الصفحة الرئيسية
n.png

قصة شادبا: حلم العلوي بعد الثمانين

محسن حسينربما تحتوي الصورة على: ‏شخص واحد‏

نشرت اليوم مجلة الف باء (العدد 35) التي يصدرها زميلنا المثابر شامل عبد القادر بجهده الشخصي موضوعا كتبته عن مغامرة إصدار صحيفة يومية عربية في كردستان هذا نصه
في اوائل ايلول عام 2012 وكنت في دبي كلمني من اربيل الصديق الاستاذ حسن العلوي ودعاني ان اكون معه في الوطن نعمل معا ونموت معا.
كانت دعوته مفاجئة ولم اكن في سن المغامرة لكن عبارته (ان اكون معه في الوطن نعمل معا ونموت معا) الغت كل خططي ان اعيش باقي العمر وقد بلغت الثمانين بعيدا عن الحزن والالم في ارض الوطن المستباح من كل حدب وصوب.
عرض العلوي العمل معه رئيسا لتحرير صحيفة اطلق عليها اسم (شادبا) فحزمت حقائبي وسافرت انا وزميلي العتيد نصير النهر يوم 4 ايلول 2012 الى اربيل حيث كان العمل ليلا ونهارا في تاسيس صحيفة من الصفر من مقر واثاث واجهزة والبحث عن صحفيين يؤمنون بفكرة شادبا.
وبعد شهرين من العمل الجاد المضني والخسائر المادية للبدء باصدار العدد الاول قرر العلوي ايقاف المشروع لانه شعر ان اصدار صحيفة في غير مكانها يتطلب ما اسماه (ضريبة المكان) اي تاييد مواقف تتعارض مع قيمنا الوطنية وانتمائنا العربي.
اذكر ان العلوي قال في مقال نشر في صحيفة المشرق يصف تلك الايام قائلا:عدت من المنفى فكان محسن حسين أول الزائرين وفكرت بعد سنوات باصدار جريدة يومية تحمل اسم شادبا فكان امامي الاسمان كلاهما محسن حسين واسامه مهدي لكن الامور لم تكن على مانريد فتوقف مشروع اصدارها وتحمل محسن حسين ما لا يتحمله الا رجل مثله .
لم اتشاور معه في قراري العاجل بالتوقف عن مواصلة العمل بهذا المشروع لالتباسات سياسية كنت حريصا ان ابعد صاحبي عنها ، وكانت لي قناعة ان الفشل في اقامة مشروع صحفي هو ثمن بسيط يدفعه صحفيان في الثمانين من العمر ويتمتعان بسمعة مهنية وسياسية عالية .
وكان فشلنا في اصدار شادبا حلقة جديدة تضيف الى تاريخنا المشترك الكثير من اللامعات المبرقات كما يقول الأخطل الكبير.
*****
وجلس العلوي ليلة 24 ايلول 2012 ليكتب رسالة الى من بيده الامر في اربيل عارضا مشروع شادبا قال فيها "فقد قر قرار الضرورة واحكامها بالعودة الى جذور الوطنية الاولى معروضة على الناس في خطاب يستلهم المنابع الاصيلة في غابرنا وحاضرنا، ولملمة الشتات السياسي ولو فوق سطوح الصحف وعلى سطورها المرفوعة في الصفحات الاولى باصدار جريدة يومية عربية سياسية شاءت الاقدار الحميدة ان تنبع من منابع دجلة وتنساب من الهضاب الكردية على السهول العربية بعد ان حوصرت العروبة في ديارها وصار شكلا من اشكال الانتحار ان يقامر احدنا بالنطق بها فكيف والمشروع اعلامي يومي دهاق بالمعرفة والشجاعة.
وقال العلوي في رسالته "عزمنا على اصدار جريدة تحمل اسما سومريا يبعث الى الحياة بعد خمسة الاف سنة وكان يطلق على مركز حفظ الوثائق في مملكة اشنونا ويدعى (شادبا) ومكانها اليوم في موقع تل محمد.
واوضح العلوي بما لا يقبل الشك هدفه من المشروع " فلعل هذا الاسم يجرد القلم المساهم من عنصرياته وولاءاته الحزبية والمذهبية والكتلوية والفئوية لتكون شادبا جريدة الخبر الذي لا عدو له ولا صديق فنخرج بالصحافة من مواقع تجند فيها الاعمدة الثمانية للتعريض بالخصم السياسي او بالتمجيد بالحليف.وستحمل الجريدة طابع المؤسسين الذين امضوا فوق نصف قرن لايرون اطيب من عطر الحبر، عطرا..ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏شخص أو أكثر‏ و‏نص‏‏‏
وجاء في الرسالة "ان شادبا ستكون اول تجربة عراقية لاصدار جريدة يومية عن طريق شركة خاصة مساهمة لا تخضع للشروط الرسمية الجائرة، ولا تقيد بايديولوجيا وعقيدة، ولا بمذهب من مذاهب الشقاق الاجتماعي والسياسي.
نأمل ان نتعاون على الوصول الى جريدة تتمنى أن تحمل ضمير الغارديان البريطانية، وعدالة الفيغارو الفرنسية، واخبار الواشنطن بوست."
وقال ايضا " هذا مشروع العراق الموحد لكننا لن نسعى للتوفيق بين الفرقاء، فهذه مهمة المنافقين ولن يكون لنا موقف لأن الجريدة(شادبا) حائط عراقي يجدد الحكمة السومرية القائلة: من يجيد الكتابة على الآجر يتألق كالشمس.
******
كانت هذه الرسالة بمثابة البيان الاول لصحافة جديدة لو خدمتها الظروف تخدم الوطن والشعب بعيدا عما يحدث في بغداد واربيل وغيرهما حيث مراكز القوى تاكل بعضها الاخر.
