الصفحة الرئيسية
n.png

د. بهجت سليمان: هل المجتمع في سورية "مجتمع" غير طائفي؟ (حديث الثلاثاء "4")

[هل المجتمع في سورية: "مجتمع" غير طائفي؟]أ بهجت سليمان في مكتبه

[إشكالية التدين و الإلحاد: الواقع و الإستثمار]

● د. بهجت سليمان

■ علينا أن لا نخدع أنفسنا، في ما يخص حاضرنا، وأن لا نختبئ وراء إصبعنا، وأن لا نخبئ نفاياتنا تحت الحصير ■

1 لأوّل مرّةٍ في تاريخ سورية تُثارُ مسألة كالطّائفيّة، من جملة المصطلحات و المفاهيم "العنصريّة" التي أيقظتها و أنعشتها هذه الحرب الكونية على الوطن، في الأحاديث اليوميّة الاجتماعيّة و السّياسيّة، بحيث قبل الجميع، ضمناً، الخوض في ما كان قبل هذا من المحرّمات..
و حيث تُعرّي الحربُ المناطقَ الكتيمة في الثّقافة الاجتماعيّة و تكشف عن أصولها الثّابتة أو المقاوِمة و العنيدة ضدّ التّغييرات و التّغيّرات التّاريخيّة، يَحسُن النّقد في عمق "الظّاهرة" المدعّمة بخطاب أفقيّ عابرٍ للحواجز النّصّيّة و الّلغة و الكلام.

2 بعيداً عن التّنظير الثّقافيّ المشروط بالتّقيّة و الخجل و القلق و بمحاولات البعض، البريء أو المنافق، أن يبدو حرّاً أو متحرّراً مضيفاً إلى الثّقافة نفاقات جديدة فوق نفاقات؛
فإنّ الممارسات العمليّة و النّفسيّة و سلوكات ردّ الفعل في الزّوايا و الأركان المظلمة و المُهملة في الدّراسات الاجتماعيّة و السّياسيّة هذه، التي لا تُعيرها أيّة أهمّيّة في الاستقصاء المنظّم أو العشوائيّ، و الأفعال الصّريحة المرافقة لها أو المعبّرة عنها..
قد أضاءت الجانب الأكثر ممنوعيّة على التّحليل النّفسيّ الاجتماعيّ، و هو الجانب المكنون في الأنفاس و الذي لا يُمكن ان يُفصح عنه القول، لأنّه ممّا لا يُقال، و لكنّه يُعرب عن نفسه إعراباً بيّناً في زلّات النّفس المطمورة بالتّفاهمات الوضعيّة الكاذبة في مضمونها، و في أعراض الأحرف و العبارات و الكلام.

3 و لعلّ هذه "المناطق" المحميّة بالمظاهر المخادعة و الأيديولوجيا الاجتماعيّة النّظريّة التي تحتوي على كمّ هائل من التّناقضات و الانقسامات النّفسيّة و السّلوكيّة و الفعليّة عندما يُتاح لها ذلك بأمان، و معها الظّلال التي تُخفيها عن أعين الفهم المباشر، هي المناطق الأكثر أهمّيّة في قراءة الخطاب العنصريّ بكافّة أبعاده، و هذا ليكون الفكر أميناً على ما أودع بين يديه من مقدّرات الشّعوب و المجتمعات و الجماعات و الأفراد و الدّول، و ذلك بدون أدنى تمييز.

4 لا يُعلن الخطاب الطّائفيّ عن نفسه مُتحرّراً من جميع القيود التي تلجمه في "العبارة" لأسباب من المضمونيّة الضّامنة للتّواطؤ المتبادل، إلّا أنّه، و بفعل مبدأ مقاومته، يجد له ذلك الخطاب سُبُلاً شتّى في الإفصاح عن عناصره، كُلّاً أو جزءاً، و لو بالتواءات يمكن أن تُبرّرَ بسهولة أو بصعوبة نتيجةً لغنى المفردات و العبارات و النّفس البشريّة، مع أنّها تعاني، في الحقيقة, من جفاف الخطاب التّحليليّ و التّفسيريّ عند إخضاعها لمبدأ الاقتصاد الدّلاليّ، الذي يعتور منظومات تراكيب الإشارات الدّالة و الرّموز الّلصيقة بالعبارات الحُرّة التي يتسنّى لها، غالباً، تمويه الخطاب، إنْ في تزويره الاسترساليّ أو في حرفه و انحرافه في الاقتضاب.

