د. بهجت سليمان: الثقافة هي طريقة تفكير أوّلاً و أسلوب حياة ثانياً.. للشّعوب و للأفراد..

أ بهجت سليمان في مكتبه[حديث الثلاثاء" 30" ]

■ بحث من أربع حلقات عن ( الثقافة ) ■

( 4 من 4 )

الحلقة الرابعة والأخيرة

[ الثقافة هي طريقة تفكير أوّلاً، و أسلوب حياة ثانياً.. للشّعوب و للأفراد..
و "الأسلوب هو الّشخص".. أو أنّ "الشّخص هو الأسلوب" ]

● د. بهجت سليمان

1 كنّا سابقاً قد تحدّثنا على خرافات الثّقافة في مجتمعنا المتخلّف، و على أمراض هذه الثّقافة و المثقّفين، و لكن في إطار مناسبة محدّدة هي الحرب الكونية على سوريّة، و أوضحنا كيف عجزت الثّقافة بعجز مثقّفيها المزيّفين، عن مجاراة ضرورات فهم و استيعاب ”الحدث”، و التّعامل الوطنيّ و الأخلاقيّ معه..
و لا يمنع، الآن، أن نتحوّل في حديثنا إلى وجهة أخرى لفحص قيمة الثّقافة كمفهوم إنسانيّ، عندما تُمَارَسُ في حدّها الأدنى الضّروريّ الذي يعتمد بوعي خاصّ على ”المطابقة” التّمثّليّة، ما بين الأفكار النّظريّة و الأغراض العملّية، و ما بين الحقائق و وصفها الأمثل، الذي نحتاجه في عملّية الاجتماع و السّياسة و الأخلاق و الجمال و الّسلوك اليوميّ، و سائر ضروب الخوض في عناصر و مفردات القيمة و العمل، تسويغاً لوجودنا النّافع أو الضّروريّ.

2و لأنّنا نعيش في عالَم موضوعيّ، فإنّ علينا مداخلته مداخلات فهم باستمرار، هذا إذا أردنا لأنفسنا أن نحيا في قلب هذا العالم و ليس على أطرافه الزّلقة في كلّ ما يتطرّف بنا دوماً، جرّاء القوى النّابذة التي تعمل على تعمية النّفس في خضمّ المفارقات و الإشكالّيات التي يقوم عليها الواقع، سواء امتدّ هذا ”الواقع” أو انحسر أو أصبح مرتعاً لضلالاتنا التي تفرضها علينا ضغوطات الوقائع و الظّواهر و الأحداث، في موسوعة من الأشياء التي يظهر بعضها مباشرة بينما يتظاهر بعضها في مداورات و ارتيابات و غموض و إبهام.
و تتحقّق عادة أفضل سبل هذا ”المبدأ” عن طريق الجهد الذي نستطيع بذله، و يجب علينا بذله، في طريقة اتّصالنا الصّحيحة أو الأكثر ملاءمة مع المحيط. إنّ البيئة التي نتمثّلها تمثُّلاً صحيحاً، في الكمّ و النّوع , و الضّروريّة، تحدّدها خبراتنا و تجاربنا المتنوّعة..
إلّا أنّ التّجربة لا تقوم هكذا في فراغ أو على أساس من فراغ؛ و لكي تمنحنا تجاربنا خبراتنا التي يُعَوَّل عليها، يجب أن تتأسّس تلك التّجارب على حصيلة من الفهم الموازي للمواقف و المبادئ العامّة، في الأقلّ، تلك التي تكون خبرتها مبنيّة على فهم الحدود النّظريّة للمواضيع و الأدوات المناسبة..
و غالباً ما يُعَبَّرُ عن ذلك بخبرة الأفراد و الشّعوب، التي يُصطلح على تسميتها ”الثّقافة”. فالثّقافة على هذه البيانات هي اكتساب شامل لمهارات و فنون التّواصل بين البشر في ما بينهم أوّلاً، ثم في علاقاتهم، هم أنفسهم، مع المعطيات الخارجّية عليهم و التي تشكّل مواضيع التّجربة و مادّة الخبرة، ممّا هو متاح للإنسان من معطيات الوجود.

