تجربة محمد عيسى الشعرية: الانتظار داخل العلبة وخارجها!

ماذا يعني أن تنتظر؟!
يتغير مفهوم الزمن والانتظار، وفقا لآليات الحديث الذي نذهب فيه، فالانتظار في الدَيْن غيرُه في الثورات، والانتظار في العشق غيرُه في طابور طويل للحصول على ربطة خبز، والانتظار في السجن هو ذاتُه إقناعُ النفس بأن ثمة أملا ما قادما، فكيف إذا كان الانتظار في علبة مغلقة على كل الاتجاهات وعلى فوق وتحت، ولا أمل؟!
ثلاثة عناصر تحتاجها فلسفة الانتظار:
الأول: أن تكون وحيداً، أو مندمجا مع من يشاركك الانتظار.
والثاني: أن تقعَ في شبهة الوقت، فيضيعُ منك وتضيعُ منه.
والثالث: هل سيأتي من تنتظرُه؟ وذلك سؤالٌ يجيب عليه صموئيل بيكت وغابرييل غارثيا ماركيز.
عندما تقرأ نصوصَ محمد عيسى الشعرية، ينتابك القلق وتصاب بالدهشة أحياناً، فإذا كنت تعرفُه تنتابُك الأسئلة، وإذا كنت لاتعرفه تشعر أنه يطرق بابك لتتعرف عليه!
أنا أعرفه، وأنا أيضا لا أعرفه..
هو ذا رجلٌ يمتشقُ الهدوءَ ليغطي فوهةَ التنور، رجلٌ باردٌ في الخارج يشبه تمثالَ المفكر للنحات العالمي رودان تراه في عمق تفكيره يمثّل الإنسان في قمة قلقه الحضاري، لكنه في المعنى الخارجي مجردُ حجر!
رجلٌ قادرٌ على الصمت.. وذلك ما نحب أن نعرفه جيدا!
هذا يعني أن نصوصَه تأخذك إلى درجة الاندماج مع المعنى، وفي المعنى صدق عالي المستوى في العبارة الناضجة التي يقدمها على يده بدلا من أن يقدمها على طبق!
تعال ياصديقي
هل ترى تلك الصخرة؟
ستلقاني متكئا عليها
وعندما يأتي القطار
لاتنسى أن توقظني
لأبدّل،
جهة الاتكاء. ص 9 من ديوان شيء ما /الأعمال الكاملة
هذه هي تيمة الانتظار عنده، فهو يعتقد أن الانتظارَ قدرهُ، حتى لو جاء القطار، وأن الوقت مرهونٌ في سياق المساحة المخصصة له في الحياة للانتظار، وأحيانا يتمرد عليه، فإذا به يستسلم سريعا ويعود إلى الطابور!
ماذا يعني أن تنتظر؟!
يعني أن تكون وحيداً، والوحدة عند محمد عيسى تفتح على مجموعة أنواع ارتدتها نفسُه، وكأنه ذهب إلى السوق، وتبضع آخرَ صرعات الوحدة والعزلة ليكون بعيداً عن تناص عاشه الشعراء وخاصة في النموذج الأنيق الحديث الذي عاشه بدر شاكر السياب، من قبل، عن الانتظار والوحدة، وهو يقول، أي السياب:
الصمت عميق
لم يبق صديق
ليزورك في الليل الكابي
والغرفة موصدة الباب!
يؤسس محمد عيسى لنفسه عبارةً من نوع خاص، عميقة كما الفكر الذي أراده رودان في تشكيله النحتي ومعجونة بالبساطة التي تأخذ بيد القارئ إلى الدهشة، وهذا هو جوهر إبداع العبارة الشعرية عنده، إنه يرسم الصورة، ويبحث عن مكان مناسب له فيها ليقيم فيه، وسريعا تراه وحيدا في مكانه الذي بناه في صومعته الشعرية..
عندما سقط الثلج
واختبأ عصفور صغير،
كان المساء.
وكنت وحيداً. ص19
ويقول في مكان آخر:
يا"لتوهتي"!
نسيت يدي في جيوب المساء
وأنا أفتش عن مكان للمبيت
وصديق يأنس الدفء
فنغفو متربعين في منتصف الحكاية. ص 78
وأيضا نقرؤه في نص رائع عن الوحدة والعزلة، فيقول:
إذا صُرعتْ نافذتك على عجل
فلا تظنن بأنها الريح!
قد يكون الصمت
هو من اقتحم عليك غرفتك
هربا من العاصفة. 187
هو وحيد إذا. وتلك هي التيمة الأولى في فلسفة الانتظار، بمعنى أن لا أحد يفهم عليه، تماما كما يحصل مع الأنبياء أو مع أصحاب الأفكار الجديدة، الذين يرحلون قبل أن يفهمهم الناس. وفي وحدته صورةُ الاندهاش من هذا العالم، فالعالم غريبٌ غريبٌ إلى درجة الاستحالة، وفيه تبحث العبارة مكان وزمان آمنين!
كان الوقت كاهنا
يُحمِّرُ عجوَله على منقلِ الفجر
فيما الصباح يتقدم بطيئا
ويرتبُّ صِحافه النحاسية
على سفرة الكائن. ص54
مع التيمة الأولى في فلسفة الانتظار، ثمة تيمة أخرى، يصنعها محمد عيسى هي الوقوع في شبهة الوقت، فالوحدة غالبا ماتفصّل الوقت على مقاسها، لكن السمة الغالبة هي لزوجةُ الوقت وبطؤه تماما كمن يقيس الوقت في علبة مغلقة، وهو يعلن ذلك شعريا دون تردد:
سها الوقت.
العمر صهيل ولاخيول.
على رصيف الدقائق
تتسكع الثواني
وأنا، شارة مرور. ص27
