n.png

    شارك برأيك

    مارأيك بالهدنة؟

    محمد فريد عيسى: الضماد... (قصة قصيرة)

    كان يجلس على كيس من الرمل....!

    أسند رأسه على أحد الأعمدة بعد ان نزع خوذته الثقيلة عن رأسه, ووضعها على ركبته المثنية قليلا. وقد غطى صدره درع سميك أخفاه تحت جعبة كبيرة تمتلئ جيوبها بأربعة مخازن, وقد ثبتها بسير جلدي لف كامل الجذع, أخفى بينها وبين الدرع شيئا ما... بينما كان بصره يرقب الشارع المقابل من خلال فتحة كبيرة في الجدار.

    • كوة اخرى تقع على اليمين ذراعا وأعلى منها شبرا أو اكثرا حيث يركن رشاشه في الطابق الرابع من المبنى المطل على الشارع الممتد طويلا وقد تدلى منه شريط طويل يمتلئ بالطلقات. وتستطيع ان ترى في الجوار مئات الطلقات الفارغة تنبئك بعنف معركة الأمس.

    لم يمض على وجوده في الفصيلة هذه سوى أيام قليلة, فقد كان آخر جنود الإحتياط الذين وصلوا رافدا يعزز صمود هذه الوحدة التي ماتزال تواجه هجمات منتظمة يشنها الإرهابيون منذ اكثر من اسبوع

    • لهيب شمس آب التي جعلت من ظل العمود الذي يتكئ عليه ملاذا تستشعر بها نسيمات خفيفة تعزي حسدك الذي يتصبب عرقا, فيتوشح الرداء خريطة تتلون مساحات من الخطوط البيضاء, وتغريك بقيلولة تمتزج بالنعاس صور من تركهم خلفه تزدحم في مخيلته, وهو يغمض عينيه قليلا وكلمات أمه التي ودعته عند أخر القرية تكاد لا تفارق مسامعه, وهي تدس في يده أربعة أرغفة كانت قد خبزتها هذا الصباح أكل ثلاث منها في الايام الماضية بينما خبأ الاخيرة بين الجعبة والدرع.

    • مد يديه إلى الرغيف تحسسه بيده, فكر أن يخرجه لكنه تراجع وابتسم ابتسامة غامضة وعاد ليسند رأسه مرة أخرى ويغط في إغفاءة قصيرة أيقظه منها صوت إطلاق نار كثيف كنمر جبلي التقط خوذته قبل ان يصل الى الرشاش, ويفتح النار سيلا من الرصاص انهم يهاجمون الفصيلة مرة اخرى.

    • فجأة توقف اطلاق النار, وغطى المكان صمت مريب, وبدا أن الشارع خاليا إلا من جثث هؤلاء وقد تناثرت على الرصيف عند أخر الشارع ترك مكانه وانتقل الى الكوة الاخرى التي تقع الى اليمين ونظر من هناك, ولكنه لم ير جديداً.

    • تقدم خطوة أخرى, ومد رأسه وبعضا من جذعه, واستدار نحو اليمين ثم ارتد سريعا الى رشاشه (إنهم هناك صرخ بأعلى صوته. وقد فتح وابلا من النار), كان العرق البارد يتصبب من جبينه, ويدخل بعضا منه الى عينه اليمنى فيحجب الرؤيا خلفه. فيبدو المكان كمن ينظر من زجاج متصدع يرفع ابهامه الأيسر, في حين لا تزال اليد الأخرى تمسك قبضة الرشاش, ولكنه أحس بشيء بارد يسيل وينسكب متئدا صوب الخاصرة اليسرى يتحسس الكتف إنه الدم.... فقد اخترقت رصاصة فاجرة صدره تحت الترقوة بقليل.

    أي شيء يوقف نزيف الدم, قالها في نفسه. بينما كانت ثلاثة من أصابعه تتسلل بين الدرع والجعبة وتخرج جزءا من الرغيف الذي كان قد غيبه هناك ويطويه مرات قبل ان يحشره بقوة بين جسده والدرع الذي يلبسه, ثم يتراخى الجسد كضوء يتخافت ويتكور خلف الرشاش بلا حراك.

    عندما استفاق من غيبوبته على سرير المشفى كان الطبيب يقف عند رأسه ويسأله كيف خطرت لك هذه الفكرة وقتها ابتسم وقال

    • - ولكن اين الجزء الاخر من الرغيف؟ إنه مع بقية عتادك ولكن ما حاجتك إليه؟ قالها الطبيب مازحا.

    وبكثير من الجدية أجاب الجندي:

    - (ربما احتاجه كضماد في المرة القادمة)

    November 2018
    Su Mo Tu We Th Fr Sa
    28 29 30 31 1 2 3
    4 5 6 7 8 9 10
    11 12 13 14 15 16 17
    18 19 20 21 22 23 24
    25 26 27 28 29 30 1
    عدد الزيارات
    4546951