الصفحة الرئيسية
n.png

د. بهجت سليمان: صفات الدولة المعاصرة.. و مواكبة العالم [حديث الجمعة "1"]

■ لا توجد في المصطلحات الفلسفيّة السّياسيّة ما تُسمّى ”الدّولة المدنيّة”، و إنّما هناك ”مجتمع مدنيّ” في ”دولة علمانيّة” ■ أ بهجت سليمان في مكتبه

1 أوجد تطوّر الإمبرياليّة العالميّة المعاصر، بجشعه الواقعيّ و أوهامه غير المعهودة، شروخاً في العقل العالميّ المعاصر جعل من الكثير من ”المصطلحات” الفارغة ذات دلالات اصطلاحيّة عمليّة، إلى الدّرجة التي جعلت من العالم غابة من الأفكار التي تتكاثر باستمرار و بوتيرة غير مسبوقة، أصبح معها واقع الإلمام بها يحتاج إلى المزيد و المزيد من التّفرّغ الخالص للفكر السّياسيّ الذي أصبح، من جهة ثانيةٍ، أُلْهِيَةً للثّقافة و المثقّفين الذين انطلتْ عليهم هذه الملهاة التي جعلت المتحكّمين بمصائر البشريّة، يتفرّغون للسّيطرة الفعليّة عليهم و على ”المفاهيم” و ”العقول” و ”المقدَّرات” و ”العلوم”..، إلخ؛ و باختصار على حاضر و مستقبل الإنسانيّة.

2 منذ عصر النّهضة في (إيطاليا)، ثمّ في سائر (اوربّا)، و بغرض انتشار ”الكنيسة” و ”الكثلكة”، جنباً إلى جنبٍ، مع انتشار النّهضة الفنّيّة و الجماليّة ”الإيطاليّة”، أوّلاً، و التي بدأت أو عاصرت أجمل الّلوحات العالميّة على جدران و أسقف “الكاتدرائيّات” الإيطاليّة الشّهيرة في العالم لأباطرة في ”الرّسم” و ”النّحت” بروح جماليّة حرّة و متحرّرة كما كانت مع (دافنشي) (1452 - 1519) و (مايكل أنجيلو)(1475 - 1564) و (تيتيان)(1490 - 1576)، و غيرهم في (هولندا) مثل (رامبرانت)، و في ألمانيا و فرنسا، حيث اجتاحت (أوربّا) روحٌ عملاقة أطلقت حضارتها في ”الأدب”، في ”النّثر” و في ”الشّعر”، و ليس آخرها في ”الفكر السّياسيّ” الذي بدأ مع ”الإيطاليّ” (ماكيافيللي)؛ وصولاً إلى ”عصر الأنوار” مع ”البريطانيينّ” (جون لوك) و (توماس هوبز)، و ”الفرنسيين” (فولتير) و (مونتسكيو) و (جان جاك روسو)، و آخرين لسنا في مجال تعدادهم على الحصر؛ حيث كان لهم السّبق في التّأسيس لأهمّيّة استخدام ”العقل” في أمور ”الدّنيا” و ”الدّين”، و تجاوز ”الخرافات” الشّعبيّة التي كانت أن انتشرت في وقت سيطرت فيه ”الكنيسة الكاثوليكيّة” على الفكر و المجتمع و السّياسة و السّاسة و الأباطرة و الملوك.

3 قبل ذلك ببضع مئات من السّنين كان ”الإسلام” يمرّ في فجر عظمته مع فلاسفة عقلانيين سبقوا (أوربّا) في التّخلّص من التّفكير الخرافيّ الدّينيّ و الدّنيويّ؛
و كان الفارق الأساس بين ”مفكّري الإسلام” و فلاسفته السّياسيين العقليين المبكّرين، و بين مفكّري الغرب و فلاسفته السّياسيين، هو أنّ ”سلطات الخلافة الإسلاميّة” حكمت بالموت الجسديّ و الفكريّ على ”العقلانيين” العرب و المسلمين، فيما رفع ”الغرب” من مقام وقيمة ”أنبيائه” الفكريين، و لو أنّ الأمور لم تجرِ بهذه السّلاسة كما يمكن للسّذاجة أن تحكم على التّاريخ.