قبلته في تلك الليلة وهو يختتم الرسالة ويبعثها على عجل وينام مستقرا ان كل شيء سيكون جاهزا.
******
في الايام الاولى اختار العلوي الصحفي جمال كريم بوظيفة مدير التحرير العام وهو صحفي معروف كان يعمل في العديد من وكالات الانباء والصحف واصبح همنا في الايام التالية حث مجموعة من الاصدقاء الذين نثق بهم للعمل معنا. في الامور الفنية كان الفنان البارع فلاح الخطاط استقدمناه من بغداد رغم مشاغله في التحضير للدكتوراه فجاء ليعمل ليل نهار في وضع تصاميم رائعة لصحيفة كانت حلمنا وجاءت وفاء وديع التي كانت تعمل في التصميم الصحفي ببغداد، والتحقت بنا زميلتان سبق ان عملنا معهما هما ماجدة محسن محررة ومترجمه ووفاء زنكنه محررة. وعينا اثنين من الاخوة الاكراد للامور الفنية وتولت زوجة العلوي السيدة محاسن عبد الوهاب امور الحسابات والادارة واشتركنا بمكتب لخدمات الانترنت وتم شراء مكاتب حديثة واجهزة كومبيوتر حديثة. وعرضت علينا وكالة الصحافة الفرنسية تزويد الصحيفة بالاخبار والصور وقد وقعنا اتفاقا مع الوكالة وارسلوا اجهزة خاصة لاستلام اخبار الفرنسية وصورها.
واستجاب الاصدقاء وهم في دول متباعدة اذكر منهم (واعتذر ان نسيت اخرين) الزميلة ميسلون هادي للثقافية وقد اعدت خلال أيام صفحات ثقافية لعدة اسابيع والفنان رسام الكاريكاتير خضير الحميري فجاءتنا منه خلال ايام مجموعة مدهشة من الرسوم. احمد عبد الصاحب مدير التحرير لمكتب بغداد عمل بجهد كبير في تاسيس مكتب في بغداد يليق بالجريدة المصور المبدع صباح عرار للتصوير اتصلت به وكلفته ان يكون مصور الجريدة وقد صور عدة قصص عن بغداد، احمد صبري(الاردن) فلاح المرسومي (العلاقات العامة والإشراف على طبع الصحيفة في حال طبعها في بغداد) حسن عبد الحميد (الثقافية) ،عباس الغالبي الاقتصادية، قحطان جاسم (الصفحة الاخيرة)، صبحي حداد (الترجمة)، نجمان ياسين - الموصل
وبالاضافة الى من جاء للعمل جاء بعض الاصدقاء من بغداد للتهنئة وابداء الملاحظات حول النشر والتوزيع وكل ما يتعلق باصدار صحيفة جديدة واذكر منهم شامل عبد القادر، حاتم حسن وعماد ال جلال وكان زميلنا زيد الحلي على اتصال دائم.
من الذين اتصلنا بهم الكاتب السوري المعروف عدنان بدر الذي عمل رئيسا للقسم السياسي في مجلة الف باء عندما كان العلوي رئيسا لتحريرها وقد تلقيت منه رسالة مودة ومحبة قال فيها : تحية حارة جدا لك وللصديق العزيز الأستاذ حسن، تقدران دون شك مدى ما يشدني من حنين إلى تلك الأيام الغالية التي كانت تجمعنا معا في بغداد وما كنا نحلم به من رغبة في توفر جو أكثر ليبر الية يمكننا من التعبير بشكل أوسع مدى. وربما يكون المشروع الذي تتحدث عنه مخاطبة مباشرة لذلك الحلم. ومع ذلك أكون بعيدا جدا عن الحقيقة إن لم أقل إنني فوجئت بالعرض.. فقد تغيرت ظروف وأزمنة وربما تغيرنا نحن أيضا.على كل إنني أحيي هذا الإقدام الذي ما تزالان تحملان العزيمة عليه إنها بالفعل عزيمة شباب في مقتبل العمر.
*******
ووضعنا فقرات اعلانية للمولود الجديد في عالم الصحافة العراقية ومن ذلك:
*العروبة المحاصرة في مدن العرب تنجب شادبا على جبال كردستان
*شادبا تعيد للصحافة العراقية وقار اللغة
*شادبا اول جريدة يومية عربية تسيل من كردستان على السهول العربية
*شادبا... من منابع دجلة الى مصبات الرافدين
*شادبا نزاهة الصحافة قبل نزاهة السياسة
******
في ليلة 9 تشرين الثاني وكان مقر الصحيفة خلية نحل نمهد لارسال صفحات العدد الاول الى المطبعة فجر العلوي قنبلته: اتركوا كل شيء وتوقفوا. لن تصدر شادبا.
اصاب الجميع الذهول ربما كنت الوحيد الذي فهم الموقف. كنت اتوقع ان يحدث ذلك بعد شهر او شهرين لكن العلوي وضع حدا لما هو اسوأ وانقذنا لتظل شادبا حلما جميلا لم يتحقق.
وهكذا وصلنا الى النهاية مقتنعين بمحاولتنا رغم الفشل واذكر ذلك اليوم والعلوي يودعني فوجئت انه يبكي، كان يشعر بالذنب انه ورطني بمشروع لم يكتمل، أكدت له بدون مجاملة انني افخر بالمشروع فكرة وفشلا فكلاهما عندي اضافة لما افخر به في حياتي الصحفية

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

October 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
30 1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 31 1 2 3
عدد الزيارات
4362902