الصفحة الرئيسية

أحمد يوسف نده: بين الفلسفة الإسلامية والفلسفة الديكارتية

لقد أشار الشيخ مرتضى مطهري رحمه الله في شرحه لأصول الفلسفة للسيد الطباطبائي إلى تهافت الكوجيتو الديكارتي (أنا أفكر إذاً أنا موجود) من جهة.. وإلى عدم الاكتفاء به كحجر زاوية يمكن اعتماده لإقامة المنظومة الفلسفية العقلية اليقينية من جهة أخرى..
- أما التهافت فسببه أن الوجود سابق على التفكير.. فالإنسان يدرك وجوده بالبداهة.. بل كونه (يفكر) فهذا متفرع عن كونه (موجوداً).. فالوجود سابق على الفكر..
وأما عدم كفاية الكوجيتو للانطلاق في رحلة اليقين الفلسفي.. فلأن الكوجيتو نفسه يحتاج إلى قضية سابقة عليه يصدق بها قبل التصديق بالكوجيتو.. ألا وهي قضية (امتناع اجتماع النقيضين)..
.
ومن هنا يثبت الشهيد مطهري علو كعب الفلسفة الإسلامية التي انطلقت من مبادئ تصورية بديهية كالوجود.. ومبادئ تصديقية بديهية كقضية (امتناع اجتماع النقيضين).. بحيث شكل ذلك حجر أساس متين وراسخ في قطع دابر السفسطة من جهة.. وبناء المنظومة الفلسفية من جهة أخرى.. وهذا ما لم يُوفَّق إليه الفيلسوف العقلي ديكارت..
............................
(التعليق على ما قاله الشهيد مطهري رحمه الله)
.
مع الاتفاق مع الشهيد مطهري حول علو كعب الفلسفة الإسلامية في بناء الفكر الفلسفي المتين على مبادئ تصورية وتصديقية بديهية لا يمكن الشك فيها.. إلا أن مقارنته بين فلاسفة الإسلام وديكارت من دون النظر إلى ظروف كل من الطرفين فهذا لا يخلو من الظلم والتعسف.. كيف لا والفيلسوف ابن بيئته وهو بمثابة مرآة تعكس ظروفه التي تحيط به..
ومن هنا فإن الكثير من مؤرخي الفلسفة قد أهملوا الجانب التاريخي للفيلسوف وظروفه المحيطة به سواء كانت ظروف سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية أو دينية أو علمية... فتجدهم يذكرون اسم الفيلسوف وتاريخ ولادته ووفاته.. ثم أبرز أقواله.. ثم يحاكمون أقواله .. ثم يتجاوزونه إلى غيره.. وهكذا.. من دون التعرض لظروفه المحيطة به..
وهنا ومن خلال مقارنتنا بين فلاسفة الإسلام والفيلسوف ديكارت سيتبين لنا أهمية بيان الظروف التي يعيشها الفيلسوف ومدى تأثيرها في فلسفته.. مع العلم أن الفلسفة الديكارتية هي أقرب الفلسفات الغربية إلى الفلسفة الإسلامية لأن كلتاهما تنضويان تحت المنهج العقلي الاستنباطي..
.
أولاً- الفلسفة الإسلامية:
.............................
لقد جاء فلاسفة الإسلام العقليين المؤسسين للفلسفة المشائية والمنهج العقلي كالفارابي وابن سينا وابن رشد والطوسي في زمنٍ كان اليقين هو المسيطر والحضارة متقدمة والدين راسخ..
- فالمنطق الأرسطي الذي اعتمده فلاسفة الإسلام كان هو المهيمن على ثقافات الشعوب في تلك الأزمنة..
- والدين الإسلامي الذي اعتنقه فلاسفة الإسلام كان مؤيَّداً بالوحي الإلهي الممثل بالقرآن الكريم الثابت بالتواتر والذي تحدى بإعجازه بلاغة العرب وفصاحتهم..
- وكانت الحضارة الإسلامية هي الباسطة جناحيها على سائر الأمم.. فمن البديهي أن تكون الصخرة التي ينطلق منها فلاسفة المسلمين هي صخرة راسخة باليقين والقوة والثقة والعنفوان والعظمة..
.
ثانياً- الفلسفة الديكارتية
.............................
