الصفحة الرئيسية
n.png

في جدلية "الشرط السياسي".. عندما يكون شرطا شاملا لبناء المجتمعات والدول.. [حديث الثلاثاء "16"]

[حديث الثلاثاء "16"] أ بهجت سليمان في دمشق

[في جدلية "الشرط السياسي".. عندما يكون شرطا شاملا لبناء المجتمعات والدول]

● د. بهجت سليمان

1 إن إبداع الظّاهرة الإنسانيّة الاجتماعيّة - السّياسية المسمّاة ”دولة”، في تاريخ البشريّة، لم يُجاريه إبداع إنسانيّ آخر، و ذلك لعظمة حجم الفوضى الطّبيعيّة في الإطار الإنسانيّ، التي امتصّتها الدّولة و أعدمت مفاعيلها، و أقلّه من الجانب النّظريّ لفكرة أو لظاهرة الدّولة السّياسيّة في التّاريخ.

2 في أبسط تعريفات ”الدّولة”، هي تلك القوّة المرتبطة بنخبة سياسيّة، و التي تمارسها هذه ”النخبة”، في داخل إقليمها السّياديّ عن طريق السّيطرة وممارسة ”السّلطة” التي هي تتجاوز ”الدّولة” في جينالوجيا قبْليّة، كما عن طريق عدالة توزيع خطاب القوّة، إن بمآثره و فضائله، أو في حرمانه وكفّه و وقائيّته و عدالته، أوّلاً..
و ثانياً، في ممارسة الدّولة لذاتها من أجل ذاتها خارج الإقليم، عندما يُهدّدها شرط خارجيّ، تحقيقاً و تتمّة لسيادتها في داخل الإقليم، و هذا هو بالضّبط و الدّقة أحد أهمّ دلالات مفهوم ما يُسمّى ”الجيوبوليتيك” السّياسيّ.

3 يتوسّع كثيراً مضمون النّقد السّياسيّ لظاهرة الدّولة، كلّما اختلّ توازن هذا الوصف المزدوج للواقع السّياسيّ الدّاخليّ و الخارجيّ العائد للدّلالة الفكريّة النّظريّة لهذه الظّاهرة، بحيث تنقسم على ذلك، النّظريّة السّياسيّة و التّنظير الفكريّ أو الأيديولوجيّ في إطار فهم أو إدراك الأفضليّة الظّرفيّة في الأحوال المباغتة و غير الطّبيعيّة لوضعيّة ”الدّولة”، بحيث يأخذ البعضُ بأفضليّة التّعريف من وجهه الدّاخليّ، بينما يفضّل البعض وجهة النّظر إلى ”الدّولة” بالنّسبة إلى وظائفها الخارجيّة، مع إهمال أهمّيّة العوامل البنيويّة الدّاخليّة، و بخاصّة في ظروف السّياسات العالميّة المعاصرة التي تفرض على المفكّرين السّياسيين الاستراتيجيين، التّعصّب لجهة أفضليّة الدّولة في ممارستها الخارجيّة التي تقيها الاندثار في طوفان التّحدّيات الخارجيّة و المخاطر الخارجيّة، التي تحيق بالدّولة و تحاصر مشروعها السّساسيّ و الاجتماعيّ و الاقتصاديّ، بوصفها ”دولة”.

