الصفحة الرئيسية
n.png

نذير جعفر: عائد إلى المخيّمات

أجل، من هناك، إذ تغوص أقدامنا في الوحل، وتحلّق أحلامنا في السموات، ويشرّش القهر في خلايا أجسادنا المنهكة من الخيبات وحمّى السهر والنقاشات التي تبدأ ولا تنتهي! من هناك.. من مخيميّ النيرب وحندرات في حلب إلى مخيمات: الحجيرة، وجرمانا، واليرموك والحجر الأسود في دمشق... من خالد درويش، ومحمد أبو صلاح، ومحمود علي السعيد، وعصام ترشحاني، وعلي الكردي، وأحمد سعيد نجم، إلى يوسف اليوسف، وحسن حميد، وخالد أبو خالد، وزهير غزاوي، ونادر عبد الله... يا الله كم تبدّلت البلاد؟ وكم تغيرنا؟ لا كم تبدّلت المواقف والآراء والهموم وبقيت المخيّمات شاهدا على زمن لا ينسى، زمن كانت فيه مصهرا وطنيا وسياسيا بل رافعة ثقافية ونضالية ومصنعا لفولاذ الإرادة وشاطئاً حنونا لصخب بحار القلب.أ نذير جعفر
غيّبت الحرب العدوانية على وطننا صورة المخيمات الفلسطينية الآسرة التي كانت تضجّ بالحياة، والآمال الشاسعات، ووجوه الأمهات المتعبات ولهفتهن وخوفهن علينا، وعربد الموت والدمار في أرجائها! واستباحت طفولتها وأسرارها وكرامات شهدائها ودراويشها قوى حاقدة عميلة لسدنة التكفير والخراب من صهاينة ووكلاء أوفياء لهم في ممالك وإمارات العتمة والمال والحشيش والفتاوى العمياء الضالة المضلّلة. غابت أيضا تلك الذكريات في غرفها الضيقة وسهراتها المشتهاة المفعمة بخمر الشباب واندفاعاته، وألفة الأصدقاء، وخبزنا اليومي الذي يجمعنا وكلمة سرّنا (فلسطين)!
هل أبوح بالوجع الآن وبالفقدانات وخسارات الروح التي لا تُحصى؟ لعل أولها هذه الصور التي تنداح أمامي لعدد من المخيمات التي حوّلها مرتزقة آل سعود وإرهابيو راياتهم السوداء إلى ما يشبه الركام... ركام أرواحنا وذكرياتنا وأحلامنا أيضا.
الصور تدمي القلب، صور الأبطال الذين استشهدوا سوريين وفلسطينيين دفاعا عن تلك المخيمات، صور من ذُبحوا انتقاما كالخراف على يد الموساد المتأسلم لوقفتهم المشرفة مع سورية، سورية الأم والوطن التي منحتهم كل ما يعلي من شأنهم عيشاً وتعليماً وكفاحاً مسلّحاً، وملاذا آمنا لقياداتهم المطاردة.
لا، ليست الصورة سوداء إلى هذا الحد، فلواء القدس الفلسطيني الذي دافع عن مخيم النيرب في حلب وصد قطعان الظلام عنه، وطهّر مخيم حندرات، وقدّم مئات الشهداء، لم يكتف بذلك فانتقل إلى دمشق ليسهم في تطهير اليرموك والحجر الأسود. ألم يقل غسان كنفاني على لسان أم سعد: مخيم عن مخيم يفرق. فهناك مخيم حّوله بعض مرتزقته إلى مخيّم خانع، ذليل، متآمر، ومخيم وقف وقفة العزة والكرامة والوفاء لسورية التي يُعوَّل عليها وحدها وعلى شعبها التصدي لتصفية القضية الفلسطينية والعمل على استعادة الحقوق المغتصبة مهما طال الزمن واشتد التآمر.
لا، ليست الصورة سوداء أبداً، بل باتت تدعو إلى التفاؤل والإيمان بأن أبناء المخيمات يستعيدون زمام المبادرة في تحصين مخيماتهم من كل خطر يهددها، ولم يعد خافيا أن مخيم جرمانا/ مخيم البطولة والصمود قدم نحو ألف شهيد وهو يمتد على مساحة لا تتجاوز الكيلو متر الواحد. هؤلاء هم مستقبل القضية الفلسطينية، والساعد القابض على الزناد جنبا إلى جنب مع أبطال الجيش العربي السوري والمقاومة اللبنانية الباسلة.
كانت روحي تعود إليّ من جديد وأنا أحضر المهرجان الأدبي الذي نظمته منظمة فلسطين حرة في مخيم جرمانا، لم أكتفِ بمتابعة المهرجان بل تجولت في الأزقة الضيقة المحتشدة بآلاف الأطفال/ آلاف الشهداء الأحياء الذين يبشرون بأن إرادة الصمود لن تموت، وأن حرارة القضية ما زالت في القلوب، وأن سحق قوى الإرهاب ومن يساندها حاضرا أو مستقبلا سيكون على يد هؤلاء الأطفال وآبائهم وأمهاتهم، ولن يكون الفلسطينيون في سورية بعد اليوم إلا طليعة مقاتلة تذود عنها وتستشهد في سبيلها أمام أي خطر يهدد أمنها خارجيا كان أم داخلياً.
طوبى لأبناء مخيمات فلسطين الذين جادوا بأرواحهم حبا بسورية ووفاء لها، وسحقا لكل من سوّلت له نفسه من عبدة الدولار للتآمر عليها والغدر بها.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

October 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
30 1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 31 1 2 3
عدد الزيارات
4332197