- أما زمن الفيلسوف (رينيه ديكارت) فقد كان المشهد على العكس تماماً.. فعلى مستوى الدين كان ديكارت مسيحياً وجاء بعيد النهضة العلمية في أوروبا حيث كان العلم الحديث يوجه أقسى ضرباته ضد الكنيسة المسيحية.. الأمر الذي كان له أكبر الأثر في وجدان كل متدين بالدين المسيحي ومنهم ديكارت..
- وعلى مستوى المنطق.. فقد كان المنطق الأرسطي يواجه أكبر حملة تشكيكية في قدرته على انتاج اليقين على يد بيكون رائد المنطق الاستقرائي.. والذي حمل أعنف الحملات والهجمات على المنطق الأرسطي الذي كان مهيمناً على الفكر البشري حوالي ألفي عام.. الأمر الذي أدى إلى اهتزاز مكانة العقل عند فلاسفة الغرب لصالح مكانة الحس والمادة..
- وعلى المستوى الحضاري.. فأوروبا كانت تريد الخروج من ظلمة العصور الوسطى التي خيَّم فيها الجهل على القارة العجوز.. في حين كانت الحضارة الإسلامية هي الحضارة الرائدة في تلك الأزمان..
.
(النتيجة): كل ذلك يجعلنا ننظر إلى الكوجيتو الديكارتي نظرة أكثر دقة من تلك النظرة السطحية التي ينظر إليها مؤرخ الفلسفة في زماننا هذا.. إذ أن الكوجيتو الديكارتي كان كافياً لشخص مثل ديكارت كي يقوم من تلك الضربات العقلية والدينية والحضارية ليؤسس فلسفة عقلية قائمة على الاستنباط.. ولكنه بدل أن يعتمد المنطق الأرسطي كمفردات وقضايا.. استعان بما هو أكثر قدرة على إثبات اليقين وإيقاف تلك الهجمات المادية على مدرسة العقل.. وذلك بأن زاوج ما بين العدد (علم الجبر والتحليل).. وبين الشكل (الهندسة).. فوضع علم (الهندسة التحليلية) القائمة على المنهج الاستنباطي.. وهو نفس المنهج المعتمد في المدرسة الأرسطية...
ومن هنا فإن الكوجيتو الديكارتي كان بمثابة مخلّص قلبي لديكارت أكثر من كونه مخلّصاً عقلياً.. وبالتالي فإن توجيه النقد إليه ونسبه إلى التهافت هو ظلم كبير.. بل يعود له الفضل في إنشاء مدرسة عقلية رياضية متينة تؤمن بوجود الله.. في زمن فورة العلم المادي وتحطيمه لكل ما هو مقدس وغير مقدس في أوروبا..
.
ولتقريب الصورة إلى ذهن القارئ يمكننا تشبيه الرحلة الفلسفية لفلاسفة المسلمين بشخص جاء من الجبال الراسخة إلى شواطئ البحار.. فبنى سفينته على البر وانتظر الطقس المناسب والريح الموافقة للإبحار.. وشرع في رحلته الآمنة نحو مقصده في عمق البحار الفلسفية الهادئة.. فعاد بصيد عظيم ورزق وفير..
أما ديكارت فهو أشبه بشخص تعرضت سفينته لعاصفة بحرية وصواعق أدت إلى حرق السفينة وإغراق كل فلاسفة الغرب في بحار الفكر المادي.. فكان الكوجيتو الديكارتي بمثابة الخشبة التي تعلق بها الأمل.. علها تنقذه من أمواج الشك العاتية.. فإذا ما وصل إلى بر الأمان بقدرة قادر.. اعترف بوجود نفسه وبوجود الخالق وبوجود العالم.. وتابع مشواره الفلسفي على الشواطئ عله يعثر على بعض الكنوز التي رمتها له تلك البحار..
.
ومن هنا علينا قبل أن نحكم على الآخرين أن نضع أنفسنا مكانهم.. فقليل من فلاسفة الغرب ممن قد أعمل عقله وقارن بين الدين والعلم.. قد نجى من طرفي الجهل.. (الإلحاد المادي) أو (التحجر والتطرف الديني).. فأي محنة كانت تلك التي عاشها ديكارت؟!

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

September 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 31 1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 1 2 3 4 5 6
عدد الزيارات
4031209