4 على كلٍّ، فإنّ الدّولة، على ما تقدّمَ، هي ظاهرة متكاملة ما بين حقليها الاجتماعيّ - السّياسيّ، كبعدٍ داخليّ، و حقلها السّياسيّ الخارجيّ، كبعدٍ إقليميّ و عالميّ..
هذا و لا يمكن للدّولة أن تجهل أو أن تتجاهل، و تحت أيّة ذريعة، مهما كانت قاهرة، مُستويَي و جودِها العمليّ و العالميّ، و إلّا تحوّلت إلى مجرّد آلة أو آليّة لإدارة مصالح المنتفعين و المرتزِقة و أصحاب الاستثمار الخاصّ و الشّخصيّ، من أصحاب رؤوس الأموال الذين يشكّلون عالة على اقتصادها العامّ، و السّاسة و السّياسيين الخادمين لهؤلاء، ناهيك عن استحالتها إلى جهاز قمع و عنف، داخليين، و إلى واقعة مادّيّة عابرة و طارئة التأثير على المستوى الدّوليّ الخارجيّ، و استكانتها أمام رحمة الظّروف و المقادير و الآخرين، داخلة في الخدمة السّلبيّة الخالصة لأصحاب النّفوذ، بدلاً من أن تكون متخادمة مع ذوي النّفوذ الماليّ الذين تحتاجهم كلّ دولة من دول العالم القديم و الحديث و المعاصر، و على مرّ تاريخ السّياسات في الحضارة العالميّة في مختلف الثّقافات.

5 الّلافت في موضوع ”الدّولة” هو أنّه موضوع اجتماعيّ ”تاريخيّاً” قبل أن يتبلور هذا التّبلور السّياسيّ الذي فرض نفسِه كَتَحدٍّ سياسيّ نظريّ و عمليّ على جانبها الاجتماعيّ، حتّى صار الفرد المعاصر يبدو أمام نفسه كوافد على نظريّة الدّولة و ممارساتها، مع أنّه كفرد اجتماعيّ نوعيّ، و أعني ”تاريخيّ”، هو الذي أهّل الدّولة لمثل هذا الدّور، الذي صار يبدو فيه غريباً أو مغتَرَباً أو مستهلكاً سلبيّاً لوظيفة االدّولة نفسها، بالتّصالح أو بالنّقد..
مع أنّ وظيفة الدّولة نفسها، في شتّى حقولها و فضاءاتها، هي ليست موجودة بتجرّد عن الفرد الاجتماعيّ الذي بدا، مؤخّراً، و أعني منذ ”الحداثة”، بشكل خاصّ، على أنّه آخر هموم الدّولة، فيما رضي لذاته بهذه المكانة، أو أنّه قد فهم الواقع و المكانة فهماً سلبيّاً و مقلوباً، و هو ما دفع بالكثير من الجماعات إلى الانقلاب على الدّولة و الثّورة عليها..

6 و من الطّبيعيّ، هنا، أنّنا نستثني من الحديث تلك الثّورات التّاريخيّة التي شكّلت استجابات لضرورات القطع التّاريخ مع الماضي الجامد و المُعوّق، و ذلك كانتقال من تشكيلة تاريخيّة، اجتماعيّة و اقتصاديّة، إلى تشكيلة جديدة، بفعل السّياسة الخالصة، و لو بأدوات عنيفة، و ليس العكس؛ فيما نحن نتكلّم على الانقلابات و الثّورات الانقلابيّة و الانتقاميّة و الثّأريّة المظنونة على أنّها عبور إلى المستقبل.

7 المحصّلة المؤقّتة، هنا، أنّني أتبنّى، في هذا الخلط الفرديّ الثّأريّ، موقف ”الدّولة” و ليس موقف الأفراد و الجماعات، الثّأريّ و الانتقاميّ، و ذلك ليس لنقصٍ في ”المظلوميّة” الاجتماعيّة التي يتبنّاها هؤلاء، و إنّما بسبب طريقة تبنّيهم ”السّياسيّ” لها، بفعل فاعل غريب عن مضمونها الاجتماعيّ الذي كنت، منذ قليل، أنتقد موقف الأفراد منه و من ”الدّولة”، على اعتبار أنّ هؤلاء و أولئك هم من أنتج ”الدّولة التّاريخيّة”، في التّاريخ.

