على المسلمين الخروج من الجَزِيْرة العَرَبِيّة، فكمنت مهارة أَبِي بَكْر كفاعلٍ كبيرٍ في الحركة التَّارِيْخية في أنّه فهم هذه الضَّرُوْرَة الداخليّة في الجَزِيْرة العَرَبِيّة، وقبض على لحظة الصّدْفَة هذه بعدما كشف المُثَنَّى له عن حالة الضعف في فارس، فمكّنه فهمه لها من خلقِ تحالفٍ بين المنتصر والمهزوم، ليكون الطرفان منتصرين عندما يتوحدان ضد الآخر، ويشتركان بتقاسم الغنائم مع البدء بالغزوات الخارجيّة (الفتح). ومن هنا فنحن وإنْ كنا نبحث عن العوامل الموضوعيّة في التَّارِيْخ، إلّا أنّنا لا نقلّل أبداً من العامل البشريّ فيه، إذ أنّه العامل الوحيد المتغيّر، والعامل البشريّ هو الَّذِي يجعل الدراسات الاجتماعيّة تفشل بالتنبؤ بمصائر المجتمعات.

لقد تمكنت القيادة الإِسْلاميّة من فهم الأوضاع الموجودة جيداً، وانعكست فعاليّة شخصيّاتها في إدراكهم لتلك الضرورات وتمكّنهم من فهم متطلبات مرحلتهم، ولو كان أَبُو بَكْر عاجزاً عن قراءة سير الأحداث لكانت ضاعت الفرصة، فالانتصارات التَّارِيْخية لا تولد من الظروف الموضوعيّة وحسب، بل تحتاج للعامل المحرك، والقيادي، للقابلة الَّتِي تساعد الجنين على الولادة. إنّ كل ضرورة تتضمن مجموعة معينة من الممكنات، ولا تتحقق الضَّرُوْرَة على أساس العامل الداخليّ لها، بل إن قراءتها، وفهم مسارها، وتقدير الممكنات الأخرى هي الّتِي تكشف عبقريّة الشخصيات التَّارِيْخية، الَّتِي تتمتع بقدرة على التحرك في الظروف المُعْطَاة، ويظهر قوة الإرادة عندها؛ وقد كانت قيادةُ الحركةِ الإِسْلاميّةِ برئاسة أَبِي بَكْر قادرةً تماماً على تفعيل دورها في التَّارِيْخ، واغتنام الفرصة الَّتِي قدمها المُثَنَّى بن حارثةَ الشيبانيّ للخروج من الجزيرة العربيّة؛ فمن هو مُثَنَّانَا الذي فتح الطريق إلى العراقِ؟

التّوجه صوب العراقِ

       

لا نعرف متى جاءت القبائل العربية العراق، لكن المصادر التاريخية تخبرنا بأنّ ربيعة ـ وكانت فيهم بنو شيبان ـ وصلت العراقَ هرباً من قحط أصابهم بالجَزِيْرة العَرَبِيّة. وبعيد وصولهم التزم الطرفان ـ الفارسيّ، والعَرَبيّ ـ سياسة سلمية بينهما، ثُمّ إنّ الصّراع نشب بينهما نتيجةً للوفرة الماديّة الَّتِي كانت بأيدي الفرس، فشرع المُثَنَّى يغير على السكان الفرس، الَّذِين كانوا يسكنون المنطقة التي بُنيت عليها لاحقاً الكوفة وما حولها، فألحقت غاراته بهم أضراراً فادحة؛ وربما كان المُثَنَّى يرتكز في هجماته على قاعدة تاريخيّة، فشيبان ـ قبيلة المُثَنَّى ـ هي الَّتِي ألحقت الهزيمة المنكرة بالفرس في معركة ذي قار.[16]

