الصفحة الرئيسية
n.png

د. بهجت سليمان: في الجدليّة السّياسيّة العربيّة المعاصرة.. "القوميّة" و "التّاريخ".. في مواجهة خرافات "الدّين"

[الحلقة السادسة والسبعون "76“ - الجزء الخامس "5“ - من سلسلة الفكر الإستراتيجي"] عن:أ بهجت سليمان في مكتبه

{"النّموذج" الثّقافيّ الملهم و الحيّ}:

(في الجدليّة السّياسيّة العربيّة المعاصرة..
"القوميّة" و "التّاريخ".. في مواجهة خرافات "الدّين")

● د. بهجت سليمان

لا يشكّلُ الحاضرُ جزءاً من تاريخ الأمّة ما لم يحتوِ على بذرة المستقبل الذي انثنى في مشروع واقعيّ حالّ، له من المعاصرة و المعقوليّة جميع صفات الأهداف التي يتضمنها المشروع التّاريخيّ المحدِّد للهويّة و الكاشف عن الصّفات الّلصيقة بالكيان االثّقافيّ، الذي دخل في روحيّة الأفراد و عقل المجتمع و الدّولة، و استقرّ في وعي المشاركة الثّقافيّة لاتّجاهات الحضارة.

تدخل "القوميّة"، كأحد معالم و محدِّدات "الهويّة"، في سرديّة الأمّة التّاريخيّة، بوصفها أصلب ما يُمكن الرّهان عليه، دون سائر معالم الأمّة، الثّابتة، الأخرى؛ بعد أن دخلت، في تجربتها السّياسيّة، في عداد المخزون الثّابت و المنظم لعناصر القوّة، غير عابئة بقوى المنع و المقاومة مختلفة المصادر، و التي تصيب أشعّة الحصيلة الدّيناميّة التي تتعرّض لانكسارات الكثافة في الأوساط الظّرفيّة التي تبني مقدّمات المحصّلة التّاريخيّة النّهائيّة الحاملة للتّقدّم الضّروريّ، الذي يحكم الأحياء من الأفراد و الشّعوب.

في قافلة التّاريخ تسير، معاً، مجمل صفات الأمم و الشّعوب التي تأبى الانقراض، في معاندة للمصائر الصّعبة و الجليلة التي تفاجئ الجميع في جدليّة النّظريّة و العالم الواقعيّ، لتتمكّن من ترسيخ القيم القابلة للاستمرار و النّماء، مع الاحتفاظ حتّى بصورة المستحيل الذي يُبدي إعجازاً واقعيّاً، بوصفه صوراً للفكرة لا يجوز التّخلّي عنها نهائيّاً إلّا بعد زوال دواعي الفكرة نفسها من الواقع و التّاريخ؛

و الهامّ ، هنا، أن يبقى الهدف على محايثة مع الغايات المتساوية في ما بين الشّعوب، مرشداً للفكرة، نفسها، حتّى و لو استهلكت على طريقها الكثيرَ من نواظم الجهود القادرة على خلق الظّروف النّقديّة العقلانيّة، في صورتها الواقعيّة التي يُمليها العقل.

من الثّابت الذي يتأكّد، عصراً بعد عصر، هو أنّ أهداف الأمّة القوميّة لا يمكن لها أن تتجاهل قيمتها الأخلاقيّة، و ذلك مهما بدت هذه القيم الأخلاقيّة، في لحظة أو في لحظات مُعتِمة، أنّها نائية عن "الثّقاقة" الإنسانيّة؛ و ذلك لأنّ تحديد المُثُل الثّقافيّة الأثنوغرافيّة الخاصّة بشعب من الشّعوب الحيّة على مرّ الزّمن، إنّما هو مسألة من المسائل الأخلاقيّة بالدّرجة الأولى، و ليس العكس.

لا تحدّد الثّقافةُ المضمونَ الأخلاقيّ للأفراد و الجماعات و الأمم، بل العكس هو الصّحيح، بحيث أنّ الأخلاق التّاريخيّة الثّابتة في أصول لشعب من الشّعوب هي التي تحدّد المضمون الثّقافيّ لحياة الأمّة الرّوحيّة؛ إذ لطالما أكّد التّاريخ أنّ القيم الأخلاقيّة هي أبقى من القيم الثّقافيّة، هذا إذا كان لنا أن نتجاهل هذه الوحدة الأبديّة للثّقافة مع الأخلاق.

لقد وجَدْنَا في تطبيقاتنا النّقديّة التّاريخيّة السّابقة ، و بخاصّة في أحاديثنا الثّلاثة الأخيرة، أنّ حيويّة الأمم و الشّعوب ذات الاستمراريّة الوجوديّة مع الزّمان، إنّما هي مسألة ثقافيّة روحيّة مقرونة بحامل أخلاقيّ من القيم العامّة التي كانت، بالدّرجة الأولى ، تعبّر عن أخلاق "الدّولة" و "نظم الحكم" ، و أعني بذلك "الأخلاق السّياسيّة"؛
و أنّها، هذه، هي التي استتبعت وراءها نموذجاً ثقافيّاً، اجتماعيّاً و اقتصاديّاً و سياسيّاً، و حدّدت، بذلك، مصائر شعوبها تبعاً لهذا النّموذج الثّابت، مع فرضيّات و حقائق تقلّبات الظّروف و الزّمان و المكان.