3 في إطار ما أسميناه ”الثّقافة”، فقط، يتاح لنا فهم أنفسنا و فهم الآخر، و الخروج من الذّاتيّة إلى الموضوعيّة ثم العودة من الموضوعيّة إلى الذّاتيّة، في تبادل دائم لتغذية قنوات الاتّصال مع العالم، بطريقيها الصّادر و الوافد في وَحدة نفسيّة تمكّننا من الانفصال النّسبيّ عن مواضيعنا، و تجنّبنا الغرق في تفاصيل ما يُمكن أن يستولي علينا من مواقع و مواقف و ظروف و عواطف و مشاعر و أحاسيس و اعتبارات.

4 قطعت الحضارة البشريّة المذهلة طريقها وسط صعوبات كان بعضها يبلغ درجة المُحال، و لم يكن للإنسان خوض هذه المغامرة الّناجحة بإنجازاتها الشّاهدة عليها، لولا أن يعمل على مراكمة المعارف و العلوم التي تعتبر ”الثّقافة” جزءاً أساسيّاً منها، بما تعمل عليه ”الثّقافة” من صقل للشّخصيّة و تحرّر من عوائق التّقاليد الجامدة و كسر لحصارات الجهل، التي تتربّص بالعقل البشريّ مع كلّ محاولة له للخروج من أقطار فظاظة المعطيات و وعورتها و نفورها، أحياناً بعناد يُحارب الوضوح و الفهم و الحركة و الانتقال..
هكذا، فقط، استطاع البشر تحسين شروط و جودهم و تطوير مضمون هويّة الإنسانّية في عمليّة ارتحال تاريخيّ معقّد و مستمرّ، كانت فيه ”الثّقافة” هي الإطار العام للمعرفة العلمّية و المعرفة العمليّة، بما هي ”الثّقافة” تنطوي على جانبين واحدهم ”نظريّ” و الآخر ”مادّيّ” في وَحدة اندماجيّة من العسير فصلهما، الّلهمّ إلّا لغرض الدّراسة و التّحليل، و ذلك لأنّهما من القضايا التّركيبيّة الّلاحقة على إنتاج الإنسان لشروط حياته كما تُمليها عليه الحاجات و المناسبات.
فالثّقافة على هذا التّقسيم الثّنائيّ الذي سنتّبعه في هذا الحديث، إنّما هي مجال لشكل العيش و أسلوب التّفكير و طريقة المعاش، تشترك فيها - لإنجاز الهوّية الإنسانّية - التّجربة النّظريّة المباشرة و السّلوك العمليّ و الفعل الذي يترك الأثر في الأشياء..
إضافة إلى ما تختزنه الّذاكرة ليُصبحَ من الممتلكات الشّخصيّة، الفرديّة و الاجتماعّية، في نسق خاصّ أو مشترك للتّفكير، و في نسيج واحد من التّواصل الحيّ الذي لا ينقطع تحت أيّ ظرف، مهما كان قاهراً أو ضاغطاً، ناهيك عن أنّ الأمر ليس من قبيل الاختيار الإنسانيّ بقدر ما هو من مناقب ”الموضوعيّة”، التي يتعلّم في إطارها الإنسان كيفّيات استلهام إمكانيّات الاتّصال في ظاهر خادع هو الانفصال.

5 ”الثّقافة” عمليّة معقّدة التّركيب.. يدخل في تركيبها: الذّاتيّ و الموضوعيّ و الشّخصيّ و الخاصّ و الجمعيّ و المجتمعيّ و السّيكولوجيّ و الفرديّ..
إلّا أنّها تقدّم نفسها على مستوى الأفراد و الّشعوب على أنّها اكتساب فرديّ أو اكتساب مجموعة أفراد الأّمة أو االشّعب، مشكّلة خلفيّات و دوافع و حوافز للسّلوك تدفع أصحابها إلى أقصى مواقف المنافحة العنيدة إزاء الآخر، لتبدو و كأنّها شيء مقدّس عند أصحابها..
و من هنا كانت الصّعوبات تترتّب دوماً في مواجهة الحاجة الاجتماعّية أو الوطنيّة أو القوميّة، من أجل إحداث التّحوير الجزئيّ أو الكلّيّ لمقتنياتها، عندما تدخل في تعارض مع استراتيجيّات النّضوج أو إنضاج المجتمع، في سياق تحدّيات مصيريّة تحتّم القطع التّاريخيّ مع ”الثّقافة” العامّة، و بخاصّة عندما تغدو ”الثّقافة” عاملاً من عوامل الكبح التّاريخيّ للتّقدّم في مجرى المصير.

