الصفحة الرئيسية

د. بهجت سليمان: نظرة تاريخيّة إلى "النّموذج الرّوحيّ المُلهِم" للأمّة.. "الثّقافة" بوصفها حضارة مستمرّة

[الحلقة الواحدة والسبعون "71“ من "سلسلة الفكر الإستراتيجي"]أ بهجت سليمان في دمشق

[نظرة تاريخيّة إلى "النّموذج الرّوحيّ المُلهِم" للأمّة]

["الثّقافة" بوصفها حضارة مستمرّة]

. • د. بهجت سليمان

• لقد اختفى ركنان جوهريّان عند "الفراعنة" من أركان "الحكمة" و "المُلك"، هما: "العلم" و "العدالة": (العدل).. فكان طبيعيّاً أن يندثر تاريخ سياسيّ و ثقافيّ و حضاريّ افتقدَ هذين الرّكنين.


•• بدأ التّاريخُ "الإسلاميّ" مع "العرب" بدايةً "إشكاليّة" عمّقت أسوأ  الصّفات" القادمة من "العروبة" التّاريخيّة، في السّياسة و الاقتصاد و الأخلاق؛

 

يحتاجُنا تطوّرُ الواقع و العالم بما فيه تناقضات المجتمع العربيّ السّوريّ و أشكال "تطوّراته" المختلفة و انحرافات سياقاته عن الانطباعات الذّهنيّة و العمليّة، التي في رؤوس النّقّاد و المثقّفين و المفكّرين السّياسيين، حول مفاهيم الثّقافة و الحضارة العالميّة المتنامية إلى أهدافها الطّبيعيّة في تراكم الإنجازات الإنسانيّة؛

يحتاجنا إلى أن نعيدَ التّأمّل بواقعنا الاجتماعيّ و أصوله التّاريخيّة السّياسيّة التي أدّت إلى هذا الشّكل من "الاحتراب"المعاصر، على الحصر، و بمفهومه الواسع؛
و ليس إلى أيّ شكل آخر غيره من أشكال علاقات "الاجتماع".

و في إطار هذا السّلوك الحتميّ على الفكر الثّقافيّ و السّياسيّ، فإنّ من الأكيد أن يتوجّه التّفكير إلى تعليل الحاضر تعليلاً غير جزئيّ.. بنموذج أو أكثر من الخلفيّات الدّافعيّة التي شكّلت الأساس الذي ارتكزت عليه ظاهرات هذا الواقع الإشكاليّ.

لا تقوم، في الأصل، أيّة دعامة من دعامات الهوّيّة المعاصرة و الانتماء الوطنيّ (أو القوميّ) و إدراك الذّات التّاريخيّة إدراكاً مستمرّاً يصنع الشّخصيّة الحضاريّة، صنعاً متوالياً؛

ما لم يكن ذلك على أساس "مثال" تاريخيّ حيّ، أو "نموذج" متّصلٍ اتّصال الوجود، أو "فكرة" متجسّدة في القيم و السّلوك و خلفيّات المواقف الكبرى التي تشكّل منعطفات تاريخيّة موضوعيّة و ذاتيّة؛

و ذلك ممّا يُصطلح عليه من "النّموذج المُلهِمِ" الذي يقع دوماً في أقرب متناول الوعي المعاصر الذي يمهّد الطّريق إلى مستقبل متين.

و لأنّ الإنسان ليس إلهاً مجسّداً على الأرض، فإنّ إنجازاته هي حصيلة تراكم سليم و طبيعيّ لمجمل عناصر الدّوافع التّاريخيّة على التّقدّم، هذه الدّوافع، نفسها، التي تشكّل مرجعيّة الثّقافة المعاصرة، بوصفها (أي: الدّوافع) مخزوناً ثقافيّاً للشّخصيّة المعاصرة، تَنسجُ على منوال أفضل عناصره و "آلاته"، و تعيد إنتاج أكثر ما فيه من معالم الحاجة إلى الخير و العدالة، هذه المعالم التي تشكّل البنية الدّافعيّة نحو التّقدّم الاجتماعيّ و التّاريخيّ.

نحن نتحدّث على الوضع الطّبيعيّ و الضّروريّ الّلازم من أجل استمرار الكيان التّاريخيّ و تجدّد الكينونة الفعليّة و خلود الحضارة و إسهام مؤلِّفاتِها في الحضارة العالميّة، و لا نتحدّث على أمم و ثقافات و مجتمعات منقرضة أزالتها حركة التّاريخ.

ربّما كان ما قلنا عليه "النّموذج المُلهِم" هو شيءٌ يتضمّن و يتجاوز "الثّقافة" إلى تعبيره عن "روح" حيّ في الأمم و الشّعوب، لا ينقرض إلّا إذا كان هو، في الأصل، روحاً مزيّفاً أو روحاً عدوّاً للحياة و لاستمرارها في الأفراد و المجتمعات.

و إذا كان لا بدّ من أن نأخذ بالاعتبار هذا الجانب "الثّقافيّ" من "الرّوح" التّاريخيّ لأمّة من الأمم أو لمجتمع من المجتمعات الحضاريّة التي قاومت الانقراض و الزّوال؛ فما من شيء يمنعنا من الحديث على "الثّقافة"، نفسها، بوجه عام، لننتقل بعد ذلك إلى الحديث عن الهويّة التّاريخيّة للرّوح المتميّز في خلفيّات الاستمرار و مقاومة الفَناء؛
لننتهي بفحص نقديّ لواقع المكوّن التّاريخيّ للأمّة من حيث هي ظاهرة لا تتبدّد إن لم يتبدّد فيها هذا "الرّوح".

• في "الثّقافة":

تعدّدت النّظرة إلى "الثّقافة" و اختلفت تعريفاتها مع أنّها جميعها ركّزت على البعد التّراكميّ و المستمرّ للصّفات و القيم الخاصّة التي تجعل "الهويّة" شيئاً ملموساً في المخزون و السّلوك.

فهي حسب الأنثروبولوجيّ الإنكليزيّ و أستاذ الأنثروبولوجيا في (أكسفورد)، (تايلور - إدوارد بيرنت) Edward Burnett Tylor))(1832- 1917م)، "تتكوّن من المعارف و المعتقدات و الأخلاق و الفنون و الأعراف و القوانين، و بعض القدرات و العادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضواً في المجتمع".