يمكننا، تبعاً لهذا العرْض، أن نستنتج حقيقة تاريخيّة في حياة الأمم و "الثّقافات"، في إطار "الحضارة" البشريّة التّاريخيّة الواحدة، و هي أنّ ثمّة تبادلاً ثابتَ الإيقاع كان يحكم طبيعة العلاقة بين "الثّوابت" و "المتغيّرات"، في ما بين "الذّاتيّة" و "الموضوعيّة" التّاريخيّتين، على أساسِ تفاوتِ نسبةِ "التّغيّر" و "التّبدّل" في كلّ منهما، مع عدم الإخلال بقانونيّة هذه "العلاقة" و "معقوليّتها" الأصليّة التي دفعت بها إلى عتبات "العقلانيّة" الرّاسخة رسوخ حياة الأمم العظيمة؛

و هو ما يُمكن لنا تسميته "التّبادليّة" في "الأثر" ، بين "الذّاتي" و "الموضوعيّ" ، و المتولّد عن الأحداث التّاريخيّة الجسام التي تتعرّض لها جميع الأمم الرّاسخة في التّاريخ البشريّ ، دون غيرها من الأمم و أشباه الأمم العابرة و التي لفظت ، على كلّ حال ، أنفاسها التّاريخيّة ، كاملة ، مع تقدّم الزّمان .

في "التّقريب" الثّقافيّ إلى "الأذهان" المتسرّعة المعاصرة .. لنا – بسهولة – أن نستعمل "المصطلحات" السّائدة في "الثّقافة" العالميّة الحيّة ، فنسمّي تلك "التّبادليّة" في الأثر (تبادليّة الأثر و التّأثير) ، "جدليّة" في التّواشج العمليّ و المتين بين "الذّاتيّ" و "الموضوعيّ" في حياة السّياسة التي حكمت ، بعمق ، تاريخيّة الأمم المستمرّة ، و التي حافظت على "نوعيّتها" الأصليّة ؛

فلم يجرِ في تاريخها ذلك "الخلط" النّاجم عن تشوّش الإيمان بالقيم ذاتها ، ناهيك عن التّشويش الثّقافيّ الذي طرأ على تلك القيم في التّناقضات الإنسانيّة القارّة ، حتّى عادت "الأخلاق" بمجملها شيئاً خاضعاً للاجتهاد الغالب للأصل ، و الذي تجاوز في الممارسة مسألةَ الاجتهاد في الصّياغة ، إلى أن وصل مرحلة الاجتهاد في الفهم و المضمون و المعتقدات و التّعبير و الأداء .

من الجانب الآخر تبرز جدليّة العقل السّياسيّ التّاريخيّ كمؤرّخ وشاهد على الأحداث ، بالقدر الذي يستطيع فيه هذا "العقل" أن يتبنّى له خياراتٍ مديدةً غير ناجزة ، إذ يُحيل أمر نجوزها ، مباشرةً ، إلى حظيرة "الثّقافة" التي هي من أهمّ نُعُوتِها الوضعيّة هو أنّها "ستاتيكيّة" (سكونيّة) في العلاقة مع التّاريخ بكلّ أقاصيه .

يظهر ، لهذا ، لنا ، أنّ "الجدليّة" التي تميّز "العقل التّاريخيّ" إنّما هي جدليّة تحكم العلاقات غير النّاجزة بين الأفكار و العالم في إطار العمل السّياسيّ ، بخاصّة ، و التي حكمها شيء من التّعليق التّاريخيّ أو "الرّفع" (الإيبوخي): - تعليق أو انقطاع الحكم - من السّياقات الضّامنة لتحرير صورة الغاية من قيودها العرفيّة و إدخالها في إطار الحرّيّة التي يعبّر عنها المستقبل في الزّمان .

و على ذلك يمكننا أن نقول إن "القوميّة العربيّة" قد خضعت لعلاقات تجاذب و تنابذ مع محطّات التّاريخ ، حتّى بدا أنّها قضيّة "لا تاريخيّة" ، مع أنّ أحداً من دعاة ذلك لم يستطع أن يحسم الأمر بهذه البساطة المزعومة ؛

و هكذا بقي "جدل القوميّة" جدلاً حيّاً في أصحاب الأصوات الفكريّة "العربيّة" و "الإسلاميّة" ، و صَبَغ نتائج تنظيراتهم بأفق محدود يغلب عليه طابع القبول أو الرّفض الأيديولوجيين - في مواقف هؤلاء - إزاء فكرة "القوميّة" ، و لم يرتق الأمر إلى التّعليل التّاريخيّ أو المعرفيّ في دحض الفكرة القوميّة ، بحيث انتقلت الإشكاليّة الفكريّة مع توالي الأزمنة المختلفة ، ما جعل من "القوميّة" نفسها قضيّة تاريخيّة في "الجدل" الذي تحوّل مع الزّمان إلى إشكاليّة "إبستميّة" (معرفيّة) تظهر في المنعطفات الكبرى كما هو الأمر عليه اليوم في الإطار الثّقافيّ للحرب السّوريّة ، و ما أثارته من مراجعات فكريّة و ثقافيّة تتناول جذور البنى التّاريخيّة للمجتمعات العربيّة و تبايناتها و تشابهاتها و اختلافاتها .. ، إلخ ؛

و هذا ما جعل الأمر يمتدّ في المساءلات التّاريخيّة حتّى التّشكيك بمفاهيم أساسيّة و في مقدّمتها مفهوم "العروبة" و "الإسلام" و "القوميّة" و "الأمّة" .. ، إلخ ، إلخ .

يربط البعض ظهور شعار "العروبة" و "القوميّة" العربيّة ، بأوّل الأعمال التي قامت بها "الإرساليّات التّبشيريّة" إلى "المنطقة" ؛ و هذا ما قامت به "الإرساليّات التّبشيريّة" في (بيروت) ، بالدّعوة إلى "العروبة" بهدف تمزيق "وحدة" .. "العرب" و "التّرك" .. "القائمة تحت ولاية الخلافة العثمانيّة" .. !

