علي كنعان: مزاج الطفولة الثانية!

يقول الشاعر (أبوعلي) عبد الوهاب البياتي في ديوانه الجميل (أباريق مهشمة): "هذا العجوز، ألا يكف عن الشخير؟" وكلي رجاء بأن يتغاضى الأصدقاء ويسمحوا لي بقليل من الشخير... وقد تفضل أحد النقاد مشكورا فقدم تفسيرا للشخير (في مجلة الآداب، على ما أذكر)، مشيرا إلى أن العجائز يحبون الحديث عن ذكرياتهم القديمة التي اختزنوها من أيام الطفولة والشباب، لأنهم يعيشون في الماضي أكثر من معايشتهم للحاضر...
أدرك جيدا بعمق وحسرة ومرارة أن الموت بات أهزوجة يومية، قتلا أو حرقا أو اختناقا تحت الأنقاض أو في لجة الماء، فضلا عن الأمراض وحوادث المرور والرصاص العشوائي المقيت... لذلك، أشعر بغربة فلكية حين أقرأ نعوات الأصدقاء لذويهم وكأنها نهاية الدنيا!.. ولعلي أستثني هنا فرادة الفجيعة بفقدان الأمهات...
وقبل أيام فجعت بصديق العمر الجميل وأستاذ الجيل الغالي الدكتور محمد محفل (أبو كامل) وكنت، خلال الأسبوع الأخير من السنة الماضية، على موعد مع الصديق العزيز د. نزار العاني لكي نزور الأستاذ محفل.. أو نلتقيه في أية أيكة يفضلها في دمشق. لكن مشيئة الباري كانت أسرع من إنجاز أي موعد بشري [إنا لله وإنا إليه راجعون]. وفجيعتي بالعلامة الأستاذ محفل مضاعفة، فهو صديق عزيز (والصديق شقيق الروح التوام- كما يطيب لي أن أقول.. وأعيد تكرار الشخير!) وهو أيضا استاذي ومرجعي باللغة اللاتينية، وأثناء ترجمة (فن الحب) لأوفيد.. كنتألجا إليه كلما التبست علي عبارة في النص اللاتيني، لأنه ممتع أكثر من النص الإنكليزي رغم صعوبته...
وفي السنوات الثلاث الماضية، فجعت بثلاثة أشقاء وأنا بعيد.. بعيد، وربما كانت الفجيعة أخف وأرحم لو رحل كاتب هذه السطور بلا أي فاجعة من أحد.. حتى تلك المخلوقة العجيبة التي أرادت أت تستأثر بمردود شقاء عمري.. وما زالت تتهمني بالحقد – سامحها الله دنيا وآخرة... وأنا أتهم نفسي بالغلطة الآثمة لمخالفة الشرع، وأحفظ جيدا حكمة الأجداد القائلة: [الخط الأعوج من التور (الثور) الكبير] وهذه قصة عمرها ربع قرن، وأرجو أن أنتهي منها خلال أسابيع، في معزل عن دهايز العدالة في دكاكين العروبة والإسلام...
لكن فجيعتي بفقدان أشقائي الثلاثة حدثت في ظروف الاغتراب التي لم تسمح لي بزيارتهم طوال ربع قرن. وأنا هنا لا أتصور (مجرما) في العالم أشد مني عقوقا ومجافاة لإحسان الوالدين... كبير العائلة الذي رباني وحرص على تعليمي حتى تخرجت من الجامعة، إلى جانب رعايته للشقيقين الصغيرين، إذ كان المربي والراعي ومعلم القرآن الأول بعد الوالد الذي انتقل إلى جوار الباري وأنا في التاسعة من العمر...الشقيق الثاني، قدوتي ومعلمي في حفظ الشعر وكتابته، وكان رائدا بمواصلة التعليم الرسمي والخاص.. حتى غدا من أوائل المعلمين في (ما وراء خط المطر)، كما تسمى تلك المنطقة بين حمص وتدمر... والثالث الطبيب والرسام، كان رفيق العيش والسكن والمؤانسة أثناء الدراسة الجامعية، وكم كان بودي أن أمنحه كليتي، لكن موعد الرحلة أحبط مسعاي وحرمني حتى من وداعه...
هذه مجرد توطئة ومدخل في موضوع الطفولة الثانية ومزاجيتها التي لا تقبل النصيحة أو المراجعة:
وسأكتفي اليوم بالحديث عن طقوس القراءة: في أيام الجامعة، كنت أفرض على نفسي قراءة 100 صفحة بالإنكليزية في أية رواية. وأذكر جيدا أني انتهيت في أسبوع من قراءة كتاب ضم سبع روايات قصيرة (Novelettes)، ومنها: المسخ لكافكا، كانديد لفولتير، الشيخ والبحر لهيمنغواي، السيد والخادم لتولستوي.. ولم أعد أتذكر الأعمال الأخرى.. (وآفة النسيان من أخطر وأقسى مشكلات الطفولة الثانية).