[انظر: تاريخ الثّقافة العالميّة. دينيس أليكساندروفيتشتشيكالوف (و) فلاديمير أليكساندروفيتش كوندراشوف. ترجمة عماد طحينة].

و هي يجب النّظر إليها بوصفها "تجريداً" (مع الأميركيّينكرويبير (و) كلاكهون)؛ أو كذلك بوصفها "سلوكاً مكتسَباً" ينتقل من جيل إلى جيل، بحسب (فيليشيا كيسينغ).
[المصدر].

و أمّا "الأنثروبولوجيّ الأميركيّ" الشّهير (ليزلي وايت)(1900- 1975م) فإنّ "الثّقافة" عنده هي "عبارة عن فئة خاصّة من الأشياء و الظّواهر التي تعتمد على قدرة الإنسان على التّعبير بالرّموز، التي يتمّ تناولها في السّياق غير الجسديّ".

و لأنّ الأشياء و الظّواهر التي تشكّل "الثّقافة" تقع في زمان و مكان؛ أوّلاً؛ (وفق وايت) كانت "الثّقاقة"، بالتّالي، هي "الإنسان نفسه مع أفكاره و معتقداته و مشاعره و علاقاته"؛

و "الثّقافة" هي "عمليّات التّفاعل الاجتماعيّ للنّاس"؛ ثانياً؛

و هي؛ ثالثاً؛ "الأشياء المادّيّة التي تقع خارج جسم الإنسان، و لكنْ في إطار نماذج من التّفاعل الاجتماعيّ".

تُوَجِّهُ الأميركيّة المعاصرة (شارلوت سيمور سميث)، في مؤلّفها المعروف و الهامّ "موسوعة علم الإنسان – المفاهيم و المصطلحات الأنثروبولوجيّة"، الصّادر في عام (1986م)، نقداً مباشراً لتعريف (تايلور) لِ"الثّقافة"، و الذي سقناه أعلاه، من جهة أنّه "تعريف كلاسيكيّ للثّقافة"؛
ذلك "لأنّ مفهوم الثّقافة – كما تقول (سميث) – قد عُرف و وُظّف بطرق متنوّعة أشدّ التّنوّع، و لا يوجد إجماع تامّ على معناه الدّقيق".

[شارلوت سيمور سميث. "الموسوعة"].

و تعتمد (سميث) على التّنوّع في الإحاطة بمفهوم الثّقافة ما بين بعده الفلسفيّ (الميتافيزيقيّ) (أو البعد فوق العضويّ)، إضافة إلى ما يندرج تحت "عضويّة" المصطلح من أنّه من المهمّ "اعتبار الثّقافة نوعاً من الظواهر التي صيغت في صورة مفاهيم لخدمة الاحتياجات العمليّة و المنهجيّة .

و لكنّ المشكلة الأهم، في نظرنا، كما هو الحاصل مع جميع تعريفات المصطلحات التي تحاول أن تحيط بالظّواهر المفهوميّة، هو مشكلة المخاطر العقلانيّة التي تجتمع فيها عندما توحي التّعريفات بأنّها جامعة أو مانعة؛
و الأفضل، في مثل هذه الحالات، اعتماد المقاربات المفهوميّة باقترانها أو بقرنها بصيغتها العمليّة الاجتماعيّة و السّياسيّة، إذ لا يخلو مفهوم تاريخيّ في مصطلح من بعده السّياسيّ المقصود منه و غير المقصود.

و هكذا، و لأنّنا نبحث جانب الثّقافة، هنا، في مناسبة بحثنا الرّئيسيّ حول "النّموذج الثّقافيّ الموحي" حضاريّاً، سلباً أو إيجاباً؛ فإنّه من الأفضل أن ننظر إلى الثقافة بوصفها "محرّكاً" عضويّاً للشّخصيّة الحضاريّة أو بوصفها، على العكس، كابحاً للتّطوّر؛

و تكون "الثّقافة"، على هذا الأساس، هي مجمل "المحمول" التّاريخيّ بعناصره البيئيّة و الفرديّة و الاجتماعيّة و الدّينيّة و الرّمزيّة و الأخلاقيّة الخرافيّة و الحرفيّة و العمليّة المؤدّية إلى العلاقات مع "الآخر"؛

إذ لا تظهر الاختلافات السّلوكيّة (الثّقافيّة) بين الأطراف بوصفها كذلك، إلّا في علاقة "الذّات" مع "الآخر"، و أيّ في مناسبة "الاجتماع".

و على هذا نحن استبعدنا من التّعريفات التّقليديّة للثّقافة ما يُسمّى بِ"المعرفة" أو "المعارف"، لأنّنا سنضيفها في السّياق إلى مجمل الإنتاج الفرديّ و الاجتماعيّ و العلميّ، و كلّ هذا كما هو واضح، ينبو عن كونه من عداد "الثّقافة" التي تشكّل، في النّهاية، "الرّأي" و "الدّافع" و "الانطباع" و "السّلوك" و "ردود الأفعال"، و كلّ هذا لا تدخل فيه تشكيله "المعارف" أو "العلوم".

شكّلت ثقافاتُ الأمم الحيّة كياناتٍ غنيّة بعوامل التّفاعل مع التّطوّرات الحضاريّة التي تبادلت مع ثقافاتها آليّات الخلق المتجدّد للشّخصيّة القوميّة أو للهويّة الأثنوغرافيّة في امتداد زمنيّ حافل بالحيويّة و الدّيناميّة و تكديس الصّفات القابلة للتّطوّر و البقاء؛

و ذلك على الرّغم من أنّ الكثير من الأمم و الشّعوب قد عانت مشكلات مبرّحة و اختبارات تاريخيّة صعبة أو مستحيلة.

لقد استطاعت تلك الأمم تحقيق "المراكمة" التّطوّريّة التّاريخيّة على رغم عوامل الانقطاع التي شكّلت حيناً معتبراً من حياة شعوب و مجتمعات تلك الأمم، فتغلّبت فيها عناصر القوّة الكامنة فيها على أسباب العزلة و الضّعف و التّردّي في التّشرذمات المتوالية و الانقسامات التي لا تنتهي؛

حيث تمكّنت تلك الشّعوب من صناعة و اعتماد "مادّيّات" ثقافيّة موحِّدة خارج "البيولوجيا" و "الفيزيولوجيا" و "السّيكولوجيا"، في هيئة صور ثابتة و نصوص دائمة و إحالات مقبولة، استطاعت أن تصنع منها مرجعيّات للذّاكرة و دوافعَ للتّقدّم و جذور مستقرّة للمعرفة.

