الصفحة الرئيسية

علي كنعان: نزار قباني.. قصائده دخلت كل قلب.. الشعر بين الواقع والأسطورة

العلاقة قديمة بين الشعر والأسطورة، من أيام سومر وبابل حتى يومنا الحاضر، مروراً بمختلف الملاحم التي تركتها الحضارات الغابرة. لكن ما يعنيني في هذه المقالة ما ينسجه الواقع الفني والاجتماعي من غرائب وأساطير حول شاعر معين شق طريقه الإبداعي وانطلقت شهرته في موضوع مختلف، كما اختص نزار قباني في موضوع قضية المرأة وأحوالها بين الاستلاب والحرية. ولا بأس أن أبدأ الحكاية من نهايتها.أ نزار قباني

«في موكب الأمير/ في مهرجان عرسه الأخير/ كانت دمشق كلها نهرا من البشر/ وضفتاه كانتا من القلوب». هذه الكلمات كانت تتردد في خاطري، وأنا أسير مع الصديق الناقد عبد الرحمن الحلبي في موكب الوداع الأخير الممتد من جامع بدر المطل على حديقة الجاحظ، في أحدث أحياء دمشق، إلى مقبرة الباب الصغير في الميدان، أقدم أحيائها. ومع الجمهور المحتشد بالمئات في تلك الفسحة الهادئة بين الجامع وحديقة الجاحظ ومقهى طليطلة، كنا مجموعة من الأصدقاء نقف واجمين، فهذه الرحلة التي لا عودة منها تجعل الحياة أشبه ما تكون بالأسطورة أو كأنها لعبة عبثية، لا يبقى من شخوصها وآثارها إلا الكلمة الندية المضيئة. 

كان الموقف الرسمي في ذلك المشهد مثيراً للتساؤل، فلم يحضر من الصف الأول إلا وزيرة الثقافة الدكتورة نجاح العطار، ومن المؤكد أنها حضرت لاهتمامها الثقافي بعيداً عن أي اعتبار رسمي. ثم جاء العماد مصطفى طلاس بسيارته الخاصة ولباسه المدني بلا حرس ولا أوسمة، لكنه حافظ على شيء من ابتسامته الودود. وكانت الهمسات تشير إلى أن السلطة غير راضية لأن ابنة الشاعر رفضت «المكرمة» الرسمية التي عرضتها السفارة في لندن لنقل جثمان الشاعر إلى وطنه في موكب احتفالي.

بعد الصلاة وخروج الجثمان من الجامع، مضى نزار إلى شارع أبو رمانة، وسار به الموكب حتى دوَّار قصر الضيافة، فلم يتجه شرقاً ليعرج على ثانوية جودت الهاشمي والنزول إلى شارع القوتلي، بل اختطفت الجثمان المهيب جماعة من الشباب العشاق والمعجبين ليمروا به أمام الجامعة التي درس فيها الشاعر وتخرج من كلية الحقوق.

كانت مبادرة جميلة من أولئك الشباب أن يلقي الشاعر نظرة أخيرة على الجامعة أو تلقي الجامعة نظرة الوداع عليه وهي الواحة التي نهل العلم من ينبوعها وتفتحت في فضائها موهبته الشعرية وتركت أريج كبادها وياسمينها في أنفاسه، كما شغل بقصائده عشرات الآلاف من الطلبة الذين درسوا فيها بعده.

الشوارع التي مر بها موكب نزار في ذلك الأصيل الشاحب غصت بمئات الألوف من المشيعين. وكانت الأرصفة والدكاكين وأبواب المكاتب والبيوت وشرفاتها وحتى السطوح مشكوكة بالناس من مختلف المشارب والأعمار والمهن والأهواء، وكانت محبة الأمير الدمشقي تؤلف بين قلوبهم في ساعة فريدة لا يبدو لي أنها ستتكرر في التاريخ الحديث.

