n.png

    شارك برأيك

    مارأيك بالهدنة؟

    بؤس الوعي: في الوعي المُزيّف.. و الوعي الآخَر.. حديث الثلاثاء "12"

    [بؤس الوعي: في الوعي المُزيّف.. و الوعي الآخَر.أ بهجت سليمان في دمشق
    صناعة "الجاذبيّة" السّياسيّة، و تصنيع "الاندثار"]

    ○ الإعلام و التّربية و التّعليم و التّعليم العالي والثقافة والأوقاف.. كلّ هذه و أضرابها هي ممّا يُشكّل تربة الثّقافة الاجتماعيّة التي تؤسّس للوعي الزّائف..
    عندما تقودها، نظريّاً و عمليّاً، قوى الكبح الرّجعيّة التي تنشط، لتملأ الفراغات الفعليّة التي انحسرت الدولة عن امتلاءاتها، في ظروف المفاضلة أو الاختيار الاجباريّ..
    عندما يتقدّم الذّود عن "الحياة العامّة" في سلّم أولويات الدّولة، على الفعل الثّقافيّ المؤسّس و المعزّز للوعي الرّجعيّ الزّائف○

    ● د. بهجت سليمان

    1 لا تتحمّل الكتابات الوجيزة مقدّمات مُطوّلة أو كافية تليق و تنسجم مع الموضوع الذي يطرحه الحديث، و بخاصّة إذا كان هذا الحديث يمسّ مفصلاً عقليّاً أو فكريّاً حسّاساً و هامّاً و مركزيّاً في اهتمامات و هموم الأفراد و المجتمعات، مثل موضوع "الوعي"، هذا الموضوع ذي الاختلاف التّاريخيّ الكبير حول منشئه و تكوّنه و إنتاجه و ما يغطّيه من مضامين واسعة و حاسمة في حياة البشر..
    و ما يُطرح في هذا الصّدد أو في سبيل من سُبُله بخصوص "الوعي" إنّما هو القيمة التي تتعلّق بهذا "الوعي" و يتقوّم بها، و هو ما يطرح مشكلة زيف الوعي أو صدقه ، فإذا بنا مأخوذون في طريق فلسفيّ خالص، و هذا ما لا نريده، هنا، الآن، على الأقلّ، حيث نجد المناسبة تقودنا، عنوة، في اتّجاه آخر، ثقافيّ و اجتماعيّ و سياسيّ، نظراً لمقدّمات و مخلّفات الحرب الشّعواء التي أضرمت نيرانها في البلد منذ أن بدأت و حتّى تنتهي، أو تأخذ شكلاً و مساراً مختلفين و لو بعد حين.
    و على أنّنا لا نذهب في حديثنا هذا إلى تأويل "الوعي" كحادثة بيولوجيّة أو فيزيولوجيّة عصبيّة، و هذا ممّا يكون فيه الحديث على خلافات و اختلافات "علمويّة"..
    فإنّنا سوف نقف على قدرة "الوعي"، كوضع اجتماعيّ عامّ، في أن يكون حالة عادلة من "الفهم" البشريّ، على الخصوص، تساهم في الاحتكاك بالقيم الاجتماعيّة و الأخلاقيّة، أو في هضم هذه الحصّة الإنسانيّة التي على الفرد أو الجماعة أن لا يتخلَّوا عنها، لظروف يصنعونها أو يساهمون في صنعها، أو أن لا يَفوتهم هذا النّشاط و هذه المشاركة بإنجازها، لأسباب أخرى خارجة عن إراداتهم و طموحاتهم و قسمتهم التّاريخيّة بنسبةٍ واهية مع القوى الخاصّة الأخرى التي تَصيغُ العالم وفق منظورها الاحتكاريّ.

    2 من المسلّم به؛ و نظراً للتّناقضات الكبيرة و الاختلافات الشّديدة في المواقف في ما بين قناعات البشر، من جهة، و في ما بين أفعالهم، من جهة أخرى؛ باستطاعتنا أن نفكّر، بواقعيّة، بنوعين، على الأقلّ، من الوعي، و هما "الوعي الصّحيح" و "الوعي المزيّف"، تبعاً لتطبيقات هذين النّوعين من الوعي، و النّتائج العمليّة المباشرة التي تترتّب على ممارسة كلا النّوعين من "الوعي" العامّ المنسجم أو غير المنسجم مع غايات العمل الإنسانيّ ذي الأبعاد الاجتماعيّة و السّياسيّة، في أهدافه التي هي ممّا يُعتبر كمعالم على طريق الإنتاج الاجتماعيّ و النّجاح و التّقدّم التّاريخيين..
    ثمّة جملة من الأشياء و الوقائع و المفردات اليوميّة لا يُمكن تقويمها إلّا على أساسٍ نظريّ و عمليّ من منظور الوعي الفرديّ و الجماعيّ، و ذلك كالدّافع و المصلحة الآنيّة و التّاريخيّة، و الطّموح، و معها يدخل، كذلك، الثّأر و الانتقام و تحدّي الجدران المانعة، و كذلك المعرفة و الثّقافة و إنتاج العالَم..
    و على هذا الأساس يمكن أن يختلط الوعيّ الزّائف بالوعي التّاريخيّ السّليم، أو أن يتحوّل أحدهما، السّويّ، طبعاً، إلى الآخر في خضمّ التّفاعل المزدحم للمعطيات و البيانات و قواعد الفعل و السّلوك..
    و هو ما يدفعنا إلى التّحرّي على دور أسس الوعي نفسه و صلاحيّاته الواسعة و اختلاطاته في كونه جزئيّاً أو واسعاً، كما يدفعنا إلى فحص "المرايا" التي بواسطتها يجري تمثّل العالَم و يحصل فيها الانعكاس..
    و نستطيع ، بالتّالي ، أن نطلق إسم "منظور الوعي" على الجهة التي ينبثق منها هذا الوعي ، و على مستوياته المتعدّدة و زواياه التّقنيّة و "الفنّيّة" ، و التي يجب أن تبقى موضوعيّة تضمن "الحيادَ" العلميّ للملاحظة ، و لو أنّها تجري بالتّزامن و التّوافق مع المنطلقات الإنسانيّة الأخرى و الحاجات التي تُصنّف في إطار الأيديولوجيا و الموقف الوضعيّ من العالَم و العلاقات النّاظمة لمعطيات هذا العالَم .