إنّ البنية "الثّقافيّة" لطالما كانت من عداد البنى المؤهّلة للانقسام و العزلة، باعتبارها مرتبطة بالسّيكولوجيا الفرديّة و الجماعيّة، و ذلك ما لم تعزّزها "المعرفة" التي تنبني عليها في مواضع ثابتة، و تفتح أمامها مشروعيّات و مشاريع الحاجة إلى التّقدّم و المضاهاة في إطار المنافسة و التّحدّيات؛

أو ما لم يبزغ من خلال أضعف الأطراف العضويّة للمجتمع الثّقافيّ، ما ينفرد عن "الكفايات" المزيّفة للثّقافة، و ذلك عندما تصبح حاجة الجماعة أو الأمّة تتطلّب قطعاً كاملاً مع "الماضي" الاتّفاقيّ الذي تفاقم في "الثّقافة" حتّى عاد سدّاً أمام الحرّيّات العقلانيّة التي تفضي إلى "المعرفة".

عند الوقوف على معالم تاريخ الأمم الحيّة، القديمة - المعاصرة، يلاحظ المتأمّل أنّ ثمّة أسباباً جوهريّة و أساسيّة – و ليس "سبباً" واحداً - مكّنت تلك الأمم من الانتقال من الماضي السّحيق إلى حضارة "المعاصَرة"، على نحو ثابت لم يعد يُخشى عليها من أيّة ردّة أو إخفاق أو فشل يعود بها القهقرى إلى التّخلّف.

ففي "الصّين" القديمة، مثلاً، اجتمع التّحدّي الخلاق لظروف "المناخ" القاهرة، إلى جانب التّنظيم "الحازم" للدولة "الأبويّة" (أو ما تسمّى "البطريركيّة") لمالكي العبيد، المبكّرة ، منذ أوائل الألف الثّانية قبل الميلاد؛ إضافة إلى الاستحداث المبكّر للملكيّة الخاصّة ما أجرى تغييراً نوعيّاً على زراعة الأراضي باستخدام العبيد الزّراعيين (الأقنان)، و تشييد أنظمة قنوات الرّيّ، و تطوير الصّناعات الحرفيّ المبكّرة؛

و ما رافق هذه التّطوّرات من ظهور المذاهب الفلسفيّة التي كانت مقدّمة تمهيديّة لِ"الكونفوشيوسيّة" و "الطّاويّة" بما تضمّنتا من قيمٍ أخلاقيّة و تنظيميّة اجتماعيّة للعلاقات المادّيّة و الرّوحيّة في ما بين الأطراف المختلفة التي دخلت في تنظيم شديد و قادر على التّطوّر ، كان بذرة سليمة لتطوير و تطوّر الأخلاق العمليّة و النّظريّة التي رافقت "الصّينيين" حتّى يومنا هذا الذي صارت فيه أخلاق التّنظيم الاجتماعيّ في (الصّين) أعجوبة من أعاجيب الحضارة.

في القرن السادس قبل الميلاد صاغ (لاوتسو) (Laozi) تعاليمه المعروفة التي دوّنها أتباعه في كتاب "الطّريق و الفضيلة" أو (التّاو أو الطّاو) (Dao)..

[يقول (لاوتسو) فيه: "من الوجود و العدم جاء كلّ شيء؛ و من المستحيل و الممكن جاء الإنجاز؛ و من الطّويل و القصير جاء الشّكل".

["الأصوات العالية سويّة مع المنخفضة تشكّل الانسجام؛ و السّابقُ يُخضِعُ الّلاحق".

["عندما يصل الإنسان إلى الّلافعل، فإنّ شيئاً لن يكون دون أن يُفعل"].

[انظر: تاريخ الثّقافة العالميّة. مصدر مذكور].


في النّصف الثّاني من القرن الثّالث قبل الميلاد توحّدت الصّين مرّة أخرى في دولة واحدة قادها أوّل ملك صينيّ هو (تشين شيهوانغ دي)؛
فعاد و تجسّد صراع المصالح الطبقيّة، مع صراع الأيديولوجيّات المحموم في تطوّر المذاهب الفلسفيّة و الدّينيّة و السّياسيّة.
و لخشية الملك (شي هوانغ دي) من "انتفاضة شعبيّة"، قسّم امبراطوريّته إلى مناطق و كلّف موظّفين بإدارتها، و أمر بتجريد الجميع، ما عدا الجنود، من الأسلحة.
و برأي المتعلّمين الصّينيين فقد كسر "الملك" القوانين القديمة جميعها ، فقام بحرق جميع الكتب المتداولة. و كما يقول المؤرّخ (توينبي): "لقد كان التّعبير التّقليديّ عن "المستقبليّة" في الميدان الثّقافيّ أنْ تمثّل بالعمل الرّمزيّ لإحراق الكتب؛

"ففي العالم الصّينيّ أحرق الإمبراطور شي هوانغ دي الأعمال الفلسفيّة الأدبيّة التي ازدهرت في الأوقات العصيبة، لأنّه خشي من أنّ الأفكار الخطيرة يمكن أن تشوّه مشروعه للنّظام"!

ربّما يتجاوز الأمر ظاهره إذا فهمنا أنّ خصوصيّة الفلسفة الصّينيّة هي في أنّ المكان الرّئيسيّ فيها احتلّته قضايا الطّقوس و الأخلاق و الإدارة و العلاقات بين الحكام و المحكومين و ما شابه ذلك، الأمر الذي تجلّت نتيجته في الطّبيعة العمليّة للفلسفة ذاتها.

[المصدر المذكور].

و هكذا، فإنّ الظّروف الشّاقة للنشأة و التّحدّي الخلّاق للطبيعة المتجبّرة، و الحزم و الحكمة و بعد الأفق العقليّ، و الفلسفة النّظريّة العمليّة في التّكوّن الثّقافيّ؛ هو هذا ما يمكن أن نسمّيه بالنّسبة إلى الصّينيين القدماء، في حضارتهم المستمرّة و المعاصرة، "النّموذج التّاريخي الموحي" أو "النّموذج الرّوحيّ الثّقافيّ الموحي" عبر التّاريخ.

