الصفحة الرئيسية

د. نوفل نيّوف: الكتابة فعلُ مقاوَمة.. رواية "في علبة الضوء" نموذجاً1

تدور أحداث رواية "في علبة الضوء" حول مسائلَ راهنةٍ، ذاتِ بُعد تاريخي وسياسي، حسّاسةٌ وشائكة، تتصدّرها، أو تقع في المركز منها، البيئة الاجتماعية الدرزية في لبنان، وتحيط بها ملابساتُ البعثات التبشيرية المسيحية في القرنين التاسع عشر وبداية العشرين من جهة، وإشكالاتُ القضية الفلسطينية، والحرب الأهلية اللبناية في الربع الأخير من القرن الماضي، من جهة ثانية. أ نوفل نيوف
تكتب الأديبة اللبنانية رلى الجردي روايتها بلغةٍ سلِسةٍ صافية، خاليةٍ من ضجيج المباشَرة ومجّانية النبرة الإنشائية العالية والاسترسال. تمتازٌ لغتها بفصاحة متَّزنة وانضباط نحْويّ لافت. لغة شديدة التكثيف والرهافة، تفيض أحياناً بحضورٍ شعريّ عميق وهادئ. تتخطّى ترهُّلَ الخطاب وانسياحَه إلى صور وشعارات. يظهر ذلك جلياً وآسراً معاً في تعبيرِ الفتاة نورـ الخيطِ الناظم لمحور السرد وروافده في الرواية كلِّها ـ بحرارة وجرأة وبَصيرةٍ نافذة عن زمننا وطرق تعاملنا اليوم، عن تجسيد حالات الحب واللحظات الحميمة: "...تركت نفسها تخوض هـذا النعاس الذي يقذفها نحو موجة صغيرة، ثم يتركها تبتعد مع موجات أكبر إلى أن تنزل المنحدر ويتقهقر جسمها في الماء، يستسلم للذة كما يستسلم الغريق للموت. <...> تشعر بشيء من الخيانة له ولنفسها في كل مرة تضج بالرغبة. هذا الجسم، جسمها، يقف لها بالمرصاد. يبدو لها عدوانياً. لماذا لا تصغي أعضاؤه إلى رغبتها؟ <...> تعرف أنها خائفة، وأن الشعور بالخطر يجعل الأجساد سمجة مضطربة" / "قليلاً من الحرمان كي تحصل على شيء من السعادة" / "جسدها كان يطلب التمهل بل كان يندفع رغماً عنها في اتجاه اليابسة كلما أجبرته على خوض الأمواج".
كثيراً ما تأتي التداعيات، فكريةً كانت أو شعرية، في ذهن نور على شكل استخلاصات دالّةٍ مكثفة، تُنقِذ من الشطط اللفظي والتكرار الممل، فتظهَر لها حقيقة إسرائيل التي "تبكي اليهوديَ كضحية أبدية، كشبح هائم. مَن يمعنْ في عشق الضحايا يثابرْ في خلق الجلادين. هو مثل مهووس يلتقط صورة واحدة مكررة عن جثته. يُقنع الآخرين بطريقة تكديس الجثث الفلسطينية كي يشفوا من الخوف". وفي لحظة أخرى، شعرت نور بـ "برعشة هلعٍ تسري في جسمها. حدقت في اللوح الأسود الممتد على طول حائط الغرفة <...> لم تكن عليه علامة بيضاء واحدة كأنه مكتفٍ بلونه فابتلع كل الألوان الأخرى. بدا صورة سلبية لأشياء لم تتلق الضوء في كامارا أُبسكورا؛ لأشياء فشلت في صنع نسخة عن نفسها تستحق أن نحتفظ بها. في تلك اللحظة، كانت إسرائيل هذا اللوح".