● الثّقافة النّظريّة:

6 يدخل في عداد ”الثّقافة النّظريّة” جملة من العناصر و المكوّنات المتشابكة والمتضاربة و المنسجمة و المتناقضة و المتنافرة، و المعلومات الخاطئة و الصّائبة، و الآراء و الانطباعات و الأعراف و المحفوظات التي تتدرّج من ”المقدّس” حتّى ”االدّنيويّ”، بالإضافة إلى الاجتهادات الشّخصيّة و الخبرة النّاجمة عن التّجارب النّظريّة و المعلوماتيّة..
بما في ذلك ما يتولّد إزاء ذلك من قناعات و معتقدات و إيمانات، تشقّ طريقها، جميعها، معاً، في عمليّة هادئة و رتيبة و مستقرّة تبدأ منذ التّربية الأولى و المكتسبات الظّرفيّة التي ينشأ في ظلّها المرء، عابرة سنّ التّمييز و ”الإدراك” بالمجهود العام إلى المجهود الشّخصيّ الذي يدخل في مرحلة التّعصّب للإنجاز، بغضّ النّظر عن سواء و طبيعة أو انحراف و أشكال هذا ”الإنجاز”، مختلطة بقواعد الدّين و الّلاهوت الجمعّية و الاجتهادّية الفرديّة، منضافاً إليها ما يتسرّب فيها من ”معارف” و ”علوم” تدعّمها و تؤصّلها على ظنّ محض من الاستواء الأفقيّ الزّئبقيّ، و ذلك مهما كان النّقد الموجّه إليها صحيحاً أو معتبراً أو وجيهاً أو علميّاً على وجه الدّقّة و التّحديد.
و إذا كانت الثّقافة هنا هي تَمَثُّلَ كلّ تلك المفردات و عكسها عكساً لغوياً أو سلوكيّاً أو خطابيّاً في النّفس، فإنّه ممّا يجري مجرى هذا الوضع، أيضاً، هو ”الامتثال” العمليّ و السّلوكيّ الذي يُبديه الأفراد و الشّعوب لمقتضيات تلك العناصر في إيمانيّة اعتقاديّة بواجب الإخلاص لهذه المقتضيات، التي تفرضها تلك العناصر كقواعد جازمة في التّفكير و التّنظير و الدّفاع عن تلك المقتضيات في شبه التزام لاهوتيّ و دينيّ، يُفضي في النّهاية إلى إحداث الفرق في نمط خاصّ و سائد في التّفكير و استدعاء القول في المقول، على أنّه النّتيجة الوحيدة التي عليها أن تترتّب على هذه الأوضاع و الأحوال.

7 غالباً ما لا تُعلن الثّقافة عن ذاتها كنسقٍ للتّفكير، و لكنّها، و كأيّة سلطة، تجيد من أشكال التّخفّي و حالات الإضمار الخطابيّ ، مثلما تجيد ذلك مختلف ”الهيئات” ذات االاستراتيجيّات السّلطويّة المقترنة بأهداف معتقديّة و غايات عمليّة..
و عند هذه الدّرجة بالتّحديد ، علينا البحث على تلك الهيئة في ترسّبات الدّوافع و مكامن الّلا شعور و الّلاوعي، و هذا ما يدرسه علم نفس الأفراد و علم نفس الجماعات في تبدّي مفاعيل النّسق و تراصّه في الأداء.
و في كلّ حال فإنّه من السّذاجة انتظار تبدّي خطاب الثّقافة في المقول من النّصوص، و على العكس فإنّه ممّا يمكن أن يُحقّق لنا نجاحات تحليليّة أكبر، هو في أن نراقب الأثر الثّقافيّ في التّلقائيّات و العادات و زلّات العبارة و الإشارة و عفوّية الاستعارات و التّشابيه و الدّعابات المختلفة في مناسبات الانفراج العصبيّ، التي ترافق الأوضاع المتحرّرة من الخطاب تحت تأثير عوامل مادّيّة خارجيّة من التّحريك الكيميائيّ للرّاكد في قاع الشّعور و ثغور الدّفاعات الشّخصيّة، التي تتمترس وراءها مصفّيّات التّقطير المتراكم للنّظريّات مع مرور التّجربة و الزّمان، على رغم ما يخلقه هذا الوضع، أيضاً، من استراتيجيّات دفاعيّة للتّنكّر و التّخفّي و التّحوّل و المقاربة و الإسقاط.
و أمّا إذا كان لابدّ لنا من إسقاط أخلاقيّ، معياريّ و قيميّ، لهذه الصّورة المركّبة من المفارقات المحتشدة، فإنّه ليس لنا أن نعثر على أبلغ ممّا قاله (سقراط) من أنّ الإنسان لايتصرّف بشكل غير أخلاقيّ إلّا إذا كان لا يعرف ببساطة ماذا يعني أن يتصرّف بشكل صحيح!

