الصفحة الرئيسية
n.png

كتب الدكتور بهجت سليمان: صراع السّلطات.. [حديث الثلاثاء "18"]

[صراع السّلطات]  أ بهجت سليمان في مكتبه

{انتشار "السّلطة".. و تخفّي "السّلطة" في الثّقافة}

■ إنّ الخروج من حالة الحرب في (سورية)، كما في كلّ التّاريخ، يَعِدُنا - كما تبشّر المعطيات الثّقافيّة - بالتّحوّل بالأدوات الاجتماعيّة و السّياسيّة ■

1 في المفاصل الانتقاليّة التّاريخيّة تختلط الصّورة الواضحة و تتركّب بدلاً منها صور أخرى تزاحمها و تعمل على استبدالها، و غالباً ماتنتحل الصّورة الجديدة شكلَ الصّورة الأصليّة، فيختلط المشهد على النّاظرين و النّقاد سواءٌ بسواء.
و بعد فترة من الغياب الأصليّ لوقائع التأسيس يغدو الواقع حولنا نابعاً تلقائيّاً من ذاته بذاته، و هذا ما يحصل مع وعينا المزيّف، في فضيلة “الحكم” العقلانيّ التي تؤيّد لنا سبل استمرارنا الطّبيعيّة، مع أنّ الإنسان لا يحيى، هكذا، على أطراف الصّراعات التي تعنيه و تصنع مستقبله في وطنه و مستقبل أبنائه.

2 و لا تكتفي تلك السّلطات التي تتحكّم بالمجتمع و الجماعات الهامشيّة و الفئات المغلوبة اجتماعيّاً و اقتصاديّاً و سياسيّاً، مسلوبة القرار و الرّأي و التّواجد في مركز الحدث، بقربها النّسبيّ أو ببعدها عن مراكز القرارالاجتماعيّ والسّياسييّ، ليحلّ محلّها أولئك الذين فوّضوا أنفسهم بأنفسهم، ليكونوا ممثّلين حصريين للهامشيين من دون أيّ أصوات أو تصويت أو توكيل أو تفويض، بحيث يبدو المشهد التّمثيليّ الكاذب عبارة عن اغتصاب سلطة عائدة للبسطاء، من قبل طبقة من ”الأنتلجينيسيا” ذات الياقات البيض و الهندام البرّاق و الأهداف الشّخصيّة و الخاصّة، التي تؤول جميع نتائج نشاطاتها و ”نضالاتها” إلى الطّبقة التي تمثّلها من أبناء ”الذّوات”، بأهدافها المشغولة بعناية تاريخيّة خاصّة و تدبير يدخل في عداد الأسرار.

3 و مع وعي البسطاء لطبيعة هؤلاء الذين اّدعوا تمثيلهم و قد تخلّوا عن ”المواثيق” و الالتزامات و العهود التي رفعتهم إلى أماكن الّتمثيل السّياسيّ، تحدث الخلخلة الاجتماعيّة التي ليس التّعبير عنها في اختلال الثّقة، و إنّما في مستقبل إنتاج هذه العلاقة و تعبيرها الموضوعيّ عن ذلك العقد الاجتماعيّ (المزيّف) إن صحّ إسمه على هذا النّحو.

4 هنا يحدث للوعي أن يتنامى عند هؤلاء الهامشيين، ليجدوا في أنفسهم فئة مغلوباً على أمرها أو مغفّلة، ليبرز من بينهم قادة نضاليون و تاريخيون يعبّرون عن مظالمهم الاجتماعيّة و السّياسيّة، مطالبين بالحقوق ذاتها التي لعبت عليها الطّبقة السّياسيّة التي تحكم و تشرّع، و قد خانتها خيانات تاريخيّة، فاندمجت هذه ”الطّبقة” في قطار ”المصالح” المبنيّة على تجاهل ”المجتمع” بطبقته المعدمة، و لتتجاهل و تتناسى وعودها التي رفعتْها إلى واجهة الحدث السّياسي، الذي جعل منها طبقة متمايزة عن مجموع السّكان و المواطنين.