    3 غنيّ عن الإثبات أنّ "منظور الوعي" الواقعيّ و العاقل و المعقول ، هذا ، هو ما يُنتج الواقع ، و العالَم ، على الوجوه المختلفة و المتعدّدة ..
    و هذا إذا أحببنا - و هو ضروريّ و أساسيّ - أن نؤكّد ما يتجاوز مسألة أنّ "منظور الوعي" يُساهم إلى حدّ كبير ، و يحدّد الطّريقة و النّتيجة الّلتين تبدوان على أنّهما حاسمتان ، في رؤيتنا النّظريّة النّقديّة ، و العمليّة ، التي تُفسّر لنا ، و تعلّل ، واقعنا و العالَم المحيط بالتّجربة و انتظار نتائج هذه التّجربة وفق ما نرغبه منها و نريده و نعمل عليه ، بدرايةٍ منّا أو بدون دراية ، أيضاً ..
    فيما نحن ، بالفعل ، على موعد مع إنتاج البؤس و الفشلِ و المحدوديّة و الضّغائنيّة و التّخلّف المدمّر و الكراهيّة الصّاعقة .. إلخ ؛ عندما ندخل في بؤس الوعي الذي يعمل على تزويره و تزييفه جميع الأفكار و الممارسات الدّونيّة و المحدودة و الحاقدة و الّلئيمة و الّلاإنسانيّة ، المنعكسة في مرايا الوعي الزّائف من تربيةٍ و ثقافةٍ و مشاريع و صناعات مغشوشة في الإدراك المعتوه الأجوف و الفارغ ، و نتائجه المنحرفة في الفهم البدائيّ للمشكلات المعاصرة التي تعصف بواقعنا الرّديء ..
    و يتساوى ، هنا ، الأمران معاً ، سواءٌ أدركنا ذلك أم لم ندرك ، في خطأ الأسئلة التي تعبّر عن الضّرورات التي تحتاج إلى تحديد و تفاعل و تعامل أمثلَ معها ، و في خطأ الأجوبة عليها ، إذ لطالما كانت أخطاء النّتائج من أخطاء المقدّمات ..
    إنّ بؤس المجتمعات و الشّعوب لا يمكن أن يُفسّر بأكثرِه أو أقلِّه إلّا بطريقة واحدة ، و هي بؤس الوعي المعاصر الذي يتموَّهُ بأعذار و حُججٍ و أسبابٍ شتّى ، كاذبة ، فيما هي ليست سوى عجز في الكينونة المعاصرة التي تلخّص ، إن هي استُدِيمَتْ و استَدَامَتْ ، كلّ فشل التّاريخ و الثّقافة التي هي أدّت و تؤدّي بالمجتمع المعاصر و مؤسّساته المختلفة إلى حركته المَنبوذة أو المُنتبذَةِ خارجَ أفلاك دوران الحضارة العالميّة ، اليوم .

    4 من مظاهر و أسباب "الوعي" البائس ، الفرديّ و الاجتماعيّ و السّياسيّ ، هو أن تجري مقايضة تاريخيّة ما بين "الثّقافة" الهابطة و "السّلطة" المحدودة و المأزومة الحارسة لمصالحها ، و حسب ، باستمرار ..
    يقتضي هذا الأمر ، هنا ، أوّلاً و أخيراً ، أن نكون واضحين بقصدنا في مفهوم "بؤس العالَم" ( بؤس الوعي ) ، على أنّه ذلك الفقر القاتل و تلك الضّحالة و الزّراية الشّنيعة التي تبدأ بأبسط و أصغر مظاهر تردّي الواقع اليوميّ السلوكيّ و الأخلاقيّ ، الفرديّ و الجماعيّ و الفئويّ و الاجتماعيّ ، و نهاية بأكبر الكبائر التي تصيب المجتمع و الأمّة و الدّولة من مهازل و مفارقات دامية و سخريات مُبكية و مصائب ، تترصّدها النّهايات المأساويّة المريرة التي يمكن أن تكون - و لا بدّ ، حينها ، من أن تكون - قدر الواقع و صورة العالَم الواسعة الحيّة و قد اختُزلت في "واقع" مُؤطّر بمكان و زمان محدّدين ، نظريّ و عمليّ ، ضيّق و جامد و أحمقَ و سَخيف و فاجر و عنيف .