لا يهتم الراوي بجنازة الفقيد وحيد القنطار وأحزان أهله ومصير ثروته (بكاء، تفجع، مناقب، خلاف على الإرث...). ما يهمه، ما يخدم مسار السرد الروائي وينسجم معه، أي ما يمنح الكتابة أدبيتها وفنّيتها، هو تأثير موت الشاب وحيد على مسار حياة خطيبته مهيبة ومصيرها. فإذ ينشغل الناس بأحاديث عقيمة حول حكمة الله في موت وحيد وبقاء صديقه الكافر حياً، يتّخذ السرد طريقه نحو النهر، بما يحمله من دلالات، ويغلق باب اللغو: "وحده النهر احتفى بنيسان غير آبهٍ بالشكوك، جارفاً في حلقات مياهه تساؤلات الناس وتأويلاتهم. <...> مَن يذهبْ إلى النهر يرَهُ ماضياً بوقارٍ نحو بقاع أخرى، يلتمس رذاذ الشمس". وكل استرسال آخر سيكون استجابة لمغريات تعادل محسنات بديعية أو "دموعية" تحمِّل الرواية عبئاً لا طاقة لها به. ويظهر سحر المجاز في كثير من الصور البارعة، إحداها مستمدَّة من حياة دودة القز، تمثل بإيحاء مدهشٍ ما ستصير إليه مهيبة كمال الدين. فبعد مصرع خطيبها وحيد القنطار غرقاً في ساحل العاج، تجول في خاطرها ذكرى تربية دود القزّ، كأنها ترسم مصيرها المختار: "إن أرادت الدودة العذراء أن تقدّم أقصى ما عندها من جمال، لن تخرج من شرنقتها. لن تصبح فراشة. ستترك يد الشمس تخنقها. ستموت لتعيش بطريقة أخرى. ستصل خيوطُها إلى الكمال، متّحدة ناصعة كوردة البرقوق البيضاء".
يضبط المايسترو إيقاع السرد: كل التفرعات، والوقائع التاريخية والمتخيلة، كل الروافد والمجاري السردية، أيّاً كان شأنها أو وزنها، تصبُّ في سياق سردي واحد، يتّسع لها وتغذيه.
إن الأمثلة على الاقتصاد في التعبير، على التخفُّف ـ لا من العواطف والمشاعر العميقة ـ بل من الاسترسال والحشو الوصفي، كثيرة. ها هي نور تصل مطار بيروت بعد سنتَي غياب في أميرِكا: "كان أبوها في انتظارها. أدمعت عيناه وقبّلها قائلاً: طوّلتِ الغيبة يا بابا. فقدنالك كتير" / "كانت أمّها وكاميليا في انتظارها عند باب البيت. عانقتهما ضاحكة، ثم تأبطت ذراع أمِّها ومشت معها لتسلِّم على محمد. <...> لم يُطِل في المساء المكوثَ معهم في الحديقة التي عجَّت بالأقرباء والأصدقاء". وها هي تعود إلى حبيبها: "وصلت نور إلى نيويورك مع غياب الشمس. التصقت بجابر وهي تغالب البكاء. عبثت أصابعها بشعره. تنشّق عنقها وهمس: "اشتقتلج هْواية". وجرَّ عربةَ حقائبها وسارا نحو السيارة. تعمَّد إلقاء النكات ليعيد البسمة إلى وجهها". ولا تجعل نور من فيلمها مادّة للحديث، بل ولا تذكر أسماء أيٍّ ممّن معها في فريق العمل: مدير فنّيّ، مهندسُ صوت، شخص يُعنى بالإضاءة. ليس ذلك لانعدام أهمية الفيلم والأشخاص، إنما لانعدام تلك الأهمية هنا، في هذه اللحظة، في هذه الرواية بالذات. وحين تكون الشخصية ثانوية، مجرّدَ مفتاح إلى واقعة أو مشهد ما، لا تعطيها الكاتبة أكثر من جملة تعريفية واحدة محسوبةٍ بدقّة فنية عالية: "لم تجد نور بدّاً من الذهاب إلى المتن الأعلى لحضور عرس نوال، وهي زميلة قديمة لها في الجامعة". ليست نوال إلا مفتاحاً إلى مسرح جريمة طائفية/عنصرية شنيعة كانت نور شاهداً عليها. فقد تزوّج شابّ مسلم وفتاة درزية من دون موافقة أهلها، ثم استُدرِجا بدعوى المصالحة والعفوِ فهشّموا خِصيَتي الزوج وقطعوا عضوه الذكري، انتقاماً لشرف الطائفة: "والعنصرية، ألا يسمّونها كرامة الطائفة؟" ـ تتساءل نور.