[ انظر : سقوط مفهوم القوميّة الوافد . أنور الجندي . دار الأنصار . مطبعة دار البيان بعابدين . القاهرة – 1980م . ] .
و يتابع ( أنورالجندي ) فيقول : و قد لخّص الدّكتور (صموئيل زوير) كبير المبشّرين "البروتستانت" في الشّرق ، ذلك ، بقوله : "إنّ أوّل ما يجب عمله للقضاء على الإسلام ، هو إيجاد القوميّات" .
[ المصدر . ص(4)] .
و في نظر ( أنورالجندي ) ، فإنّ "الاستعمار" الغربيّ قد عمل على إثارة فكرة "القوميّة العربيّة" المستمدّة من الفكر الغربيّ من أجل القضاء على ترابط العروبة و الإسلام ، بطرحه هذه "النّظريّة" بغرض تمزيق "وحدة الفكر الإسلاميّ" .. "فلم تكن الدّعوة إلى القوميّة الوطنيّة في حقيقتها ، إلّا دعوة إلى الإقليميّة في محاولة لإعطاء هذه الإقليميّات طابع القوميّات" .

و عندما طُرحت "نظريّة القوميّة العربيّة ( العروبة ) كان ذلك بهدف زعزعة المقوّمات الأصليّة .. و تعرية العروبة من كلّ مفاهيمها المرتبطة بالإسلام .. كالتّرابط بين الأمم الإسلاميّة ذات التّاريخ و الثّقافة و العقيدة الواحدة" .

[ المصدر . ص(4- 7) ] .

و يمكننا ، هنا ، مع هذا الاستباق التّعسّفيّ لمفهوم "العروبة" ، أن نواجه نموذجاً من نماذج التّحدّيات "الثّقافيّة" الغاشمة لمفهوم "القوميّة" ، مع العلم أنّه ليس ثمّة ما يؤكّد "الفكرة" التي يحوم حولها هذا "الطّرح" ، كطرح نموذجيّ بنى عليه فيما بعد "الفكر الإخوانيّ" ( الإخونجيّ ) ، من أنّ "العروبة" شكّلت تاريخيّاً ، عبئاً على "الإسلام" ، إن لم يكن الذي حصل هو "العكس" تماماً ، حيث عاصر "التّاريخ" أزمة فكريّة و ثقافيّة مزمنة من تشويه فكرة "العروبة" ، و الفكر القوميّ العربيّ ، جملةً ، على يد الزّاعمين من حماة "الدّين" ..
و هذا كي لا نتطرّف فنقول كردّةِ فعلٍ "إبستميّة" ، إنّ "الإسلام" ، بما هو دين السّلطة السّياسيّة الزّمنيّة لدول الخلافة العربيّة و الإسلاميّة ، قد شكّل العبء التّاريخيّ النّمطيّ على مفهوم "الأمّة" .

عادةً ، يُثار في مثل هذه "المناسبات" الثّقافيّة ، التي مثالها طروحات (الجندي) و تياراتها "الفكريّة" التّقليديّة ، مفهومُ الاعتداء المنظّم على "تاريخنا" و "تراثنا" و "مقوّماتنا الإسلاميّة المتميّزة" عن "الغرب" [ص(7) من المصدر نفسه] ؛ في صيغة من صيغ الحِدادِ التّحريضيّ الذي لا يعدم جماهير المتأثّرين و المحازبين ، في عمليّة مضمونها المباشر هو حرمان "العروبة" من كلّ المقوّمات التّاريخيّة التي تجعل منها "أمّة" كأيّة أمّة من "أمم" التّاريخ المستمرّة و الحيّة عبر الزّمان ، بمعزل عن "الدّين" كظاهرة اجتماعيّة و ثقافيّة بنيويّة لاحقة على مفهوم "الأمّة" نفسه ..

و من دون أن نخوض ، هنا ، هذا الجانب من الإثبات المعرفيّ و التّاريخيّ الذي أصبح في "الأعراف" الثّقافيّة نفسها شيئاً من عداد المحصّلات الحاصلة أو "المصادَرات" .

في تاريخنا العربيّ المعاصر ثمّة تجارب حيّة في مغامرة الفكر "القوميّ" بمعزل عن أولويّة "الدّين" ، و لو أنّ فكرة "القوميّة" العربيّة فيها بقيت تتأرجح بين "النّقل" و "الابتكار" و اكتشاف العناصر الواقعيّة التّاريخيّة و الضّروريّة لفكرة "الأمّة" ، و غياب بعضها لدى بعض تلك التّجارب و حضور بعضها الآخر في تجارب أخرى .

و من الطّبيعيّ أن تلك "التّجارب" قد ترافقت مع نهاية الاحتلال العثمانيّ للمنطقة العربيّة في (مصر) و (بلاد الشّام) ، و ربّما تيمّناً بالنّموذج القوميّ الطّورانيّ (التّركيّ) الذي أسّس له "الاتّحاديّون" الأتراك بعد إنهاء الرّابطة العثمانيّة الإسلاميّة ، و محاكاةً له ، و في مواجهته أيضاً ، و بخاصّة بعد بطش "الاتّحاديين" الأتراك بالجمعيّات العربيّة "الجنينيّة" و قيام أوّل "مؤتمر عربيّ" لجمعيّة "العربيّة الفتاة" في (باريس) عام (1913م) ، و كان أن أظهر "العرب" لأوّل مرّة تعاطفهم السّياسيّ مع "مطالب الأرمن" على أرضيّة الفهم الحديث للكيانات القوميّة المعاصرة ؛ إلى أن تعمّقت و تكرّست نهائيّاً فكرة "القوميّة العربيّة" في الصّدام الذي تأجّج بين "العرب" و "الأتراك" في غضون الحرب "العالميّة الأولى" (1914- 1918م) ؛

و ذلك بغضّ النّظر عن ممارسات الغرب (البريطانيّة ، بخاصّة) التي ساهمت في إزكاء جانب الوهم السّياسيّ عند العرب بالتّشجيع الكاذب لبوادر أفكار القوميّة العربيّة الحديثة ، و استغلال "العرب" في هذا الاتّجاه .