4 في القرن السّادس عشر جرى في (أوربّا) حدث تاريخيّ فائق الأهمّيّة، و هو ”الإصلاح الدّينيّ” الذي قاده (مارتن لوثر) و هو ما عرف بالإصلاح ”البروتستانتيّ” الذي بدأ في شمال (ألمانيا) قبل انتشاره، و الذي انعكس على ”أوربيّة” الكنيسة الإيطاليّة الكاثوليكيّة بفعل عكسيّ ممّا كانت تعمل عليه، و هو ”العالميّة” أو ”الّلائيكيّة” (الشّعبيّة، أو العامّيّة)..

5 بحيث أدّى الأمر إلى ما عرف بحروب الدّين تحت شعار ”الحرّيّات الدّينيّة” و ترجمة ”الكتاب المقدّس” من ”الّلاتينيّة” إلى الّلغات ”القوميّة”، ثمّ بحرب الثّلاثين عاماً (1618 - 1648) بين ”البروتستانت” و ”الكاثوليك” حيث حصدت ملايين الأرواح في (ألمانيا) (الإمبراطوريّة الرّومانيّة المقدّسة) و (بولندا) و (إسبانيا)، فبرزت دول جديدة في (أوربا)، و منها بشكل أساسيّ (فرنسا)..
فيما تراجعت سلطة ”الكنيسة البابويّة”، و تمّ الاعتراف ب“البروتستانتيّة” و ”الكالفينيّة” إلى جانب ”الكنيسة الكاثوليكيّة” التّقليديّة، و ظهرت ”الفكرة القوميّة” في (أوربّا).

6هكذا، ما بين ”العالميّة” الكنسيّة و حروب الدّين و ”الإصلاح الدّينيّ” و (صلح وستفاليا) (1648)، و الفترة الانتقاليّة ما بين ”عصر النّهضة” و ”عصر الأنوار”، قطعت (أوربّا) مئات من السّنين الصّعبة الدّمويّة الحادّة، فيما كانت تتبلور في أعماق هذا ”الواقع” آفكارٌ مختلفة تتمحور حول ”الحرّيّة” و ”العدالة الاجتماعيّة” و ”التّحرّر الدّينيّ” و ”حرّيّة المعتقد” و ”حرّيّة التّفكير” و ”الحقّ في استخدام العقل” و ”حقّ التّعلّم”..
هذا ناهيك عن الحركات الاجتماعيّة و الأفكار الجديدة المطالبة بحقوق ”الإنسان” الأوّليّة من طعام و شراب و سكن و اختيار شكل العيش و حرّيّة الإنسان.

7 في إطار النّضالات الاجتماعيّة الجنينيّة الأولى، و التي امتّدت على مئات السّنين، ما بين ”عصر النّهضة” و ”عصر الأنوار”، تكونت فكرة ”المجتمع المدنيّ”، حيث كانت الفكرة الأولى حوله تتمحور، حديثاً، على ”المجموعات الاجتماعيّة - السّياسيّة” التي لا تدخل في الحكومة (في الدّولة)، مشكّلة حالة من حالات ضغط الرّأي العام لتصحيح أو نقد انحرافات الحكومة عن أهدافها العامّة المتمتّلة في خدمة المجتمع الذي هو العنصر الأول من عناصر و مقوّمات الدّولة.