الجموع المحتشدة لم تترك لنا فسحة لدخول المقبرة، وإلقاء تحية الوداع، فبقينا واقفين خارج السور في شارع الميدان حتى ووري الجثمان الثرى وانفض موكب العزاء... وإذا جاز لي أن أتحدث عن الأسباب العفوية العابرة أو الفكرية والعاطفية العميقة التي دفعت مئات الآلاف من سكان دمشق لتشهد موكب الوداع، فإن نسبة غير قليلة من تلك الأسباب سياسية نابعة من موقف معارض للنظام الذي لم يكن على وفاق مع الشاعر بوجه خاص، ومع الثقافة الوطنية الحرة بشكل عام، دون أن تعني هذه الإشارة أي تقليل من مكانة الشاعر في قلوب محبيه أو تعتيم على أهميته المتميزة في المشهد الشعري واقترابه من جو الأسطورة طوال النصف الثاني من القرن العشرين.

خميرة الثورة والتغيير

لم أكن في صباي من المولعين بقراءة نزار، ولم أشعر بما يغريني بالاقتراب من شعره، رغم شهرته الواسعة. ولعل ذلك بتأثير البيئة الزراعية والمرحلة شبه الإقطاعية التي تفرض تقاليدها وأعرافها ومعاييرها الجمالية والأخلاقية على مجتمع القرية، متعلمين وأميين. وربما أستطلع أسباباً خاصة بي، فقد كنت في شبابي مأخوذاً بعشرات القصائد المبثوثة في كنوز التراث من فتح عمورية، وبركة المتوكل وأشجان ابن زيدون إلى تائية ابن الفارض ونقائض جرير والفرزدق، وروائع الشعر العذري لدى جميل وكثير والصمة القشيري، فضلا عن عذارى دارة جلجل وعنفوان طرفة وفروسية عنترة وطلاوة النابغة وزهو عمرو بن كلثوم، وذلك المشهد السينمائي الساحر الذي أبدعه زهير بن أبي سلمى للظعائن. وكانت مجلة «المعارف» تردنا من صيدا في لبنان، محملة بألوان أخرى من الشعر، كما كان الضيوف يحملون إلينا قصائد الرصافي والزهاوي ونازك الملائكة وشوقي والجواهري وأبو ريشة والبدوي والأخطل الصغير، وكانوا يزودوننا بقصائد رائعة من دمشقيات شوقي وحافظ إبراهيم وشفيق جبري وصولا إلى ما قيل في مهرجان المعري في الألفية الأولى لميلاده.

ويمكن أن أضيف أن فترة استثنائية أوصلتني إلى لبنان طلباً للعلاج، وقد أتاحت لي أن أطلع على روائع التراث في كتاب «مدامع العشاق» لزكي مبارك، إضافة إلى الشعر المهجري، وبخاصة إيليا أبو ماضي وجبران والأخوة معلوف (فوزي وشفيق ورياض)، ثم سحرني الشابي بعنفوان ثورته وعلي محمود طه برقته الرومانسية. ولذلك، لم يكن ثمة من مكان لنزار وطريقته الهجومية المباشرة في عرض المغامرات الذكورية الجارحة، وما في طياتها المكنونة من تحريض على الرفض والثورة:
بدراهمي../ لا بالحديث الناعمِ/ حطَّمت عزتك المنيعةَ كلَّها بدراهمي (1).