5 إذن، لِنستكشفْ تلك الفروقات الدّقيقة و العميقة في أحوال المتألّهين و الألوهيين و المتديّنين و أضرابهم من الوثوقيين و اليقينيين المُلحدين، و قيمة كلّ ذلك في الإسهام في المواقف العنيدة الجاهلة التي تصنع "دينَ" البشر، اعتقاداً أو إلحاداً، و تعصّبهم الطّاغي بُعداً عن "الإيمان"، أيّاً كان موضوع هذا الإيمان..
و هو ما يقود بطبيعة السّياق و تسلسله إلى العنجهيّة و التّعصّب و الجهل و الجاهليّة.
يخلقُ التّناهي المتباعد عن عصر "الدّعوة"، أو "الدّعوات" الدّينيّة، تراخياً في "النّصّ" و "الخطاب" الدّينيين، و تناهياً إلى أمرين إثنين:
• فإمّا استفراغ ذكريات الإيمان و أركانه عند المتديّنين و الّلجوء إلى التّديّن الأجوف الفارغ من كلّ معاني "القداسة"، و اصطناع "آراء" في "الدّين" مأخوذة عن "الأئمّة" الجهلة بدعاوى الإيمان و الذين يُؤمنون بالفتاوى بعيداً عن الالتزام بروح "المقدّس"، تمشيّاً مع حاجات العصور التّالية المتوالية و ضرورة إحاطة "الجماعة"، "الجماعات"، بِسورٍ للزّرائب الدّينيّة بهدف إخضاع "العقل" الجمعيّ خدمةً للسّلطات الزّمنيّة؛ و هذا من جهة؛
• و إمّا نقيض ذلك من التّمرّد المزاجيّ و ردود الأفعال الفرديّة و الجماعيّة ضدّ سلطة "الدّين".

6 و قد اختُزِل "المقدّس" الدّينيّ في ممارسات أدعيائه الذي يكونون مستهدفين بالتّمرّد الفرديّ العصبويّ، منساقاً في هذا "التّمرّد"، التّمرّد التّضمينيّ على الذّات الإلهيّة ، في خلط ثقافيّ انتقاميّ ما بين "المقدّس" و معتنقيه التّحريفيين؛ و بالتّالي مع نزعة "عقليّة" متطرّفة و متعصّبة و جاهلة بأصول العقلانيّة، في مهزلة من مهازل التّعصّب النّقيض القائم على "الانحلال" من القيم الإيمانيّة، و ممهّدةً الطّريق إلى "الجريمة" الثّقافيّة نفسها، كردّ فعلٍ على تلك الجريمة نفسها التي أسّس لها المتديّنون في فتاوى العنف الفعّال المتحرّر زمنيّاً، بمطلقيّة تَخلٍّ، من القرب من الألوهة التي مثّلها الدّعاة الأوائل من الأنبياء و الحكماء و الفلاسفة و العظماء؛ و هذا من الجهة الأخرى.

7 في تاريخنا العربيّ الإسلاميّ، كانت نهاية القرن الأوّل للهجرة كافيَةً للخروجِ من الوازع الدّينيّ الأدبيّ، و ظهور نزعات تجاوز التّديّن و الإيمان، و تجاوز "المقدّس" الإسلاميّ، و ظهور مقوّمات "الانقسامات" الاجتماعيّة – السّياسيّة الدّينيّة ، علنيّاً، و ذلك اعتباراً من القرن الثّاني، و بخاصّة في القرنين الثّالث و الرّابع الهجريين..
و ساهمَ في ذلك تلك الحركات "الشّعوبيّة" التي ثأرت لمغلوبيّتها السّياسيّة و الاجتماعيّة بدءاً من الخلافة العبّاسيّة و ما تلاها من "دول" و "إمارات" و نزعات تمرّديّة و مُقتَطعات، و في ارتباطات عضويّة "سياديّة" ما بين النّزعات "الأثنيّة" و "القوميّة" و "الدّينيّة"، في وقت معاً.

8 و هنا، و على سبيل المثال، نذكر حركات فكريّة و أدبيّة متّصلة، مباشرة، بذلك، كان أن مثّلها، باكراً، أمثال (إبن المقفّع)(106 - 142 هـ / 724 م 759 م)، و (إبن الرّاونديّ)(210 – 298 أو 301 هـ / 827 –911 م)، و (أبوبكر الرّازيّ، محمد بن يحيى بن زكريّا الرّازيّ)( 250 -311هـ/ 864 - 923م)؛ كما كان غيرهم كُثرٌ آخرون..
و هو الأمر الذي شكّل استمراراً و اتّصالاً لما يُمكن أن نسمّيه بنزعة التّنوير "الفارسيّة"؛ من جهة..
و لتلك الأسس المادّيّة المتطرّفة التي أسّست لها نزعة " الدّولة الأمويّة "، في ما قبل، بقليل؛ و التي عمّقتها عادات المجون الدّنيويّ في كواليس " الدّولة العبّاسيّة "، في ما بعد؛ من جهة ثانية..
هذا فيما كان "الانقسام" على "الحقّ"، أو على ما رآه البعض كذلك، أو على مقوّمات "الإيمان".. كان قد تأسّس قبل ذلك بكثير، و ربّما من أيّام حياة نبيّ الدّعوة الرسول العظيم محمد بن عبد الله.