● الثّقافة المادّيّة:

8 إنّ كلّ ما من شأنه أن يشكّل سلوكاً أو تصرّفاً يلبّي حاجات للجَسَد، يعتبر من قبيل الثّقافة المادّيّة، و يدخل في ذلك أساليب استعمال الأدوات و استخدام الوسائل التي تكّمل استطالات الجسد، أو تضفي على الجسد مظهراً متمّماً أو جماليّاً..
كما يُعدّ ثقافة مادّيّة أساليب التّعامل مع الآخرين بما في ذلك دماثة السّلوك و تهذيب التّبادل الاجتماعيّ في معرض العلاقات الخاصّة و العامّة، و الظّهور أمام الملأ في المناسبات الاجتماعّية العامّة؛ و كذلك الأمر بالنّسبة إلى ضروب المجاملات اليومّية و قواعد السّلوك.
و أكثر من ذلك فإنّ التّصرّفات اليوميّة التي تُعدّ من أصول المعاش و قضاء الحاجات الخاصّة في انفراد الشّخص في دائرته الأكثر ضيقاً، إنّما تُنمّ عن مدى ثقافته المادّيّة، كلّما كانت تصرفاته الفرديّة خاضعة لقواعد الذّوق السّليم و الحياء الشّخصيّ الذي يفترضه المرء مكمّلاً لشخصيّته الاجتماعّية العامّة.
و على أنّ الثّقافة المادّيّة ترتبط بالوسط الخارجيّ للمرء، فإنّ ضروباً من أساليب الّلباس و طرق تعاطي الطّعام و طبيعة الحديث و صياغات العبارات.. إلخ ؛ كلّها و ما إليها هي من ضمن الثّقافة المادّيّة للبشر.

9 في كثير من الأحيان تتداخل الثّقافة النّظريّة مع الثّقافة المادّيّة، لتنتج منتجاً حضاريّاً لافتاً تندمج فيه آثار الثّقافة على مختلفها، ذلك لأنّ الفصل الكلّيّ الكامل بين أنواع الثّقافات النّظريّة و المادّيّة و الجماليّة و الحسّيّة و الشّعوريّة و الاستهلاكّية و الاستعمالّية، إنّما هو أمر متعذّر في الحقيقة..
و ما التّقسيم أعلاه إلّا لضرورات التّحليل الموشوريّ للبنية الحضاريّة في مختلف الأزمنة و الأمكنة، لا سيّما أنّ الثّقافة تتعلّق أيضاً بالبيئة الاجتماعّية و التّاريخيّة، فمقاييس ثقافة جمال عصر النّهضة الأوروبّيّ, على سبيل المثال، تختلف عن مقاييس ثقافة جمال العصر البورجوازيّ الأوروبّيّ، أو المعاصر.

● الثّقافة طريقة تفكير و أداء و أسلوب عيش و درجة من درجات الحضارة:

10 لا يخفى على النّابهين كيف تتّصل الثّقافتان النّظريّة و المادّيّة في مرحلة من مراحل تطوّر الشّخصيّة الإنسانّية في تمايزها عن التّخلّف الحضاريّ، عندما يجري التّبادل بين نوعيّ الثّقافتين المذكورتين، و يجري تقاطعهما في منطقة التّفكير حتّى يصحّ القول الشّائع بأنّ الثّقافة هي ما يبقى فيكَ بعد أن تنسَى كلّ شَيء!
فالثّقافة لا تحتكرها المحفوظات الاستعراضّية التي يتلوها المهرّجون و المدّعون في الصّالونات الأدبّية و السّياسيّة و الاجتماعّية و الإعلامّية..
و هي لذلك عفويّة التّأثير بأصحابها، و هي قدر لهم عندما تتجاوز في المكوث منطقة الذّاكرة، لتتحوّل إلى هيئة للشّخصيّة لا يمكن التّنازع عليها مع الآخرين..
إّنها البصمة الحضاريّة التي يتميّز بها صاحبها في أكثر حالاته عفوّية و تلقائيّة و فطرة ثانية.
و مع هذا المكان الخاصّ التي تحتلّه الثّقافة فإنّها تتحوّل إلى حالة من حالات الثّبات الشّخصيّ عند درجة من درجات التّطور و التّحضّر غير قابلة للارتداد.