    5 تظهر أعراض و أشكال المقايضة التّواطئيّة بين المؤسّسات الاجتماعيّة و السّياسيّة للدّولة و المجتمع ، عندما تولّي المؤسّسة السّياسيّة المعبَّرُ عليها في بنى الدّولة المختلفة ، اهتمامها نحو الكيفيّات "الحرفيّة" و "المهنيّة" لاستدامة واقع البنى التَّقنيّة لممارسة الحكم و التّحكّم و السّيطرة على أبواب المداخيل الماليّة الخاصّة و الشّخصيّة ، مع ما يحتاجه هذا الأمر إلى أشكال الممارسات الوجاهيّة و المستبدّة التي تضمن لها تفوّقها "العرفيّ" ( و القانونيّ ! ) ..
    مقابل تخلّيها عن وظيفتها السّياسيّة الرّئيسة من حيث هي مؤسّسات لإدارة الواقع الاجتماعيّ و الثّقافيّ ، و إن لزم الأمر فلإدارة الصّراعات الاجتماعيّة حول الخطاب الثّقافيّ و الإداريّ (و النّصّ ، أيضاً ) ، و تركها المجال مفتوحاً أمام سلطات الخصوم التّاريخيين الثّقافيين كرشيّةٍ سياسيّة للسّلطة و منافعها التي لا تعدمها ، حيثما حلّت في الجماعة و المجتمع و المهن و الحرف الأهليّة الأخرى ، و حيثما كانت هذه السّلطات فاعلة في أدوارها "الهامشيّة" فعلاً ، أو في ما قد رأته المؤسّسة السّياسيّة على أنّه "هامشيّ" ..
    إذ ما من شيءٍ هامشيّ إلّا و من المستطاع تحويله إلى تكريسٍ جوهريّ للمغزى في إطار المراكمة و الحشد و التّحشيد ..
    في الوقت الذي ليس من مفهوم فلسفة السّلطة و فلسفة السّياسة و فلسفة المجتمع ، أن يقبل تسمية أيّ مكان ، و مهما كان قصيّاً عن "القرار" السّياسيّ ، بأنّه مكان هامشيّ ليس ذا أهميّة في معادلات و تفاعلات التّداخلات و الصّراعات الطّبيعيّة ، في مجرى المكاسرة الدّائمة ما بين المجتمع و السّلطة ، أو ما بين الثّقافة و السّلطة على الحصر ..
    عندما تقايِضُ "السّلطةُ" السّياسيّة اهتماماتِها و إطارِ فعلِها ، بِ"الثّقافةِ" ، أو بما قد اعتبرته من الأشياء الأقلّ أهمّيّة أو حتّى معدوم الأهميّة ، و الذي هو "ثقافة المجتمع" بكلّ تياراتها الدّيناميّة و غير المحصورة أو المضبوطة في "النّظام" ..
    فإنّها إنّما تتعدّى بالحَيف المباشر على حقّ "المجتمع" نفسه في أن يكون له حصّته من التّطوّر السّياسيّ الذي لا يحلّ تلقائيّاً في جوهر المُتَّحد الاجتماعيّ الذي أهملته "الدّولة" ، فإذا به و قد تفسّخ و تجزّأ و تقطّع أشلاءً "ثقافيّة" و تيّاراتِ توجّهاتٍ عصبويّة ، على وقع أقطاب الحياذة الأهليّة خارج حدود التّنوّع و التّعدّد الثّقافيّ ، الذي تعوّل عليه الدّولة في بُعدها الحضاريّ في موازاة الملكيّات الرّمزيّة للشّعوب الأخرى ..
    و لكنْ هذه التي تتفاعل و تتطوّر في إطار "النّظام" السّياسيّ كبعدٍ ثقافيّ ضروريّ له و منتج و دافع نحو الأمام ؛
    و عندما تجد "السّلطة" نفسها في مأزق من المآزق الاجتماعيّة السّياسيّة سيكون حينئذ من المُحال عليها أن تتمكّن من ضبط حركة و اتّجاه الفعل الذي سمّيناه "ثقافيّاً" في وقت ينعكس فيه ، و يمثّل ، كلّ اتّجاهات الشّدّ التّاريخيّ إلى الخلف أو إلى الجمود و الرّكود و محاربة التّقدّم و الانتقال بالبنى الاجتماعيّة و الوعي الاجتماعيّ إلى الحداثة و الجديد ..
    إنّ قدرة "الوعي البائس" و ممارسته منظَّماً في "الثّقافة" ، في أوقات التّحدّيات ، هي فوق ما يمكن توقّعه أن يكون في الأحوال العاديّة التي لا يشعر فيها ذلك "الوعي" بالخطر التّاريخيّ المعرّض له في عمل المؤسّسات التي تنظّمها و ترعاها الدّولة ، مباشرة ، ناهيك عن دور ذلك الوعي الرّجعيّ نفسه في اختراقاته لمؤسّسات الدّولة ، بمغامراتٍ شرسة و تحدّيات علنيّة ، يشدّ من أزرها واقع الخلفيّة الاجتماعيّة الدّاعمة للوعي الرّجعيّ و المحافظ ، كأحد بديهيّات آليّات التّطوّر الاجتماعيّ المتردّد و البطيء .