5 في هذا المشهد تبرز، أساساً، سلطتان متوازيتان، تعمل كلّ منهما على استحواذ خطاب ”الوطنيّة” لتفوز، بطبيعة الأمور، الأقوى تلك المانعة للأخرى من التّمتّع بهذه الممارسة و إثبات إخلاصها الوطنيّ، الحرّ أو المزعوم، مع أنّ الممارسة هي معيار التّفريق الوحيد الذي بواسطته تثبت أيّ منهما موقعها الوطنيّ الحقيقيّ و الصّريح.

6 ترتفع وتيرة الفوضى و الخلط في هذا المشهد كلّما انحرفت الظّروف عن طبائعها الملاصقة، و بخاصّة أيّام الفوضى الكارثيّة التي تنتج، مثلاً، عن الحروب و الأزمات الحادّة الشّاملة.

7 و بعيداً عن الحرب، و بعد سكوت أصوات نارها، تعود الحرب القائمة أبداً على ليّ أو تكاسر الإرادات الثّقافيّة و الفكريّة التي تحلّ محلّ لغة الرّصاص الحيّ، إلى الواجهة الاجتماعيّة، و من أجل الأهداف نفسها - إن لم تكن أبعد، أيضاً - تلك التي كانت في جوهر أهداف الصّراع المسلّح الذي عبّر عن التّناقض بصراحة و من دون تخفٍّ كما يحصل، عادة، في ما يِسمّى أوقات السّلم.

8 تبرز إلى المواجهة الصّريحة و مقارعة القوّة للقوّة و السّلطة للسّلطة و صراع الأضداد، الأفكار و المصالح و المشاريع العتيقة الحديثة، و بعودة سريعة، بحيث لا يخلو المكان التّاريخيّ الزّمنيّ من لغة التّناقض التي تكتب سطور التّاريخ بالعنف الصّريح و العنف المُبطّن، و إن بلغة تختلف هذه المرّة عن لغة النّار.

9 و إذ تغدو ”الثّقافة”، كما هي دائماً، ملكاً للجميع، فلا يستطيع أحدٌ ادّعاء ملكيّتها الحصريّة، نجد أنّ صراع الهويّة الاجتماعيّة ينتقل إلى التّأويل و التّفسير في خلافات و اختلافات ”تقَانِيَّةٍ” و ”أسلوبيّة”، و لكنّها تتضمّن في الصّميم موقفاً تاريخيّاً، اجتماعيّاً و سياسيّاً، قلّما تتنبّه إليه سلطات ”الخطاب” الرّسميّة، حيث تتفوّق عليها، في هذا الجانب، تلك ”السّلطات” ناعمة الملمس و فتّاكة الأثر و التّأثير.

10 و عدا عن الموروث و المتوارث من أفكار و مواضيع و تحدّيات الصّراع الاجتماعيّ و السّياسيّ، فإنّ التّناقض الآخذ أشكالاً متباينة من الصّراع يتحدّد، متجدّداً، على المستقبل الاجتماعيّ و السّياسيّ، في مجاراة ”التّطوّر” العالميّ الذي هو إمّا أن يوافق و إمّا أن يُهدّد المصالح التّاريخيّة المتواجهة للطّبقات أو الفئات أو الجماعات أو السّلطات أو الاستراتيجيّات، التي لم يُنهكها وقوفها على هامش الحرب..
بقدر ما جعل منها واقعاً مستقلّاً مهّد لها الطّريق الأكثر قابليّة للظّهور و النّخفّي، في التّعبير بالمواقف الصّريحة أو الضّمنيّة عن العداء الأبديّ للأفكار و المصالح التّاريخيّة الاجتماعيّة و الوطنيّة، في مجرى سياق السّياسة في التّاريخ.

