يحيى زيدو: (تراب).. جدلية الحياة و الموت

بدأت اليوم على خشبة المسرح القومي بطرطوس عروض مسرحية (تراب)، إعداد: إيناس حسينة، و زينب زمام عن نص (رثاء الفجر) للكاتب العراقي (قاسم مطرود)، إخراج: إيناس حسينةلا يتوفر نص بديل تلقائي..
افتتحت المخرجة مسرحيتها بعبارة ترحيبية دالَّة: «إذا كنا من تراب.. كيف لا ينبت الورد منا». ليبدأ بعدها العرض المسرحي الذي يتناول ثنائية الحياة و الموت في جدليةٍ فلسفيةٍ دون إغراقٍ في الرمزية، أو المباشرة الخطابية.
تدور أحداث المسرحية الكبرى في المقبرة من خلال زوجين ماتا بفارق زمني لتلقي روحاهما في العالم الآخر. إنهما ربَّا عائلة اختبرت الموت بمعناه الوجودي، و لم يبقَ من الأسرة سوى الابنة (سعدى) التي أبدعت في أداء شخصيتها الممثلة (مدى سليمان). الابنة ترجمت المعاناة الوجودية للموت في مونولوجاتها، و أسئلتها القلقة حول حق الحياة، و الموت، و حول الحق ذاته.
الموت في (تراب) ليس موتاً فيزيائياً، بل كان أقرب إلى مفهوم (الفناء) عند المتصوفة، حيث الموت حياة.
بهذا المعنى الصوفي الوجودي المركب لمفهومي الحياة و الموت يمكن أن نفهم مضمون مونولوجات الابنة (سعدى)، و الحوارات التي تجري بين الزوجين في العالم الآخر، و هما يتحدثان عن تجربة الموت في الحياة، و عن الموت المتعدد الذي يختبر الانسان بين ولادته الأولى و موته الأخير، و عن الشغف الذي يتجدد ليقتل الموت الذي بدوره لا يستسلم لشغف التجدد في الحياة، و لا يريد أن يسمح بقيامة جديدة للإنسان الذي يتماهى، أحياناً، مع العبث حين يفقد إرادة(و ربما ملَكَة) الشغف.
تقدم المسرحية حالاتٍ مختلفةً من الموت، ابتداءً من موت الفرد الوحيد، إلى المجازر الجماعية، إلى الشهيد الذي لم تعرف أمه معنى معاناة الموت إلا بعد موت ابنها، مع أنها عانت من موت الزوج سابقاً.
الأم التي عانت تجربة الموت من خلال إحساسها بأن ابنها ينزف، و يتألم، و يبكي، و يعاني، ثم يموت.. ليكون الموت، هاهنا، رمزاً لموت الانسان و الضميرالأخلاق فينا، بقدر ما هو دعوة للشغف بالحياة التي تبدو مجرد تجريب، يحيل إلى قيامات جديدة كلما وعينا بعمق معنى الحياة و الموت، و جدليتهما الأبدية.
الموتى في (تراب) لا يموتون، بل يبقون فينا، في اللمسة على الخد، في الضحكات، في الرائحة، و كلما بللنا تراب الراحلين بالدموع ينبعثون من جديد خالدين في الذاكرة و الوجدان.
حارسا المقبرة كانا نموذجين للأشخاص اللذين يعيشون على هامش الحياة، مستسلمين لعبثية أقدارها، تقف الابنة في مقابلهما كحياة تتجدد، و يتجدد فيها الشغف، و حضور الراحلين كأحياء و ليس كأموات، من خلال رقصةٍ متقنةٍ مزجت بين المولوية و التعبيرية بأداء لافت للممثلة (مدى سليمان) التي أدت الدور باحترافية عالية. و كذلك كانت (زينب زمام) مبدعة في أداء دور الزوجة، و بدت خبرة الفنان (عزام الضابط) واضحة في أدائه المتقن لدور الزوج.
و من قرأ نص (رثاء الفجر) يستطيع أن يلحظ الاجتهاد الكبير للمخرجة إيناس حسينة، و زينب زمام في إعداد العرض، و تبييئه باللهجة العامية، ليكون معبِّراً عن الموت في الواقع خلال سنوات هذه الحرب الكونية على الانسان في وطننا. ديكور العمل كان بسيطاً، و موحياً بلا تكلُّف أو مبالغة، و الإضاءة المدروسة أضفت عمقاً، و بعداً جمالياً للديكور البسيط. اختيار الموسيقا كان موفقاً متناسباً مع الموضوع و الحدث.و إذا كان معظم فريق العمل يقف على المسرح للمرة الأولى، فإن (تراب) هي العمل الأول للمخرجة إيناس حسينة التي بدت ممسكةً بأدواتها بشكلٍ جيدٍ، و أدارت فريق العمل باحترافية تستحق التهنئة عليها.
لأسرة مسرحية تراب.. كل التحية و الشكر لأنكم لامستم فينا الانسان المتجدد بالشغف، و المتفائل بقيامة جديدة بعد كل موت.

March 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
24 25 26 27 28 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
31 1 2 3 4 5 6

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟
عدد الزيارات
5643404

Please publish modules in offcanvas position.