إنّ السّند الفلسفيّ لتفكير أيّ شعب من شعوب العالم كافٍ لتكون واثقاً من طبيعة تكوين ميول و ذوق و عقل و عاطفة و سايكولوجيا هذا الشّعب، ذلك لأنّ الطّبيعة الفلسفيّة لروح الأمّة هي ما يجعل الأفكار تدخل مبكّراً في تاريخ الأمم في طور العقلانيّة.
ف العقلانيّة هي الشّرط الّلازم الأوّل لمشاركة الأفراد و الشّعوب حالة الحضارة العالميّة و المدنيّة، و للإسهام في صناعة حضارة العالم و التّاريخ بالثّقافة التي توفّرها الفلسفة في بيئة الرّوح الزّمنيّ - المكانيّفي موضعه و علاقته مع العالم.

إنّ التّكوين الفلسفيّ لروح أمّة من الأمم يكفي ليكون ضامناً لطريقة استمرار الرّوح الثّقافيّة كنموذج من النّماذج الدّافعيّة الحيّة من أجل الاستمرار و المعاصرة؛ و ذلك فقط إذا توفّر لهذا الرّوح الفلسفيّ الشّروط الأخرى التي توفّر الكفاية للّزوم؛

و ربّما دخلت أسبابٌ أخرى في ذلك تتوزّع بين أن تكون "متوفّرة" (و ربّما كسلبيّات ظاهريّة) عند جميع شعوب الأرض، و بين أن تكون "حكراً" (أو امتحاناً) على شعب أو شعوبٍ دون أخرى، و منها على سبيل المثال الطّبيعة الرّمزيّة للثّقافة التي يحتلّ فيها "الطّوطم" درجة رفيعة في سلّم التّفكير المجرّد الباقي على العصور، و الحوض الطّبيعيّ المانع من تشتّت النّزوعات الإنسانيّة نحو التّفتّت الفرديّ المبكّر الذي يقف حائلاً دون مراكمة الصّفات و تكريس الحاجات على شكل تحدّيات لا يمكن الفرار منها في الأمزجة المختلفة على طبيعة الاستجابة و التّحفيز.

في هذا السّياق تعود آثار "الثّقافة" في (الهند) إلى الألف الثّالث قبل الميلاد؛ حيث كانت الكتابة معروفة في حوض نهر السّند لنوع من الشّعوب ممّا قبل "الآريّة"، أو الشّعب "الدّرفيديّ" الأصليّ في ذلك المكان.

هنا ، على العكس تماماً، من ظروف الصّينيين القدماء، فقد توفّر للهند القديمة ظروف مثاليّة من الزّراعة و الرّيّ و خصوبة الأراضي المزروعة، حتّى أنّ الأراضي كانت تُعطي "المحاصيل" لعدّة مرّات في السّنة الواحدة.

و بشكل مبكّر عرف الهنود استراتيجيّات الدّفاع العسكريّة التي جعلت من عامل الاستقرار و الأمان عاملاً جوهريّاً في تطوّر الحضارة الهنديّة.

و يكتب (ديودوروس)، المؤرّخ اليونانيّ – الصّقلّيّ (90- 30 ق. م)، فيقول:
"و بالمثل، فإنّ وفرة الثّمار التي تقدّم الغذاء ساعدت النّاس على التّميّز بالصّلابة و الضّخامة . و إضافة إلى ذلك، ينبغي الإشارة إلى أنّهم كانوا متمرّسين في مجال الفنون، ربّما لأنّهم يتنفّسون هواء نقيّاً، و يشربون ماء رائع التّركيب".

[تاريخ الثّقافة العالميّة. مصدر سابق].

بعد اختلاط "الآريّين" الوافدين إلى المكان بِ"الدّرفيديين"، في نهاية الألف الثّانية قبل الميلاد، ظهرت أول معالم "الثّقافة" في نصوص "الفيدا" الدّينيّة (Vedas) (أو "المعرفة").

جاءت "البراهمانيّة" كوريثة مُنَوَّعَةٍ على "الفيديّة"؛

كان (براهمان): (المطلق)، في شريعة (مانو)، "الأبّ الأسطوريّ للنّاس"، هو من "قسّم النّاس إلى طبقات"، إلّا أنّ جميع "طوائف" الأرض، هي "أجزاء مختلفة من جسد براهما"؛

و ظهرت عندها، مبكّراً، قواعد الحساب و المؤلّفات الدّينيّة و الفلسفيّة في "الأوبانيشاد" التي وضعت عقيدة الدّور "الأبديّة" للحياة؛

ثمّ ظهرت في الألف الأولى قبل الميلاد "البوذيّة" التي كانت (الهند) مهدها الأوّل منذ القرن الخامس قبل الميلاد، في فترة كان فيها قد نشأ فيها الصّراع الحادّ بين جميع شرائح المجتمع.

و هكذا فإنّ "الهند القديمة تنتمي إلى البلدان ذات الثّقافة العالية، حيث كان الهنود القدماء على دراية كبيرة بعلم الفلك (...) و حيث عرف الهنود مبكّراً و بشكل مستقلّ أن لدى كل من الشّمس و الأرض محوراً خاصّاً للدّوران، كما كان لدى الهنود كتابة تقوم على خمسين حرفاً، و هي أسهل من المسماريّة أو الهيروغليفيّة، و شهدت الهند تطوّراً مقدّساً لعلم النّحو، و في الهند اخترعت الأرقام التي اعتدنا على تسميتها بالأرقام العربيّة، و اخترع الهنود لعبة "الشّطرنج"، و شيّدوا المباني العالية و الرّائعة، و التّماثيل الجميلة للحيوانات و للبشر، و كان لدى الهنود أدب رفيع، و اشتهروا بإبداع الرّقص و الغناء".

[المصدر].