يتأكّد لنا من خلال الوقائع الفكريّة التي كانت مواضيعَ أساسيّةً لأصحاب الفكر القوميّ العربيّ المبكّر في أوائل القرن الماضي ، العشرين ، من أمثال السّوريّيَن (ساطع الحصري) (1879- 1968م) ، و (زكي الأرسوزيّ) (1899- 1968م) ، أنّ "المادّة الدّينيّة" لم تكن في فكرهما موضوعاً للجدل التّاريخيّ بين فكرة "القوميّة" و مسوّغاتها التّاريخيّة التي أبقت عليها فكرة حيّة ، بحيث أنّهما غالباً ما اتّخذا موقفاً موضوعيّاً من الظّاهرة الدّينيّة ، التي بقيت في مجالها الإيمانيّ الفرديّ الخاص أو الشّخصيّ و الخالص ، فلم يكن ثمّة حاجة إلى أن تأخذ "الظّاهرة الدينية" من فكرهما ذلك الحيّز السّياسيّ الذي تحتلّه اليوم في أفكار المثقّفين و المفكّرين أو أشباه المفكّرين ، كما في أدمغة السّياسيين الذين ترفّعوا في الرّتبة و المرتبة و الرّاتب إلى صفوف "السّاسة" الذين يقرّرون في "الشّأن العامّ" .

في نقده لِ(جاك بيرن) ، المؤرّخ و المستشرق البلجيكي المعروف ، في مؤلّفه الشّهير "التّيارات العظيمة لتاريخ العالم" ؛ يُبدي (ساطع الحصري) جملة من "الملاحظات" التي لا تزال معاصرة حتّى يومنا هذا ، على نحو يمكن أن يكون معبّراً تعبيراً مباشراً على الخواء الثّقافيّ الجماهيريّ النّاجم عن انعدام النّماذج الفكريّة القوميّة المواكبة لزمن المتغيّرات السّياسيّة التي تعصف بسورية و المنطقة العربيّة ، اليوم ، في أمثلة الحرب و ما أنتجته الحرب من توتّر تاريخيّ مجانيّ مأسوف عليه حيث يمكن أن ينتهي ، من جديد ، إلى فراغ تاريخيّ و سياسيّ معاصر و متأخّر ، سيكون علينا ، معه ، انتظار الدّائرة ، ثانية أو عاشرة ، لكي تكتمل في تقادمها على الأحداث لتنغلق ، مرّة أخرى ، على احتمالات اجتماعيّة و ثقافيّة و سياسيّة تجنح إلى خواء و فراغ أو إلى "فوضى" ( و فوضى منظّمة ..) متكرّرة أودائمة .

ففي معرض هذا "النّقد" يُصحّح ( الحصريّ ) للمؤرّخ المذكور مفاهيم "وطنيّة" و "جغرافيّة" و "دينيّة" و "طائفيّة" و "إقليميّة" و "قوميّة" و "نضاليّة" و "سياسيّة" .. ، إلخ ، إلخ ؛ كما كان ينبغي ، و ما يزال .. ، الأمر أن يكون من نضالات الكثيرين من أشباه دعاة "ثقافة" و "سياسة" السّوريين على مختلفهم ، سواءٌ منهم من تصدّر واجهة مجالس السّياسة و "النّضال الوطنيّ" المزيّف ، و "الإعلام" و الاستئثار بالخطاب "الوطنيّ" الذي ادّعى "المقاومة" ؛ أو منهم من احتكر بذاءات سياسات المعارضة في الدّاخل و الخارج على حدّ سواء .

[ انظر : ساطع الحصري . حول القوميّة العربيّة . ص(130) و ما بعد ] .

و الأمر هو نفسه أيضاً في مثال مفكّر مثل (زكي الأرسوزي) الذي كان مبكّراً جدّاً (منذ ما قبل عام 1940م) في فكره بالنّسبة إلى "القوميّة العربيّة" و اختلافه النّاعم ، و لكن المبدئيّ و الحاسم مع "أفكار" (أنطون سعادة) (1904- 1949م) ، حول الخطوة المبدئيّة الأولى في بنيان "الأمّة" العربيّة السّياسيّ في "الدّولة" القوميّة .

[ انظر : عصام نور الدّين . زكي نجيب الأرسوزي – حياته و آراؤه في السّياسة و الّلغة . ص(11) و ما بعد ] .

برأي ( عمر فاخوري ) (1895- 1946م) ، و هو رأيٌ معتبر لمفكّر هامّ ، فإنّه "لا ينهض العرب إلّا إذا أصبحت العربيّة ، أو المبدأ العربيّ ، ديانةً لهم يغارون عليها كما يغار المسلمون على قرآن النّبيّ ، الكريم ، و المسيحيّون الكاثوليك على إنجيل المسيح ، الرّحيم ، و "البروتستانت" على تعاليم (لوثر) الإصلاحيّة ، و ثوريّو فرانسا في عهد "الرّعب" على مبادئ (روسو) الدّيموقراطيّة ، و يتعصّبون لها تعصّب الصّليبيين لدعوة (بطرس) النّاسك" .

[ انظر : عمر فاخوري . كيف ينهض العرب . المكتبة الأهليّة في بيروت . 1912م] .