11 و لأّنه ما من ”إرادة مطلقة” يمتلكها أيٌّ من مختلف أطراف الصّراع التّاريخيّ حول ”السّيطرة” و ”السّيادة”، فإنّنا نقف، دائماً، على أوضاع للصّراع توحي بالبراءة و المجازيّة فيما هي تخفي، و تتخفّى على، أشدّ و أشرس مشاريع الصّراعات في ”المشروعية” التي لا تعاقب عليها ”القوانين”.. في مشهد تاريخيّ مربك، عادة، للسّلطات ”الخطابيّة” التّقليديّة، و محيِّدٍ لها من ساحات الصّراع.

12 ينشط في هذا المناخ المخصّب للصّراع جميع أدوات الماضي التي ما زالت صالحة للاستخدام، بما في ذلك أكثرها تأثيراً عاطفيّاً و تنويعاً على ”الثّقافة”، بالإضافة إلى الوسائل المستحدثة و المحسّنة من الأجيال ”الَّتقنيّة” المعاصرة، لأدوات و وسائل و أساليب الّتحدّي التي تستخدم كلّ جديد في سبيل تأبيد العتيق، و رفع المكان الاجتماعيّ الرّجعيّ إلى واجهة صدارة المكان السّياسيّ، في لغة انتقائيّة هي من مبتكرات ”الثّقافة” بتقاليدها التي يختلط فيها جميع معالم الزّمن و إيحاءاته لكي تتمكّن من السّيطرة على مفاصل الحركة في سيرورة التّوالد الزّمنيّ لمعطيات الحضور السّياسيّ، القادر على تزييف كلّ مكان يحلّ فيه، بطريقة استعاريّة، و ربّما بلاغّية، قادرة على تلويث الأمكنة الاجتماعيّة الخام و البريئة، و التي لم تعهد عصر الصّراعات المباشرة التي تقول الأشياء بصراحة التّحدّيات التّاريخيّة ما بين الأطراف المتصارعة، كإحدى بديهيّات العلاقات التّاريخيّة و الاجتماع.

13 من البديهيّ أن نذكّر، من نفسي أو من لا يعلم.. أنّ كلمة ”الثّقافة” هي من أكثر الكلمات التباساً و تعقيداً مفهوميّاً في تاريخيّة الاصطلاحات الّلغويّة في جميع لغات العالم القديم و الحديث و المعاصر، هذا و لم يسلم من هذا التّعقيد، و أحياناً التّمويه المقصود، كلّ ما كانت ”الثّقافة” من مصطلحاته في الصّفات و النّعوت، و ممتلكاته المباشرة و الصّريحة أو غير المباشرة و الضّمنيّة، و مهما كانت مناسبة أو سياق الاستخدام و الاستعمال و الاستثمار.
بَيدَ أنّ أقرب المقاربات في الإمكان للتّعبير عن دلالات ”الثّقافة” (Culture) التي نقصدها، هنا، و كذلك على العموم، هو في مقابلتها لكلّ شيء ”طبيعيّ” - من ”طبيعة” (Nature) - أو كما كنّا قد أشرنا أعلاه في كلمة ”الخام”..
و في هذا ”المدار” تبتعد و تتعاظم و تكبر حجوم ”القُطوع” النّاقصة Ellipse" - بالّلغة الرّياضيّة - لتشمل فوق ما تؤطّره من “قِطاعات” واقعيّة أو موضوعيّة، بما تمتلكه كلمة “الثّقافة” من إمكانيّات استعاريّة و مجازيّة و جوازيّة و قدرات باطنيّة على تشويه أو تمويه “الحقائق” البسيطة، التي يتّفق عليها “العقل السّليم” الذي لا ينحاز إلى “السّلطات” أو إلى “الخطابات السّلطويّة”، ناجزة المواقف و المواقع التّاريخيّة و السّياسيّة المتصارعة، بصراحة و وضوح أيديولوجيين كفيلَين بجعل كلّ “ثقافة”، خطّة محكمة التّفخيخ في مواجهة “الذّات” لِ”الآخر” بالتّجرّد عن كلّ وصف لهما.