من الملاحظ أنّنا أمام "ثقافة" عريقة و "معرفة" مبكّرة بالعلوم و الحقائق، سابقة كثيراً على شعوب العالم، مع توافر جملة من الظّروف و المقادير المختلفة التي تركت أثرها في روح "الشّعب" حتّى امتلك هذا "النّموذج" المستقلّ من "الدّوافع" التي كانت كافية من أجل استمرار الرّوح الثّقافيّة الهنديّة، و وقوفها، اليومَ، وقوفاً ندّيّاً مع "الآخرين" الذين يصنعون حضارة العالم المعاصرة، على أساس من العلم و المعرفة و الحكمة و الجمال.

ربّما كانت المؤامرات السّياسيّة و الانقلابات الدّمويّة التي حصلت في مصر الفرعونيّة، في "العهد الثّاني للإمبراطوريّة"، و بعد أن أجهز (حورمحب) على إنجازات "العبقريّ" (إخناتون) (حوالي النّصف الثاني من الألف الثّاني قبل الميلاد) في، و انقلابه على "التّوحيد" الإخناتونيّ إلى عقيدة (آمون) ثانية، و تآمر أحفاده، من بعده، بعضهم ضدّ البعض الآخر، و قيام (رمسيس الثّاني) بقتل أخيه (سيتي) و اغتصاب الملك منه، و العودة إلى "السّياسات الاستعماريّة" تجاه (آسيا) و (أسيا الصغرى) بالاعتماد على "المرتزِقة" في صفوف المحاربين؛

و ذلك على رغم "المعاهدة الشّهيرة" التي وقّعت بين الفرعون (رمسيس الثّاني) و (خيتاسار) ملك "الحيثيين"، و الاتّفاق فيها على "سلام دائم" بين "الحيثيين" الآسيويين و "الفراعنة" المصريين؛

أقول: ربّما كان كلّ ذلك بداية لتراجع "المصريين" و تقهقر قوّتهم و بداية أفول نجمهم، حيث بدأ "الجيش المصريّ" منذ ذلك الوقت بالانشغال بالدّفاع ضدّ الغزوات الخارجيّة و صدّ هجوم الأجانب.

أخذت "الأمّة المصريّة" تضمحلّ، و بدا أنّ همّة "الرّمامسة" (نسبة إلى وارثي رمسيس الأشهر، الثّاني) غير كافية لإرجاع شأوها "العظيم" القديم، فأخذت الإمبراطوريّة بالضمحلال في آواخر عهود "الرّمامسة" (أبناء و أحفاد رمسيس)، في دولة كانت أن أصبح معظم أفراد جيوشها من الأجانب و المرتزقة؛

هذا بالإضافة إلى "العوامل الدّاخليّة" التي كانت تحتاج إلى "الحزم" المفقود و حاكم قويّ و حذق و ماهر و شديد، أمام ظهور أمراء البلاد بشيء من الغطرسة و التّكبّر و الإكثار من الأجانب في الحاشية الملكيّة، و شدّة نفوذ الكهنة و تعدّد المطالبين بالعرش..

[انظر: تاريخ مصر من أقدم العصور حتّى الفتح الفارسيّ. تأليف جيمس هنري برستد. ترجمة الدّكتور حسن كمال].

بدأ عصر الانحدار الفرعونيّ منذ عام (1200 ق. م) تقريباً، تخلّل هذه الفترة حكم قويّ دافع عن مصر ببسالة و هو عهد (رمسيس الثّالث) المتوفّى عام (1176 ق. م)، و الذي دام حكمه (32) عاماً.

توالى بعدها على حكم (مصر) حكومات هزيلة و ملوك ضعفاء من "الرّمامسة" انتهت بأن تحكّم "الّليبيّون" و "الأثيوبيّون" بسلطات مباشرة و حكم أجنبيّ على (مصر)؛
و ذلك إلى أن كان (تجلّات بليسر الثّالث) على عرش "مملكة الفرات" في (آشور) في بداية القرن الثامن قبل الميلاد ، فضمّ إليه "غرب آسيا" كلّه و وصل إلى حدود (مصر)، حتّى توفّي و جاء بعده (شالمنصر الرّابع)، و لم يعمّر طويلاً، إلى أن جاء (سرجون الثّاني العظيم) (722 ق. م) على عرش (آشور)؛

لم يحتلّ (تجلّات بليسر الثّالث) أو (سرجون الثّاني)، (مصر) نظراً لتاريخها المجيد [المصدر السّابق]، و لكنّ انقلبت الآية، فبعدما كان "الآسيويّون" يقدّمون "الجزية" للمصريين، صار "المصريّون" يقدّمون الجزية للآشوريين؛
إلى أن جاء (سنّاشريب) ، (إبن سرجون الثّاني)، بعد وفاة والده عام (705 ق. م)، الذي زحف على رأس جيشه الذي أخضع تمرّداً للسّوريين و اليهود و المصريين و الّليبيين و الأثيوبيين، ضدّه، و انتصر عليهم انتصاراً ساحقاً فيما كانوا يُعدّون لغزو (نينوى)؛
ثمّ ما لبثت (آشور) أن بسطت نفوذها على (مصر) كاملة، بحدود عام (670 ق. م).
في ما بعد، و بعد أن توفّي (نبوخذر صار) البابليّ القويّ، عام (562 ق. م)، اختلّت المعاهدة بين "الميديين" (أبناء عم الفرس) و بين "البابليين"؛

و في عام (550 ق.م) أسقط (كيروس) الفارسيّ، الذي كان ملكاً على (أنشان)، الأسرة المالكة في (ميديا) و عزل ملكها، ما أضعف من مركز (بابل) حليفتها.

استشعر الجميع خطر (كيروس) الفارسيّ، و تجمّع في مواجهته، "المصريّون" مع كافّة أمم الغرب، لما توجّسوه فيه من الوجل المخلوط بالإعجاب؛

اتّحد في عام (547 ق.م) كلّ من (أمازيس) ملك (مصر)، مع (كريسوس) ملك (ليديا)، و "الإسبارتيين" في الغرب، و ملك (بابل) (نابو نعيد) ، كلّ ذلك لصدّ نفوذ (كيروس) الفارسيّ؛
و لكنّ كلّ ذلك لم يمنع من أن تتّجه قوات (فارس) إلى "الاستعمار" و "الغزو" ، بعدما قضت قروناً عديدة حبيسة بين تلال مملكتها.

[المصدر السّابق].