8 من الواضح أنّ الأمر تكتنفه صعوبة أو صعوبات في الفهم النّظريّ مثلما هو بادٍ على هذا الحديث..
و لكنّ عذرنا كامن في طبيعة الشّيء الذي نتحدّث فيه، و هو ”الدّولة”، إذ ما تزال هذه ”الظّاهرة” عصيّة على التّفكير، فيما هي محلّ نقد دوريّ و تنظير مستمرّ على مدى تاريخ العقل الحديث و المعاصر، من دون أن يصل الفهم أو القناعة بواقع نظريّ على ”الدّولة”، إلى أيةّ مصالحة أو استقرار.

9 من أهمّ الصّعوبات التي أشرنا إليها، للتّو، واقع أنّ موضوعة ”الدّولة” قد سيطر عليها الكثير من الأفكار التي اجترأت ”ثقافيّاً” على ”الدّولة” و على ”نظريّة الدّولة”، انطلاقاً من تلك ”السّبقيّات” التي انتقدها، فيما أشارا إليها، كلّ من (دوركهايم) و (بيير بورديو)، و التي تعني في تلخيصنا مجملَهَا بأنّها تلك الأفكار غير العلميّة (غير الواقعيّة أو المنهجيّة)، والتّقليديّة والتّلقائيّة والأيديولوجيّة و العفويّة و المتحيّزة شخصيّاً أو فئويّاً أو عنصريّاً.. إلخ..
بالإضافة إلى ما هو أخطر، في رأينا، من كلّ ذلك، و هو أنّ الكثير من تلك الأفكار التي تشترك في صناعة هذه الإشكاليّة، إنّما هي أفكار من منتوجات ”الدّولة” بالذّات، و هو ما تعوّد علينا القرّاء بقولنا عليه، إنّ ”الدّولة” و ”نقد الدّولة” ينهلان من معين ثقافيّ تاريخيّ واحد، و بخاصّة في مجتمعاتنا و دولنا التي تحمل، و ما زالت طابع دولة و ثقافة و أفكار و فضاءات دولة ”الخلافة الإسلاميّة” العربيّة منها و العثمانيّة!

10 ما يُمكننا تثبيتُهُ، هنا، كإثباتٍ لنظريّتنا هذه، لا يُكلّف أحداً أكثرَ من إلقاء نظرة سريعة، و لكن نافذة، إلى ”الواقع العموميّ”، واقع ”الشّأن العامّ”، و اقع الإدارة و الوظيفة العامّة، مع التّمعّن قليلاً بسياسات ”الوزاعة” أو سياسات ”العدالة” في التّوزيع، توزيع الحاجات الأساسيّة و توزيع الفرص و الثّروة و الخدمات العامّة.. إلخ؛ و هذا الأمر لا يُكلّف العقل النّظريّ النّقديّ أيّ تعب أو عناء.
وإذا ما كانت الدّولة بتعريفاتها التّقليديّة أو الحديثة أو المعاصرة، تلك البنية الفوقيّة التي ”تنفصل عن المجتمع”) ماركس (أو ذلك الجهاز الذي ”يحتكر العنف المشروع”) فيبر (أو الذي “يحتكر العنف المادّيّ و الرّمزيّ المشروع”) بورديو (منعاً من استبداد الأفراد و الجماعات و ”المجتمع”، و سيطرة ”مأجورة”! عليها، درءاً للعنف الاجتماعيّ و الاضطراب و الفوضى و الحروب الأهليّة)..

11 فإنّنا لا نغادر ما قلناه أعلاه، إذ ثمّة من استراتيجيّات القوى الاجتماعيّة ماهو و من هو يمتلك فيها ”المشروع” السّلطويّ ذاته التي تمتلكه ”الدّولة”، أو شبيه به، مع تفوّق ”الدّولة” - بالعموم - بواسطة ”الأدوات” و حسب..
ناهيك عن أنّ أيّاً من أولئك الأفراد و الجماعات مهيّأ، بطبيعة التّربية التّاريخيّة و الثّقافة المشتركة، لأن يُمارس الدّور نفسه عندما يتسنّى له تبوّء المؤسّسة العامّة و الشّأن العموميّ، تلقائيّاً، و من دون معالجة أو تفكير.