توصيف يخرج عن كونه شعريا إلى كونه رؤيا، ألا تذكرون خليل حاوي الذي جرّته فلسفة الانتظار إلى الموت انتحارا عام 1982، فك وقتها لغز الوقت في حالته، فيقول أي خليل حاوي:
«هذي العقارب لا تدور /
رباه كيف تمطّ أرجلها الدقائق/
كيف تجمد.. تستحيل إلى عصور».
عند محمد عيسى محاولةٌ لمكاسرة الوقت بممارسة الاضطهاد عليه وتفريغه من المعنى، ويالها من لحظات صعبة أن يكون الإنسان في علبة تحدها الجدران من جهاتها الأربع ومن فوق ومن تحت، وليس أمامه إلا إيجادُ معنى ما للانتظار، وهنا يكاسره محمد عيسى ويفرغه من معناه:
أنا الطالع على شرفة غبار الماء
أُقلّم الوقت على أظافري
كيلا يؤلمني انتعال الزمن. ص 44
وشبهة الوقت هنا، تشبه حكاية بحار غريق عند غابرييل غارثيا ماركيز، فما الذي سيحمله الموج للبحار الغريق، ما الذي ستحمله صحراء الملح، أي البحر لرجل ضاع في اللجة، لنقرأ:
لماذا تصر على انتظارك؟
اتنتظر المركب ليأتيك
ليعود إليك
ماذا تنتظر؟ ص89
لاحظوا هذه السخرية وقد ارتدت ثوبَ التشفي من الوقت من خلال أسئلة توجه للذات عن الجدوى من الانتظار: أتتتظر المركب ليأتيك؟! تماما كما هي عند ماركيز في حكاية البحر: لايمكن تصور قدوم المركب! ومع ذلك يأتي، ونتذكر هنا مسرحية المحطة للرحابنة عندما نسمع صافرة القطار القادم بعد انتظار قطار وهمي في كذبة اسمه المحطة..
بقيتْ التيمةُ الثالثة.. وهي تمية تميّز نفسها عن غيرها في فلسفة الانتظار باحتمالية مزدوجة:
ماذا لو لم يأت المركب، وتلك هي تيمة بيكيت.
وماذا لو جاء المركب؟! وتلك هي تيمة ماركيز.
وفي عجينة سحرية خرج محمد عيسى من شعرية الانتظار في مفهوم (العلبة)، إلى شعرية الانتظار وقد خرج من (العلبة)، وفي هذه العجينة زمنان واضحان يقوم هو بتحديدهما، فالانتظار خارج العلبة يتمظهر في كتابات مائدة البراري والديوان الجديد الذي بين أيدينا..
والعجينة هنا صنعها من أجواء الخروج من العلبة التي كانت تؤطر كتابات ديوانه الأول (شيء ما)، فّإذا نحن أمام نوع جديد من الانتظار ففي مقام الضجر يكتب:
أنا من رأى الفجر
يطير رفوفا من الدماء
ويحط على حائط المساء
كان الوقت مطراً
والإحساس فجيعةً تغلق الأبواب
على النحيب
لكل حائط مبكاه
ولكل نسمة غصن يميل ص 147، 148
هذه هي التيمة الثالثة تصنع فلسفتها سريعا، يؤجج فيها معنى الانتظار وهو في مرحلة الانتهاء، في مرحلة مابعدَه، لأن مابعدَ الانتظار في هذه الفلسفة هو نوع من الانتظار الجديد:
يقول الواقف على الرصيف:
تأخرتُ عن الموعد.. لم يأت السرفيس"
تقول الصبية وهي تجلسُ في الحديقة:
لو رآني قبل أن يراها..
لاشيء في أوانه
دائما يسبقنا أو نسبقه
خلل ما في التوقيت
ربما
لايحاسبنا الله عليه. ص19
يا ألله.. كيف تغيرت العبارة عنده ، أضحت تحمل كل المعاني دفعة واحدة، فهذا الخلل الذي يتحدث عنه يعبر عنه تلقائيا في ديوانه الأخير (لاشيء في أوانه)، وهو ديوان يمكن وصفه بأنه ديوان الحرب، لأنه يحمل هواجس الحرب التي مرّت على السوريين . لكن التيمة الثالثة من الانتظار كانت فيه، فبعد ثلاثين عاما على كتاباته الأولى في ديون (شيء ما) يقرع محمد عيسى باب الزمن الشعري، ليكتشف من جديد أن لاشيء في أوانه، فيتمنى لو أن ماكان لم يكن:
لاشيء في أوانه
كل ما مضى مضى
آه لو كان غير ماكان
الأهل والأصدقاء والعمل والمكان والقناعات والوقت
والحب
والوطن.. ص 21
وفي قصيدة فيزياء رياضية ينتهي إلى نتيجة هي خلاصةَ الصمت الطويل في فلسفته والتي عبر عنها رودان في تمثاله، يقول محمد عيسى:
الوقت خط أفقي
وكما يقال
((ان لم تقطعه قطعك))
فإن قطعته..
يصبح الوقت
ناقص ماقبلك
وناقصَ مابعدكَ ص69
إذا كان محمد عيسى شاعرا يرسم أفقا خاصا به لفلسفة الانتظار، فهو وحيد. كان وحيدا ، وظل وحيدا، أوقعته الأيام في شبهة الوقت ، فراح يعد الثواني في زمن العلبة، وعندما جاء المركب اكتشف أن الانتظار قدر!

عماد نداف

July 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
30 1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 31 1 2 3

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟
عدد الزيارات
7157260

Please publish modules in offcanvas position.