أخضع (كيروس) الفارسيّ، (بابل) في (539 ق.م)، و بزغت شمس زحف (فارس) في أفق التّاريخ على أطلال المملكتين السّاميّتين الّلتين نشأتا في (بلاد النّهرين) (البابليّون و الآشوريين)، و على أطلال ممالك (آسيا الصّغرى)؛

و في عام (525 ق.م) وصل (كيروس) الفارسيّ إلى (مصر)!

نلاحظ من هذا الاستعراض التّاريخيّ الموجز أنّ "المصريين" بدأوا بالتّراجع على الزّمان في كلّ من "المركزيّة" و "الدّين" و "الفلسفة"، منذ (إخناتون) الملك الفرعون المُوحِّد و الحضاريّ المُبكّر؛

و لقد انتهى المطاف بهم إلى المحاربة بالمرتزقة؛

و أخيراً و في زمن آخر ملوكهم (أمازيس) و إبنه (بسامتيك الثّالث)، قبل سقوطهم أمام "الفرس" في (525 ق. م)، كانوا أن تخلّوا عن كلّ تقليد أصليّ للأمّة، و بخاصّة عندما كان (أمازيس) الملك قد رفع "الكلفة" أو "التّكليف" بينه و بين بعض "حجّابه" و "خدمه"، فكان يدعوهم إلى منادمته و مشاركته الطّعام و الشّراب؛

[المصدر السّابق].

فلقد كانت (مصر) قد سقطت، إذاً، قبل وصول (قمبيز) الفارسيّ بجيشه الجرّار إلى أبواب (بلوسيوم) (Pelusiun) .

[المصدر السّابق].

*ملاحظة: [المعنى الأصليّ للكلمة ( بلوسيوم – Pelusium) بالقبطيّة "بيت آمون"؛ و هو إسم مدينة مصريّة، أيضاً، قرب (بورسعيد)].

نلاحظ، هنا، تاريخاً انحداريّاً و هابطاً للمصريين القدماء، مقارنة مع حضارتين سابقتين، استعرضنا تطورهما، في (الصّين) و (الهند) القديمتين، و ذلك، في رأينا، ما جعل "النّموذج" الرّوحيّ المحفّز في ثّقافة الأمّة، يندمل في وعورة الأزمنة و الأحداث و أسباب أخرى، إذ لم يلق له، في "الفراعنة"، حاملَه "المناسب" و "الأمين".

لقد اختفى ركنان جوهريّان عند "الفراعنة" من أركان "الحكمة" و "المُلك"، و هما "العلم" و "العدالة" (العدل)، فكان طبيعيّاً أن يندثر تاريخ سياسيّ و ثقافيّ و حضاريّ افتقدَ هذين الرّكنين.

في المقابل كان "الفرس" أو "الإيرانيّون" [لفظة (إيران) أعمُّ ،أثنولوجيّاً، من لفظة (فارس) أو (الفرس)]، قبل "الإسلام"، قد عبدوا أكبر "آلهتهم"، (مِيثرَا - Mithras) أو "الإله الشّمس" بوصفه مقروناً إلى أنّه "العدلُ" و "الخلاص".
و تأكيداً على أنّ "الإيرانيين" القدماء قد أدركوا أهمّيّة "العدل" في سياسة شؤون البلاد و العباد ، يورد الجغرافيّ و المؤرّخ الفارسيّ(إبن البلخي) (عاش في القرن الثّاني عشر الميلاديّ) مؤلّف كتاب "فارس نامه" (تاريخ فارس)، أنّ قوماً سألوا (النبي محمّداً) نبيّ الإسلام: "لماذا هلك جميع القرون كعاد وثمود و أمثالهم، سريعاً، بينما دام مُلك الفرس طويلاً، رغم كونهم عبدة نار ؟ فأجاب النّبيّ (السّيّد محمّد): لأنّهم عمّروا البلاد، و عدلوا في العباد".

[فارس نامَه. ص(21)]

في الفلسفة و الدّين تدور "المجوسيّة"، بوصفها كانت الدّيانة الرّسميّة للدّولة، وفق (الشّهرستانيّ) "شيخ مؤرّخي الفكر الدّينيّ" – كما يصفه المؤرّخون – [انظر: معتقدات فارس و معتقدات أسيويّة - د. كامل سعفان . ص(90- 91)]؛ و بعيداً عن الثّقافات الشّعبيّة الخرافيّة عند "العامّة" من النّاس؛ تدور، في الأصل، "على قاعدتين: إحداهما بيان بسبب [سبب] امتزاج النّور بالظُّلْمة، و الثّانية سبب خلاص النّور من الظّلمة، و جعلوا الامتزاج مبدأً، و الخلاص مَعاداً".

[المصدر المذكور].

و النّاظرُ إلى رقيّ هذه النّظرة الفلسفيّة الفيزيائيّة إلى العالم ،وحدَه، يدرك الفكر العادل في "المجوسيّة"، هذا على رغم أنّها لا تجيب على أسئلة أعمق، من باب: "كيف أنّ للنّور أن يُحدِثَ الظُّلمَةَ، طالما أنّه لا يجوز للمبدأين صفة "الأزليّة"، فيما "النّور" لا يُحدِثُ شرّاً جزئيّاً؛ فما هو أصل الشّر؟".

لسنا داخلين هنا في "الفلسفة" الخالصة، و لرّبما ندخل هذا المدخل في مناسبات أخرى؛

و لكنّنا نستعرض أسباب تمايز الثّقافات الرّوحيّة بين بعض الشّعوب القديمة التي أنشأت "النّموذج" المستمرّ للدّيمومة، فيما نستعرض أسباب إخفاق "البعض" الآخر عن الاستمرار، فانحدر في الانقراض، لعدم تمكّن روح "الشّعب" من اجتراح "النّموذج الموحي" في استمرار الأمّة.

كانت "المجوسيّة" هي الدّيانة الرّسميّة – إبّان حكم بني ساسان، منذ (أزدشير) حتّى سنة (227م) – "و كان رئيسها هو ثاني رجل في الدّولة بعد الملك".

[المصدر المذكور].