بلغت أخبار المُثَنَّى أَبَا بَكْر، فسأل عنه،[17] ثُمّ تبنّى توجهات المُثَنَّى بسبب من حاجته لجبهة خارج الجَزِيْرة العَرَبِيّة، فأجرى اتصالات معه، وأقرّ زعامته على قومه، وأمره بقتال الفرس باسم الإِسْلامِ. فحافظ المُثَنَّى على سير عملياته سنةً، وبعد ذلك قام بتوسيع جبهته عندما طلب من سويد بن قطنة [18]ـ ابن عمه ـ، قيادة قوات للقيام بغارات على المنطقة التي ستبنى عليها مدينة البصرة، والأُبُلَّة، وما حولهما، وكان الفرس المتضررين الرئيسيّين من غاراته؛ ولوقف عمليات المُثَنَّى، وابن عمه حشد الفرس قوات عسكريّة، فشددوا الخناق عليهما، حَتَّى كادوا أنْ يطردوا العربَ من العراقِ، عندها قرر أَبُو بَكْر تقديم العون لعربِ العراقِ؛ لأنّه لم يكن ليقبل هجرة معاكسة نحو الجَزِيْرة العَرَبِيّة، بل على العكس كان يحتاج لمُتَنَفَّسٍ لسكانها، فطلب من خالد، الَّذِي كان مقيماً بالْيَمَامَة منذ انتصاره على مُسَيْلِمةَ، التوجه إلى العراقِ، على أن تكون الأبُلَّة وجهته الأوّلى، وتقول الروايات إنّ عُمَرَ بن الخطاب هو من اقترح على أَبِي بَكْر توليته قيادة الجيش المتجه نحو العراقِ؛ وعندما وصلت رسالة أَبِي بَكْر مع أبي سَعِيدِ الخدري، قال خالد:«يا أبا سَعِيد، هذا الرأي ليس من رأي أَبِي بَكْر، أنْ يحوّلني إلى العراق».[19] وتضيف بعض الروايات، أنّ خالداً قدم المدينة أولاً،، ثُمّ توجه منها صوب العراق.[20] ومن جهة أخرى كتبَ الخليفةُ إلى المُثَنَّى بن حارثةَ، يخبره بقدوم خالد، ويطلب منه العمل تحت قيادته ما دام في العراق.

مع هذه التحرّك خارج بلاد العربِ، بدأت الحركة الإِسلاميّة تكتب فصلاً جديداً في صفحات كتاب قيام الدولة الإِسْلاميّة بعنوان «الفتح».


المراجع باللغة العربية

1 ـ أبو بكر الصّديق: أوّل الخلفاء الراشدين، محمّد رضا، دار الكتب العلمية، بيروت، 1403 ﻫ/ 1983 م.

2 ـ أخبارُ مكّة، وما جاء فيها من الآثار، أبي الوليد محمد بن عبد اللَّه بن أحمد الأزرقي، تحقيق: رشدي الصالح ملحس، دار الثقافة، مكة، ط 6، 1414 ﻫ/ 1994.

3 ـ أُسد الغابة في معرفة الصحابة،عز الدين بن الأثير، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1993 ـ 1995 م.

4 ـ الإمامة والسياسة، أبي محمد بن عبد اللَّه بن مسلم، ابن قتيبة (ت 270 ﻫ)، مطبعة الأمة، القاهرة، 1328 ﻫ.

5 ـ الأمير، نيقولا مكيافللي، ت: خيري حمَّاد، منشورات دار الآفاق، بيروت، ط 22، 1999 م.

6 ـ أيام العرب في الإسلام، محمّد أبو الفضل إبراهيم، علي محمّد البجاووي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1412 ﻫ/ 1991 م.

7 ـ البداية والنهاية، إسماعيل بن عمر بن كثير،CD.

8 ـ بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب، محمود شكري الألوسي البغدادي، منشورات أمين دَمَج، ودار الشرق العربي، بيروت، د. ت.

9 ـ بُنى المقدَّس عند العرب ـ قبل الإسلام وبعده، يُوسف شُلْحُد، ت: خليل أحمد خليل، دار الطليعة، بيروت، حزيران (يونيو)، 1996 م.

10 ـ البَيان وتَبْيين (ال)، أبي عُثمان عَمْرو بن بَحر الجَاحِظ (ت 255 ﻫ)، تحقيق: د. دَرويش جوَيْديِ، المكتبة العَصْريَّة، صَيدا ـ بَيروت، ط 1، 1420/ 1999 م.