    6 الإعلام و التّربية و التّعليم و التّعليم العالي والثقافة والأوقاف .. كلّ هذه و أضرابها هي ممّا يُشكّل تربة الثّقافة الاجتماعيّة التي تؤسّس للوعي الزّائف ، عندما تقودها ، نظريّاً و عمليّاً ، قوى الكبح الرّجعيّة التي تنشط في أوقات ضمور قوّة الدّولة ، لتملأ الفراغات الفعليّة التي انحسرت عن امتلاءاتها الدّولة في ظروف المفاضلة أو الاختيار الاجباريّ ، للأهمّيّات الصاعقة جسم الدّولة و المجتمع ..
    بحيث أنّ الذّود عن "الحياة العامّة" يتقدّم في سلّم أولويات الدّولة على الفعل الثّقافيّ المؤسّس و المعزّز للوعي الرّجعيّ الزّائف ، في ظروف يكون فيها من السّهولة و السّرعة أن تنشط قوى التّخلّف في كلّ مكان اجتماعيّ و ثقافيّ و سياسيّ اضطرّت الدّولة إلى التّراجع عنه ، بفعل آليّات المقارنات الاستراتيجيّة التي تنفرض على مؤسّسسات قوّة الدّولة ، في الظّروف التي يتفوّق فيها الوعي المزيّف على الوعي المخطّط ، و تتفوّق فيها القوى المؤجّلة في مناسباتها التي تنتظرها ، أبداً ، و على الدّوام . .
    إذ من الثّابت أنّ القوى الاجتماعيّة و السّياسيّة و الثّقافيّة ، هي كقوّة الدّولة ، تماماً ، لا تتخلّى عن أسلحتها و مشاريعها بطيب خاطر أو باتّفاقيّات إذعانيّة أو ودّيّة ، أو عن تسليم المواقع التّاريخيّة إلى الخصوم ، بالاستسلام و التّخلّي عن المواقع التّاريخيّة التي استُحِلّتْ في مجرى الصّراع مع الزّمان ..
    و ليس من المعقوليّات أمر انتظار قوّة و سيطرة الجماعات و الأفراد بالوعي الزّائف ، الرّجعيّ و الدّمويّ ، حتّى تلتفت مؤسّسة السّيطرة السّياسيّة إلى حلّ هذه المشكلة التي دخلت في باب المعضلات المجتمعيّة التّاريخيّة ، إذ لا يمكن لأحد أن يتصوّر إمكانيّة "معاقبة" المجتمع ، بالجملة ، على وعي يُمارسه في إطار وعيه المزيّف ، بأشكال و أساليب متعدّدة تصل حتّى المواجهة مع الدّولة بما في ذلك الصّراع المسلّح ، بدلاً من الأسبقيّة الممكنة في تجفيف المنابع الرّئيسة لهذا الوعي و التي غذّته و كانت تغذّيه بصمتٍ على مرأى "الدّولة" ، بذريعة أو بأخرى ..
    مع العلم أنّه قد أثبتت تجارب التّاريخ في "الإدارة" و "السّياسة" - و هذا أمر عمليّ ، جرّبه كلّ قائد إداريّ أو سياسيّ وطنيّ - أنّ مقاومة و معالجة "الظّاهرات" التي يفرزها الوعي الزّائف ، في بداياتها ، هي أسهل بما لا يمكن تصوّر قياسه ممّا لو تُركت تلك الظّاهرات حتّى تقوى و تلفّ حولها المريدين و المشجّعين و المقاتلين .

    7 في آليّات محاربة الثّقافة الرّجعيّة التي يُنتجها الوعي المزيّف و الرّجعيّ ، و التي بواسطتها يستطيع هذا "الوعي" الاستيلاء على مرجعيّات تفكير النّخب الاجتماعيّة ، أوّلاً ..
    فإنّ المواجهة العلميّة و العقلانيّة ينبغي أن تكون في مواقع إنتاج و إعادة إنتاج ذلك "الوعي" و حقول اشتغاله ، التي يتصوّر أنّها في مأمن عن السّياسة و السّيادة و المؤسّسة الوطنيّة و القرار ..
    هكذا ، مثلاً ، يمكن للوعي الوطنيّ المسؤول أن يُصحّح من انحرافات مؤسّسات السّلطة ، نفسها ، عندما يبدو عليها العجز أو التّواطؤ بفعل الاختراق الفرديّ لها ، و هذا ممَا له تطبيقات و أمثلة عمليّة في جميع الأنظمة و في كلّ دول العالم ..
    و لأنّ "العلم" و "المعرفة" لا يتقوّمان من خلال "المؤسّسات الأكاديميّة" وحدها ، في مقابل مؤسّسات البحث و المعرفة ، فإنّ على السّياسة أن تنتبه إلى أنّ "ديموقراطيّة التّعليم" و انتشاره الأفقيّ الكمّيّ و الرّقميّ ، هو على عكس ما يُرجى ، و ما كان يُرجى ، منه ، بالتّحديد ..
    إذ أنّ الإحصائيّات العالميّة تُثبتُ ، يوماً بعد يوم ، أنّ الانتشار الأفقيّ لعدد الشّهادات العلميّة المتوسّطة و العالية ، إنّما يُشكّل ، من جديد ، واقعاً هو عكس ما كانت تبغيه "السّياسة العلميّة" منه ..
    أي أنّه بقدر ما تتكاثر الشّهادات العلميّة العالية و يتكاثر معها المؤهّلون لتحقيق أهداف التّنمية ، فإنّه بالقدر نفسه ، و ربّما أكثر ، تبتعد أهداف التّنمية الاجتماعيّة و السّياسيّة عن التّحقّق و التّحقيق ، بفعل المصادرات الأوّليّة في خطّة القوى الاجتماعيّة و العائليّة و العصبويّة ، لأهداف التّعلّم و التّعليم ، و احتكار القنوات التي بفضلها يستطيع العلم ، بشهاداته ، أن يتفوّق على الواقع المتخلّف ، ليخضع ، من جديد ، إلى آليّات الاحتكار العلميّ ، نفسه ، السّابق ، و الذي كان قد أنجز تصوّراته العمليّة و خططه الاحتياطيّة أمام و ضدّ "ديموقراطيّات التّعليم" ..
    أقول : بسبب ذلك كلّه فإنّ محاربة إنتاجات الوعي المزيّف و الذي دخل في زيوف جديدة أيضاً ، إنّما تكون في معاقلها ، و أعني في المحيط العلميّ الأكاديميّ ، أوّلاً ؛
    ثمّ لتنتقل إلى محيط القوى الاجتماعيّة الدّاعمة لها ، و التي تكون قد بدأت بالتّجفاف ، ما إن يُباشرَ بالقضاء على الظّاهرة الأكاديميّة المزيّفة التي خلقتها ، و أطلقت لها عنان التّفاعلات الثّقافيّة و الاجتماعيّة و السّياسيّة و الاقتصاديّة العامّة ، التي جعلت من إمكانيّات سيطرتها ، و فعليّة هذه السّيطرة ، نتيجة طبيعيّة لبنى التّكوين العلميّ الاجتماعيّ ، و أعني ما هو بمثابة تحصيل الحاصل .