9 انقطع "الدّين الإسلاميّ"، مبكّراً، إلى "السّياسة"، على ما قدّمنا، و كان لا بدّ، استكمالاً لحاجات "الصّورة"، أن تتعاضد السّلطات الدّينيّة مع السّلطات الزّمنيّة، بدافع "المصلحة" السّياسيّة..
و هذا ما كان أن نسَفَ ، بسرعة تاريخيّة قياسيّة، أسس "الإيمان" الذي استُبدِل به "تَديُّنٌ" سياسيّ على قدود السّلطات الأرضيّة الجشعة و الطامعة، و هو الأمر الذي احتاج إلى تسخيف مقتضيات "الإيمان"، بالدّخول في إشاعاتٍ و تعميمات شعبويّة و جماهيريّة لسلطة الدّين السّياسيّ الذي أصبح، مباشرة، بديلاً نهائيّاً للإيمان و المؤمنين.

10 نسوق هذه الوقائع من أجل تثبيتِ فكرةِ أن البحث عن "اليقين الدّينيّ" أو "اليقين الإلحاديّ"، هما أمران يتعلّقان بالظّروف المحيطة في البيئة الملازمة، من حيث أنّ "الطّمأنينة" التي يفقدها "المجتمع"، أو الجماعات الاجتماعيّة، سوف تجد لها محاولات أخرى لتتحقّق في ممارسات شتّى، و ذلك مهما كانت هذه الممارسات منحرفة أو غير شرعيّة، و لكنْ في إطار أنّها من "المشروعيّات" التي يستغنمها الجميع.

11 غير أنّ واقع "التّديّن" (أو الإلحاد)، مع أنّه واقعٌ جاذبٌ نفسيّاً و بنيويّاً و تعيُّناً و انتماءً، إلّا أنّه واقعٌ "سلبيٌّ" (إحجاميّ)، لا يتحوّل إلى واقع "إيجابيّ" (سلوكيّ) ما لم يتوفّر له واقعٌ آخر هو واقع أسباب و أدوات و محرّكات و محرّضات الاستثمار، حينما يكون هذا "الاستثمار" قد شكّل، في ظروف محدّدة، حافزاً تعمل عليه "الأفكار" التي دخلت في مصالح "عامّة" و رغبات منظّمة مقترنة بمشاريع سياسيّة وظيفيّة مفتّتة و هدّامة .

12 يسبق هذا الوضع حالة من حالات "الاصطفاف" الأيديولوجيّ الذي يكمن وراءه أشخاصٌ و تبشيرات و فتاوى تعمل على تحضيره، عمليّاً، بوصفه واقعاً يُمكن استخدامه، على ما هو عليه من تفتيت و تفتّت، عندما يدخل "المشروع السّياسيّ" الوظيفيّ، البديل، موضع التّنفيذ لِغرض أو هدف يكون موعد تحقيقه قد أزف، أو تكون الحاجة إليه، في إطار، هندسة الاصطفافات السّياسيّة و الاجتماعيّة، قد حلّت لسبب أو آخر بهدف إعادة "ترتيب" المعطيات الواقعيّة، و تحويلها إلى مأخوذات حيّة لها خدماتها في إطار الشّرذمة و التّشرذم الّلذين يحتاجهما العالم، أحياناً، في أوقات تحوّلات "النّظام"، من أجل غايات اعتدائيّة على المجتمعات و الشّعوب و الجماعات و الأفراد.. و الدّول.

13 و المفهوم "الطّائفيّ"، بما هو مفهوم عنصريّ، يأتلف على مصطلح مركَّبٍ و ليس بسيطاً، كما قد يُفهم منه، و ذلك بحسب مراحله و تبعاً لدرجاته في التّنظيم و الممارسة و التّنفيذ..
يكفي للواقع "الطّائفيّ"، ليكون حقيقة وجوديّة كامنة، أن يُلاقي له في ماضي التّاريخ أو في حاضره، تلك النّزعات الفتوويّة الشّارخة و التي رعتها، في منا سباتها، السّلطات الزّمنيّة الخاصّة، و المشاريع الثّقافيّة المختلفة و المتناقضة، كواقع طبيعيّ..
و لكنْ، أيضاً، تلك التي كان استثمارها لغرض العصبيّة السّياسيّة و السّيطرة، أمراً ليس "طبيعيّاً" و لو كان يدخل في حيّز المشروعيّة التّاريخيّة ما بين "القوى" المتغايرة.