كانت العادة بين أبناء جيلنا أن نمضي العطلة الصيفية مع أهلنا لنساعدهم في الأعمال الزراعية لتأمين العيش – على طريقة النمال، كما كانوا يرددون على مسامعنا- وفي تلك القرية المشلوحة على كتف البادية، بين حمص وتدمر، فوجئت بأن عدداً من الفتيان يقتنون دواوين الشاعر نزار قباني ويرددون شعره، بعضهم من شدة الإعجاب وبعضهم للطرافة والتسلية. وكان أحدهم يردد على مسامعنا في سهرات البيادر:
ودفنت رأسك في المخدة يا بليد../ وأدرت وجهك للجدار../ أيا جدارا من جليد.
كما كان آخر، وهو يتمتع بموهبة كوميدية مدهشة، يقول بصوت أنثوي كسير:
لا تمتقع!/ هي كلمة عجلى/ إني لأشعر أنني/ حبلى!!
أفق جديد في عالم الشعر، ونكهة مختلفة، وتناول درامي مبتكر لا عهد لجيلنا به، موضوعاً ورؤيا وموقفاً وأسلوباً. وتبلغ القصيدة ذروتها، بعد أن يفشل السيد المتسلط بإقناع الضحية أن تقوم بالإجهاض، وعلى حسابه، فتجيبه بما يشبه الصفعة:
«شكراً»../ سأسقط ذلك الحملا../ أنا لا أريد له أباً نذلا!
لكن المؤسف أننا في أجواء القرية، المحكومة بالسلطة البطريركية القاهرة، وبخاصة تجاه المرأة، لم نكن لندرك خميرة الثورة وبشائر التغيير الكامنة في أعماق تلك القصائد، ولم يكن ثمة من أستاذ مرشد يفتح أمامنا الباب ويضيء لنا الطريق.

نقطة تحوّل

في جامعة دمشق، كنت واحداً من ثلة تصنف أفرادها بأنهم من مدرسة السياب، وإن آثرت أن أضع نفسي في أطراف تلك المدرسة، مؤكداً على كلمة (أطراف) لأن نشأة السياب في مدينة البصرة، وأنا من منبت ريفي شبه بدوي. وربما من منطلق سياسي ملتبس، كنا نقف إلى جانب الشاعر السوداني المجدد محيي الدين فارس في موقفه الانتقادي الصارم من نزار قباني الذي صنفته الأدبيات الحزبية في ركاب الطبقة البرجوازية. وكنا نتغنى بقصيدة فارس الموسومة بـ «يوميات برجوازي صغير» المنشورة في مجلة «الآداب» اللبنانية، وكأنها تعني نزاراً وحده، وفيها يقول:
ليلي خمورٌ وبغايا/ يَسبَحنَ في شفقِ النورِ/ جسمٌ لجسمٍ منجذبٌ/ يصبُّ حمَّى التنُّورِ
ولعل قصيدة «جميلة بوحيرد» التي نشرت في المجلة اللبنانية ذاتها، وكذلك «خبز وحشيش وقمر»، كانتا من أولى القصائد التي لفتت انتباهي إلى نزار، وخاصة أن عدداً من الشعراء المعروفين يومئذ ردوا عليه، ومنهم شاعر السوريين القوميين البارز نذير العظمة الذي كان يبدو لنا أهم من أدونيس وأشد عنفواناً والتزاماً.
وقصيدة الخبز والحشيش.. تلك حظيت بنقاش مطول سنة 1964 بين الطلبة في قسم اللغة الإنجليزية بجامعة دمشق، وامتد النقاش إلى طلبة كلية الحقوق. ولعل الشاعر الأردني الفقيد تيسير سبول كان من أقوى الأصوات التي تحدثت بإنصاف عن الشاعر وقصيدته تلك. وفي ختام إحدى المحاضرات، شاركنا الحوار أستاذنا المتألق وصديقنا الحميم الدكتور غسان المالح. وأذكر أننا خرجنا بصحبته إلى نادي الجامعة لنواصل الحوار على فنجان قهوة، رغم أن التقاليد الأكاديمية كانت تفرض على الأساتذة أن يتجنبوا الجلوس مع الطلبة في ذلك النادي الطلابي. لقد كانت تلك الجلسة نقطة تحول في نظرتي إلى الشاعر وقصائده. وأود أن أؤكد هنا أن الفضل في ذلك التحول يعود للدكتور المالح. ولعل هذا الأستاذ الجليل لا يعرف أني، بعد ذلك الدرس البليغ، صرت أقارن السمات المشتركة بين دلالات محاضراته لنا عن مسرحيات (شون أوكيزي) وأثره الثوري التقدمي في آيرلندا، حيث كان الجمهور الغاضب يقابل العروض الجارحة برشق الطماطم.. وبين الدلالات التحريضية المؤثرة التي أحدثها شعر نزار قباني في المجتمع السوري، وفي مجتمعات عربية أخرى كانت بحاجة إلى تلك الصدمات الكهربائية اللاذعة لكي تتنبه إلى واقعها المتردي وتخرج من حالة الجمود والتواكل والنفاق.