12 صحيح أنّ ”المجتمعات” المتخلّفة لم تصل، بعد، إلى المستوى الضّامن لدولة تتجاوز نفسها، بوظيفتها، باستمرار، بحيث يجري التّحفيز الإيجابيّ المتبادل بين ”الاجتماعيّ” و ”السّياسيّ”، إلّا أنّه على الدّولة تقع الواجبات الأولى و الأكبر في ممارسة إعداد البيئة الجاذبة من أجل هذه الغاية التي تعود بالأثر الحضاريّ على كلا ”الدّولة” و ”المجتمع”.
‎لقد تعثرتْ، حتّى الآن، ”السّلطة” في مجتمعنا، بما هي ”دولة” و موسّسات، في تجاوز الحقل الاجتماعيّ الذي صَدَرت عنه، بحيث أنّ ما يُسمّى ”بنية فوقيّة” في الموسّسة السّياسيّة، لم تتعضّ، و ربّما لم يتمايزْ، بعد، عن ما يُسمّى ”بنية تحتيّة” في المؤسّسات و السّلطات و استراتيجيّات دفاع و هجوم ”الجماعات” و ”الأفراد” في ما عمل هذا الأمر الأخير على تثبيت ”واقع” ما قبل ”المجتمع”، و إن شئتَ ما قبل ”المجتمع المدنيّ”، و في ما نُسمّيه، عادة، بالمجتع الأهليّ.

13 و هذا ”خلط” شبه متعمّد أو بالأحرى ناجم عن جهل و عدم رغبة و انتفاء ”المصلحة العموميّة” جرّاء انفصال - و لا أقول فصل - ”البنية الفوقيّة” عن ”البنية التّحتيّة” في ”النّظريّة” و ”التّطبيق”.
إنّ هذا الأمر لا ينتهي، هنا، و أعني بهذه الخسارة السّياسيّة و الاجتماعيّة، في وقت معاً، و إنّما يتجاوزه وظيفيّاً إلى عجز ”الدّولة” في العالم الثالث، سياسيّاً، عن ممارسة وظيفتها الخارجيّة على ما ينبغي، كنتيجة لغياب معالمها الذاتيّة المستقلّة التي تمنحها الحرّيّة السّياسيّة في اختيار أفضل نماذج السّلوك و الأفعال و العلاقات مع العاَلم، كما يُلهمها الهيبة المطلوبة في قوّتها بين الدّول. و من الطّبيعيّ أن نفهم بسرعة هذا ”المتغيّر” السّياسيّ الرّكيك لأنّ متغيّراً ما لا يمكنه الذّهاب إلى غايته ما لم ينبنِ على ثابت أوّليّ واضح بالقياس إليه.

14 لا ينتهي الحديث على ”الدّولة”، ذلك لأنّها ظاهرةُ تراكم سياسيّ تاريخيّ عمليّ و نظريّ من التّجارب المتوالية و المتّصلة من دون انقطاع. غير أنّها، في رأينا، لا تستطيع أن تكون ظاهرة بيولوجيّة، وفق ما يعتقده البعض، بقدر ما هي ظاهرة فيزيائيّة و ذرّيّة و كيميائيّة أيضاً، تشترط فيها بنيتها أن تتبعَ نظاماً دقيقاً متكافئاً بقدر ما تُبديه من فوضَى و عدم التّنظيم، و بخاصّة عندما يقترب المشهد من الحقول الاجتماعيّة التي تُنتج الفاعلين حسبَ قواعدٍ مُبهمة أو غير خاضعة للتّنظيم..