11 و في هذا الطّور، فإنّ الثّقافة تُعيد صياغة المكنون العباريّ في لغة الدّماغ لتصنع من صاحبها شخصاً يزداد فرادة جديدة على فرادة قديمة هي قابليّاته للاختلاف.
و عندما تصل آثار الثّقافة غير الرّدودة إلى هذه الدّرجة من إسهامها في تكوين النّفس البشريّة، تستولي ببساطة على جميع جوانب أداء المرء، فتشكّل خلفيّة لدوافع هذا الأداء، لتظهر على أنّها طريقة فريدة في التّفكير و الأسلبة الشّخصيّة، في تقاطع لمختلف آثار الثّقافات الفرديّة في لغة التّفكير التي لا يعلنها إلّا أداء الفرد و أسلوبه في هذا الأداء، الذي يعكس طريقة التّفكير نفسها، إذ أنت لا يمكنك الحكم على طريقة تفكير أحدهم إلّا بمراقبة و تقويم أدائه العفويّ و غير المنظّم أو الواعي، ليتحقّق قول العرب بأنّ ”الأسلوب هو الشسّخص”.
و واضح من هذه القول أنّه يبحث في ما لا سيطرة واعية للشّخص فيه على أفعاله، و إنّما يتعمّق لرقابة و تقويم عفويّة الأسلوب و الأداء، اللذين ينبعان نهاية من تفكير متّصل و منسجم و متواصل، لا يقطعه قاطع ظرف أو قاطع طريق، و لا يتلون بألوان المناسبات و تمثيليّات الظّرف و مسرحيّات الحدثان.

12 تطبع طريقة التّفكير و أسلوب الأداء، الشّخصَ بطابَعٍ فرديّ ينمو كبصمة شخصيّة نفسيّة، تترك أثرها الشّديد المباشرعلى جميع صروف حياة المرء، من أبسطها و حتّى أكثرها تعقيداً و مسؤوليّة و انتماءً إلى صميم كينونته..
إذ الثّقافة صياغة جديدة للشّخص تدخل في تقويم درجة تطوّره و تحضّره و انتمائه إلى لغة العصر و كياسات جمالات الزّمان.
و غالباً ما يجري، في الأوساط الأكثر رقيّاً حضاريّاً، تقويم أداء البشر و طرق تفكيرهم و تصرّفاتهم، بردّ جملة السّلوك إلى حظائر التّخلّف و التّحضّر، هذا الذي يندمج في استرسالات التّقويم و الأحكام، واقع الثّقافة نفسها التي حاز عليها الشّخص أو لم يحز عليها لسبب من الأسباب، أو لمجموعة كثيرة من الأسباب.
إلّا أنّ هذه الأسباب التي تعلّل عدم ثقافة الشّخص، غالباً ما تنضاف في التّصنيف إلى حظيرة السّلب و المحدوديّة و البدائيّة و ربّما التّوحّش و الهمجيّة، بحيث ينبثق، تلقائيّاً، ذلك الفرق النّوعيّ الكبير بين المثقّف و بين غير المثقّف.