8 كانت من أساس مهامّ ما سمّي ”المجتمع المدنيّ” في تطوّر مفهومه في (أوربّا) أن يعمل على تكريس ”دولة علمانيّة” جوهرها ”حرّيّة الاعتقاد الدّينيّ” أو ”الإلحاد”، وفق ما يراه المرء في إطار ضمان ”حرّيّات المعتقد” و ”حرّيّات التّفكير”..
و على العموم في إطار ”الدّيموقراطيّة الفكريّة” التي تتيح للجميع حرّيات اختيار النّظرة إلى العالم، بضمان عدم تعدّي الفرد على حقوق الآخرين في حرّيّة الاعتقاد..
كما بضمان عدم تدخّل ”الدّولة” في هذه ”الحرّيّات”، بل و في ضمانة ”الدّولة” لجميع مواطنيها ”المساواة” في حرّيّة ”التّديّن” و ”الإلحاد” و ”الاعتقاد”، من دون تمييز في ”الحقوق” و ”الواجبات”، في إطار واجبات الدّولة الحديثة (الحامية) في حماية حقّ ”الجميع” في ”الاختيار”..
و هذا هو مضمون ”الدّولة العلمانيّة” الذي ترسّخ مع ما يُسمّى ”الحداثة” التي تقترن، عادة، بالثّورة البورجوازيّة الفرنسيّة (1789).

9 من حيث المبدأ العام، لا توجد في المصطلحات الفلسفيّة السّياسيّة ما تُسمّى ”الدّولة المدنيّة”، و إنّما هناك ”مجتمع مدنيّ” في ”دولة علمانيّة”..
لقد شقّ مصطلح ”الدّولة المدنيّة” طريقه إلى التّداول ”السّياسيّ”، جرّاء النّزعات الحديثة التي عادت بالمجتمعات في بعض ”الدّول” إلى عصر ”ما قبل الحداثة”، و التّمييزالدّينيّ و الطّائفيّ و المذهبيّ و المعتقديّ الذي اختفى تقريباً في “الغرب”، و لو أنّه قد ظهرت هناك (في الغرب) تمايزات طبقيّة و سياسيّة، إلّا أنّ هذا الأمر شيء يخرج عن نطاق هذا الحديث.

10 نحن، إذاً، أمام ضرورة عصريّة لمجتمع سياسيّ (مدنيّ)، يكون عابراً للجماعات و الفئات و العصبيّات و التّمييزات الدّينيّة و المذهبيّة و الطّائفيّة..
و من المفهوم أنّ مجتمعاً كهذا لا يمكن أن ينضجَ خارج ”الدّولة العلمانيّة” التي يتساوى فيها ”الإيمانُ” و ”الإلحاد”، من دون تفوّق شخص على آخر بسبب معتقده أو دينه أو مذهبه أو طائفته.

11 لا يوجد صنف من المجتمعات السّياسيّة أو الدّول هو أقرب أو أبعد ”لطبيعة مجتمع هو بأكثريّته متديّن”، ذلك لأنّ الواقع يُكذّب هذه الحقيقة..
إذ أنّ ما يجعل مجتمعاً بعينه ”متديّناً” أكثر من ”مجتمع آخر” - كما يقال عندنا -، إنّما هو أمر يعود إلى مجموعة من الأسباب التي إذا ما فحصناها لوجدناها ”أسباباً” كاذبة يغلب عليها النّفاق الاجتماعيّ أكثر ممّا يغلب عليها ”التّديّن” بإيمان.

12 و الأمثلة على ذلك كثيرة: فإمّا أن يكون الأمر يتعلّق بالشّعور السّاديّ بالتّفوّق العدديّ لدين على دين أو لطائفة على طائفة أو لمذهب على آخر..

