ليندا إبراهيم: "الدَّليل.."

أخذت تمشي على غير هدىً، باحثة عن بوصلة روحها التي أضاعتها منذ سبعٍ شدادٍ ونيِّف.. مسترجعة تلك الحكاية الشَّعبيَّة التي تفيدُ بأنَّ "العربَ" كانت تسير ويسبقُها شخصٌ ذو مواصفات مميَّزة محدَّدة في الصَّفاء والاستشراف و نقاء الرُّوح و توقُّد الذِّهن يسمُّونه "الدَّليل"، كانت مهمَّتُه استشراف الطريق الصحيح وسط مَهَامِهِ الصَّحراء، و متاهاتِ الأراضي الشاسعة، مستدلاً بكل فنون و معارف و ميزات الاستشراف في معرفة السُّبل والطُّرق و المعابر و الممرَّات، ومواقع النجوم، وسمت الكواكب، ومساراتها في السَّماء، فتمشي القوافل تتبعه إلى حيثُ الهدف..
و كان أَنْ يتعب "الدَّليل"، ويضيع الاتجاه، لسببٍ أو لآخر، فتتوقف القوافلُ المسافرة، و يأوي هذا"الدَّليلُ" للاستغراق في "النَّوم" الفطري المعتاد بعد أن يطمروا رأسه وعينيه و يحجبوا عنه كل ما يقلق نومه، فينام لأجل غير مسمى، سوى أن يستفيق من تلقاء نفسه، عندها ينتبه و قد وجد الاتجاه و اهتدى للطريق...
ها قد هجعتِ الأرواحُ و انفضَّ السَّامرُ، و أوت "حياة" إلى كهفها الخاص، ومعبدها الأثير، مطلقة العنان لروحها كي ترتاح بلا أعنَّة الذكرى ووجعِ القلب.. ولكن أنَّى لها ذلك..
كان ثمَّة في الجرف المواجهِ، ترجيعاتٌ مُبهَمةٌ لرِيَاحٍ مجنونة غريبة، تطرق بلا رحمة على جدرانِ روحها، بشكل مؤلمٍ حدَّ أقاصي الوجع، شجرة القلبِ وحدهَا،من ترَاجَعَ نسغُهَا مُؤذناً بِخَريفٍ صعبٍ، وَ شِتاءٍ أصعَبَ، بينما أخذ ذلك الكحليُّ الغامقُ يضغط على روحها محاصراً ذلك البياضَ... كلاهُمَا شَهيٌّ،كلاهُما مُوجعٌ للآخر، كلاهُما لا يعرف الكلال. لملمتْ روحها... وعبثاً حاولتْ استحضارَ طيفه من مقبرة الرُّوح، هذا أولُ قمرٍ منذ أن افترق نجماهما، منذ أن خُلِعَت روحها من رُوحِه، هذه أول مرةٍ لا معنى فيها لدائرة القمر وقد اكتملت بحزن إليه شهيٍّ حد العبادة! لا معنى للجرفِ المُواجِه، حيثُ كان ملاذَ روحها المُوحشة هوَ البَاردُ الموحشُ الحبيب...
استدارت برقَّة نحو دائرة القمر، وسطعت دموعٌ ترقرقت من عينيها الطفلتين، و أخذت تهذي مع طيفه النَّدي: دُلَّني إليكَ... لقد أضعتُكَ... وهذا الليلُ مُوحشٌ يا حبيبي...
قالَ: هأنذا في رُوحِكِ... اسمعِي وقعَ خطاي.. أنا سرُّكِ الأزليُّ.. و أنتِ السِّرُّ لسِرِّي..
و انثـنَتْ لا تلوي على شيءٍ سِوى سِرِّه، حيثُ لا نرجسَ إلا وجهه، حيثُ غبطتُها وراحُها وَ رَيحَانُها...
قالتُ: و أي علقَمٍ أتجرَّعُ إذاً، وأنتَ في رُوحي؟...
قالَ:لأنَّني سُوريَا، وهذا دمي ينزفُ شهدَ حبٍّ لا ينتهي..
قالَت: هو شَهدُ الحبِّ إذاً؟...
أجابَ: بلى.. ولكنَّك على حبِّكِ لي نسيتِني مجروحَ الفؤادِ.. وهوَ نزفُ روحي ما تتذوَّقين..
وراحت سحابةٌ بيضاءُ تعبرُ سماءَ روحها، بوجهه الذي من نرجسِ الشوق... ودمع الياسمين.. وجهُه الذي يبكيها حتَّى أقاصِي الرُّوح، وجهُه الذي لا تعرفُهُ إلا كمَا تعرفُ روحها، و لا تراهُ إلا كمَا ترى روحها... وجهُه الذي يُبكيها هذا المساء، تماماً كشتاءٍ قارسٍ بين "تشرينين"... وجهُه الذي يبكيها، تماماً كقلبِ دمشقَ النَّازف، وَيُحييها، تماماً كما أحيا "حَلَب"... وجهُه الذي من ترابِ الصَّمتِ...و ذَهَبِ الغيابْ... و أخذت تهذي روحها باسمِه... تبكيه.. هو رفيق روحها!..
منذ ذلك اليوم البعيد، وهي تخاتلُ ذلك الوجهَ..تستحضرهُ كنبيٍّ يستحضر مليك الوحي.. كرسُولٍ يحفظ وجه الرَّبِّ في روحهِ دون أن يراه... و أخيراً وجدته تماماً كما تشاءُ... و أكثر...
و تماهى في ملكوته العَلِيِّ زائراً من ضوءٍ و طيفاً من عبير...
و جثت في المعبد مستغرقة في صلاة نورانية أخذت تعبق بها الأرجاء: "سلامٌ على أرواحِكُمْ أجمعين... أيُّها السُّوريُّون... الذين من صميم براءتكُم و طهركُم ووفائكُم يولد كلَّ فجرٍ صبحٌ جديد... سلامٌ على روحك أيتها الأم العظيمة النَّازفةُ جرحَ الأبد... سلام على أرواح بنيك الأبرار الأوفياء الأنقياء البريئين... سلام على أرواحكم أجمعين...
مَنْ قالَ إنَّ التُّرَابَ ظميءٌ فأقبَلُوا يروُوْنَهُ بدمائهم!.. مَنْ قال إنَّ جسدَ سُوريا مُمَزَّقٌ فجاؤوا يرفُونه بأجسادهم الصغيرة الغضَّة!؟ مَنْ قالَ بينَ تشرينَ و تشرين سيكُونُ غَمامٌ أبيضُ حزين..؟!
و طلع الصباح.. ونجمة "الدَّليل"، تنظر من عَلٍ إلى زهرة نورانية تفتَّحت قرب المعبد، و بقربها زهرة شقائق النعمان، ليست سوى ذلك "الدَّليل" الذي وجدَتْهُ، ولن تضيعه إلى أبد الأبد...

الثورة

May 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
28 29 30 1 2 3 4
5 6 7 8 9 10 11
12 13 14 15 16 17 18
19 20 21 22 23 24 25
26 27 28 29 30 31 1

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟
عدد الزيارات
6414016

Please publish modules in offcanvas position.