14 على أنّ قياسَ، و مقياس، جدّيّة و واقعيّة الظّاهرة الطّائفيّة الكافية لتسمية مجتمع أو جماعات و وصفها بالطّائفيّة، بهذه التّسمية على التّحديد، لا يُشترَط، عادة، و حسب، بالنّشاط "الإشعاعيّ" في الممارسة المباشرة و النّزاعات الدّامية..
و لكنّه مقياسٌ يلزّمُ "الظّاهرةَ" تبعاً لمؤسّساتها الاعتقاديّة و الثّقافيّة و السّيكولوجيّة و السّياسيّة الكامنة في استراتيجيّات الجماعات المختلفة، و فيما، كذلك، يُعدُّ لازماً للكفايات الافتراضيّة التي تُباشر العنف الموصوف، في كلّ ما يتجاةو حالة الانتماء الطّبيعيّة، و التي تقبل الاختلاف كثقافة من ثقافات التّنوّع الاجتماعيّ و الاعتقاديّ.

15 فالحقيقة التي تشرح واقع "المجتمع الطّائفيّ"، ليست هي المباشرة في الحروب الأهليّة و الدّينيّة و الطّائفيّة، و إنّما يكفي في اعتماد المفردات الواقعيّة التي تشير إلى الوقائع التي تُعلّلها، أن تظهر الاصطفافات الثّقافيّة – السّياسيّة التي تعمل بسريّة خاصّة ، و إنّما ليست خافية على "النّظريّة" النّقديّة، على إعداد الظّرفيّة المؤهِّلة لاندلاع الحريق البشريّ، عندما يتوفّر له محرّضاته المباشرة من حوافز داخليّة أو خارجيّة، بعد أن كانت قد رُتّبَتْ جميع دوافعه في تموّج داخليّ و تحتيّ عميق و كافٍ ليكون محلّاً للاختراق التّاريخيّ المسلّح و الهادم.

16 بالمعايير العمليّة، فإنّ كلّ مجتمع غير منسجم، بدوافع عديدة و متعدّدة اجتماعيّة و ثقافيّة و طبقيّة و فئويّة و سياسيّة، إنّما يشكّل الوسط المثاليّ و البيئة النّخبويّة للانفجارات الوطنيّة المتكرّرة، بدوافع عامّة، و بالأخصّ منها تلك "الطّائفيّة"، و بخاصّة عندما يكون استغلالها و استثمارهاً أمراً أكثر عمليّة و سهولة دون غيره من الدّوافع التي يجري تظيمها بسهولة و سرعة قياسييتين لإتلاف مظاهر "الوَحدة" الخادعة.

17 إنّ اختراق المجتمعات، يبدأ من أضعف و أتفه الأسباب التي تشكّل في تصنيفها الأسباب الأكثر خرافيّة و عداوة مع "الوعي"، إذ لا يُمكن لمجتمع قائم على مكوّنات واعية أن يكون اختراقه على هذه الدّرجة من السّهولة و الكمّيّة و النّوعيّة و الثّأريّة الحقيقيّة..
و هو، في الحقيقة، ما قد جرى في مجتمعنا السّوريّ، مؤخّراً، و من دون طول سيرة سياقة المبرّرات أو المسوّغات الأخرى التي حاولت أن تصوّر المشكلة في أنّها مشكلة "دولة" بالدّرجة الأولى، أو أزمة "دولة"، و ربّما و حَسب..
في الوقت الذي كان فيه هذا التّصوير جزءاً من الاختراق السّهل عمليّاً ، كما أثبتت ذلك وقائعُ و نتائج هذه الحرب.

18 و من المهمّ، هنا، أن لا يلجأ الفكر السّياسيّ النّظريّ النّقديّ إلى ربط الظّاهرة "الطّائفيّة" بواقع "الإيمان" أو "المعتقد"، في المجتمع، و عند الجماعات المختلفة، كما قد جرى حتّى هذه الّلحظة من قبل الكثيرين من الموهومين السّياسيّين في سورية..
فيما أنّ التّوصيف الحقيقيّ للطّائفيّة الاجتماعيّة لا يُفرّق بين "مؤمن" و "مُلحد"، أو بين "متديّن" و "علمانيّ"، حيث يدخل "الجميع"، في إطار "الظّاهرة" ، في مواجهة مع "الجميع"، و حتّى بغضّ النّظر عن مستوى التّعليم و الثّقافة و المركز الاجتماعيّ..
إذ أن الظّاهرة الطّائفيّة هي ظاهرة عابرة للوعي و محصّلاته، و بخاصّة عندما يتوفّر لها الظّروف العامّة الدّاخليّة و الخارجيّة، من أجل إعادة إنتاجها كخرافة فعّالة و خارقة لأعمق جذور "الوعي" المتكوّن في ظروف خاطئة، بالأصل، في التّاريخ، كتمثُّلٍ و امتثالٍ تاريخيين.