لقد كان ، في هذا السّياق ، للمفكّر التّنويريّ العربيّ السّبّاق (رفاعة الطّهطاوي) (1801- 1873م) ، منظّر "الحداثة العربيّة" الأولى في العصر الحديث التي قادها (محمد علي باشا) (1769- 1849م) ، في (مصر) و "المشرق العربيّ" ، إسهامٌ نظريٌّكبيرٌ عندما عمل ( الطهطاوي ) على إحياء فكرة "الوطنيّة" العلمانيّة في وجه "التّديّن" العامّيّ الكاذب ؛

ليتساءل بعدها بقليل (1870م) ، أحد أهمّ رواد "القوميّة العربيّة" في "المشرق العربيّ" (سليم البستاني) (1848- 1884م) إبن الرّائد الكبير للتّنوير العربيّ الحديث (بطرس البستاني) (1819- 1883م) ، حول ما إذا "هل يصطلح العرب ؟ و هل يردّ الزّمان لهم الاتّحاد ؟ و هل يُقيم لهم الدّهر عزّاً ؟" ؛
لتتأسّس بعد سنوات "جمعيّة بيروت السّريّة" التي تحلّق أعضاؤها حول فكرة القوميّة العربيّة ، مبكّراً ، قبل زوال "الاحتلال العثمانيّ" بوهلة طويلة ، حيث كان من أهمّ أعضاء "الجمعيّة" (فارس نمر) و (يعقوب صرّوف) و (و إبراهيم اليازجي ، الشّاعر المعروف) ، لتظهر في ما بعد قليل من الزّمن "حلقة" الشيخ "السّلفيّ العروبيّ" الجزائريّ- الشّاميّ (طاهر الجزائري) ، في الشّام ، في أوائل القرن العشرين .

[ انظر : هاني الهندي . الحركة القوميّة العربيّة في القرن العشرين . مركز دراسات الوحدة العربيّة . بيروت . الطبعة الثّانية – 2015م] .

تقاطرت صفوف القوميين العرب في وجه الاستعمار الغربي الحديث ، فظهرت التّيارات القوميّة العربيّة منذ ثلاثينات القرن العشرين ، في العراق و سورية و مصر ، و كان الجامع الّلافت أنّ جميع هذه الحركات النّهضويّة القوميّة العربيّة ، كانت يقودها ضباطٌ في الجيوش العربيّة في البلدان المذكورة ؛
و هكذا كان المشرق العربيّ سبّاقاً إلى استعادة لياقات الانتماء الفكري العروبيّ في وجه التّحدّيات الاستعماريّة و تحدّيات "التّنمية" ، و كان لذلك أثرٌ كبيرٌ في تحديث الجدليّة التّاريخيّة العربيّة بين "القوميّة" و السّياسات المباشرة في ظروف الزّمان و المكان ؛
مع الانتباه إلى ملاحظة سقناها سابقاً حول أنّ التّيّارات القوميّة العربيّة على مختلف برامجها و ظروفها لم تستطع إحداث "القطع" الإبستميّ التّاريخيّ مع "الدّين" ، و تجسير الهوّة الفاصلة ما بين القوميّة العربيّة من جهة ، و بين المفاهيم "المدنيّة" و "العلمانيّة" المعاصرة ، من جهة أخرى .

و أمّا المؤسف و العجيب .. في "التّطوّر" الزّمنيّ للشّعب العربيّ في (سورية) منذ أوائل القرن العشرين ، و المفكّرين الأوائل ، و حتّى اليوم ، و في ما يتجاوز القرن الكامل من التّاريخ ؛ أنّه (التّطوّر) لم يقدّم ، في ما بعد ، مفكّراً قوميّاً حرّاً تجاوز في إطار مدركاته أمر الجدل الدّينيّ السّياسيّ و "القوميّة" ، ناهيك عن أنّ مثل هذا النّموذج الإنسانيّ السّياسيّ "المعرفيّ" ، مع افتراض وجوده في "الظّلّ" السّياسيّ و الثّقافيّ و الإعلاميّ ، لم يستطع اختراق الجدران الكتيمة التي أقامها "الدّين" السّياسيّ في وجه "المعرفة" ، أو التي أقامها "النّظام السّياسيّ" الاحتكاريّ أمام المشروع السّياسيّ القوميّ العربيّ منذ "الاستقلال" و حتّى اليوم .

على مرّ قرنٍ من الزّمان ، تقريباً ، و أعني منذ أوائل القرن العشرين ، كانت أبرز سمات جدليّة "القوميّة" و "التّاريخ" ، هي ما ظهرت في "الصّدام" السّياسيّ بين "القوميّة" و "الدّين" ، و الذي كان المسؤول الأكبر عنه "الدّين السّياسيّ" الذي كرّسته حركة "الإخوان المسلمين" .

استطاع الدّين السّياسيّ في قالب "الإسلام السّياسيّ" و تفرّعاته أن يصعّد من لهجة الخطاب المتناقض ما بين "الدّين" و "الدّولة الوطنيّة" ، أوّلاً ، ثمّ ما بين "الدّين" و "القوميّة العربيّة" في شكلها الثّقافيّ و الفكريّ في النّمط العروبيّ السّياسيّ و الثّقافيّ ، ثانياً ؛

حتّى أنّ الأمر ، على ما وصفناه من التّحدّي "الدّينيّ" للإسلام السّياسيّ في مواجهة "القوميّة" العربيّة كنموذج سياسيّ علمانيّ ، قد استغرق عصراً عربيّاً طويلاً امتدّ منذ نهايات أربعينات القرن العشرين ، الماضي ، و حتّى اليوم ، عابراً النّموذج القوميّ "النّاصريّ" و النّموذج القوميّ "البعثيّ" بما في ذلك الأطياف الأخرى التي كانت على هوامش أو أطراف "المدنيّة" السّياسيّة القوميّة ، كالشّيوعيين و القوميين الاجتماعيين ، بالإضافة إلى التّجارب السّياسيّة "العلمانيّة" الأخرى ؛ مخترقاً أنساق الأفكار و "الخطاب" و "الثّقافة" ، و المجتمعات و النّظم السّياسيّة و الشّعوب و الأفراد و الدّول في وقت واحد .