    8 لعلّه أصبح واضحاً كيف أنّ مشكلة "التّنمية" – و هذا اختصار صار بحكم المألوف يعني أكثر ممّا يقول – تتعدّى قضيّة تبادل الاتّهامات التي درج عليها "المثقّفون" و "السّياسيّون" و "السّاسة" و "الاقتصاديّون" ، حتّى صارت عادات الكلام الخلافيّة هي ما يحتاج ، أوّلاً ، إلى حلول ، ليكون من الممكن الالتفات إلى القضيّة الأساسيّة ..
    و إذا كانت الجذور هي مرتكزات الوقائع و الظّواهر المختلفة التي عنيناها و نعنيها ، دائماً ، بالنّقد النّظريّ و العمليّ ؛ فإن حلول المشكلات المجتمعيّة ، إنّما يكون ، أو يجب أن يكون ، في البيئة نفسها تلك التي أنتجتها هي في بداية المطاف ..
    يقضي هذا الأمر أن تتعاون الكثير من القوى الاجتماعيّة و السّياسيّة و الثّقافيّة و العلميّة ، من أجل معالجة سبل "الوعي" الاجتماعيّ و السّياسيّ و توجّهاته الشّاملة ، من جهة أنّه ظاهرة لها جذورها التي يمكن تشخيصها على نحو أكثر تحديداً و حسماً ؛ و لكنْ من منطلق أنّ المجتمع المتخلّف لا يمكن له أن يُنتج إلّا "الوعي الزّائف" .

    9 إنّ مشكلات بعينها ، و مع كامل أهمّيّتها و أهمّيّة أصوات معالجتها و لو المنقوصة و الارتجاليّة ، قد أصبحت تقليديّة ، في نظرنا ، من قبيل علاقة المثقّف بالسّلطة .. ، و الفساد .. و الوطنيّة ، و المواطنيّة .. ، إلخ ؛ فلم تعد هي المشكلات الأساسيّة مع العلم أنّها - كما يعرف الجميع - هي التي يحوم حولها ، حتّى هذه الّلحظة ، "المفكّرون" المأزومون و المثّقفون المزيّفون و " العلماء " الجاهلون .. لعجزهم عن تشخيص المشكلات المعاصرة التي تتحدّى دول عالم العولمة ..
    و عندما نؤمن بأنّ "الوعي" العامّ هو أساس الكثير من ضرورات البحث المنهجيّ و المعرفيّ ، فعندها علينا أن نتوجّه في القراءة الأوليّة إلى كومة هذه "المعلومات" المفتعلة و المنحرفة عن غاياتها ، و التي تمدّنا بها مكاتب و مراكز الإحصاء و التّخطيط المحليّة و العالميّة ، لنقلبها في قُمامات البحث التّقليديّ و إنتاجات التّفكير البالي و المتهالك ..
    لأنّنا ، في استطاعتنا القول إنّ الأهداف الحقيقيّة التي على البحث و الدّراسة و العلم و العمل أن يبدأوا منها ، هي ما يغيب ، حتّى الآن ، عن قِوامات التّفكير ، و بخاصّة ما أعنيه ، هنا ، بالتّفكير السّياسيّ الوطنيّ و المسؤول ..
    لقد أثبتت تجربة الإدارة و السّياسة و الحكم ، في العالم و في التّاريخ ، حتّى اليوم ، أنّ العلاجات الشّاملة هي فقط القادرة على التّصدّي للمشكلات الشّاملة ؛ هذا و لا أظنّ أنّنا كنّا في يوم آخر أمام تحدٍّ حضاريّ شامل كما نحن فيه اليوم بوضوح و تواضع و طموح ..