15 و لكنّ البحث على الطّبيعة المنظّمة في ”الدّولة” تنظيماً سياسيّاً، يأخذ بالظّهور أكثرَ فأكثَر كلّما اقتربنا من قمّة المشهد االسّياسيّ للدّولة، بحيث صار بإمكاننا الآن أن نرصد طبيعة الفعل و الخطاب السّياسيّين، و أن نختبر مفهوم ”القيمة” السّياسيّة للدّولة..
لقد أصبح بإمكاننا، الآن، أن نترصّد المفهوم السّياسيّ للدّولة و أن نحكُمَ على مدى قيمة الدّولة كمفهوم سياسيّ..
و بهذا الاعتبار، لا يُمكننا أن نتجرّد عن الأصول الاجتماعيّة للدّولة على اعتبار الدّولة ينبغي أن تُمثّل و تَختزلَ تاريخها الوضعيّ، بما هي ظاهرة مكوّنة من جملة البنى التي تستحيل بصمت من ”الاجتماعيّ” إلى ”السّياسيّ”، و تدمُجَ في ذروتها مجموعة الآليّات و الدّيناميّات التي جعلت منها دولة على النّحو التي تكون عليه حصراً و ليس على أيّ نحو آخَر..
إذ في هذا الموقع و السّياق ثمّة من الدّول ما هو ناجح و ثمّة منها ما هو فاشل..

16 إنّ الدّول تنقسم وفق المنظور السّياسيّ و الاجتماعيّ و الاقتصاديّ، إلى دول فاشلة و دول ناجحة..
غير أنّ هذه الصّورة للدّولة لا تقدّم لنا أسباب التّعليل و التّفسير حول فشلها و نجاحها في خطابها السّياسيّ، و إنّما علينا نحن أن نكتشف، في النّظريّة، لماذا هو الوضع على ما هو عليه من الفشل أو النّجاح..
و إذا كان السّؤال مشروعاً حول النّتائج، فإنّه أكثر مشروعيّة حول الأسباب التي وضعتنا أمام مشروعيّة هذا السّؤال.

17 هنا، تظهر أهمّيّة جدليّة ”الاجتماعيّ” و ”السّياسيّ” كبطانة داخليّة لجدليّة ”الدّاخليّ” و ”الخارجيّ”.
‎فعندما تكون معادلة التّفاعل ما بين ”السّياسيّ” و ”الاجتماعيّ”، معادلة متكافئة بين الدّاخل في التّفاعل و النّاجم عن التّفاعل (بلغة الكيمياء), فإنّنا نكون قد عبّرنا بهذا ”الشّرط” الطّبيعيّ عن أمرين في وقت واحد:
الأوّل، هو تقبّل الدّولة السّياسيّة و مظاهرها السّلطويّة للنّتيجة الاجتماعيّة التي تراكم فيها ”الكمّ” السّياسيّ..
و الثّاني، هو استعداد ”المجتمع” (أو الجماعات و الأفراد و القوى الفاعلة سياسيّاً و اقتصاديّاً و تاريخيّاً) لإنتاج ”النّوع” السّياسيّ غير الطّارئ في الاستحالات و معاريج التّقدّم في ”السّلطة” و ”الدّولة” و ”الحكومة”، بحيث يتحقّق ”التّكافؤ” في ”النتيجة” السّياسيّة الفوقيّة ما بين التّعبير السّياسيّ عن المجتمع و التّعبير السّياسيّ عن الدّولة نفسها بوصفها واقع ” انفصال ” نسبيّ عن المجتمع.

18 في هذا، بالضّبط، تكمن جدليّة ”الشّرط السّياسيّ” للدّولة، و هي على ما تبيّن لنا ”جدليّة” صعبة و شاقّة، و لكن ليس على ”النّظريّة السّياسيّة” النّقديّة، و لا على ”الممارسة السّياسيّة” الصّادرة عن طبقة سياسيّة ليس في تاريخها الشّخصيّ و الخاصّ أيّ ”انقطاع” أو ”طفرة” أو مفاجأة، هذه الأعراض التي تنتهك قيمة ”الاجتماعيّ” و ”السّياسيّ”، معاً، عندما تحتاج في ”النّقد” إلى تسويغ أو شرح أو تعليل.