وقبل تلك الجلسة مع أستاذنا المالح، كانت جرأة الشاعر في الحديث عن الحب المكشوف تفرض علينا شيئاً من النفور أو المداراة، إذ لم تكن لتتسق مع طبيعتنا الريفية/ البدوية المقنعة بالخجل!

وفي تلك الفترة المبكرة، أتيح لي أن أستمع باهتمام إلى حوار أدبي مستفيض بثته إذاعة «صوت العرب» من القاهرة. كان الموضوع عن الشاعر نزار قباني، وقد اشترك في الحوار –على ما أذكر- الدكتور عبد القادر القط وأنور المعداوي والدكتور سامي الدروبي، وربما كان الدكتور علي الراعي كذلك بينهم. تضمن الحوار نقاطاً مضيئة عن أهمية نزار وريادته، لكن بعضهم فسر اهتمام الشاعر بالمرأة الذليلة المستلبة وتقمص شخصيتها بأنه يشكو من ضعف أو قصور جنسي، ولا يمكن فهم شعره في ضوء علم النفس إلا كوسيلة تعويض.

لكن الدكتور الدروبي (مترجم أعمال دوستويفسكي) تصدى لهذا الرأي، داعياً إلى قراءة متأنية تتجاوز ما يبدو على السطح وتحفز إلى استكشاف الدلالات المكنونة في الأعماق، مبيناً بالشواهد ومؤكداً على دور الشاعر الإيجابي في التمرد على الجمود الاجتماعي وتأثيره الفعال في التطور والتغيير. ولعل أهم ما تبقى في الذاكرة الهرمة من تلك الأمسية عبارة توضح أن معاينة وتشخيص المرض، وهو اجتماعي في حالة نزار، وإلقاء الضوء على أعراضه ومضاعفاته هو من عمل الأطباء، وذلك ما يدفع للبحث عن العلاج.. ولا ينبغي لنا أن نقف عند تلك الصور الفنية وكأنها للتسلية.

وفي هذا السياق، وأنا أستعرض أحوال سوريا في بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، أود أن أقول بلا مبالغة ولا تجريح: إن تأثيرات نزار قباني في التحول الاجتماعي والتطور الحضاري، ولو بصورة غير مباشرة، كانت أكبر وأهم مما فعلته الأحزاب السياسية التي رفعت شعارات التقدم ولم تستطع أن تغادر بدايات القرن التي شهدت نهاية الرجل المريض وسلطنته الغاربة.

الشاعر المتمرّد

تشكل أسطورة الواقع حول نزار قباني مزيجاً فريداً من موهبته الخاصة ومرحلته التاريخية في بلد مسكون بالعروبة، وهو يتطلع إلى انتزاع الحرية وإنجاز تحرره الوطني. بدأ ريادته الشعرية قبيل رحيل قوات الانتداب الفرنسي في 1946. وأول ملامح هذه الريادة التمرد على السائد والمألوف. ولعل هذا يذكرنا برائد المسرح أبو خليل القباني، وهما من أسرتين مختلفتين، وإن تشابهت الأسماء. ومن ملامح ريادة الشاعر كذلك البساطة في رسم الصورة، واستخلاصها من الموروث الشعبي الذي يختزن تجربة متراكمة عبر مئات السنين. وهي بساطة عفوية حميمة سلسة ومشحونة بالمشاعر الغضة، بعيداً عن الصنعة المثقلة بالأفكار المعقدة والصور المربكة. إنه يقارب عالم الطفولة والصبا الأول بنسيج فريد من نوعه، وكثيراً ما يخدع قارئه العابر ويغريه بمحاكاته، لكنه يظل عصياً على أي تقليد.