14 لم يكن (فرويد) ناصعاً، على ما كانت عادته، عندما قال (االدّين هو عُصابٌاجتماعيّ شامل)؛ و كان الَأولى به القول إنّ هذه الهيستيريّة الثّقافيّة في المجتمعات المتديّنة، هي حالة العُصاب الاجتماعيّ الشّامل، بعيداً عن غرض ”الإيمان”، و كممارسة لأقصى الأيديولوجيّات الموهومة التي تتصارع في الثّقافات المتعدّدة في المجتمع الواحد، من أجل تفوّق فكرة أو أفكار على أخرى، و العمل على استبداد الأكثر عنفاً بباقي الأفكار التي تنزوي في زوايا الخوف و الاضطهاد و الخضوع.

15 إنّ الخروج من حالة الحرب في (سورية)، كما في كلّ التّاريخ، يَعِدُنا - كما تبشّر المعطيات الثّقافيّة - بالتّحوّل بالأدوات الاجتماعيّة و السّياسيّة من الفشل في المكان الاجتماعيّ و السّياسيّ في تحقيق أهداف هذه الحرب - على كلّ ما حقّقته من تخريب و قتل و تدمير - و التي كانت تذهب بأهدافها إلى أبعد من ذلك بكثير؛ و تغيير السّلاح إلى سلاح آخر هو الدّخول في هوّة الحرب الثّقافيّة عبر مؤسّسات و أفراد و جماعات، و أخذ المجتمع إلى ما لم تستطع الحرب أن تأخذه إليه..
و ذلك في تجربة الأدوات الثّقافيّة المختلفة من مثل افتعال المواجهات الاجتماعيّة و الاعتقاديّة و الدّينيّة بخرافاتها السّاحقة، لتخريب بقايا القيم الوطنيّة و الثّقة الأخلاقيّة بالهويّة الوطنيّة السّوريّة، و استبدالها ب قيم تشرذميّة منغلقة في الفعل و ردّ الفعل الاجتماعيّ المبنيّ على جذر ”ثقافيّ” مُتقيّح الحقد التّاريخيّ، في العلاقات الّراكدة و المتزمّنة من عصور بدائيّة قهريّة و ساديّة في نظرة بنيتها المتفاوتة و المختلفة، صراحةً في الموقع و النّوع و العدد و ما يستتبعه ذلك من أوهام التّفوّق التّاريخيّ، الذي لا يحول عن محاولاته في تدشيم التّخوم المصطنعة في الوعي المهدّد بالاندحار، أمام حقائق العصر و حاجاته و فروضه التي لا تقبل التّأجيل أو التّبديل.

16 لقد صار ثابتاً أمام الثّقافة أو الثّقافات التي ”تفاءلت”(!) بدمار الهويّة الوطنيّة السّوريّة، واقع أنّ ثمّة في الواقع السّياسيّ ما يكفي من الفيض الاجتماعيّ و الثّقافيّ للتّماسك التّاريخيّ للمكان، و هو ما كان واضحاً، عمليّاً، في التّضحيات الوطنيّة الكبيرة التي عصمت هذا الواقع من الانفجار و التّشظّي المنتظر من قبل أولئك ”المتفائلين”..
و حيث أصيبوا بعدّتهم و عديدهم بخيبة أمل و إخفاقات سياسيّة مباشرة، فإنّهم يحاولون، اليومَ، تغيير ”التّكتيك” في بنية ”الخطاب” الثّقافيّ، لكي يحصدوا خرابات لم تتحقّق لرغباتهم في الحرب، بواسطة الّلجوء إلى تأزيم ”المجتمع”، المتأزّم أصلاً، بجرعة جديدة من إثارة الغرائز الثّقافيّة المستبطنة في بنية الجماعات المختلفة و إشعال فتيل صراع جديد متوقّع على كلّ حال، و الذّهاب بآمالهم المسمومة إلى أقصاها، انتقاماً من فشلهم و ثأراً للذّئبية في نفوسهم و ربّما انتحاراً للضّبع الجريح في معتقداتهم التي تدخل في إطار الثّقافات المبيّتة و الخاملة، و لكن التي يرون أنّ وقتَ إذكائها قد أزفَ و صار مناسباً في هذا الهزيع من الزّمان.