19 النّبذة السّابقة هي ما يدور عليها، اليوم، في ”النّظريّة” الخلاف و الاختلاف. و هي ما يُسمّى في ”العرف النّقديّ” ظاهرة التّكافؤ بين االدّولة و المجتمع، أو ظاهرة ”الانقطاع” الاجتماعيّ و السّياسيّ و الأخلاقيّ بين ”الكمّ السّياسيّ” و ”النّوع الاجتماعيّ”.
‎إنّ ”السّياسة المتوازية” - و لا نقول المتطابقة - ب ”المجتمع” و ”الدّولة”، على ما قدّمناه في هذا الحديث، هي حاجة تاريخيّة اليوم في عالم الدّول التي تريد لها النّجاح و الاستمرار، درءاً للاختراق و التّهدّم و الانقراض، و تحقيقاً لمبادئ ”العدالة الاجتماعيّة” التي هي سرّ أسرار نجاح مشاريع الدّول، عندما تتمكّن ”الدّولة” من إنضاج مشروعها السّياسيّ في ”المجتمع”، تأهيلاً لقادة سياسيين و إداريين، يرفِدون الطّبقة السّياسيّة في ”الدّولة”، باستمرار، يَرِدُون من ”المجتمع” إلى ”الدّولة” بطريقة طبيعيّة بعيداً عن الغياهب المجهولة التي تخلق اصطفافات الدّولة و الطّبقة السّياسيّة الحاكمة و مفاصل و مفصليّات صناعات و اتّخاذ القرار السّياسيّ الدّاخليّ، الذي يُحصّن صناعة المجتمع و يمنح الدّولة هيبتها و استقرارها، و يجعلها قادرة على المنافسات العالميّة حتّى في مظاهرها و أفعالها الأكثر تحدّياً للّحظة و الظّروف.

20 إنّه، من نشوء ”الدّولة” كدَولةٍ بعناصرها التّقليديّة المعروفة للجميع، و مروراً ببناء هيكلها المعاصر بمختلف بُنياتها المادّيّة التّحتيّة الرّاسخة و بِناها الفوقيّة المنسجمة و المتينة، و نهايةً بمواجهاتها المصيريّة؛ فإنّ الدّولة هي أكثر من حكومة و شعب و إقليم..
و ذلك كما تظهر بالنّسبة إلى المجتمع نفسه الذي تنبني عليه، أو بالنّسبة إلى حيّزها السّياسيّ العالميّ؛ و هما شرطان في شرط واحد لاستمرار الدّولة في هذا العصر.

****

فعقب الشاعر ياسين الرزوق زيوس:ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏‏ليل‏ و‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏‏‏

حديثك في ثلاثاء سورية حديث رجل دولة يعرف جدلية قيام الدولة من كبواتها و قيامتها إلى آخرتها.

و عليه:

١ ) : ليست مفاهيم الدولة تلك المفاهيم العفوية التي تجعل غريزة الجوع و الشبع هي السارية في تناحر الغرائز على البقاء و الفناء تحت طائلة النوع الجيني و النوع الفكري و النوع القبلي العشائري و النوع المناطقي و النوع المذهبي أو الطائفي و النوع الاجتماعي و النوع التربوي و النوع الاقتصادي و النوع الثقافي الفكري و النوع العرقي و النوع السياسي بل هي تلك المفاهيم التي تضبط ما تضبط في إطار تنظيم السيرورة الإرادية بعد صيرورة لا إرادية و في إطار تنظيم معارفي بعد تزاحم بدائي فوضوي على جسد المعرفة و التنظيم.