19 من المفهوم، في هذه المناسبة، كيف تقترن، موضوعيّاً، عواملُ كالتّخلّف الاجتماعيّ و الحضاريّ و الانحدارات الطّبقيّة و الاجتماعيّة و التّمايُزات المادّيّة و الاقتصاديّة غير المُعلّلة التي تُرافق ذلك، و ما يصحبها من عواطف ثأريّة و انتقاميّة شاملة، مع ما يلزم عن ذلك من تعصّب قائمٍ على جهل و تهميش تاريخيّ..
بالإضافة إلى تلك الموضوعيّة العالميّة، اليوم، في إعادة صياغة العالم عن طريق تجهيله و اختراقاته المختلفة و تحليله اجتماعيّاً إلى بنيات عدوّة..
و كيف يصبّ كلّ ذلك في تغذية خرافة "الطّائفيّة" و سائر العنصريّات الأخرى.

20 فأن نُغمضَ أعيننا فنقول بتحرّر مجتمعنا من "الطّائفيّة"، هو أمر سهلٌ و بسيط، إلّا أنّه جوابٌ خاطئ و مٰراوِغ و خائف و مُضَلِّل على واقعٍ بدا أنّ أسئلته تتعاظم، و قد تعاظمت بالفعل..
و أن نكرّس المطوّلات لنقول بأنّ مجتمعنا تُحفة تاريخيّة من تحف الوعي و التّرابط و التّحضّر و التّماسك و الانسجام، فهذا لا يوازيه إلّا الهروب من الواقع الحقيقيّ الذي صنّف نفسه، من دون أن نصنّفه، نحن، في هذه الحرب، كواقعٍ مريضٍ و عدائيّ بشكل فظيع، حيث كانت "الطّائفيّة" أسهل الأبواب لاختراقه و محاولة إعادة تشكيله على النّمط البدائيّ المتوحّش و البربريّ..
و لو أنّ الذي منع من كلّ ذلك، فقط، هو "الدّولة" و قوّة الدّولة و عنفها الذي كان و ما يزال ضروريّاً لتجاوز تلك المهلكة التي دخلت فيها سورية إلى حدّ بعيد، حتّى أنّها هدّدت، فعلاً، المجتمع، بحرب أهليّة ماحقة، لولا وجود أسد رابض في قاسيون، نذر نفسه بألا يسمح لها أن تمر، مهما كانت التحديات ومهما كان الثمن.

21 لن نستفيد، كما يتصوّر البعض، من تجاهلنا للواقع الطّائفيّ، في سورية، و الذي جُرّب عمليّاً في هذه الحرب؛
و هذا لا يعني غضّ النّظر عن بعض الممارسات الدّينيّة – السّياسيّة للدّولة (والأصَحّ: الحكومة أو الحكومات السابقة)، و التي لم تُفض إلّا إلى المساهمة في إعادة إنتاج المجتمع الطّائفيّ السّوريّ المغلق نفسه - و هذه المرّة بمظلوميّات اجتماعيّة خطرة و حقيقيّة - هذا الذي كان سبباً كبيراً في استعار هذه الحرب.

22 و حيث، من الطّبيعيّ و المفهوم، كيف أن "الدّولة" لا يُمكنها أن تمنع المواقف الفرديّة و الجماعيّة من ممارسة قناعاتتها الاجتماعيّة و أحاسيسها البنيويّة و مواقفها السّلوكيّة السّيكولوجيّة، بما في ذلك مظلوميّات البعض، الحقيقيّة، أو غير ذلك؛
فإنّ من واجب "الدّولة" مُحاصرة "الخطاب الطّائفيّ" الذي استفحل، علناً، في بعض "المؤسّسات" التي تُعدُّ مسرح عمل "الدّولة" و أحكامها الكلّيّة الماضية؛ فيما لن تستفيد "الدّولة" و لا "المجتمع" من إنكار واقعٍ حيٍّ عملت الحرب على إعادة اصطفافاته التّكوينيّة بشكلٍ لا يدعو إلى الطّمأنينة أو السكينة!