11 ـ تاريخ ابن خَلْدُون،دار البيان د. ت.، ومكان الطبع

12 ـ تاريخ الإسْلام السيّاسيّ والثّقافيّ والاجتماعيّ،د. حسن إبراهيم حسن، دار الجيل، بيروت/ مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ط 14، 1416 ﻫ/ 1996 م.

13 ـ تاريخ الأمم والملوك (تاريخ الطبري)، أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (224/ 225ـ 310 ﻫ)، دار الكتب العلمية ـ لبنان.

14 ـ تاريخ الخلفاء، جلال الدّين السّيُوطي، تحقيق: إبراهيم صالح، دار البشائر، دمشق، 1417 ﻫ/ 1997 م. ويرتكز السيوطي على تاريخ الحافظ الذّهبي، ويقول:«ما أوردتُه من الوقائع الغَريبة والحوادث العجيبة فهو من تاريخ الحافظ الذّهبي، والعُهدة في أَمره عليه»، ص 19.

15 ـ تاريخ الشعوب الإسلامية، كارل بروكلمان، ترجمة: نبيه أمين فارس، منير البعلبكيّ، دار العلم للملايين، بيروت، ط 12، آذار (مارس) 1993.

16 ـ تاريخ العرب والشعوب الإسلامية،كلود كاهن/ ت: د. بدر الدين القاسم، دار الحقيقة، بيروت، ط 3، 1403 ﻫ/ 1983 م.

17 ـ تفسير ابن كثير،قرآن الكريم، الإصدار السابع CD، ال

18 ـ تفسير البغوي،الحسين بن مسعود الفراء البغوي (ت 516 ﻫ)،CD

19 ـ تفسير البيضاوي، عبد اللَّه بن عمر الشيرازي (ت 791 ﻫ)،CD

20 ـ تفسير الطبري، قرآن الكريم، الإصدار السابع CD.

21   تفسير القرطبي، قرآن الكريم، الإصدار السابع CD.

22ـ حروب الرَّدة (دراسة نقدية في المصادر)،د. الياس شوفاني، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1995.

23 ـ حروب دولة الرّسول (بَدر ـ أُحُد)،سيّد محمود القمني، سينا للنشر، القاهرة، 1993 م.

24 ـ دثّريني يا خديجة ـ دراسة تحليلية لشخصية خديجة بنت خويلد، د. سلوى بالحاج صالح ـ العايب، دار الطليعة، بيروت، آذار (مارس)، 1999 م.

25 ـ ديوان حسّان بن ثابت،تحقيق وتعليق: د. وليد عرفات، دار صادر، بيروت، 1974.

26 ـ ديوان عُبيد اللَّه بن قيس الرقيّات،تحقيق: د. محمّد يوسف نجم، دار صادر، بيروت، د. ت.

27ـ رسالة الغفران، أبو العَلاءِ المَعَرِّي (363 ـ 449 ﻫ/ 973 ـ 1057 م)، دار صادر، بيروت، د ت.

28 ـ سنن أبي داود،موسوعة الحديث الشّريف، الإصدار الثاني،CD.

29 ـ سنن ابن ماجه،موسوعة الحديث الشّريف، الإصدار الثاني،CD.

30 ـ سنن النّسائي، موسوعة الحديث الشّريف، الإصدار الثاني،CD.

31 ـ سيرة ابن إسحاق،محمد بن إسحاق بن يسار (85 ـ 150 ﻫ)،CD.

32 ـ سيرة ابن كثير،ابن كثير (701 ـ 774 ﻫ/ 1301 ـ 1373 م)،CD.

33 ـ السيرة النّبوية، ابن هشام (ت: 213 ﻫ، أو 218 ﻫ) تحقيق: مصطفى السقا، إبراهيم الأبياري، عبد الحفيظ شلبي، دار ابن كثير، د. ت.، دمشق ـ بيروت.

34 ـ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، دار إحياء التراث العربي، لبنان، بيروت 1409 ﻫ/ 1989 م.

35 ـ الشيخان، طه حسين، دار المعارف، مصر، ط 8، 1986.

36 ـ صحيح البخاري، موسوعة الحديث الشّريف، الإصدار الثاني،CD.