نقف من خلال هذه "المعلومة"، إذاً، على "حقيقة" مبكّرة من حقائق "الثّقافة" الفارسيّة التي قاومت الزّمن و تغلّبت عليه، و هي حقيقة التحاق "الدّينيّ" بِ"الزّمنيّ" في ما يخصّ أحوال الملك و الحكم و السّياسة، إذ كان "رئيس الهيئة الدّينيّة المجوسيّة"، إذا صحّ القول ، تابعاً للملك الحاكم السّياسيّ، و ليس العكس.

بالمفاهيم المعاصرة، يمكننا أن نطلق على هذا النّوع من الحكومات أو الدّول أو المَلَكيّة، صفة "العلمانيّة" المبكّرة، أو "الحكومة المدنيّة"، و ربّما نستطيع أن نذهب إلى أبعد من هذا فنقول إنّ هذا الشّكل من "الملكيّة" هو أقدم أشكال الحكومات أو الدّول التي قامت على أعرق فلسفة "برغماتيّة" ( عمليّانيّة واقعيّة نفعيّة) قبل أن تطرحها الفلسفة المعاصرة كحلّ أخلاقيّ سياسيّ جريءٍ في تعقيدات السّياسة و الأخلاق.

يتّفق قولنا في استنتاجنا هذا مع ما ذهب إليه مؤلّف كتاب "المعتقدات الدّينيّة لدى الشّعوب"، حيث أن "الإله" (ميثرا –Mithras) أو "الإله الشّمس" الذي ذكرناه، أعلاه، كان بالإضافة إلى أنّه مقرونٌ إلى "العدل" و "الخلاص"، فإنّه، أيضاً، كان "يُعبدُ في إيران كإلهٍ للعقود و الاتّفاقيّات".

[المعتقدات الدّينيّة لدى الشّعوب. مشرف التّحرير: جفري بارندر. ترجمة: د. إمام عبد الفتّاح إمام. مراجعة: د. عبد الغفّار مكّاوي. ص(98)].

و يذهب (بارندر) إلى أنّ كلمة (ميثرا) "تعني، فعلاً، العقد أو الاتّفاق".

و إله "العقود و الاتّفاقيّات"، هذا، من شأن عبادته أن تبعث عادات الحفاظ على "الحقوق" و على "النّظام"، و تقضي على "القوى المفرِّقة"، قوى الشّر و الغضب و الجشع و التّكبّر و المماطلة. و لقد كان هذا: الإله" محارباً قوياً و جباراً و شجاعاً و يمنح الثّقة و الشّجاعة للفرسان المحاربين الذين و هم على ظهور جيادهم في طريقهم إلى المعارك.

أمّا عن الدّيانة "الزّرادشتيّة" فهي جزء في إطار "المجوسيّة" التي تعتبر أنّ (زرادشت) [الذي خلّدَه (نيتشِه) في كتابه "هكذا تكلّم زرادشت"] "هو النّبيّ الآخِر أو الأخير، بعد اعتبارها أنّ المبدأ الأوّل من الأشخاص هو (كيوميرث)، و ربّما يقولون (زروان) الكبير".

[ انظر : معتقدات فارس و معتقدات آسيويّة – د. كامل سعفان. ص(91)].

و بحسب (بارندر – مصدر مذكور سابقاً) فقد كان (زرادشت) قد مارس نشاطه في شمال شرق إيران، و يؤرّخ له، تقليديّاً، بِ(628- 551 ق. م)؛
و الواقع أنّه ربّما عاش في فترة مبكّرة عن ذلك التّاريخ.

أثارت عاطفة "الحبّ" و "التّقوى" عند (زرادشت)، في تعليمه المبكّر ، بخاصّة ، عداوة خصومه ما اضطرّه إلى الهرب. و في موطنه الجديد وجد تلميذاً له في صورة حاكم محلّيّ هو (فشتاسبا –Vishtaspa) ، و أصبح (زرادشت) منذ ذلك الوقت شخصيّة على درجة كبيرة من الأهمّيّة في ألمور المحلّيّة.

[المصدر].

ببساطة نحن أمام ميزة فلسفيّة واقعيّة تنمّ عن أثر "الحكمة" في التّقليد الفارسيّ التّاريخيّ، من جهة أنّه يُراد، بهذا التّعليم، و بغضّ النّظر عن واقعيّته أو غير ذلك، أنّ على "السّياسة" أن تزدان بالحكمة و أن تخضع لها و أن تتعلّم عليها، أيضاً. و عندما نعرف الأثر "الزرادشتيّ" في الفكر الفلسفيّ الفارسيّ و الإيرانيّ، ندرك أهمّيّة ما جعل هذا الأثر أحد مكوّنات "النّموذج الرّوحيّ الموحيّ" عند "الإيرانيين" الذي جعل من ثقافتهم نموذجاً حضاريّاً مستمرّاً لم يطلهُ الانقراض.

يمكن لنا الاسترسال التّاريخيّ في التّنقيب عن صفات "النّموذج" الرّوحيّ، الثّقافيّ، القوميّ، الموحي باستمرار لمقاومة قوى الاضمحلال التّاريخيّ للفرس (الإيرانيين)، و بالإصرار على "الوجود" الحضاريّ في عالم ينتخبُ، بطبيعته، الأقوى و الأكثر معرفة و الأكثر قدرة على العمل و الإنتاج و مضاهاة (و منافسة) الآخرين.

و إذا كان لنا أن نقف عند الرّوح القوميّ، العربيّ – الإسلاميّ، فإنّنا نستطيع أن نجادل بأنّ "المنطلقات" التّاريخيّة لتكوّن "النّموذج الموحي" في الثّقافة و الرّوح العربيّ الإسلاميّ، على مرّ التّاريخ، كانت منطلقات ثابتة و راسخة في التّقاليد الزّمنيّة منها و "الإيمانيّة"..
لم نقل "الإسلاميّة"، ذلك لأنّ التّاريخ "الإسلاميّ" بدأ مع "العرب" بداية "إشكاليّة" عمّقت أسوأ "الصّفات" القادمة من "العروبة" التّاريخيّة، في السّياسة و الاقتصاد و الأخلاق؛

و فضّلها على غيرها من أعظم الصّفات التي اشتهرت بها "العرب" كثقافة تاريخيّة، تمتدّ، ربّما، إلى آلاف السّنين.