17 من طبيعة واجبات السّياسة الوطنيّة، و من حقوقها، أيضاً، أن تتوقّع وقوع الحدث الثّقافيّ الجِنائيّ.. قبل و قوعه و الذي يتجاوز في إمكانيّته الاحتمالُ الحَدَّ الحَرِجَ، لا سيّما أنّ المُبَسِّرَاتِ ”الثّقافيّةَ” الدّّالّةَ على وشاكته بدأت ببعض الافتعالات الانشقاقيّة في النّسق الفكريّ السّياسيّ ذي البعد الثّقافيّ الاجتماعيّ، و ربّما تمهيداً لتفجير أكثر أشكال الوعي الجمعيّ بدائيّة و سعاراً، تحت عناوين مختلفة و لكنّها تتغذّى من المناهل الثّقافيّة و الاجتماعيّة المعطَّلة، أو شبه المعطّلة، التي تستهدف، مباشرة، النّسيج الاجتماعيّ التّقليديّ، كما تستهدف القيم الثّقافيّة الاجتماعيّة الجديدة و الإيجابيّة التي خلقتها تضحيات الوطن في هذه الحرب الحمقاء.

18 في هذه المقاطع التّاريخيّة الحرجة، يكون واجب السّياسة مضاعفاً بالقوّة و الحكمة و ترصّد المداخل المحتملة للتّفتيت الاجتماعيّ، بواسطة التّناحرات الثّقافيّة الدّالّة على أغراض و أهداف و غايات انتقاميّة و ثأريّة من جانب مَنْ يعمل على تأجيج آسبابها و دوافعها..
و هو، بلغة أخرى، واجب الدّولة السّياسيّ الذي يتجلّى في مظاهر أساسيّة من المسؤوليّات التّاريخيّة التي هي من اختصاص الضّابطة السّياسيّة الوطنيّة، لإيقاعات تجفيف مستنقعات دماء الحرب و بلسمة العواطف الجريحة في كلّ صوب و من كلّ حدب، و مراقبة أفعال افتعالات الشّروخ الاجتماعيّة الثّقافيّة الإضافيّة التي لم تستطعها الحرب.

19 يجب أن يكون قد ولّى زمن التّناحرات الاجتماعيّة الثّقافيّة التي كانت من محرّضات الحرب، من المحرّضات على هول هذه الحرب، و ذلك ما لا يتحّقق إلّا بقدرة الدّولة و قوّتها السّياسيّة التي عليها أن تكون طاغية في مثل هذه الظّروف، مهما كانت اجتهادات و تقوّلات جماعات و قطعان و أوباش النّاقمين على الدّولة و نظامها السّياسيّ العامّ، أولئك الذين يتربّصون بالأمن الاجتماعيّ محاولاتهم التي من طبيعتها التّاريخيّة التّناقضيّة لا يمكنها أن تهدأ أو ترعوي أو تسلّم أسلحتها ”السّرّيّة”، التي تشهرها في أوقات إفلاساتها الشّاملة..
و حيث أنّ أضعف و أقوى الأسلحة السّرّيّة، في الوقت نفسه، هي أسلحة التّمزيق الثّقافيّ لمجتمع، جاهز بما آل إليه مع هذه الحرب، من انعدام الثّقة المتبادل بين مختلف الثّقافات الاجتماعيّة المتواترة التّوتّر في التّاريخ..
فإنّه هنا بالضّبط يكمن أضعف الجوانب التّاريخيّة المؤهّلة لاحتمالات انزلاق المجتمع إلى حروب ”الثّقافة”، بما هي صراعات مجّانيّة، لولا مخاطرها القائمة في هذه الظّروف الحسّاسة و الحاسمة من تاريخ سورية الحاضر، بما قد انتابه من تهويش ”ثقافيّ” حدّي، في الصّراع الذي بلغ ذروته المعقّدة في غضون نهايات هذه الحرب بالذّات!