13 و على رغم ذلك فإنّ علينا الانتباه و الحذر من ممثّلي أشباه المثقّفين و أنصافهم و أرباعهم، بحيث نكون معهم أمام مصيبة اجتماعيّة، لا بدّ و أننا صادفناها كثيراً في حياتنا اليوميّة في مناسبات الاستعراض و التّسويق الكاذب للشّخوص البائرة.
و لقد تطوّرت هذه الظّاهرة الكاذبة تطوّراً سريعاً مؤخّراً، إذ تستدعيها فراغات الّلحظة الحضاريّة و السّياسيّة في المفاصل التّاريخيّة و الانعطافات الحادّة، التي تعلّل أوهام هؤلاء بأنّ الزّمان قد جاد بهم أو جاد لهم بأسباب الانتشار.
و يقدّم الإعلام، عادة، و الأجواء الرّسميّة.. هذا النّمط من أشباه المثقّفين في الحالات التي يتطوّر فيها نمط آخر من المثقّفين و العارفين، بإيقاع هادئ يتناسب مع مسؤوليّات الحاجة التّاريخيّة و الأمل الكبير الذي ينعقد على هؤلاء، غير آبهين بالسّرعات ”الضّوئيّة” التي يسلكها أولئك ليحجزوا لهم أمكنتهم في صدارة المشهد الثّقافيّ الوطنيّ المسؤول مسؤوليّة تاريخيّة، تُحتسب في مستقبل النّتائج على الأصالة أو الخلاعة الثّقافيّتين، ناهيك عن المصداقيّة الأخلاقيّة التي تفصل بين النّمطين أو بين مختلف أنماط ”المثقّفين”.

14 و مع تمييزنا للثّقافة عن المعرفة، إذ ترتبط الثّانية بمشروع فلسفيّ و سياسيّ متكامل، على عكس الأولى التي، كما قلنا، هي أسلوب تفكير ناضج و شكل و مضمون أداء متجاوز و رفيع..
فإنّنا لا يُمكننا إغفال واقع أنّ الشّعوب المتحضّرة، و التي تجاوزت محدوديّاتها الحضاريّة و تخومها القبليّة و العنصريّة، إنّما هي الشّعوب التي احتكرت بجدارة وصف الشّعوب المثقّفة عندما اتّسمت بسمات نهائيّة كشعوب متقدّمة و متحضّرة..
فيما احتكرت الشّعوب غير المثقّفة، على ما هي الثّقافة وفق ما قلناه، صفات التّخلّف و الهمجيّة و المواقع البدائيّة في حضارة هذا العالم الحازم في أحكامه النّهائيّة و المعبّرة و التي يتأجّج تقدّمها باطّراد.

*******

وفيما يلي تعقيب الشاعر والمهندس ياسين الرزوق زيوسأ ياسين الرزوق1:

في حديثك ترتكز الثقافة على مرتكزات انطلاقتها و لا تقف عند أقرب قبرٍ يغزوها ليطمرها بخرافات البائدين لأنَّ الثقافة هي انطلاقتنا من مجهولٍ لا ندركه إلى معرفةٍ قد ندركها و قد لا ندركها و من مجهولٍ ندركه إلى معرفةٍ فارغة أو ممتلئة كمْ علمناها في ترهات العمي و في بصائر المبصرين!

و منْ يدركُ طريقة تفكيرك يعلم كمْ أنَّ الكمَّ الثقافي يرفعك إلى مرتبة العارف و كم أنَّ الأسلوب السياسي يرفعك إلى رجل دولةٍ من الطراز العالي المتسامح حتى مع ألد الأعداء و الخصام!

نعم الثقافة طريقة تفكير قد يرتقي بها أسلوب الحياة و قد تنزل به و بأصحابه إلى أسفل السافلين و الدليل من يمارسون طريقة العيش القديم بثقافة التفكير الرجعيّ و هم يخالفون مقولة الصلاحية الزمانية و المكانية لِدِينٍ معين و ينفون أيَّة محاولة للتدجين بما يتواءم مع الحداثة و التحديث أو التحديث و الحداثة!
و عليه:

1 ) : الثقافة هي ارتقاء أو هاوية لن يرقى إليها الباحثون عن العلياء أو عن الجحيم في تراكمات المعيشة و في تغيرات العيش الذي يخضع لظروف ضاغطة و لاتجاهات مجهزة في دهاليز السياسات و في غرف القرارات العالمية التي لا يدري بها من يُروَّجون كمثقفين و مَنْ يُستَغَلُّون كمفكرين, و وحده العارف يبقى في بقعته المضيئة على مسافة كافية من الانحياز و عدم الانحياز وفقاً لرؤية ثاقبة و لتساؤلات ملحة..