23 و في هذا السّياق، فإنّه، و كما كرّرنا مراراً، ليس من واجب "الدّولة" أن تحضّ على "التّديّن" أو "الإلحادة"..
إلّا أنّ من واجباتها البسيطة أن تخلق الظّروف المؤاتيّة لحريّة "التّديّن" أو "الإلحاد"، في إطار ضوابط اجتماعيّة و مؤسّساتيّة و سياسيّة، مدنيّة و حضاريّة، لا تسمح لأحد من "الأطراف" بأن يُمارس شعوره بالتّفوّق "الدّينيّ" أو "الثّقافيّ" أو "الأيديولوجيّ" أو العرقيّ...، إلخ؛ على باقي الأطراف الاجتماعيّة الأخرى، و ذلك لأيّ سبب من الأسباب كان.

24 و أن نقول إنّ مجتمعنا "طائفيّ"، بالمعنى الذي قلناه في السّياق السّابق، إنّما هو أمر لا يُشكّل أيّة إهانة اجتماعيّة لأيّ طرف من الأطراف الوطنيّة..
غير أنّ الصّمت الفكريّ و النّظريّ على "المقول" بِسِرّيّاتٍ حُرّة و سائبة، لا يُمكن أن يؤدّي إلى انتفائه أو زواله؛ و ربّما، في تراكماته الكمّيّة، يُشكّل "المشروع" الأخطر الذي ينتظر له ظروفه "المناسبة" لانقضاض الإنسان على الإنسان، أو لانقضاض الجميع على الجميع.

25 وأخيرا، يبقى الأمر الأكثرأهمية، هو أن لا نخدع أنفسنا، في ما يخص حاضرنا وصناعة مستقبلنا، وأن لا نختبئ وراء إصبعنا، وأن لا نخبئ نفاياتنا تحت الحصير، لكيلا تتراكم وتساهم في تخريب وتهديم الوطن، ولكيلا نفسح المجال للعابثين من الخارج ، لكي يشعلوا نارها ويتدفؤوا على أوارها، كل عقدين أوثلاثة، فتحرق الزرع والضرع والبشر والحجر..
وعلينا أن ندرك بأننا إذا كنا عاجزين عن تغيير الماضي، لأنه أصبح ماضيا، فإننا قادرون على تغيير الحاضر، لأنه بين أيدينا، وقادرون على صناعة المستقبل، من خلال تغيير كل ما ليس سليما في الحاضر الذي نعيشه.
و علينا أن نفرق بين المواقف التعبوية التي نشحن بها أنفسنا ونعبئ بها أجيالنا، في سياق المعركة المصيرية..
وبين الحقائق والوقائع الجاثمة فوق أدمغتنا، والتي لا يحق لنا تجاهلها، تحت أي عنوان، ومهما كانت الأسباب.

***

     فققب أ . غسان أديب المعلم:

      {وَهْمُ الديموغرافيا السورية}أ غسان المعلم

      1 -  كلمة الديموغرافيا في مجمل عناوينها بالوضع السوري تحدد الإنتساب الديني من حيث الكم، و هو مفهوم خاطئ جدا . ولا يمكن إعتماد هكذا مصطلحات في بناء دولة

      2 - أعيد للتذكير ببعض ماورد بمنشوركم بالأمس من أن ""اسرائيل" تخلق لنفسها تاريخا وتنتصر"      

      وأن الدول الحية "هي من تمحو عثرات ماضيها وتلمع هذه الأخطاء بغير طريق أو فكرة"

      3 -  "اسرائيل" لم تقتصر على خلق تاريخ لها بل أنها خلقت تاريخا للعرب وجعلت منه أهم سلاح للسيطرة والتفتيت.

      4 -  عندما ننتقد التاريخ وخصوصا الموروث الديني، لا يعني ذلك أننا ملحدون أو من زاوية طائفية حاقدة عنصرية تحاول إقتلاع دين (الغالب انتشارا) وإحلال مصطلحات ليبرالية مكانه، أو استبدال القرآن الكريم براوية ل فيكتور هيجو .

      5 -  عندما نقول "اسرائيل" وسلاحها.. فعلينا كسر السلاح..     

       وعندما نقول الموروث الجاهل فنحن نشير حصرا وبالتأكيد إلى "اسرائيل"..
      والحرب فكرية منذ ولادة (شاس) اليهودي مرورا ب (كعب الأحبار) و الروايات الاسرائيلية (الداخلة بنا حتى العظم بل حتى النخاع الشوكي بدون مبالغة)

      6 -  عند الإشارة والحرب الفكرية ، تبدأ حملات التخوين والإتهام بالعمالة ، بمجرد الاقتراب من بعض الأسماء أو القدسيات ، وهذا دليل على انتشار وطغيان الطائفية والدعدوش الصغير الذي يتحرك عند " خانة اليك " .