من الطّبيعيّ أن تستعاد إشكاليّة الجدليّة التّكوينيّة بين "القوميّة" و "التّاريخ" ، أو بين "الوطنيّة" و مكوّناتها التّاريخيّة ، في أزمنة الطّوارئ الوجوديّة الشّاملة كالّتي يمرّ فيها مجتمعنا العربيّ السّوريّ ، اليومَ ، تبعاً للمرجعيّات "الثّقافيّة" الفرديّة و الجماعيّة التي تؤطّر الهيكليّة السّياسيّة للأزمات الحادّة و الكوارث الاجتماعيّة المرتبطة ، جذريّاً ، بخلفيّاتها المركّبة ؛

إلّا أنّ ما هو من غير الطّبيعيّ أن يتصوّر أحدنا أنّ مثل هذه المشكلات البنيويّة قد تمّ تجاوزها في "أمّة" أو في أوطان هي قيد التّشكّل و التّرسيم ، في ظرف من الظّروف التي تنتمي إلى الإشكاليّة نفسها ، و قد عادت تتحدّى ما تصوّره البعض من "بدهيّات" اتّفاقيّة مزعومة لا يجمعها مع ظاهرها سوى جملة من الأوهام و الرّغبات و التّواطؤات و المواضعات الكاذبة ، في "مجتمع" تأخّر و تخلّف في ميادين التّنظيم الاجتماعيّ و الثّقافيّ و السّياسيّ و الاقتصاديّ ، ففقَدَ مسوّغات الأمن الفرديّ و الجماعيّ و بات مرتعاً لتناقضاته المدمّرة و لحروبه و حروب الآخرين فيه و عليه .

و يتعاظم أمر أهمّيّة تلك "الجدليّة" في "واقع" سياسيّ ، كأنّه يخرج من فوضاه الدّامية إلى احتمالات تسوية نزاعاته بأسلوب و أشكال سلبيّة جديدة تتجاهل في سلبيّتها الأسباب التي جعلت منها حاجة ارتجاليّة ، تؤسّس و ستؤسّس لفترة جديدة من "الهدنة" التي يحتاجها جميع "الأطراف" لاستعادة الأنفاس التي تُمَشْرِعُ (من "المشروعيّة") جولةً أخرى من جولات التّدمير و التّغريب و التّخريب و الانتحار ، خارج كلّ "شرعيّة" تاريخيّة أو "ضرورة" في التّجاوز و الانتقال .

فبالنّظر إلى محصّلة "التّجربة" السّوريّة الدّامية ، و ما نتج عنها من خبرات "متواضعة" و مشوّهة ، حتّى اليوم ، فإنّ النّتائج "الثّقافيّة" الجذريّة لا توحي بأنّنا وضعنا أقدامنا على طريق التّحرّر التّاريخيّ الكفيل بصناعة "الحرّيّات" التّكوينيّة التي يعتمد عليها شرط "الإبلال" من "الذّوات" الفرديّة و الجماعيّة التي قادتنا إلى هذا الوطيس .

أغلب الظّنّ أنّ "الجميع" يفهم ، تقريباً ، طبيعة النّتائج التي يمكن أن تستولي على محصّلة التّجربة السّوريّة الأخيرة ، عندما نتجاهل مغزى إصرار جدليّة القوميّة و التّاريخ على حضورها ، كما كان في مختلف مراحل "الحرب" ، و لا يزال ، حضوراً شديد النّزاع و التّنازع و التّجاذب السّلبيّ و الاستقطاب المَرَضيّ الذي أثار هذه "العاصفة" من الاجتهادات البريئة منها و غير البريئة ، بشأن تحليل مفاهيم تقليديّة مثل "الوطنيّة" و "القوميّة" و "العروبة" و "الإسلام" و "النّظام" و "العالم" ، إلى درجة جعلت من كلّ "مفهوم" على حدة يبدو على أنّه جديد على "الجميع" .

تُبدي جميع الظّروف الفكريّة و السّياسيّة المقارِنة للكارثة السّوريّة أنّ مجتمعاتنا "العربيّة" ، جميعها ، ليس لها "عقيدة" ثقافيّة تجعل من صناعة أو استعادة أو اكتشاف "النّموذج" الثّقافيّ الموحي أمراً ممكناً ، فإذا بالجدليّة "الخطابيّة" ، ما بين "القوميّة" و الزّمن التّاريخيّ ، حالة سطحيّة لم تصل إلى مستوى تحوّلها إلى واقع تاريخيّ منتِج لضروراته المبدئيّة الكفيلة أو المكفولة بتحوّلها إلى ظاهرة تمدّ بالاستمرار دوافعَ التّحوّلات الوطنيّة و القوميّة نحو المسؤوليّات المعاصرة .

و في مثل هذه "الحالة" من "التّردّد" الذي يحكم "الواقع" بمصالح "الفساد" الشّامل بمفهومه "الفلسفيّ" الذي يجنح به نحو المزيد من "التّحلّل" و "الانحلال" ، يُصبح من واجب "قوى" السّيادة في "الدّولة السّياسيّة" أو في "النّظام السّياسيّ" ، بما تمتلكه من مقدرة على إحداث "الفوارق" .. أن تكرّس أدواتها ، مع أدوات و وسائل جديدة و مستحدثة ، من أجل تعميق و ترسيخ فكرة "العقيدة" بما هي هذه العقيدة وصفة تراتبيّة تبدأ مع "التّربية" و لا تنتهي في "التّعليم العالي" ، مستغرقة جميع مفاصل "السّيادة" في "الحكم" السّياسيّ .

تتعالى ، إذاً ، اليوم ، في (سورية) الأصوات التي تنبّه إلى المخاطر الثّقافيّة و الاجتماعيّة و السّياسيّة المرافقة تاريخيّاً للتهجين الفوضويّ ( و الدّيماغوجيّ) لمفهوم "القوميّة العربيّة" بالدّين الإسلامي ، حيث لم يستطع التّنظير السّياسيّ ، حتّى الآن ، في إطار النّظريّة النّقديّة العقلانيّة ، أن يخترق النّظام السّياسيّ "العميق" ، لإنجاز "القطع" المعرفيّ بين "الثّقافة" و "السّياسة" ، و إعادة كلٍّ منهما إلى مجاله الطّبيعيّ .