من جانب آخر، يذكرني الشاعر بالتغير الذي طرأ على أنماط البناء في المدينة السورية. فخلال فترة الانتداب الفرنسي التي دامت نحو ربع قرن، تغيرت بعض ملامح دمشق العمرانية، إذ بدأ حي الروضة يشهد طرازاً جديداً في فن العمارة، أبرز ما فيه الشرفات المطلة على العالم الخارجي، بينما كان طراز البيت الشامي القديم، والمعروف شعبياً بالبيت العربي، محاطاً بجدران عالية أشبه ما تكون بالأسوار التي تحجب ما في داخله عن العيون المتلصصة والنفوس المتطفلة، وله فسحة مفتوحة على السماء تسمى صحن الدار، وحول الصحن تأتي غرف النوم والطعام واستقبال الضيوف. في واحد من هذه البيوت الدمشقية الأصيلة ولد نزار ونشأ. لكن ثقافته تشربت بالأفكار الجديدة والذائقة المغايرة. فهو في شعره مختلف عمن سبقوه كاختلاف البيت الحديث عن البيت التقليدي القديم. إن المرأة، وبخاصة بنت المدينة، التي خرجت من كهوف الحريم وأغلال الملكية الإقطاعية ودخلت المدرسة لتشق دروبها بحرية وثقة، إلى جانب الرجل، صارت جديرة باهتمام الشاعر وتأكيد حريتها واستقلالها، على طريقته الاستفزازية الصادمة للمشاعر الاجتماعية:
إياك أن تتصوري../ أني أفكر فيك تفكير القبيلة بالثريدِ/ فأنا أحبك.. كي أدافع عن وجودي...
ثم ينتقل الشاعر إلى مرحلة متقدمة أوضح وأرقى في الوعي والمعاملة وصعود السلَّم الحضاري والانتقال إلى الثورة على العبودية والتسلط:
لا أنت من صنف العبيد، ولا أنا أهتم في بيع العبيدِ/ وأنا أحبك في وجوه القادمين لقتل هارون الرشيد...
يبدو أن الشاعر يظلم الرشيد، لكن العبارة ليست أكثر من رمز للسلطة، وهو لا يكتفي بهذا الاعتراف الذي يؤكد على الحرية من خلال قتل الأب لدى (فرويد)، لكنه يدعو المرأة بصراحة للمشاركة في ذلك القتل الذي سوف يحررهما معاً من السلطة الإقطاعية، كما تحرر في الماضي من عصور الرق.أ علي كنعان

وربما كانت «القصيدة الشريرة» علامة بارزة في هتك التابو، وإن تعرض الشاعر لموجات من لعنات الكهنوت المتعصب من حراس الظلام وقضاة محاكم التفتيش. يكفيه صدقاً وإخلاصاً لرؤاه ورسالته أن يمضي مقارباً أقصى درجات الجرأة في تناول الموضوعات المحرمة. ويكفي هنا أن أشير إلى أن نزار قباني هو الشاعر الوحيد الذي كان محظوراً في كثير من البيوت المكبوتة، لكن قصائده دخلت كل قلب وترددت على كل لسان.

خصوصية لغوية

أود أن أتوقف قليلا مع لغة الشاعر، ولو بإلماحة عاجلة. فالشعر مغامرة لغوية في المقام الأول والأساس. لقد خرق الموروث وأزال الحواجز بين الشعري والنثري في الإبداع. وطبع معجمه باسمه الخاص، حتى صارت قصيدته معروفة، ولو لم يضع اسمه عليها. وإذا سهونا قليلا عن إيقاع البحر أو التفعيلة في قصائده، نراه قريباً من النثر ومتشرباً به. وإذا قرأنا نثره يفاجئنا أنه حافل بالصور الشعرية. وفي كلتا الحالين، يظل الشاعر محافظاً على تفرده ونبرة صوته وأريج عبارته ورقة مشاعره.