    10 و في المقابل ، فإنّ ما يُحاصِر ذلك الوعي الزّائف الذي هو أوسع من أيديولوجيا و أضيق من فلسفة أو معرفة ، إنّما هو إدراك وظيفة الدّور السّلبيّ للوعي البائس ، هذا ، أوّلاً ..
    ثمّ ، ثانياً ، التّوجّه المباشر إلى الأماكن المهجورة سياسيّاً ، من قبل المشاركة القصوى للمناطق المتروكة للاحتمالات في التّكوين ، بفعّاليّات منظّمة تكون الفئة المستهدفة فيها ، في "الخطاب التّكوينيّ" ، تلك الأقليّات الثّقافيّة القابلة ، بطبيعتها ، للتّمرّد على غبنها الاجتماعيّ و الاقتصاديّ و السّياسيّ ، و التي تمثّل "المعادل" الوجوديّ لاستباحات الإدماج المنظّم الذي تعمل عليه الثّقافة المزيّفة بسهولة و تلقائيّات تقليديّة ، لا يمكن أن يعصمها من تأثيراتها مجرّد "النّصّ" المواجه للسّرديّة المزيّفة ، التي أثبتت التّجربة أنّها قادرة على اشتمال "الواقع" بالتّزييف ، نتيجة القدرة الكمّيّة لها على إحداث "الفارق" الحضاريّ في التّأثير ..
    و بخاصّة عندما تكون سائدة على مستوى الجذب المتكرّر للقابليّات البشريّة الغضّة ، الخام ، عندما تعتمد أساليب التّواجد المكثّف ، دون رادع ، في الأماكن الخالية ، المهجورة ، و المتروكة لفعل " المصادفات " الخالصة التي قد تحدّدت هويّتها و إمكانيّاتها ، مسبّقاً ، في تطوير النّوازع الدّونيّة التي تعمل عليها ثقافة البؤس و الابتئاس المنظّمة التي تعي ، جيّداً ، مهمّتها في شرذمة الإنسان على نفسه و جعله متنافرات تكوينيّة قلقة ، تُريد الاستقرار بأيّ ثمن و تحت أيّ عنوان و ضمن أقرب اصطفاف منظّم لها ؛

    11 إذ من طبع الفئات الاجتماعيّة القلقة أن تبحث لها عن "راحة" ثقافيّة ، و لو أدّى ذلك إلى انتحارها في "الوهم" و الزّيف الذي تعمل عليه ، و وراءه ، مجموعات عالميّة و محلّيّة و مؤسّسات منظّمة و حكومات و أفكار واسعة التّأثير ، تجد أمامها فراغات وجوديّة تملؤها بسهولة ، بأسوأ ما يُضيف أو يُضاف إلى الوعي البائس و يصنعه من أفكار و ممارسات و معتقدات و أمثلةِ سلوك إيهاميّ بالحرّيّة و التّجمّعات ؛ التي تبث نظريّات الطّمأنينة الفارغة في أنفس المهجورين ..
    فإذا بالواقع يتهشّم و يتضاءل ، و هو ما يزيد في تأثير الوعي المزيّف على الأنفس و التّكوينات الهشّة ، التي تنتظر الانتظام و الانتماء و الحركة ، بغضّ النّظر عن أهدافها ..
    مع أنّ صناعة "الأهداف" الكاذبة هي جزء أساسيّ من تمثيليّة "الثّقافات الحرّة" المعاصرة ، التي تجذب إليها الجماعات المفكّكة بسحرها المعبّر عنه ، بمخاطبة دونيّاتها التّاريخيّة من شهوات و رغبات و وعود بالسّيطرة و التّحكّم و الحكم و القيادة و السّيادة و صناعة الأحداث و كتابة التّاريخ و تدوين الأثر .

    12 و ليس بالبساطة التّامة المزعومة و المغرورة ، يمكننا ، أوّلاً ، أن نراجع القابليّات التّلقائيّة التي جعلت من "آليّات" هذه الحرب ، أدوات عمليّة و مغرية ، و دراسة و تفكيك عناصر الأحداث إلى مستوياتها الأوّليّة التي كانت ضارعةً في الخيال التّدميريّ و المخيال الوحشيّ ، الذي أمّن الخلفيّة المناسبة و الضّروريّة للأحداث الشّائنة التي جعلت من "الوعي" الجرميّ ، تطبيقاً حيّاً لِ"الثّقافة" ..
    و لا كذلك يمكننا ، ثانياً ، التّأمّل النّقديّ و الضّروريّ لاستماتة هذه "الثّقافة" في الحفاظ و المحافظة على مواقعها الدّمويّة ، في "المؤسّسة" الاجتماعيّة و السّياسيّة ..
    إذ أنّ للثّقافات التّاريخيّة المدمّرة جولات و جولات لا تقف عند مستوى الحظوظ المتعثّرة ( هذا إن كانت متعثّرة ، فعلاً ) في تمكين النّتائج المتحقّقة تنفيذاً لمشروع "العالم" الخفيّ و غير الواضح و غير المفهوم ، على طريقة الاستسهال المعرفيّ في قراءة التّاريخ ..
    و هكذا فإنّ التّاريخ الفعليّ ، هو ، غالباً ، ما يُريد أكثر ممّا يُحقّق ، و أبعد ممّا قد يبدو أنّه لم يصل إليه ، أو ممّا قد يُعتقد أنّه قد فشل في تحقيقه..!؟

    ****

    فعقب الشاعر والباحث ياسين الرزوق زيوس:أ ياسين الرزوق1

    في حديثك تتقافز الآراء لا لتبيّن قفزة الأزمان فوق مفاعيل التاريخ و لا لتجبر التاريخ على كسر عنقه الطويل بل لتقترب أكثر من مسار التغيير حيث تبدو عين الوعي في عجزٍ عن المطابقة

    و ليس الخطأ في الرائي و المرئي بل الخطأ في من يحدّدُ الرؤى فتعجز أكثر عن متابعة القفزات العالمية شكلاً و مضموناً..

    و عليه:

    ١): الوعي هو انجرافٌ تقوده أبجدياتٌ لا مفرّ منها في تعريف اللغة الطافية و اللغة العميقة إذْ تؤكّد تفاصيل الوجود أنّ الكينونة الزمنية لا تدرك وعيها الصحيح و وعيها الزائف بقدر ما تدرك وعيها الجرمي من حيث مفاعيل الاستئثار و الأنانية و من حيث مفاعيل التمايز ما بين طبقة و طبقة و ما بين إنسان و إنسان على مستوى التفسير و التعاطي الوجوديين الخالصين!