في هذه المناسبة لا مانع من التّصريح الجريء بأنّه من الأفضل أن يتوجّه البناء الذّاتيّ الجديد إلى تهميش ، و حتّى إلى تهشيم ، الذّاكرة الجمعيّة الفوضويّة و المُحابية و العسفيّة و التي تصرّ على "نظاميّتها" المزعومة ؛

فنحن عندما لا نرى جدوى من الحكم الأخلاقيّ على التّاريخ ، كما نكرّر مراراً ، فإنّ هذا لا يعني أنّنا غير مطالبين بنقد هذا التّاريخ نقداً يُفضي إلى الشّكّ بالذّاكرة التّاريخيّة الثّقافيّة و الاجتماعيّة و السّياسيّة ، و عدم ضرورة الّلجوء الطّوعيّ إلى نكران هذه الذّاكرة التي هي بطبعها و طبيعتها التّكوينيّة و البنيويّة ، ذاكرةً مخرّبة أو مدمّرة بفعل الانتقاء و التّمييز و إحالة الضّوء إلى ظلام أو إحالة الظّلام إلى نور .

تعمل "المدارات الحزينة" [ للأمانة ، فالمصطلح ، هذا ، هو عنوان كتاب هامّ لِلفرنسيّ الأثنولوجيّ الكبير ( كلود ليفي ستروس )] في (سورية) ، اليوم ، على إعادة إنتاج التّردّد التّاريخيّ المزمن في عمليّة اختيار "الموقع" النّهائيّ للدّولة و المجتمع ، ما أكسب "البعضَ" حصانةً مزوّرة و مؤسفة ، و بخاصّة في مواقع "المؤسّسات" المختلفة ، من جديد ؛ في الوقت الذي جعل فيه البعض يئنّون ، ثانية و ثامنة .. تحت وطأة الوِزر الحضاريّ الذي لا يستطيعون ، بمفردهم ، تحمّله أو القيام به ؛ و هو الأمر البادي ، بوضوح ، على الكثيرين ممّن بدأوا يشكّون في النّتائج الاجتماعيّة لمغزى الحرب و آثارها الموضوعيّة .

لا يمكن تفسير "الحوارات" و "الاهتمامات" المحمومة ، بين الأطراف الاجتماعيّة و السّياسيّة المختلفة و الموزّعة بين مشروع "العلمانيين" و حماة "الواقع" المختلط ، إلّا بوصفها تعبيراً عن تناقضات تاريخيّة غير محسومة ، و أحياناً غير مفهومة ، في نتائج الحرب من جهة التّساؤل عمّا أفضت إليه هذه الحرب ، سياسيّاً ، على نحو يعني جميع المواطنين .

و إذا كان من شاهدٍ واقعيّ عمليّ على ضرورة الاستجابة إلى الحاجة الأثنوغرافيّة إلى "الاستقلال" السّياسيّ الجديد في "الهويّة" التّاريخيّة ، في إطار "العولمة" السّياسيّة و أدواتها كالحروب ، مثلاً ؛ فإنّ ذلك الشّاهد لا يوجد ، بشكل حيّ و مقنع ، بعيداً عن الغيرة "القوميّة" على "العروبة" ، و التي يُبديها ردّ الفعل الاجتماعيّ إزاء بعض الظّواهر التي تريد إعادة إنتاج مجتمع ما قبل الحرب بكلّ صفاته الاجتماعيّة و السّياسيّة الكالحة و المخادِعة .

لقد أكّدت لنا النّتائج الثّقافيّة و الاجتماعيّة للحرب أنّ بعضَ القضايا المصيريّة الكبرى لا يُمكنها أن تتنحّى من "المدارات" البشريّة الفرديّة و الجمعيّة ، إلّا بعد إنجازها الواقعيّ ، و ذلك مهما كانت الموانع و المقاومات النّسقيّة "الواعية" و المصطفّة في اصطفافات نهائيّة و المستعدّة لمواصلة التّفتيت الذّرّيّ لأعضاء و مؤسّسات الهيئة الاجتماعيّة و السّياسيّة ، باستمرار ، غير آبهةٍ بأنّها مفضوحة النّوايا و الخطط و البرامج المشبوهة و المأجورة و الهادفة ، دوماً ، إلى تمتين جذورها بتخريب الجذور التّاريخيّة الحيّة للأمّة و الدّولة و المجتمع .

لا تنتهي و لن تنتهي مفاعيل "الجدليّة" التّاريخيّة بين الأمّة و المجتمع ، و بين "القوميّة" و "التّاريخ" ، ما لم تندفع "الدّولة" بكلّيّتها ، مجتمعاً و نظاماً سياسيّاً ، نحو دفع الأفراد و المؤسّسات و الجماعات إلى واجهة العالم المعاصر بتحدّياته "العولميّة" التي تفعل فعلها كآليّات غيرعكوسة ، و باتّجاه واحد .

ندخل ، اليومَ ، في هذا التّحدّي التّاريخيّ ، على أمل ألّا نكون ، في نتائجه الأخيرة ، شعباً بلا هويّة حضاريّة ، مُستسهلة انتهاكات حقوقه لعجز في بنيته الجامدة و التّقليديّة ، و التي يُحاول ، بهذه العُدّة ، أن يكون معاصراً و قابلاً للاستمرار وفق نموذج حيّ و دافع نحو أهداف قادرة على أن تواكب باقي ثقافات العالم ..

ليتسنّى لنا الانتماء إلى الحضارة العالميّة بكلّ تناقضاتها و إشكالاتها ، و كذلك بكلّ إيجابيّاتها التي تنتصب أمامنا ، عندما يكون حديثنا و تطلّعنا إلى التّقدّم مبنيّاً على أساس النّموذج الحضاريّ الحرّ الذي تجاوَزَنا به الآخرون.