إنّ "الإشكاليّة" التّالية في "الإسلام" ، و الانقسام الثّقافيّ العمقيّ، و الأفقيّ، المبكّر في تاريخ "الدّعوة"..، و من دون الدّخول في التّفاصيل التي أصبحت معروفة للجميع، قد لازمت مكوّنات "النّموذج" الثّقافيّ و الرّوحيّ العربيّ، في تاريخه الطّويل؛
بحيث أنّها بقيت "إشكاليّة"، تحريميّة و "تقديسيّة" و "تكفيريّة"، هي بحدّ ذاتها "موحيّة" بالتّشتّت و الانقسام و الضّعف، بدلاً من أن تدخل في حريّة القناعات المحميّة بالعدالة السّياسيّة و الاجتماعيّة لتصبح مكوّناً ثقافيّاً حقيقيّاً و مانحاً الآفاق، و بدلاً من أن يتحوّل إلى "انغلاقات" ثقافيّة و اجتماعيّة و سياسيّة، صار تبنّيها المنافق و الكاذب، بحدّ ذاته، نموذجاً حيّاً و احترابيّاً على مرّ التّاريخ.

نحتاج إلى الكثير من "الموضوعيّة" التي هي، هنا، تتضمّن "الحياد"، لنكون قادرين على "الحكم التّاريخيّ" السّياسيّ و الثّقافيّ، اتّقاء مغبّة دخولنا في "الحتميّات" التّاريخيّة المزيّفة، و "اليقينيّات" السّهلة(!)، و تلك التي يستسهلها مثقّفونا و مفكّرونا السّياسيّون ، في هذه الأيّام.

على رغم كلّ المظاهر الواقعيّة و الفعليّة للإشكاليّة الثّقافيّة السّياسيّة و الاجتماعيّة و الرّوحيّة، العربيّة- الإسلاميّة؛ فإنّه لنا، أيضاً، و واجباً علينا، أن ننظر بعين مختلفة، بالمطلق، إلى ما نعانيه، اليومَ، ممّا تخوّفنا منه، و نتخوّف، أيضاً، و دوماً؛
لنلاحظ أنّ الكثير من أحكامنا (و أعني أحكام مثقّفينا!)، هي ليست أحكاماً "عقلانيّة"، بخصوص المآل التّاريخيّ للنّموذج الحضاريّ العربيّ- الإسلاميّ.

إنّه على رغم جميع عهود القطع الحضاريّ التي باغتت العرب المسلمين، أو التي دخلوا فيها لأسباب مختلفة ، منذ نهاية العهد الأمويّ، اجتماعيّاً و سياسيّاً، و ذلك مع اتّصالات ثقافيّة و أيديولوجيّة تعود إلى زمن "الدّعوة المحمّديّة"، بالذّات، و بعيدها، أيضاً؛

مروراً بالوهن العبّاسيّ المتأخّر و الاندثار "العثمانيّ" الذي مارسته "الامبراطوريّة السّلجوقيّة الطّورانيّة التّركيّة و العثمانيّة" على الأمّة العربيّة؛

مع ذلك الخلط الأحمق التّاريخيّ الإسلاميّ للاستعمار و الاحتلال بالفتح "الإسلاميّ العثمانيّ"؛

وصولاً إلى انقضاض دول الاستعمار العالميّة الحديثة و المعاصرة على هذه الأمّة الصّابرة في شخوص و رجالات فيها هم من العظماء في كلّ حال؛

إنّه على رغم كلّ هذا، و غيره من فقدان الأدوات و الوسائل الحضاريّة، في ظلّ قهرٍ دوليّ (أو ما يمكن أن نسمّيه كذلك!) و نهش مباشر للحوم العرب على الملأِ؛ فإنّه لم يستطع التّاريخ أن يجعل من ثقافتنا الرّوحيّة أو من روحنا العربيّة كائناً منقرضاً، و ذلك إذ لطالما حاول "العالم" و يحاول اليوم.

لا نستطيع أن نقول إنّنا أمّة حاضرة بموجب نموذجها الرّوحيّ الثّقافيّ الموحي، و لكنّنا، في الوقت نفسه، لسنا أمّة منقرضة كما يُحاول أن يسوّق لنا "العالم" و كما يستقبل البعض منّا، بحماقة كبيرة، هذا الخطاب العالميّ!

لنا في "الثقافات" الحضاريّة العالميّة، العريقة، المعاصرة، أسوة؛ كما أنّ لنا فيها عضداً قويّاً و مساعداً.

ينقصنا الكثير؛ و لكنّنا عندما نعلّل أسباب و مظاهر هذا النّقص الهائل، فإنّنا نكون قد وضعنا أنفسنا على أول الطّريق، و عندها سنكتشف أنّنا أمّة حية، فعلاً؛
و هذا إذا كان مقياس "الموت" و "الحياة" الأوّل هو القدرة على التّفكير و الدّخول مباشرة إلى نادي العقلانيّة العالميّة و تقاليدها الخاصّة المعروفة و المبتكرة؛
إذ أنّنا نستطيع، نحن، أيضاً، أن "نتمكّن" من تقديم "النّموذج" الخاصّ بنا، عندما سنكتشفه في "الممكن"، و سيكشفه لنا مستقبل الأيّام.

إنّ حربنا التي نعيشها اليوم، و هي حرب للعالم ، أيضاً، و حربّ للأمّة، سوف تضعنا، و ينبغي أن تضعنا، على أوّل الطّريق إلى الحضارة المعاصرة، انطلاقاً من سورية إلى العروبة و الإسلام الذي يجب أن يخرج من العمائم و المؤسّسات الدّينيّة الرّسميّة التي تشتغل لحسابها الخاصّ و التي تمثّل كهنة (آمون) المعاصرين، ليعودَ إلى القلوب و العقول؛

و إذا كان انتصارنا، المحقّق و المحتّم، في هذه "الحرب"، لن يستطيع أن يتكرّس في "نموذج" سياسيّ للدّولة و المجتمع، جديد و مختلف، و مفارق، من جديد، بل و لأوّل مرّة في تاريخنا المعاصر ،و كنواةٍ جديدة للأمّة العربيّة – الإسلاميّة..
حِينَئِذٍ ستتضاعَفُ أعدادُ اليائسين القائلين بأنّنا "أمّة" منقرضة أو أمّة هي أَوْلَى بالانقراض.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

June 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
27 28 29 30 31 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
عدد الزيارات
3270396