و إمّا أن يكون الأمر تحقيقاً لمصالح اجتماعيّة و سياسيّة تتعلّق بالحكم و السّيطرة..
أو أن يتعلّق الأمر بالكراهيّة الدّينيّة التي تورّث تربويّاً و تعليميّاً و اجتماعيّاً، حتّى أنّها تُمسي من صميم ”الدّين” الاجتماعيّ المزوّر و المزيّف و الكاذب.. إذ ما من ”دين” إلهيّ حقيقيّ يحضّ على كراهيّة ”الآخر” لمجرّد الاختلاف في ”الدّين”..
و إمّا أن يكون الأمر لفهم أخرق و أحمق و جاهل للنّصوص الدّينيّة، و هذا استثناءٌ يُعمّم بالتوريث..
أو أن يكون السّبب، و هذا هو الأعمّ و الأشمل ، هو احتكار الشّعور الدّينيّ الأكثريّ من قبل طبقة لاهوتيّة - سياسيّة تحرّض على الخلاف بسبب الاختلاف، مستفيدة من واقع يؤهّلها للسّيادة و السّيطرة الاجتماعيّتين تحقيقاً لمكاسب سياسيّة و طبقيّة خالصة.

13 و أمّا عن ”الشّعور” المزيّف الذي يقترن بأنّ ”العلمانيّ” يعمل على سلب ”المتديّن” هويّته، فهذا ”الهُراء” هو بالضّبط من اختراع رجال الكهنوت الّلاهوتيّ السّياسيّ، الذين يحتقرون عقول ”عبيدهم” من ”العامّة”، فيغسلون لهم أدمغتهم بتحريضهم على ”العلمانيّ” و ”العلمانيّة”، ضماناً لاستمرار تسلّطهم الاجتماعيّ على عبيدهم و محتزبيهم، كما ضماناً لاستمرار مواقعهم الطّبقيّة الاجتماعيّة و السّياسيّة و نفوذهم ”المدنيّ”.. بالتّحديد!

14 إنه لمن الواضح و المفهوم أنّه لا يمكن ”علمنة” دولة و السّير بمواطنيها نحو ”مجتمع سياسيّ” (مدنيّ)، سواءٌ إذا كان مجتمعها متعدّد الأديان و المذاهب و الطّوائف، أم لم يكن كذلك..
بأن تنصّ في ”دستورها” أو في قوانينها أو في ”قراراتها الإداريّة” أو في أيّ نصّ سياديّ من نصوصها، كدولة، على ما يمكن أن يفسح مجالا لعدم تكريس وترسيخ المجتمع المدني والدولة العلمانية..
لأن ذلك يعمل على بثّ روح الفرقة و التّخندق و التّتخيم ما بين أبناء المجتمع الواحد، بدلا من أن تقطع الطريق، بحسبان الفعل و ردّ الفعل، على جماعات و عصابات و عصب جاهزة للقتال في ساحات النّار عند أيّة شرارة يتقصّدها ”البعض”، من أيّ من تلك ”الانفراقات”، تحقيقاً لمآرب أو أهداف أو سيطرة أو شموليّة سياسيّة..
في الوقت التي ينازع العالم جميع ”الشّموليّات” السّياسيّة الحزبيّة في الدّول و الأمم و الشّعوب على واقعها، هذا، المتخلّف و الجاهل و الرّديء و العنيف!

15تبقى العلاقة الدّينيّة - الإيمانيّة شأناً شخصيّاً خالصاً، بالمطلق، بين ”العابد” و ”المعبود”، هذا و لو كان المعبود حجراً أو صنماً أو وثناً أو كان إلهاً فوق الجميع!
هذا و لا يجوز النّص، من قريب أو من بعيد على تنظيم هذه العلاقة بين الله و الإنسان، إذ أنّ هذه العلاقة هي من العلاقات الرّوحيّة و الوجدانيّة و الأخلاقيّة المطلقة.

16لا يمُكننا الحكم على ”تاريخيّة” العلمانيّة الفكريّة في تاريخنا العربيّ - الإسلاميّ، إذ أنّه لم يسمح ظرف واحد سياسيّ باختبار هذه العلاقة بما فيها من حرّيّات ”دينيّة” و ”مدنيّة”؛ و تاريخنا - كما كنّا قد أشرنا أعلاه - حافل بالتّهم السّياسيّة الدّينيّة بالزّندقة و الكفر و المروق و تحليل الحرام و تحريم الحلال و التّجديف بحقّ الخالق و النّكران الدّينيّ و الإباحيّة الأخلاقيّة.. إلخ، إلخ؛ بحقّ كلّ مجتهد عقليّ تصدّى لمسألة فقهيّة أو تشريعيّة واقعيّة تُعنى بشؤون الدّنيا و الدّين..
هذا على رغم ”الحضّ” القرآنيّ الإلهيّ الصّريح للمؤمنين على التّفكّر و التّعقّل و التّأمّل و إعمال أكرم ما منحه الله لبني آدم، و أعني به العقل.