37 ـ صحيح مسلم،موسوعة الحديث الشّريف، الإصدار الثاني،CD.

38 ـ الصّدّيق أبو بكر، محمد حسين هيكل، دار المعارف، القاهرة، ط 11، 1990 م.

39 ـ الطبقات الكبرى، ابن سعد (168 ـ 220)، دار صادر، بيروت، 1428 ﻫ/ 1998 م.

40 ـ العَقْدُ الاجتماعي أو مَبادئُ الحُقوق السياسِيَّة، جان جَاك رُوسُّو، ت عادل زُعَيْتِر، دار المعارف، مصر، 1954 م.

41 ـ عُيُون الأثر في فنون المغازي والشمائِل والسِير، فتح الدين أبو الفتح محمّد بن سيّد الناس (671 ـ 734 ﻫ)، شرح وتعليق: الشيخ إبراهيم محمد رمضان، دار القلم، بيروت 1414 ﻫ/ 1993 م.

42 ـ فُتُوح البْلدَان، أبي الحسن البلاذري (ت 279 ﻫ)، دار الكتب العلمية، بيروت، 1412 ﻫ/ 1991 م.

43 ـ فِرَق الشيْعَة،أبي محمد الحسن بن موسى النوبختي، تحقيق ﻫ. ريتر Hellmut Ritter، استانبول، مطبعة الدولة 1931. والمؤلف من متكلمي الشيعة الإمامية نهاية ق 3 ـ بداية ق 4 ﻫ.

44 ـ فصول عن المرأة، هادي العلوي، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1996 م.

45ـ فصول من تاريخ الإسلام السياسي،هادي العلوي، مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي، نيقوسيا، قبرص، 1995.

46 ـ فِكْرُ ابن خَلْدُون: العصبية والدولة (مَعَالِم نظريَّةٍ خَلْدُونيَّةٍ في التاريخ الإسلامي)، د. محمد عابد الجابري، دار الطليعَة، بيروت، ط 3، 1983 م.

47 ـ قريش: من القبيلة إلى الدولة المركزية، خليل عبد الكريم، سينا للنشر، القاهرة، 1993 م.

48 ـ الكامل في التاريخ، ابن الأثير (555 ـ 630 ﻫ/ 1160 ـ 1232 م)، دار صادر، بيروت، 1399 ﻫ/ 1979 م.

49 ـ كتابُ الرَّدة، أبي عبد اللَّه محمد بن عمر الوَاقدي (ت: 207 ﻫ/ 747 ـ 823 م)، قدم له وحققه وعلق عليه ووضع فهارسه: د. محمود عبد اللَّه أبو الخير، دار الفرقان، عمّان الأردنّ، د ت، لكن المقدمة مؤرخة في 1411 ﻫ/ 1991 م.[بعد أن انتهى المؤلف من أخبار السقيفة، كتب «و لم أرد أن أكتب ها هنا شيئاً من زيادات الرافضة»، ص 81؛ وقد رفض مرسدن جونسون في مقدمة كتاب «المغازي» تشيع الواقدي. مؤكداً عدم وجود دليل مقنع،ﻫ 1/ 81]

50 ـ لسان العرب، ابن منظور،CD.

51 ـ محمّد في المدينَة، مونتجومري وَات، ترجمة: شعبان بَركات، منشورات المكتبة العصريّة ـ صَيْدا ـ بيروت ـ د. ت.

52 ـ مُروُج الذّهَب ومَعَادِن الجَوْهَر ـ أبي الحسن علي بن الحسين المسعودي (345 ـ 346 ﻫ/ 956 م؟)، تحقيق: سعيد محمّد اللحّام، دار الفكر، بيروت، 1417 ﻫ/ 1997 م.

53 ـ مسند أحمد،موسوعة الحديث الشّريف، الإصدار الثاني،CD.

54 ـ مُطارحات مكيافلي، نيقولا مكيافلي، ت: خيري حمَّاد، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط 3، شباط (فبراير)، 1982.

55 ـ معجم البلدان،ياقوت الحموي (CD).

56 ـ معجم الرّائد،جبران مسعود، سلسلة المعلوماتية للجميع، الجزء 1،CD.