    ٢): اللا وعي هو بحثٌ عن انجراف تغطيه أبجديات فرّت من زمن ضلوع العقل في غياباته عن المعلوم و المجهول و هذا ما يجعله ركناً من أركان التيه المنظم في استرجاع بواطن لا تحصى ليس لها من غرض إلا قلب كينونة الوعي و نزع مطابقته في حال كانت السيرورة لا تراعي التطابقية و لا ترى الوقائع من حيث يجب أن تراها في الابتداع و التحليل.

    ٣): ليس الاندثار هو الوعي المزيف بصحته أو الوعي الصحيح بزيفه بل هو تلك الجاذبية السياسية المفرطة في المهادنة بحيث تجعل كرسي السلطان في مأمنٍ مؤقت مهما طال مأمنه بينما تجعل الوطن الكبير في اهتزازات و زلازل لا حصر لها و لن تنجو منه القصور و استراتيجياتها التغييبية للعقل المنهجي القادر على تحليل الوعي و إتباعه باللاوعي و على تفسير اللاوعي و دمجه ببنيوية الوعي في طريقها إلى ركائز من الجاذبية الكبرى للطبقات الاجتماعية بأسرها....

    ٤): البدايات و النهايات ليست استرايجيات مصنّعة بنيوياً في مسار مدخلات السياسة و مخرجاتها بل هي ضروب من اللاوعي الذي يستحضره وعي مدجج بالطيبة أو بالأحقاد بالخير أو بالشر بالمزايا المعبّأة وفق منهج المشغلين.

    ه): إذا كانت البطالة جزءاً من التنفير الممنهج فلماذا تتبعها أيادٍ بمزاجها و بإرادتها و بكلّ تفاصيل و أشكال وعيها دونما حسابات خارجية أو توجيه أصابع خارجية إلى ضرب النسج الاجتماعية و ضرب البنيان الوطني و قصف كل أنواع الوعي الوطني بكل أشكال اللا وعي المستحضر من كافة لغات السوء و الشر و الأحقاد حيث لا وطنية تسعى و لا أيادٍ يدرك رافعوها أنها يجب أن ترفع و تتصدى؟!

    ٦): الشباب جمهرة تائهة ما بين لا وعيها الراسخ بكل اضطراباته اللامحسوسة بالنسبة لديهم وفق إحساس غير مدرك بعد و ما بين وعيها الذي تتضارب به كل عوالم الوجود مما يجعلهم قنابل موقوتة على أنفسهم و وطنهم في معركة الوجود إن لم يعرفوا أنفسهم بعد!

    ٧): تتزامن محاولة تعريف الدولة بوجودها و وجود ركائزها في سورية بهجمات شرسة من أشرس الهجمات في عصور التاريخ و ما قبل التاريخ القديم و الحديث بذئابٍ ليست بمعاني الذئاب بل بتفاصيل من الاستذئاب البشري الصعب حيث تكمن الجاذبية السياسية بتوحش ساسة العالم إلى دم الإنسان حيث تسري أكاذيب متاجرتهم بإنسانيته الميتة مذ صارت صكوك الغفران في جيوب الصهاينة و المتأسلمين!

    ٨): ليس تصنيع الاندثار بقادرٍ على حماية صنّاعه دوماً خاصة عندما يسقط سلاح الفوضى من أيادي تجاره إلى أيادٍ متشابكة في إعلان بدء توالدها و ما طفل داعش المسخ الذي غزا العالم إلا دلالة على فشل الصانع و المصنع إذا لم نقل الخالق و المخلوق في بنى السياسات و العقائد!...

    ٩): ما زال ذاك الكائن القابع في البيت الأبيض يضرب الجاذبية السياسية باندثاراتها فلا تندثر و لا يندثر أصحابها لتخلق أشكال هجينة من فوضى الإرهاب المحسوب و غير المحسوب ضمن تكتيك الفوضى الممنهج عالمياً!....

    ١٠): بشجاعتك بهكذا أحاديث تفيض علينا ندرك أنّ سورية لها رجال دولة يرافقون أسدها البشار كي يصلوا بها إلى جاذبيتها المنقذة مهما أوغلوا في تصنيع اندثارها بالحقد و الإرهاب...
    لك نور الردود من رجل يعشق أحاديثك اليومية و الأسبوعية و السلاسلية دكتورنا الغالي بهجت سليمان Bahjat SulaimanBahjat.

    ****

    فيما عقبت الدكتورة رشا شعبان, بالتالي:أ رشا شعبان

    كل الشكر و الامتنان لك حكيمنا الرائع لما تمنحنا من أسئلة تتقدم على واقعنا لتشحذ عقولنا، و تحرضنا للبحث عن الإجابات و الحلول الممكنة في ضوء الدراسة و الفحص و النقد.

    و ليس الوعي الزائف إلا ذلك الوعي الذي يعاني أزمة الوعي..
    إنه ذلك الوعي الذي يعاني انزياحاََ ثقافياََ و أخلاقياََ عن شروط تأثيره و فعله في التغيير و النهضة و التقدم..
    هو ذلك الوعي المريض بالمصالح الشخصية الذاتية، هو ذلك الوعي الذي لم يستطع أن يتجاوز أنانية الذات و أهواءها و حضورها الغريزي في العالم، في إطار العلاقة الفصامية مع القيم الأخلاقية و المصلحة العامة.