20 أخيراً لا مانع يمنع من ضرورة التّذكير بأنّ صراع الثّقافات على أهداف أصحابها، أو بعض أصحابها، المتباينين في القوّة و العنف و الطّموح السّياسيّ الّلاغي للشّرعيّة الوطنيّة، إنّما هو صراعٌ على ”السّلطة”.. صراع بين ”سلطات” ثقافيّة و اجتماعيّة متفاوتة الكمون الجماهيريّ، و هو ما يجعلها تنساق وراء إغراءات أوهامها بالإمكانيّة و القدرة و التّفوّق و الحسم و السّيطرة و كتابة التّاريخ بأقلام من زور و بهتان و إفك، من واجب القوّة المباشرة، أو غير المباشرة و في الأدوات الثّقافيّة حصراً، للدّولة بكلّ ما أوتيت من أدوات و بما لم تؤتَهُ أيضاً، و الذي يمكن لها أن تخترعه.. أن تشكّل الظّهير التّاريخيّ المنيع للثّقافة المعاصرة التي اختبرتها المجتمعات المتقدّمة، عمليّاً..
و كانت أن أثبتت نجاعتها في التّغيير و المضيّ في المختبر السّياسيّ لعالَمٍ كلّ ما فيه، يشكّل تحدّياً للمجتمعات التي لم تنجز هويّتها المتماسكة و الدّافعة نحو الغايات التي تنشدها الشّعوب.

****

فعقبت الدكتورة رشا شعبتن: أ رشا شعبان

كل الشكر و الامتنان لك حكيمنا الغالي الدكتور بهجت سليمان ، لموضوعاتك القيّمة و الضرورية و المصيرية ، التي تدعونا فيها و من خلالها ، لإعادة النظر في الكثير من الرؤى و الاتجاهات .

نعم نحن مدعوون اليوم و بالضرورة لخوض التحديات الجديدة و القادمة ، و التي تعيّنت بوصفها من مخرجات و مفرزات حرب خاضها الوطن و بكل مكوناته السياسية و العسكرية و الثقافية و الفكرية و الأخلاقية و الاجتماعية .

و لا نجانب الصواب إذا ما أكدنا ، أن استرخاء العقول و طمأنينتها بعد الحرب ، و إعلانها نهاية الحرب ، هو أخطر ما يهدّد الشعوب في ابتلاع النصر و استحالته إلى قوة ضد النصر ذاته .

فالحروب عادة لا تعلن النهاية ، من حيث أن استسلام الأهداف و الأدوات و الطرائق من الاستحالة له أن يكون .

علينا أن ندرك و بقوة و موضوعية أن حروباََ جديدة سوف تبدأ ، و تعلن ذاتها بوصفها المولود الشرعي لنهاية حرب عسكرية .

حربنا هي حرب وجود ، وجود على كل المستويات ، و إذا ما أعلنا وجودنا عسكرياََ وفق سيطرتنا على أراضينا و تحريرها ، هذا لا يعني أن وجودنا أصبح ناجزاََ و مكتملاََ .

في الحروب عادة ما تولد تلك الطبقة الغريزية و القوة الشيطانية ، التي كانت حاضرة في رحم الحرب ، لتمارس الفسق و العهر الاجتماعي و الاقتصادي و الأخلاقي ، و في محاولة منها لمصادرة القيم و تعميمها ، بوصفها القوة الحاضرة و التي عليها أن تقاتل و بشراسة و حيوانية ، لتحافظ على وجودها و ثقافتها و قيمها .

إنها تتغلغل في الوعي الديني و الاجتماعي ، لتتمظهر قوة غاشمة ، محاولة اختطاف النصر و توجيهه نحو مكتسباتها و مصالحها .

و الأخطر هو تلك الطبقة التي انتقلت أثناء الحرب ، و في وجود هزلي بائس ، و في شروط اقتصادية و اجتماعية و سياسية استثنائية ، من عالم الفاقة سياسياََ و اقتصادياََ و اجتماعياََ ، إلى عالم الثراء ، عبر التجارة و السرقة و النهب و استغلال القانون وو....

إنهم الوجود الهزلي المتحرك بأخلاق الغريزة ، إنه يبحثون عن كل ما يؤكد و يثبت تعيينهم على المستوى الاقتصادي و الاجتماعي و السياسي و الثقافي .