57 ـ مقالات الإسلاميين، أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري (ت 330 ﻫ)، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، دار الحداثة، ط 2، 1405 ﻫ/ 1985 م.

58 ـ المقدس والدينوي،مرسيا إلياد، ترجمة: نهاد خياطة، دار العربي، دمشق، 1987.

59 ـ مُقَدّمة ابن خَلْدُون، تصحيح وفهرسة: أبو عبد اللَّه السّعيد المنَدوُه، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت؛ والمكتبة التجارية، مكة 1414 ﻫ/ 1994 م.

60 ـ ملامح من الأسطورة، ميرسيا ايلياد، ت: حسيب كاسوحة، وزارة الثقافة، دمشق، 1995.

61 ـ المِلَل والنّحل، أبو الفتح الشَّهرستاني (479 ـ 548 ﻫ/ 1086 ـ 1153 م)، منشورات دار دانية، دمشق ـ بيروت، ط1، 1990 م.

62 ـ موطأ مالك،موسوعة الحديث الشّريف، الإصدار الثاني،CD.

Foreign Sources

1 – The Art Of War , Sun Tzu, trans., Lionel Giles, 1910, Library of future, 4th edition, ver. 5.0, Historical Document.

2 - Islam: A Historical Survey , H. A. R. Gibb, London, 3rd impression 1978.

3 - Muslim Institutions , Maurice Gaudefroy- Demombynes, translated from the French by: John P. Macgregor, London, 2nd, 1954.

باللغة الرّوسية

1 ـ كتاب حول القرآن ـ منشئه وأساطيره، ل. إ. كليموفيتش، موسكو، دار الأدب السياسي، 1988.

 


[1]وات، 218 ـ 219.

[2]العَقْدُ الاجتماعيّ، ص 33.

[3]مُقَدّمة ابن خَلْدُون، تصحيح وفهرسة: أبو عبد اللَّه السّعيد المنَدوُه، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، والمكتبة التجارية، مكّة 1414 ﻫ/ 1994 م، م 1/ ص 148.

[4]فِكْرُ ابن خَلْدُون: العَصَبِيَّة والدّوْلَة، د. مُحَمَّد عابد الجابري، دار الطليعَة، بيروت، ط 3، 1983، ص 248 ـ 249.

[5]المقدمة: 1/ 138.

[6]الشيخان، 14.

[7]فِكْرُ ابن خَلْدُون، 268.

[8]تاريخ الطبري: 2/ 277؛ الكامل: 2/ 362.

[9]ابن سعد: 1/ 211.

[10]المقدمة: 1/ 102، 169.

[11]المقدمة: 1/ 140، 148 ـ 149.

[12]فِكْرُ ابن خَلْدُون، 280.

[13]قُرَيْشٌ: من القبيلة، 14.

[14]تاريخ العرب والشعوب الإسلامية، كلود كاهن، ت: د. بدر الدين القاسم، دار الحقيقة، بيروت، ط 3، 1403 ﻫ/ 1983 م، ص 5.

[15]كاهن، 18.

[16]كتابُ الرَّدة، 322؛ شوفاني، 213.

[17]كتابُ الرَّدة، 323؛ فُتُوح البُلدَان، 242؛ أُسد الغابة: 4/ 266.

[18]في بعض المراجع «سويد بن قطبة»، وأخرى «قطنة بن قتادة».

[19]كتابُ الرَّدة، 324، 327؛ تاريخ الطبري: 2/ 307، 12 ﻫ؛ تاريخ الخلفاء، 97. وسيكرر خالدٌ هذا الاتهام لعُمَرَ، فعندما يقرر أَبُو بَكْر توجيه خالد بن الوليد إلى الشّام من العراقِ، فإنّ خالداً سيقول:«هذا عمر بن الخطّاب حَسَدَني أن يكون فتحُ العراق على يدي»(ابن سعد: 7/ 397).

[20] تاريخ الطبري: 2/ 307؛ الكامل: 2/ 384.

 


[1]عياذ، الكامل.

[2]تاريخ الطبري: 2/ 291 ـ 292؛ الكامل: 2/ 372 ـ 373؛ فُتُوح البُلدَان، 87؛ البداية والنّهايَة.