هذه الجريمة تعيد إلى ذاكرة نور آراء صديقها المسيحي إيلي، أيام الجامعة في بيروت، بأن "الدين عائق يشبه الشلل، بل يوازيه. لو تحقق زواجهما لبدا للآخرين جسماً معطوباً"، عاهة في الجسد "لا يغيرها الفوتوشوب". ورغم تجربتها الفاشلة مع إيلي وحضورها مشهد الجريمة، لا تكتفي نور بالزواج في الغربة من المسلم العراقي جابر، أستاذ الرياضيات في جامعة لوس أنجلوس، بل وتغامر بمرافقته في مهمته العلمية إلى بيروت، عارفة أن القتل قد يكون مصيرَ أحدهما أو الاثنين معاً إذا ما انكشف وجودهما هناك. ولئن كانت الست سارة تقدِّم في نهاية الرواية لشقيقها بدري حلولاً (نفعية) عاقلة لتفادي وقوع جريمة طائفية/عنصرية بحق نور وزوجها، فإن تلك "الحلول" تظل افتراضية، أو دواءً مُسَكِّناً لداء الطائفية، تلك: "الرصاصات الدافئة التي يُطلقها بيتٌ على نفسه، وعائلةٌ على أطفالها، ومدينة على أهلها. تنغرس في أجسامهم لتحميهم كما تفعل حقنُ اللقاح ضدّ الشلل وضدّ الأوبئة. تميتُ عاطفتهم تجاه البيوت الأخرى والأطفالِ الآخرين والمدن الأخرى. تحمي الرحم الأول حيث تنام الطائفة، مولودُها الأبدي"، فيما: "الضمير لا ينمو داخل من هم بلا عاطفة". هذه الحلول ليست علاجاً أكيداً أو نهائياً لداء الطائفية العميق الجذور، حتى ولو "نجح" في التسكين مرة ومرّتين.
عند هـذه النقطة الشديدة التوتر، مصير نور وجابر، عند هـذا المفترق الاحتمالي الخطير في آخر الرواية، تترك الكاتبة رُلى الجردي البابَ مفتوحاً لما قد يأتي... لا تتنبّأ ولا تفترض. ولكنها تُخرجنا من لحظة التوتُّر هذه، بطريقة بارعة وغيرِ متوقعة على الإطلاق، لتضعنا في موقف كوميدي تقريباً، تختلط فيه المفاجأة بالسخرية، بالفكاهة، بالعبث. موقف يمنحنا لحظة انفراج لنتنفَّس الصعَداء كمن يستيقظ من كابوس. إن أسلوباً أدبياً ينسج جِدتَه/فنيتَه الروائية بهـذا القدْر من الاقتصاد والتكثيف والشحنات الشعرية لا يحتمل الاسترسال والتباهي اللفظيَ وقولَ ما يشتِّت ويُثقل. إن التعبير بهذه الطريقة عن علاقة جديدة بين الفكرة واللغة والإبداع يمثل إحدى أهمّ دعامات رواية رُلى الجردي ويعادل فعلَ مقاومة من جانب الأديب الذي يعيش عصره وتحدياته كما يليق بمن يعني له الكائنُ البشري ما تعنيه الإنسانية، إنسانيةُ العقل والضمير والرؤية.
***
لو عدنا إلى أسماء شخصيات الرواية وأمعنّا النظر في ما تنطوي عليه من تداعيات، قد لا تكون الروائية رُلى الجردي قصدت إبرازها ودفْعها إلى السطح، لَشَطّ بنا الخيال إلى شخصية سارة في "العهد القديم" وملحقاته الأخرى... وإلى أن اسم نور هو التداعي المنطقي المعادِل للضوء، أي إلى ما يضعنا أمام رحلة متشعبّة ننتقل خلالها من الظلمة/العتمة (الحجرة المظلمة/المعتمة) التي تحتاج شعاع ضوء، إلى فضاء ينعم بالنور/الحرية، إلى "علبة الضوء" المشعة بالنور في عنوان الرواية المليء بالإيحاءات والدلالات.
في الطريق من "الحُجرة المظلمة" إلى"علبة الضوء" تغدو الرواية كلُّها صورة استعارية واحدة تتألّف وتتوالد منها صورٌ/استعاراتٌ عديدة ما إن يدخل الضوءُ من ثقبٍ إلى الظلمة في كلٍّ منها وتُعادَ الصورةُ المقلوبة مثل كوز الرمان إلى وضعها الطبيعي...