إنهم يسعون للتسلل عبر منافذ ناعمة للسيطرة و التسلط ، للحفاظ على مكتسبات غير شرعية ، تكاثرت في الحرب ..
و هم يعرفون و يدركون أن تعينهم مستقبلاََ بعد الحرب لن يكون إلا عبر مناهضة كل مشروع ثقافي جديد ينتقل بالمجتمع بعد الحرب ، من عالم قيم تسود فيها الأخلاق الغريزية ، إلى عالم قيم جديد ، عالم يشكّل انعطافا تاريخيا للمجتمع ، و يؤسس لنهضة تنويرية على كل الصعد .

ومعركتنا اليوم هي معركة فكرية و ثقافية بامتياز ..
و تحتاج إلى إبداع رؤى جديدة و منطلقات تؤسس للخلاص على المستوى الاجتماعي و الوطني ، و ليس على المستوى الفردي فحسب .

إن التاريخ لا يولد إلا من رحم الصراع ، إنه صراع إرادات ، صراع قوى و إرادات متناقضة و نافية لبعضها البعض ..
و شتان بين الإرادة النبيلة الراقية ، و بين الإرادة التي تتقوّم على الغريزة و المصالح الفردية .
و عقدنا الاجتماعي الجديد ، هو ذلك العقد ، الذي يستأصل الإرادات المزيّفة التي تحاول التسلل و اغتصاب السلطة ، بأدوات جديدة و طرائق تعيد انتاج ذاتها باستمرار ، عبر الوعي الديني و الاجتماعي المزيّف .

إن حربنا اليوم ، هي حرب ما بعد الحرب ، و هي الأصعب و الأخطر ، و التي سوف يتعيّن من خلالها وجودنا ، و إما نكون أو لا نكون .

نحتاج إلى منظومة قيمية جديدة ، قيم قادرة على إنتاج علاقة جديدة مع التاريخ و الوعي الديني و المفاهيم الأخلاقية و المصطلحات السياسية .

إنها الإرادة الثورية الواعية ، التي لا تهدم الماضي اعتباطياََ ، ولا تتطلع إلى المستقبل طوباوياََ .

إنها الإرادة في أقصى درجات وعيها بقوتها و قدرتها على التعيّن و الحضور .

كل المحبة و الإجلال لك حكيمنا الرائع ، و أتمنى فن اكون قد استطعت بعضا من جوانب مقالكم الغني و الكثيف .

****

وكان للشاعر ياسين الرزوق زيوس التعليق التالي: أ ياسين الرزوق1

في حديثك تجد السلطات طريقها إلى الثقافة و تجد الثقافات ميدان سموِّها بين السلطات, و لا نبالغ إذا ما قلنا أنَّ انبثاق الكلمة من أصابع أحاديثك ما هو إلَّا سبيلٌ من سبل النور فعلى من يبحث عن النور أن يدرك تواتر السلطات بالعقل لا بعنعنة النقل الآثم و الإشاعة المأجورة إذا لم تصدر عن تفعيل مخابراتي وطني ينهض بعقل الوطن و الأمة و لا يساهم في تسطيحه !

و عليه :

1 ) : الثقة التي تنبع من تحت قبعات الأنتلجينيسيين لن تكون ظاهرة و لا مخفية فتلك القبعات لا تخفي و لا تظهر معاني الثقة بقدر ما تظهر محاولات ترويجها بوسائل بعيدة عن التطبيق و بمآلات بعيدة عن مصلحة البسطاء الذين تواتروا فلم يدرك الناقلون منهم عقلاً ناطقاً و لا وعياً ناهضاً ما جعل لا وعيهم سبيلاً من سبل الدعاية المضادة إذا ما قُدِّر لها الاستثمار و سيُقدَّر فعين و كاميرات الخارج لن تغمض عن معطيات أوطاننا و شعوبنا لاستثمار أي خلل و تعميقه لتحقيق أهداف مخابراتية و برامج استعمارية !