[3]سِخريت، الكامل.

[4]تاريخ الطبري: 2/ 292 ـ 293؛ الكامل: 2/ 373 ـ 374؛ البداية والنّهايَة.

[5]تاريخ الطبري: 2/ 296؛ الكامل: 2/ 375 ـ 377؛ تاريخ ابن خلدون، م 2، ج 2/ 67؛ أيام العرب في الإِسْلام، 175؛ الصّدّيق، 170.

[6]تاريخ الطبري: 2/ 296؛ تاريخ خلدون، م 2، ج 2/ 67.

[7]ابن سعد: 5/ 535.

[8]شوفاني، 175.

[9]الأمير، 127.

[10]تاريخ الطبري: 2/ 295؛ الكامل: 2/ 376.

[11]تاريخ الطبري: 2/ 300؛ الكامل: 2/ 378، وفي الكامل: عُكاشة بن أبي أميّة.

[12]كتابُ الرَّدة، 253 ـ 254.

[13]كتابُ الرَّدة، 256 ـ 258؛ فُتُوح البُلدَان، 109؛ الكامل: 2/ 379؛ معجم البلدان، حَضْرمَوْت.

[14]كتابُ الرَّدة، 261.

[15]كتابُ الرَّدة، 264 ـ 265، 268.

[16]كتابُ الرَّدة، 268 ـ 273، 278.

[17]كتابُ الرَّدة، 278 ـ 282.

[18]كتابُ الرَّدة، 283 ـ 284.

[19]كتابُ الرَّدة، 286 ـ 290، 292.

[20]كتابُ الرَّدة، 296.

[21]كتابُ الرَّدة ـ 299 ـ 300، 302 ـ 304.

[22]النّاصِيَة: مقدم شعر الرأس.

[23]كتابُ الرَّدة، 304 ـ 305.

[24]كتابُ الرَّدة، 307.

[25]يقول ابن خلدون في تاريخه (م 2، ج 2/ 69) إنّ الأشْعَث طلب الأمان من عكرمة، وهذا تفصيل غير مقبول لأنه لا ينسجم مع الرِّوايَة العامة، ويختلف البلاذري بقوله إن الأمان طُلب لسبعين فرداً (فُتُوح البُلدَان، 112).

[26]كتابُ الرَّدة، 308 ـ 309، 311 ـ 313.

[27]كتابُ الرَّدة، 313 ـ 314.

[28]قُتل صبراً: شدّ يداه ورجلاه، أو أمسك به أحد حَتَّى يُقتل.

[29]كتابُ الرَّدة، 315.

[30]الرقم المميز.

[31]معجم البلدان، النَّجَيْرُ؛ رضا، 113؛ تاريخ ابن خلدون، م 2، ج 2/ 69.

[32]الكامل: 2/ 383.

[33]كتابُ الرَّدة، 319؛ فُتُوح البُلدَان، 110.

[34]عَرْقَب الدابة: قطع عُرقوبها.

[35]أُسد الغابة: 1/ 137 ـ 138؛ رضا، 113 ـ 114.

[36]الإمامة السياسة، 1/ 19، فُتُوح البُلدَان، 112؛ مُروُج الذّهَبِ: 2/ 303.

[37]كتابُ الرَّدة، 296 ـ 297.

[38]كتابُ الرَّدة، 298 ـ 299.

[39]كتابُ الرَّدة، 299.

 

مواضيع ذات صلة:

مالك مسلماني: ميلاد الدولة الإسلامية.. مِن الاستيلاء على مَكَةَ إلى نهاية حروبِ الرَّدةَ- ج7

http://www.fenks.co/%D8%A8%D9%84%D8%A7-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/2267-%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%83-%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D9%85%D9%8A%D9%84%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D9%90%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%8A%D9%84%D8%A7%D8%A1-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%85%D9%8E%D9%83%D9%8E%D8%A9%D9%8E-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D9%86%D9%87%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%AD%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%90-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%91%D9%8E%D8%AF%D8%A9%D9%8E-%D8%AC7.html

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

September 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 31 1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 1 2 3 4 5 6
عدد الزيارات
4017116