تظل ثيمة "علبة الضوء" (الحُجرة المعتمة، باللاتينية: كامارا أُبسكورا) في هـذه الرواية وتَراً شفافاً، قوي الحضور متعدِّد الدلالات. يتلوّن خيط هذه الـثيمة ويتعمّق، تصريحاً وتلميحاً، مخترقاً الفضاء الروائي كلّه. فقد طوَّر العلمُ اكتشاف الحسن بن الهيثم (965- 1040م) أن العين لا ترسل أشعة ضوئية، بل تتلقاها من الخارج... إلى أن قدّمت شركة إيستمان كوداك الأمريكية كاميرتها الجديدة سنة 1888، داعية إلى اقتنائها "لالتقاط "سنابشوت": "سناب"، أي طلقة؛ <...> و"شوت"، أي لقطة، أو في الأصل طلقة، أو رصاصة. <...> عليك أن تسدد جيداً وتصيب الهدف؛ <...> اضغط على الزناد بعفوية". كانت الدعوة إلى استخدام العفوية "في دارها"، في الغرب، وليس "في دار الغَرابة" (ترجمة ممتازة لكلمة exotique)، كالشرق الأوسط، والهند وأفريقيا؛ حيث احتفظ الغربيون بما طاب لهم من صوَر "تطابق الفكرة التي كوَّنوها في أذهانهم عن شعوب الغرابة" لتغدو تلك الصور "رصاصة تنطلق من كامارا أُبسكورا"، فتصيبنا وما تزال وهي تُطلَق من كتاب واين ديفِد ريبلي الذي اختار "ضحاياه بدقّة. صوّب العدسة وأطلق النار. قتل الفلسطينيين من دون أن يترك أثراً لدمائهم. أنتج صوراً من دون جثث ثقيلة. <...> دمّر الواقع من خلال حلمه الصبياني بالركض وراء عالَم قاتل، اسمه الأرض المنشودة. أرض تَقدَّم إليها بطلب مسبَق، وأفرغ لها في خياله أرضاً أخرى اسمها فلسطين".
ثمّة إشارة لافتة إلى تلك "العلبة" في معرض شرحٍ باطني لمخطوط درزي قديم يشبِّه السر المكنون بـ: "علبة مزخرفة، داخل العلبة كلماتٌ أصغر من الشرح، وداخل الكلمات علبةٌ لا لون ولا شكل لها. هـذه العلبة هي المعنى. خلاصة بسيطة لا تحتمل الأضداد". إنها صورة تفتح نافذة على قراءات تتعدد وتختلف، وتضيء أيضاً! قد تكون هذه "العلبة" رمزاً/إشارةً إلى الأعماق، إلى الظلال التي يختفي تحتها ما نفتقده من مفاتيحَ إلى الحقيقة، من بوابات إلى النور. وقد تُفهَم منها دلالات آخرى أشدُّ تعقيداً وأبعدُ معنى.
للكاميرا دلالة أخرى في وعي جابر وذاكرته. فهو لا يستطيع أن يحدد موقفه من والده الظالم القتيل: "في داخله غرفة معتمة وفيها صورته وهو يجلس في حضن أبيه. باب الغرفة مقفل. لا يستطيع أن يستعيد الصورة أو يمزّقها".
ورمزيّاً أيضاً، أليست الطائفية تلك العلبةَ التي لا تحتاج إلا إلى "ثقب صغير في بيت مظلم" كي تُظهِر مَن وما تصوِّر مقلوباً مثل كوز الرمّان؟ ألم تُصنع "علبة" كاميرا كوداك لكي "يستطيع مستخدمها أن يلعب بالصورة والدلالة والزمن"، وليس فقط لكي ينسخ صور الناس والأشياء والحياة؟
قد تكون الشحنة السياسية هنا عالية في ما تنطوي عليه "العلبة" من دلالات. إلا أن حضور السياسة في رواية رُلى الجردي "في علبة الضوء" ليس أكبر من حضور السياسة في الشعر بأرقى معانيه، أي بوصفه شعرا، بما هو شعرٌ. ما يعني أن هذه الرواية ليست منبراً للسياسة، وما السياسة إلا واحداً من أصدائها قويَّ الوقع والحضور.

1ـ رُلى الجردي. في علبة الضوء. رواية. دار الآداب. بيروت، ط1- 2018

مجلة "المعرفة"، دمشق، عدد 658، تموز 2018

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

October 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
30 1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 31 1 2 3
عدد الزيارات
4323547