      7 -  الطائفية مرض موجود ، وهي درجة أخف من العصبية.. وأسبابها كثيرة بدءا من الموروث الجاهل إضافة للعنصر الأخطر الذي يتجاهله البعض ، وهو الموقع الجغرافي والإرث الحضاري التاريخي لسوريا : تركيا + اسرائيل وعملائهما ..      وهل هناك أحقر وأسفل من هكذا قوميتين عنصريتين منذ فجر التاريخ؟

      8 -  الطائفية تبدأ من العائلة مرورا بالمجتمع المحيط ككل. و بذور العنصرية تنمو وتتورعرع بداخل المنزل..      

      ومحاصرة ونبذ ذلك مسؤولية الدولة بطواقم أذرعها وأقصد الذراع الوزاري الوقفي وكذلك الإعلامي والثقافي .

      9 -  حاولت الدولة، ولا يستطيع أحد نكران المجهود .. لكنه لم يتناسب قطعا مع المشكلة الموروثة قبل نشوء الدولة الحديثة..      

      بمعنى.. نشأت الدولة على ميراث فكر طائفي عنصري بين الأديان والطوائف ، وطبقي بين الأرياف والمدن .. والأمر لم يكن سهلا أبدا      

    أذكر أنني قرأت تحذيرا لرئيس جمهورية سابق عن استلام أحد الجبليين للحكم في سوريا، في إشارة عنصرية بغيضة وتافهة .

      10 -  الدولة وضعت نفسها في مسار المحاباة ، قياسا وتناسبا مع الوضع العربي والإسلامي ومنظماته الجامعة .      وهذه المحاباة مع بعض ، وأقول بعض ، التقصير الأمني ، شكل بابا لطغيان الفكر العنصري المدعوم من تركيا و" أسرائيل ".

      11 -  ليس تنظيرا على الدولة . لكن الواجب الاستفادة من الدرس الأمني الأول مع نشوء الدولة ، وكذلك حوادث السبعينات والثمانينات وأقصد ( إخوان الشياطين ) .

      12 -  لا سبيل للخروج من عنق زجاجة العنصرية قبل الطائفية ، بدون نشر الوعي ونقد ونقض التاريخ ، ولو كان ذلك قاسيا وصعبا .

      13 -  أعود للقانون الديموغرافي بمسألة الخطأ من الصواب بمختصر مفيد ، وأن القانون أضحى على شكل التناسب بين من وقف مع الدولة ، وبين من بادرها للعداء بل والخيانة حتى المجابهة .

      14 -  من غير المقبول أو المعقول ، عدم وجود منبر أو حركة أو منظمة ( إلحادية ) في سوريا .
      أو أن يكون هناك قانون لإزدراء الأديان ومعاقبة جماعة الملحدين أو إثارة النعرات الطائفية ، بموجب قانون أكل عليه الدهر وشرب ..      

      لأن نشر أي بحث عقلي بالمناسبة ، يؤخذ من جماعة ( الذين آمنوا ) على محمل إثارة النعرات .
      بالمناسبة "أنا لست ملحدا كما يعتقد البعض" لكن العتب كما جميع دعاة العلمانية  على من يأخذ ستين من ستين باللغة العربية ولا يفقه منشورا فيسبوكيا بلغة عربية!

      15 -  أرادوها حربا طائفية عنصرية ، وفشلت كل المخططات باستشهاد ابن دير الزور باللاذقية وابن طرطوس بالقامشلي.

      16 -  النتيجة أن ديموغرافيا السوريين الوطنيين، أكبر وأعمق من حمير الطائفيين ومؤيدي ثورة (عثمان - ليفني).

      17 -  مشكلة الانتماء للطائفة والعشيرة، أكثر من الوطن.. ظهرت جلية عند قسم كبير . و على الدولة عدم تفويت فرصتها بفرض نظام جديد بعيد عن المحاباة ، لأي طائفة أو عرق أو وزن ، لدولة ما ومنظمة وجامعة وغيرها.

      18 -  الإسلام المحمدي الذي يتكلم عنه الجميع ، وهو بالمناسبة ( غير موجود بسيستم ولا بكتاب ولا بمنهج ولا حتى بأسلوب ولا حتى بمعاملة ) هو إسلام وهمي على الأرض..      

         والأصح والواجب والأنجح والأنجع خلقه بإبداع ، ونحن قادرون ، والقدرة لله .      