2 ) : عندما تخرج ذبذبات اللاوعي التابع إلى الخارج الجمعي تحوِّلُ هذا اللاوعي إلى وعيٍ قائد لا مفرَّ من تلافي التعبئة القائمة عليه لأنَّها تعبئة مدمجة مزدوجة ضدَّ من يزايدون بمقتضيات مصالح الأمم و الشعوب ليكسبوا جولات انتخابية و مصالح اعتبارية !

3 ) : من يجولُ في أحياء اللا وعي الجمعي التابع أصلاً كي يبثَّ دعاية تخلق وعياً تابعاً أيضاً يعمل على تهديم مجتمعي أسِّي يكبر أسُّه أو يصغر تبعاً لحجم المركز السلطوي و ميزاته و تبعاً للحالة الجمعية المعمول عليها و لمقدار ما تختزنه من جهل يرسخ مع المعرفة المستخدمة في زواريب النفاق التبعية المفرطة التي تعيش على فتات الأمل الزائف لأنَّه ليس قائماً على معايير تغيير و تجديد بل يعود و ينطلق من نفس معطيات الأكاذيب و لن يصبَّ خارج مصبها مهما دغدغ الأمل الزائف مشاعر التابعين و صوَّر لهم عجزهم و تبعيتهم على أنَّه طاقة الخلاص و التغيير !

4 ) : تقوم الأقطاب السلطوية المتناحرة خارج التجاذبات الوطنية بل ضمن حقل سلطوي فرويدي يجعل قطباً يتغلَّبُ على قطبٍ آخر وفق ما تقتضيه معطيات الصراع الدائر بما يجسِّد الاستنزاف المقصود لمقدَّرات الوطن و لمقتضيات أو محاولات استنهاض طبقاته الشعبية بأمل حقيقي لا بأمل زائف يعيد العقول المضمرة إلى ضمورها بتلاشٍ مقصود و بتغييبٍ مدروس و ممنهج !

5 ) : عندما تتحوَّلُ القطوع الزائدة و الناقصة إلى مراكز إيواء من يقومون بأفعال جرمية جنائية تغلق الدوائر الوطنية أبوابها أمام المحاولين المرور منها إلى مراكز وطنية تصرُّ على جعل الهوية الوطنية مركز القرار السلطوي مهما تنازع المتنازعون لتحقيق أغراضهم بالأبعاد التاريخية الثقافية في محاولة بسط صورة معينة أو تغييب مقصود و متعمد للهوية الحقيقية بوطن حرٍّ مستقل!

6 ) : الهوية الدينية المتنقلة العابرة للأوطان تجعل التاريخ الذابح المذبوح بيئة خصبة للتناحرات التي يدخل من ثقوبها من يريدون فضاء الأوطان حسيراً بطموحاتهم السلطوية التي لا نقول أنَّها ليست من حقِّ الساعين إليها لكنْ تكون من حقهم وفق برامج وطنية لا وفق تغييب هذه البرامج بجعل كمون الخلافات المجتمعية في أعلاها بتياراتٍ من القطعان التي تزيدها معاني الديمقراطية الزائفة قطيعية و علينا وفق ذلك تفضيل قطيع كبير على قطعان متناحرة !

7 ) : تدرك مراكز القرار العالمي مركزية الوطنية عندما نقدر كمجتمعات على الإحاطة من كلِّ جانب بمطامع السلطويين اللا شرعية ليدركوا أنَّ فضاء الوطن سيعيدهم إلى ثقوبهم إذا ما تطاولوا على نسوره الوطنيين كي يحتلوا مراكز تحويل القرار إلى أنفاق الاستعمار بدلاً من كل الفضاءات المتسعة وطنياً !

8 ) : حديثك كينونة تياراتها عالية و كمونها في أعلى درجات التنوع و القبول بمقاومة لا تقبل الشك لكلِّ تيارات الجهل و المجهول دكتورنا الغالي بهجت سليمان Bahjat Sulaiman .

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

October 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
30 1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 31 1 2 3
عدد الزيارات
4311876