2 ) : عندما نسمع مثلا عن نبيل فياض و عن الصعلوك المتعملق محمد بوداي..
و كذلك عن أدونيس و عن نزار قباني و عن نجيب محفوظ و عن محمد حسنين هيكل و عن قاسم أمين و عن طه حسين و عن جملة من الأسماء غير المتساوية بالمقدرة و بالمنزلة و حتى بالاتجاه لا ننفي مطلقاً حرب المجالس و المحافل الناعمة بمثقفين يُسخَّرون "و لا أحد ينجو من التسخير" لاتجاهات ضاغطة لخلق تحالف أو صراعات تفرض حيثياتها على أساليب الحياة عندما تنطلق من طرائق تفكير خضعت لتمازج ثقافات و لتلاقح فطرة سماوية مع أعراف مجتمعية مع تمرد حداثوي يجعل الصيغة المطلوبة متناحرة ما بين الآباء و الأجداد و الأحفاد تبحثُ عن دم الحقيقة حتى تسري في جسد الحياة الأنسب و الأكثر ملاءمة لمفهوم الصلاحية الزمانية و المكانية.
و وحده العارف المثقف من يجعل التسخير مبصراً الوطن بما لا يعمى عن التغيرات المحيطة و من يدرك أساليب الحياة و ثقافات الأمم كي يجعل طرائق تفكيره منفتحة على الإنسان في كلِّ بقعةٍ من هذا العالم الذي لا مكان فيه للضعفاء, فالجاهلون هم الأكثر عرضة للتسخير الأعمى لا للتسخير المبصر ببصائر المسخِّرين و المسخَّرين!..

3 ) : طريقة التفكير هي ثقافة معرفية نهضوية عندما تنهض بالأمة من متلازمات الجهل و من عقده التي تلازم الماضي و الحاضر و المستقبل و من فتاواه القرضاوية و العريفية و الأردوغانية.
و هي أيضاً ثقافة تجهيلية قاعية عندما تسقط الأمة من قاع إلى قاع دون موازنات و دون حسابات بعد تسليم العقل لمصاحف الغيبيات لا التنوير و عند تسليم الجسد و الروح و النفس و القلب لفرائض الجهل و التجهيل المقدسين!

4 ) : الثقافة إما أن توأد في مكانها بسطحيتها و تفاهتها إذا لم يتم تعويمها لأهداف عالمية أو أنْ تنطلق من الفردانية الشخصانية إلى النظرية المعرفية العامة لتكون سمتها الأسلوبية شخصانية المعنى و عامة الإسقاطات أو لتكون سمتها الشخصانية أسلوباً عاماً متوَّجاً بنظريات متضاربة ما بين الشخص و الأسلوب و الأسلوب و الشخص فإما أن تصغر فجوة التناقضات بأسلوب الشخص الذي يمثِّل نظريته أو أن تكبر بالشخص الذي لا يعي أساليبه,
و إذا ما قلنا أن الشخص هو الأسلوب فنحنُ ننفي المعطيات المحيطة المدجنة بما يخالف الأسلوب الحقيقي بتكتيك أسلوب جديد طارئ من قبل المثقف نفسه أو المتغلغلة داخله وعياً و لا وعياً .
كما لا يمكننا النكران أنَّنا عندما نقول أنَّ الأسلوب هو الشخص إنَّما نزيل بهذا الاندماج كلَّ قاعٍ نسقط فيه, فلا الشخص يخلص لأسلوبه و لا الأسلوب يبقى مرتبطاً بنسب الأشخاص فما يمثله محمد عليه صلوات محبيه و مريديه من قيمة عالمية و أسلوب قيمي كما يراد له وطنياً تسقطه أنساب الأشخاص الذين ينظِّرون بالأسلوب بغائية الالتواء الحتمي و الالتفاف الفج المكشوف ما يجعل الأسلوب بفصامية مع أشخاصه و الأشخاص بفصامية مع كل تطبيق أسلوبي يختلف ما بين الأقوال و الأفعال!.

5 ) : لنا بحديثك أن نجعل الأسلوب إيمان شخصك به و إيماننا بكما و لنا بمعرفتك أن تجعل شخصك أسلوباً معرفياً يوصل العامة إلى إدراك الفرق بين الفصل و الانفصال و بين المطابقة و الفصام دكتورنا الغالي بهجت سليمان Bahjat Sulaiman.

March 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
24 25 26 27 28 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
31 1 2 3 4 5 6

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟
عدد الزيارات
5678660

Please publish modules in offcanvas position.