17 لا يحتمل أمر ”العقلانيّة” منطقة وسطى بقسمة رضائيّة بين ”المتزمّت” دينيّاً و بين ”العلمانيّ”، ذلك أنّه تبيّن لنا ممّا قدّمناه، حتّى الآن، أنّه ما من تناقض بين ”التّديّن” و ”العلمانيّة”، على اعتبار أن الدّولة العلمانيّة هي الدّولة الضّامنة لجميع مواطنيها، بما في ذلك إيمانهم أو غير ذلك.
و أمّا أمر استثمار تهمة الدّولة العلمانيّة بالدّولة المارقة أو الملحدة، فهذا هو بالضّبط الجهل بعينه و عدم الإلمام بأبسط مضامين المصطلحات السّياسيّة المستخدمة في الفكر اليوميّ و العامّيّ المعاصر، الذي صار من ممتلكات، حتّى، الأمّيّين!

18 نخلص إلى نتيجة بسيطة بساطة هذه الطّروحات و شيوعها، مفادها أنّ المجتمعات العربية، إذا أردنا الحقيقة، بل و الحقّ، إنّما هي، باغلبيتها، لا زالت مجتمعات ”قبليّة” ثأريّة متناحرة و متعصّبة و متزمّتة، تعيش في ما قبل ”النّهضة” العالميّة التي قاربت أن تُمضي ألف سنة من الزّمان..
و ليس غريباً، أبداً، أن تبقى المجتمعات و الشعوب و الدول والأفراد، محتّلّة الإرادة و العقل و القرار، طالما أنّها لا تستطيع التّمييز بين الدّولة العلمانيّة و الدّولة الملحدة..
فلا الدّولة لها دينٌ و ليس لها إيمان و ليست هي كافرة و ليست أيضاً مارقة..
ومن لا يدركون هذا الأمر، سيبقون محتلّين واقعين تحت الإحتلال و ليسوا أحراراً، أيّاً كان واقعهم ”السّياسيّ”.

*****

فعقب الشاعر ياسين الرزوق زيوس: أ ياسين الرزوق1

[الجمعة المقابلة]

في أحاديثك تنطق أسابيع الوجود فلسفة المدنية الوطنية المواطناتية في ظلِّ خلق دواماتٍ من مصطلحات الدول السياسية أو مصطلحات الانزياحات عن معاني الدول لتكون مستعمرات فعلية و اصطلاحية بدغدغة الأبعاد بعوالم غير واقعية و لن تكون حقيقية ما لم نقدر على إزاحة الستار عن الحالات الرغبوية الكامنة و عن المراد العالمي المسيطر.

و عليه:

1 ): عالم المصطلحات لا يدورجزافاً إنما يدور بدوائر تكبر أو تصغر و في كثيرٍ من الأحيان الفراغ يخترق مركزها ليكون مركزياً في مسميات الدول التي لم تعِ من المدنية اصطلاحها الترويجي أو المتبنى و لن تعي لا مركزيتها المدنية لأنَّ الاختراقات السياسية تتعدى الأوهام التعبوية!