إن العديد من الكلمات والتعابير الشائعة في الريف وحارات المدن الشعبية لم يكن استعمالها مطروقاً في الشعر، خوفاً من أن تكون عامية أو قريبة من ذلك، ومنها: البيادر، الشراشف، يهرهر، الحصاد، المزراب، النارنج، الميجنا، البترول، الكاميرا، ست الدنيا، الأوف والليا، دشداشة القطن، منفضة الرماد، كوكتيل، كنزة الصوف، مكاتيب الغرام، العزف على الماندولين، الكباد، حبوب الهال، عبير المانوليا، فتوى المجاذيب، طرابين النعناع والزعتر، وبر الكشمير، ورق سولوفان، الأضاليا، نوبات الجنون، ماسات البيانو، شريحة اللحم، بواريد القبيلة، فضلا عن أعضاء الجسد كالنهد، الركبة، الساق، والوبر النامي على سلسلة الظهر... وكثير غيرها. لكن نزاراً أدخلها في نسيج قصائده حتى غدت متداولة في منابر الأدب. وهذه البساطة الندية الرقراقة المشحونة بنكهة جديدة من بوح العشق هي التي جعلت شعره على كل لسان، وبخاصة لدى الأجيال الشابة...!

كنت أتمنى لو أوقف الشاعر موهبته كلها للمرأة والعشق والتحدي. ولئن فاجأنا يوماً بالهجاء السياسي، فإن قصائده السياسية لم تكن في مستوى شعره الأول. لقد أكدت التجربة الحية أن القصائد الإعلامية تموت إثر ولادتها.. ولعلها تولد ميتة، مهما دغدغت مشاعر الجماهير المقموعة وحظيت بإعجابها.

من الذاكرة

قبل أن أنهي كلمتي هذه، خطر لي أن أقارن بين مرثياته الأربع: لأبيه وابنه وأمه وبلقيس، لكني رأيت أنها جديرة بوقفة مستقلة وبحث مستفيض. وأود أن أختتم بالإشارة إلى أن الشعر الذي بدأ بالغناء أعاده نزار قباني إلى دوحة الغناء وأعطاه قيمة جديدة وطلاوة مختلفة. ففي الذكرى الأولى للوحدة السورية/ المصرية، أقامت أضواء المدينة حفلة غنائية أحياها نجوم الطرب في مصر وسورية. وحين صعد الفنان نجيب السراج –المعروف بتواضعه الجم- إلى منصة المسرح، دارت التساؤلات والهمسات وكأنها تستكثر أو تستنكر أن يشترك في تلك الحفلة مطرب لا تشغله الأضواء الساطعة ولا تحتفي به أهواء السوق الفنية. لكنه كان مفاجأة مدهشة في تلك السهرة، إذ استقبل الجمهور مطربه المتألق بإعجاب وتقدير حين انطلق يغني قصيدة نزار «يا بيتها»:
أعطيك من أجلي وعينيا/ يا بيتها.. في آخر الدنيا.

بدأ الغناء رقيقاً هادئاً، كانسياب العاصي في سهول مدينته حماة.. وحين وصل إلى البيت القائل:
«وبلاد آبائي مغمَّسةٌ/ بالميجنا والأوف واللَّياَّ...»
هب الجمهور واقفاً صاخباً ولم يقعد... ونجيب السراج يردد ويعيد، ملوناً باللحن والأداء حسب المقامات الموسيقية التي يقتضيها كل لون من ألوان ذلك الغناء الشعبي المعروف في سورية... والجمهور مأخوذ بهذا السحر الجديد الذي يجمع بين الشعر والغناء ويعيد أطيافاً مشرقة من أمجاد غابرة ما تزال مخبوءة في ذاكرة الأمة.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

August 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
29 30 31 1 2 3 4
5 6 7 8 9 10 11
12 13 14 15 16 17 18
19 20 21 22 23 24 25
26 27 28 29 30 31 1
عدد الزيارات
3685814