***

فعقب الشاعر المهندس ياسين الرزوق زيوسأ ياسين الرزوق1

النماذج الثقافية التي تسود في منطقتنا ترى أبجديات المداورة تدور حول مركز الجهل و التجهيل متجاهلةً أنَّ الأبجديات هي همزات الوصل المعرفي و الاتصال ما بعد المعرفي إذا ما اقتلعنا من جذورنا فروعها ما قبل المعرفية الميتة التي تفقد الاتصال قيمته بالتشويش و تنهي الوصل بانقطاعات من كلِّ الأزمنة ليس لها من غرضٍ سوى قتل النموذج الثقافي الملهم الحيِّ خاصةً ذاك الذي وجد نفسه معرِّفاً بذاته و حدَّد أبجدياته المعرفية لا التجهيلية و وضع صورة الإنسان على بلَّور لامع مصقول كي تعمي من يحاول جعلها سوداء داكنة دونما هوية و دونما تعريف ودونما تنافذٍ حقيقي يقيها من الذوبان و الانغماس غير الممنهج و غير المدروس.

الجدلية ليست فلسفة السياسة في منطقتنا فحسب بل هي عنوان مجتمعٍ لا يدرك من تعاريف السياسة إلا همزات بدئها لا وصلها ومع ذلك يمسك عصا الجدلية ليهشَّ بها على زملائه من مجتمعات القطعان التي رسَّخت ببدائية التراتيل خبرة الجهل المتمرِّس في ترتيل أغنيته على مسامع المتلقين الذين يصفِّقون بالتاريخ للقومية و بالقومية للتاريخ و في أحايين كثيرة يبصقون على وجودهم قبل أن يبصقوا على التاريخ و القومية و هم يتمترسون خلف شعارات القومية و أمجاد التاريخ ليرسخوا في مستقبل التغيير عجزه و مسوخه و تشوهاته الكبرى !

للدين أنسابٌ تخترق مساماتنا و إذا ما فحصنا زمرة دمنا من جديد ستكون مقرونةً بكريات الدين الحمراء فقط و ليست البيضاء و هذا ما يجعلنا عرضةً للإصابة بالنزعة الدموية و فقدان التسامح و إعطاء أفضلية الحياة لمن نشاء و إنزال حدِّ الموت بمن لا تهواه أبجديات تعاطينا مع القومية و التاريخ اللذين نقرنهما في أغلب الأحيان بالزيف و المزايدات و القفز فوق كلِّ حادثةٍ صحيحة تجنبنا الأحقاد أو صنعةٍ بديعةٍ تورثنا الجمالية كي لا نبقى في بؤر القبح النتن.

نعم عندما كان الله في علياء إنسانيتنا كنَّا نقول للعالم خذنا حيث تشاء كي نتلاقى بالأمثلية حيث يجب أن نماثل و نتماثل و بقينا نقول ذلك إلى أن قفزت جدلية السياسة العربية فوق متاريس معتنقيها من الراقصين على جثث القومية و التاريخ و هم يدَّعون أنَّهم في طريق طمر خرافات الدين إلى أبد الآبدين و ليتها قفزت لتتجنبهم بل قفزت لتنصِّبهم عليها حكَّاما فما كان من السياسة الجدلية و الجدلية السياسية إلا أن أعلنتا على العالم سوءاتهما باسم اللا دين ليقيم قطيع النيات المبيتة عليهما حدَّ ممارسة الشنائع ناسين كلَّ شنيعة باسم الدين تفلترها من أجله مفلترات القومية و التاريخ.

و ها نحن نرى أنَّ جدلية السياسة العربية باتت في منطقتنا كجدلية مجهولي النسب الذين يجب أن نتعاطى معهم بمفاهيم إنسانية لكن لا بشرعنة ما لم يشرعن لمعلومي النسب فهنا الإنسانية يجب أن تبتعد عن المفارقات و طالما أن الجدلية السياسية العربية دوماً أممية و ليست داخلية تقتضي جدلية البرلمان السوري أن توزِّع قضية مجهولي النسب الذين كانوا نتاج إرهابٍ عالميٍّ أمميٍّ على المؤسسات الأممية كي يكون العلاج أممياً طالما أن الداء بدأ عالمياً أممياً.

و ما نراه حولنا من جدلية طمس الهوية و القومية و التاريخ و عقلية التلاعب بمصائر معلومي النسب في دول اللجوء التي تبيع القومية بمثل ما تشتري التاريخ و تشتري التاريخ بمثل ما تبيع القومية و السمسرة عليهم في أروقة الأمم المتحدة.

يجعلنا نتساءل لماذا لا تكون جدلية تنسيب مجهولي النسب بعد جهل أنسابهم أمميةً لا سورية؟!

إنَّ مذهب القومية يسبق المذاهب الأربعة أو الخمسة أو الاثني عشرية لدى أمم الإسلام و طائفة التاريخ تبتلع كلَّ من لا يدرك الحاضر و لا يرسم على جبينه خرائط المستقبل وهذا ما يجعل جدليَّة الضياع هي الجدلية السارية في مجتمعاتنا.

و لكنها جدلية توافقية لا لبس فيها و لا شك و عليه نقول اعشقوا جدلية الضياع كي تدركوا أنساب القومية و التاريخ وسط لقطاء الأديان الذين جعلوا الخرافة أمَّ الماضي و ربيبة الحاضر و يسعون لتنصيبها ربَّة المستقبل فهل من رادٍّ لحكم جدلية الضياع التوافقية؟!

لسلاسلك أن تستفزَّ مكامننا الجمالية كي تدرك جدلية الحياة برقصة الموت و رقصة الموت بجدلية الحياة دكتورنا الغالي بهجت سليمان Bahjat Sulaiman

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

June 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
27 28 29 30 31 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
عدد الزيارات
3233895