2 ): لم يكن عصر النهضة في منأى عن روحه الكاثوليكية رغم بدء إصلاحه البروتستانتي حيث كانت حروب البروتستانت و الكاثوليك كحرب الروح مع الجسد الذي لم يفرق بين قلب مدنيته و بين كبد غوغائيته و وحشيته حيث أن عيون الكنيسة البابوية كانت مقتلعة و أطراف الإسلام كانت مقطعة من خلاف لأنها ساندت الهروب من عتمة سيطرة الخلافة إلى نور معنى المدنية الحقيقي لا التنظيري و التطبيقي في الأرض لا الغيبي في السماء هذا إذا لم نسلِّم مطلقاً بعدم مدنية الإسلام و عدم شروعه في هذا المصطلح لأنَّه ينافي وجوده و يناقضه تماماً!

3 ): لم يكن المرور إلى عصر الأنوار بمثابة ثورة معرفية بل كان بمثابة جمهرة اصطلاحات تبحث عن التطبيق و جملة تطبيقات تبحث عن اصطلاحات حقيقية لا وهمية و ممارساتية لا تنظيرية!

4 ): إذا ما أردنا تفخيخ مصطلح المدنية فنحن نخلق بامتياز تجزئة إنسانية الإنسان و لا نعمل على تعزيزها
أمَّا إذا ما خُلق هذا المصطلح مفخَّخاً و يبدو أنَّه كذلك مجهَّز في دوائر الاستخبارات العالمية لتجنيد عملاء جدد تحت مسمى الناشطين و بنغمة حقوق الإنسان التي لا ننكرها بقدر ما ننكر تجنيد قطعانها لضرب الأوطان و الإنسان من حيث ندري و لا ندري فعلى الأوطان و الوطنية السلام!

5 ): مصطلح الوسطية المستنبط من قاعدة دينية مفادها خير الأمور أوسطها ليس بمصطلحٍ شافٍ في التعبير عن المدنية بل هو مصطلح لن يخرج المدنية من سيرتها الأولى التي لن تنقلب على أعقاب المؤسسين العالميين بقدر ما ستحقق رؤاهم الاستعمارية ما يجعلنا نحيلها إلى دوائر حكمٍ تعريفيٍ جديد في ميدان الخروج من الوسطية النكراء إلى التقبل التوسعي الذي لا مناص من السكنى فيه بمعنى أنَّ التدين بنية داخلية و أنَّ الإلحاد بنية أيضاً داخلية يتوسعان بما لا يجعل سمة الدولة ملحدة أو متدينة بقدر ما يجعلها سائرة في مجال احتضان الجميع بمدنيتها التي تعني هنا قبولهم في حال لم يتبنوا المنهج التدميري و لم يعملوا على دسِّ السمِّ في العسل في سبيل خلخلة الدولة داخلياً مما يؤثر على قرارها الخارجي بقدر اهتزازها داخلياً!

6 ): في الشرق الأوسط تتداعى فكرة المدنية بقدر ما يتم استحضارها في الأزمات المستوردة بأيادٍ داخلية و الغرض الرئيسي من طرحها التدميري هو بثُّ نزعات الأكثريات الطائفية لا الأكثريات السياسية و الأكثريات الجاهلة لا الأكثريات العارفة و بثُّ تعاريف الخوذ البيضاء المسمومة في سورية لا تعاريف الدروع الوطنية المدروسة لصالح الوطن و الشعب!

7 ): المدنية التي تضحي بالهوية و تقتل الانتماء إنما هي حرباء تدور و تتلوَّن حسب ما يأمر صانعوها سواء في غرف اللاهوت السرية أو في محافل التبعية السوداء.

8 ): أقسم الدينيون على ترسيخ الصورة الإسلامية للدستور و لم يحنث للأسف اللادينيون بقسمهم بل أكملوا لغة الترهات
و الإلحاد المتعقِّل بريء من هؤلاء أجمعين!

9 ): الوطن المدني ما زال أسير اللاهوت و لا بدَّ من انعطافٍ دستوريٍّ كي نكمل مشوار الوطن المحلق بأبنائه أجمعين!

في أحاديثك بنيان الكلمة لمن يسعى إلى بنيان الأوطان دكتورنا الغالي بهجت سليمان Bahjat Sulaiman.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

October 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
30 1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 31 1 2 3
عدد الزيارات
4336050