    إنه وعي خلق الأزمات الذي يتعيّن عبر عجزه عن إنتاج وسائل النهوض و التغيير الكفيلة بقلب توازنات المجتمع الفاسدة و إقامة توازنات جديدة فعالة و منتجة في اللحظة التاريخية المناسبة، بل هو الأزمة ذاتها..

    هو الوعي الرافض للتعيّن إلا بوصفه وعياََ منحطاََ و تبريرياََ و تسويفياََ مأزوماََ..

    هو ذلك التضخم السرطاني داخل المؤسسات السياسية و الاجتماعية و الثقافية و الاقتصادية.

    نعم دكتورنا الغالي، يتعيّن بؤس الوعي في هذا الوعي الزائف الذي يتمنى أن يتحول الوعي المجتمعي السليم إلى موجود من نمطه، إنه لا يكتفي بنفاقه و كذبه، بل يقف موقف العداء لكل سلوك إنساني يكشف انحطاطه و انتهازيته و زيفه.

    و هكذا يخلق هذا الوجود المزيّف الانتهازي عالماََ مستقلاََ له داخل حلقة من أمثاله، و داخل المخيط الملائم لظهور انتهازيته.

    و يصل الوعي الكاذب ذروته عندما تتخصّص مؤسسات كاملة في سُلَط متناقضة لظهور انتهازيته لتحميها و تعيد انتاجها من جديد.

    إنها مؤسسات الإعلام و الثقافة و التربية و التعليم، حيث تمتهن مجموعة من العاملين في هذه الأجهزة و المؤسسات الكذب و الاحتيال و الحط من شأن القيم و الكذب على الآخر.

    و عندها يتعيٌن التناقض بين السلطة و مجتمعها بوصفه واقعة فاقعة، فيخف أعضاء الأجهزة لصياغة خطاباتهم التبريرية و التي لاعلاقة لها بالواقع.

    و لعمري أن الوعي الزائف هو ذلك الوعي الذي يؤسس ذاته و لذاته عالماََ متناقضاََ من القيم، ليدّعي لنفسه كل القيم الإيجابية، غير أن الحدود بين هذه القيم، حدود مائعة، و ليست دائماََ قابلة للوضوح في السلوك الإنساني.

    إذ باستطاعة هذا الوعي المزيّف أن يعتبر الشجاعة تهوراََ، و الجبن عقلانية، و الكرم إسرافاََ، و البخل اقتصاداََ، و التزلّف لطفاََ، و الصراحة وقاحة، وكل ذلك في إطار تجنبه لأحكام القيمة بحقه.

    إنه انفصال بين القول و الفعل، انفصال يجعله يطيح بالقيم الايجابية لقاء تحقيق مصالح ذاتية صرفة، و هو استبداد المصلحة الذاتية بالأنا حيث لا يوازيه أي استبداد.

    لقد انبرت مؤسسات الإعلام و التربية و الثقافة و التعليم العالي و الأوقاف ، لانتاج وعي زائف عبر إنتاج مخرجات ذات قوى رجعية منفصلة عن واقعها و شروط وجودها و مهامها، عندما عجزت عن انتاج وعي حقيقي سليم منتج، كان يجب عليه أن يتعيّن بوصفه وحدة بين معرفة و سلوك و قيمة إيجابية.

    و حتى المعرفة العلمية و العلم بحدّ ذاته لم يتعينا بوصفهما قوة في التفكير لحل المشكلات و إبداع الحلول ، حيث لم يتغلغل التفكير العلمي في القاعدة الاجتماعية على المستوى الأفقي ، ليتمظهر وعياََ علمياََ يحمل أفق التطوير و التقدم و النهوض الحضاري.

    نعم لقد عجزت عن التأسيس لأنماط من التفكير تنخرط في أعمال المراجعة و النقد بإخضاع النصوص و الأقوال و الأفعال و المؤسسات و الممارسات للدرس و التحليل و التشريح و التفكيك، من أجل إعادة الصوغ و التركيب و البناء، بل على العكس كان نتاجها التفكير بطريقة معكوسة للتعاطي مع المشكلات بصورة نمطية، مغلقة، دغمائية، استبدادية..
    مما جعلنا نحسب الآفة هي العلاج، أو بالعكس، نتعاطى مع الحل بوصفه المشكلة.

    إنها الخدعة في وجودنا الإنساني، الذي حسبناه إنسانياََ ، فيما هو وجود لا إنساني و مزيّف.

    نعم هو الزيف الوجودي، فمن يمنح الوجود صفة الإنساني هو حضورنا بوصفنا ذاتاََ و وعياََ سليماََ.

    و بؤس الوعي يكمن في هذا الفصام بين الحالةالسياسية و بين الحالة الثقافية و الفكرية في المجتمع و التي تعيد إنتاج ذاتها باستمرار عبر استحالة مخرجاتها من الوعي الزائف إلى مدخلات جديدة في المؤسسات ذاتها التي أنتجته، لتكرٌر ذاتها في و تحافظ عليها في إطار تكريسها للركود على كل الأصعدة بصورة رجعية تستميت في الدفاع عن بقائها.

    نعم دكتورنا الغالي، في حضور الوعي الزائف و المزيِّف لا مكان للحضور الإنساني.

    لك شكري و محبتي و لفكرك كل الإجلال حكيمنا الرائع.

    November 2018
    Su Mo Tu We Th Fr Sa
    28 29 30 31 1 2 3
    4 5 6 7 8 9 10
    11 12 13 14 15 16 17
    18 19 20 21 22 23 24
    25 26 27 28 29 30 1
    عدد الزيارات
    4562098