المهم أني عزمت على تلافي أميتي وجهلي بإبداع الأصدقاء من أجيال الشباب (بين الثلاثين والستين)، وذلك بتخصيص ساعتين: واحدة صباحية وأخرى مسائية من كل يوم (في خمسة أيام أسبوعيا) لقراءة ما يصادفني من أعمال هؤلاء الشباب. ومن عادتي الجديدة أني لا أستطيع الاستمرار بقراءة كتاب واحد أكثر من ساعة.. ثم سرعان ما أتحول إلى كتاب آخر. وقبل أسبوعين، فرضت على نفسي القراءة دون ضجر أو انقطاع، فانتهيت في أسبوع من قراءة روايتين للأديب والفنان التشكيلي فيصل الجردي، وهو من أغلى أصدقاء الزمن الجميل.. ومن أصفياء الرفقة في الصبا والشباب، ولا سيما أننا من قريتين جارتين واقعتين (خارج خط المطر) وهذه الأيقونة من اختراع دائرة الأرصاد الجوية في وزارة الزراعة، ويحلو لي ترديدها باستمرار! أعجبتني بصدق ومتعة واستبشار (ملاذ الآلهة) للعزيز فيصل، وزاد تقديري له ولإبداعه الروائي، إلى جانب محبتي وتقديري للصديق والباحث الرصين فراس سواح الذي استهل العمل بكلمة أشار فيها إلى أهمية الرواية التاريخية. وأكثر ما أحببته في هذا العمل الجميل جهود فيصل في التماس عدد من الكلمات الآرامية، فضلا عن الخاتمة التي تركها مفتوحة لكي يسهم كل قارئ بتخيل نهاية لها خاصة به، وهذا ما نجده كثيرا في الرواية اليابانية، كما أن هذه الميزة من أجمل ما طلع علينا النقاد أخيرا به، إذ قالوا مؤكدين إسهام القاري في العمل الإبداعي. وكثيرا ما أقول للأصدقاء، ما قيمة ديوان العرب وتراث الأمة بكامله.. لولا الأجيال التي تقرؤه وتعيد إنتاجه – لا كما يفهم فقهاء السلاطين التراث المتكلس حتى أقسى درجات التحجر- وإنما كما فهم تي. إس. إليوت التراث: ليس كل ما تركه الأجداد لنا تراثا، إنما التراث هو التيار الحي المتجه من الماضي نحو المستقبل... وهذا يعني أن جميع المقلدين للحيونات المجترة لا علاقة لهم بالتراث...
المهم أن لدي الآن أربعة كتب أقرؤها باستمتاع: مجموعتان شعريتان وكتاب فكري ورواية أقرب إلى اليوميات: مجموعة الشاعر عصام التكروري "شهوة.. تجرني إلى حتفي" أذهلتني متعة وإعجابا. ومجموعة د. ثائر زين الدين "كتاب الحب.. مختارات شعرية" أقرؤها أيضا باستمتاع، وأعجبت بطفولته الريفية وموهبته الشعرية المرهفة التي اختزنت كثيرا من الرؤى واللمحات ليستدعيها حتى في غربته، وإن كنت أتمنى لو آثر التكثيف، لأني وقعت في المشكلة ذاتها، متأثرا بعالم الحكاية في الريف. أقرأ الشاعر عصام للمرة الثالثة، وقد سحرتني ومضاته الأخيرة إلى حد الانخطاف، حيث القصيدة (تشبه الهايكو الياباني) لا تزيد عن خمسة أسطر.. وسأقرؤه للمرة الرابعة والخامسة (وأنسى أنه دكتور أستاذ في كلية الحقوق.. فالشعر لا يقبل أي لقب علمي)، وهو أغفل الدال في النشر. وهكذا كان الروائي المتألق هاني الراهب، فلم يضع (الدال) على أية رواية، مع أني سألته يوما عن السبب، فأجاب: الدال للجامعة، ولاعلاقة لها بكتابتي...
أما الرواية وتواريخ يومياتها الجارحة، فهي "قطعة جحيم لهذه الجنة" لعادل محمود.. وهذه أيضا أعيد بعض مقاطعها (بكل مرارة) أكثر من مرة. والكتاب الرابع "طريق أخوان الصفاء" للباحث الرصين فراس السواح. وقد أدهشني فراس بأنه قرأ رسائل إخوان الصفاء ثلاث مرات حتى كتب "طريقهم..." ثم قام بقراءة رابعة للاستمتاع. ولقد شعرت بخجل من العزيز فراس ومن نفسي، لأني خلال العشرين سنة الماضية لم أتمكن من استكمال قراءة الرسائل، رغم أنها كانت أمامي في موقع (الورّاق) حيث كنت أعمل محررا ومترجما في "دارة السويدي الثقافية" بأبوظبي. لقد قرأت العديد من الرسائل واقتبست بعضها إنجازا لعمل المؤسسة، وقرأت بعض الصفحات أكثر من مرة.. لكني لم أستطع استكمال الرسائل من أولها إلى آخرها، وهذه في رأيي من عيوب محبي الشعر، وربما كانت علة أكثر الشعراء الذين استحوذ عليهم الشعر إلى حد الاستهلاك القاتل! لكني أستمتع بقراءة كتاب فراس، وأعيد قراءة بعض المقاطع أكثر من مرة.. ذلك لأن الموضوعات الفكرية ترهقني.. فلا أستطيع قراءة أكثر من عشر صفحات في الجلسة الواحدة...
وعلى هامش القراءة، هناك كتاب عن الشعرالسوري.. كان صدمة صاعقة لي، لن أذكر عنوانه احتراما للشاعر الصديق الذي أعارني إياه.. وإشفاقا على المشاركين فيه... ولعل هذه الإشارة تكفي.

March 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
24 25 26 27 28 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
31 1 2 3 4 5 6

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟
عدد الزيارات
5720043

Please publish modules in offcanvas position.