         ليس محبة أو محاباة بدين الإسلام من مبدأ طائفي، بل محبة بسوريا وتنوعها ولإيقاف سيل الدماء.

      19 -  التاريخ لا يعيد نفسه في كثير من الحالات.. والتاريخ المتأسلم مستمر ويعيش بيننا ، وتضحك علينا "اسرائيل" وتركيا..       

            فدعونا نبدأ برحلة التصحيح والتنقيح.

      20 -  لن نضحك ، إلا إذا انتصرنا بمفهوم الإنسانية والعقل ، على أنقرة وتل أبيب وطرش العربان .

          سوريا لك السلام.

............

            ●  رأي شخصي قابل للرفض أو القبول ، وشكرا للجميع ولحكيمنا الغالي دكتور بهجت.

***

أما الدكتورة رشا شعبان فعقبت:

       كل الشكر و الامتنان دكتورنا الغالي ، لهذا النقد الجريء الذي يحملنا مسؤولياتنا أمام الذات قبل الآخر.ربما تحتوي الصورة على: ‏شخص واحد‏

      و مما لا شك فيه أن النقد لا يعني الالتفاف على الحقيقة أو لفلفة القضايا، التي تسكن أعماق الواقع بطريقة مستترة، لتعلن عن ذاتها عند أول محك، أو مشكلة نواجهها، ثم تنفجر لتحطّم أسس و معايير وجودنا الإنساني الأشمل و الأكبر.

      و كذلك النقد لا يعني الإدانة أو تغذية الفتنة ، بالعكس إنه يسعى لتجديد اللغة الدينية و استبدالها بمفاهيم إيمانية ترتقي بما هو إنساني.

      ف اللغة الدينية السائدة لم تعد تنتج سوى الفتن عبر تعبئة النفوس ضد الغير ، و التجديد هنا ينبغي أن ينطلق من إعادة النظر في علاقتنا بثوابتنا التي استقرت سرطاناََ خفياََ يحمل البغض و الحقد على الآخر، و يدين الاختلاف و يرفضه.

      نعم ، العلّة تكمن أساساََ في العقول و الأفكار، كما تكمن لدى "النخب " الدينية و الثقافية التي عجزت عن نقد المفاهيم و إعادة إنتاج خطاب و مفاهيم و قيم جديدة تحمل دلالات إنسانية، بعيدة عن التعصّب و التطرّف و الإلغاء و الإقصاء.

      و اجتثاث الطائفية ليس قراراََ تتبناه الدولة و تفرضه على المجتمع قسراَ و إجباراَ، لأن ذلك مآله مجتمع منافق بامتياز ، يُظهر عكس ما يحتضن في قاعه من أفكار و قيم نتنة و عفنة، تنتظر الانقضاض على ذاتها و على الدولة عند أول فرصة   سانحة، لتكون مدمرة و هادمة لكل ما هو إنساني.

      الطائفية هي حرب الكل ضد الكل، و هي إشكالات و أمراض نفسية اجتماعية قبل أن تتمظهر سياسياَ..      

      و علاجها و وضع الحلول لها يتطلب عملا مؤسساتيا مجتمعيا بآنِ معاَ.

      إننا بحاجة لنهضة فكرية تنويرية، و عودة العقل إلى ذاته بالنقد لتعرية بداهاته اللا معقولة و تفكيك أدواتنا القاصرة.

      و الطامة الكبرى في مجتمعاتنا، هي تحميل الدولة مسؤولية عقدنا و مشكلاتنا المركبة نقصاََ و نرجسية و انغلاقاََ على ذاتنا، و انسحابنا التبريري و الإنكاري أمام كل موقف أو مشكلة نواجهها .

      و عنف الدولة و قوتها لمنع حرب أهلية ليس كافياََ لاجتثاث الطائفية من عقول الأفراد و المجتمع، بل هو عمل إسعافي يؤتي ثماره أثناء الأحداث المهلكة..
       لكن الأنجى و الأنجع هو هذا العمل الوقائي التأسيسي لإنتاج عقد اجتماعي جديد يقوم على دولة المواطنة و العلمانية ، و الذي يبدأ من القاعدة المجتمعية بشكل أفقي، و لا يبدأ بتصدير القرارات من الدولة شاقولياَ..
       في حين تتنامى الأفكار الطائفية حتى في مؤسساتها و بعض أجهزتها، التي تعلن علمانيتها و تبطن أعتى أشكال التخلف و التعصّب و الإنغلاق على الذات. تحيتي و محبتي لك حكيمنا الغالي.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

July 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31 1 2 3 4
عدد الزيارات
3433580