٢ ) : زوربا يقول لكل إنسان حماقاته لكن الحماقة الكبرى أن لا يكون للإنسان حماقات فهل تخضع جدلية الشرط السياسي على صعيد قطيع داخلي من الصعب التعاطي معه بفطنة صافية أو خالية من الشوائب للحماقات المطلوبة داخلياً كما يبدو كما تُمارس هذه اللعبة الحمقاء بذكاء على صعيد الخارج بما يعني إعطاء مفهوم الدولة كينونة الوجود الخارجي ككيان غير هلامي أو ككيان لا يأخذ شكل التبعية التي لا يرضى أن تفرض عليه و جعل هذا المفهوم على صعيد الداخل مختلفا عليه بين المشرعين باتجاه سحب الذريعة من المشرعين بعد تشريعه بشكل قسري تقتضيه حالة الدولة على صعيد هشاشة الدول المتخلفة داخلياً و محاولة هذه الدول إخراج داخلها من التخلف بمحاولة خلق بوصلة خارجية تلفت الأنظار لكن لا كما لفتها همام حوت في عفواً أميركا بل كما لفتها نيتشة في هكذا تكلم زرادشت ليكمل الدستور كلامه الأسطوري النهضوي و نقده البنيوي الساخر في قرارة نفسه مما يسخر منه على العلن و مما يسخر منهما معاً في الاتجاهات المنفلتة من تيارات الغرائز و أنظمة التخابر البوليسية!

٣ ) : فلسفة الجدلية السياسية ما بين شرط الجدلية نفسها و جدلية الشرط السياسي تقتضي المرور بتعاقبات موازين متدرجة و بتدرجات موازين متعاقبة تخلق توازنات محسوسة و غير محسوسة في إطار تبسيط الجدلية إلى عقدتها الأجمل بعقد مقتضيات تكبير العقدة كي لا ينفك الحبل و لا ينحل الوثاق السياسي الشامل داخلياً و خارجياً!

٤ ) : عندما تكون البنى التحتية و الفوقية التي تحقق مقولة الماغوط في كتاب سأخون وطني بقوله كمعنى إما أن نكون قدمين على رصيف أو رصيف تحت قدمين تعكس ما تعكس من انهيار منظومة الثقة ما بين البنى و من انهيار البنى نفسها لأن التمايز لم يعد بنيوياً بل بات طابقياً طبقياً يعكس ما يعكس من التراكمات و الانهيارات القادمة خاصة في منطقة الشرق الأوسط العربي الإسلامي المتشقق فليس بوسعنا حينها إلا أن نتفرج على المصلين دونما دراية و على القارئين دونما تدبر في صوامع و بيع و صلوات و مساجد الحكومة التي تعطي الدولة بعدها السلطوي و لا تفقدها بعدها الامتدادي الشامل مهما ساءت ممارساتياً و خدماتياً!

٥ ) : ليست الدولة جرحاً يحتاج إلى بلسم بل هي بلسم من الجراح الذي لا يخلط أوراق الجدلية السياسية بقدر ما يفرز شروط السياسة داخلياً و خارجياً في إطار الخلاص من العبثية التشويهية و إبقاء جمل ناطقة من العبثية الجمالية!

٦ ) : جدلية الشرط السياسي هي بوابة تقسيم المهام لكن ليس بأفقية طائفية أو بشاقولية تبعية بل بأفقية وطنية و بشاقولية تكميلية الكل يلتقي بالكل و يكمل الكل في ظل التقاطعات التي نفت توازيها و التوازي الذي فرض تقاطعات لا بدّ منها في شرطية الاستمرار و البقاء!

٧ ) : تواؤم الفكر السياسي و الصلاحيات المشروطة و غير المشروطة في مؤسسات شرطية وجودها تقتضي القول الفصل يقودنا إلى تعاريف خالقة في لحظات فارقة!

٨ ) : الزهد السياسي لا يعني التسليم إلى أبعاد إسلاموية بل يعني تجميلاً قادماً ببهجة و نشوة ناطقتين.

٩ ) : البعد المجهول في الشرطية يقتضي حالة من التسييس الممنهج كي لا تتداعى آفاق الأبعاد المعلومة.

١٠ ) : في حديثك تفرد الشرطية جمالها و الجدلية بهاءها تحت كل عناوين السياسة دكتورنا الغالي بهجت سليمان Bahjat Sulaiman.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

October 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
30 1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 31 1 2 3
عدد الزيارات
4335137