الصفحة الرئيسية

مالك مسلماني: ميلاد الدولة الإسلامية.. مِن الاستيلاء على مَكَةَ إلى نهاية حروبِ الرَّدةَ- ج2

يتابع فينكس, نشر كتاب "ميلاد الدولة الإسلامية" للأستاذ والباحث مالك مسلماني, وفيما يلي حلقة ثانية من الكتاب:

سنوات مُحَمّدٍ الأخيرة

سنة ثمان للهجرةمالك مسلماني

       

في السّنَة الثامنة للهجرة (630 م) تبدى جبروت الحركة الإسْلاميّة في الجَزِيْرة العَرَبِيّة بعدما صارت قوةً لا يُستهان بها في الحِجَاز، وظهر تفوقها بسبب من تمكن مُحَمّدٌ من تأسيس مجتمعٍ قائمٍ على أيديولوجيا دينيّة. كان أكثر ما يميّز يثرب أنّ زعيماً واحداً ـ مُحَمّداً كان يقودُ الحركة الإسْلاميّة وجهازها العسكريّ، تعضده نخبةٌ سياسِيّةٌ منسجمةٌ مع توجهاته؛ وبالمحصلة صارت المدينة تمتع بأفضلياتٍ ملحوظةٍ على بقية مدن وقبائل الجَزِيْرة العَرَبِيّة. آنذاك كانت المدينة تحمل في أحشائها الحِجَازية اللاهبة جنين الدّوْلَة الإسْلاميّة.

إلى الجنوب ـ الغربي من المدينة، كان المَكّيّون ـ أعداء مُحَمَّدٍ الألِدّاءـ يشعرون بعد عقد صلح الحُدَيبيَة (6 ﻫ/ 628 م) بأنّ مدنيتهم محكومٌ عليها بالإعدام، وإذ أراد الجيلُ القديمُ الاستمرار في مناوئة مُحَمّدٍ، فإنّ شبابَ قُرَيْش توصل إلى قناعةٍ أنّه لا مستقبل لهم في مكّة [1]بعدما رأوا كيف أنّ الحركة الإسْلاميّة بدأت تغزل خيوط فجرها، وما إنْ تنجز عملها حَتّى تبزغ دولتهم ساطعةً على الجَزِيْرة العَرَبِيّة. كان هؤلاء المَكّيّون الشباب يرون أن حينه قد أزِفَ، وأن مكّة آيلة للخراب إذا أصرت على الصدام مع الحركة الإسْلاميّة حَتّى النهاية، لاسيما بعدما فشل القرشيون في المحافظة على الائتلاف في حرب الأحزاب (الخَنْدق)(ذو القعدة، 5 ﻫ/ آذار (مارس) 627 م)، مما حول النصرَ المحتملَ إلى هزيمةٍ مخزيةٍ للمَكّيّين، وزاد من ألم الهزيمة موافقة قُرَيْش في السّنَة التالية على عقد صلح الحُدَيبيَة مع مُحَمّدٍ مما كان يعني بأن قُرَيْشاً لم تعد تعامل مُحَمّداً كمنشقٍ عنها، بل تحاورت معه كندٍ لها، وأُجبرت في المعاهدة على الإقرار بأنه كُفْوءٌ لزعامات مكّة؛ صار بادياً في عيون القرشيين أنّ مُحَمّداً سيبز زعامات قومه قريباً.

ظهر إدراك النخبة القرشيّة الشابة لدور الإسْلام المقبل جلياً بحدس عَمْرِو بن العاص الَّذِي رأى ببصيرته أن أمر مُحَمّدٍ يعلو، فقرر في السنة الثامنة هجريّة (630 م) التوجه هو، وخالد بن الوليد، وعثمان بن طلحة إلى المدينة حيث أعلنوا إسْلامهم [2] ويبدو أنّ مُحَمَّداً كان يدرك طبيعة الحوار الداخلي في مكّة بصدد الحركة الإسْلاميّة، فسعى لضم النخب الشابة، الميالة للاتفاق معه، إذ تفيد الرّوايَات بأنّه قال ذات مرة: «لو كان جعل نكايته ـ أي خالد بن الوليد ـ وجَدّه مع المسلمين على المشركين لكان خيراً له ولقدّمناه على غيره»[3]، من الواضح أنّ هذا لم يكن كلاماً عابراً في جلسات السمر بل رسالة موجهة إلى خالد مع مبعوث ما، فشجع خالداً على إعلان الإسْلام بعدما وصلته الرسالة.

غزوة مُؤتَة (جمادى الأولى/ أيلول (سبتمبر) 629 م)

               

مُحَمّدٌ، الَّذِي كان يتلمس قوته وقوة مدينته الصاعدة صار يشعر بوصفه قائداً لمجتمع جديد بجسامة مسئوليته في توفير مصادر الدخل لهذا المجتمع، فقرر أن يختبر إمكانية شن غزوات على تخوم الشّام، فبعث حَمْلَة مؤلَّفةً من ثلاثة آلاف مقاتل بقيادة زَيْدَ بنَ حَارِثة إلى مُؤتَة في جُمادى الأولى من سنة ثمانٍ. وعندما وصلت الحَمْلَة مُعان من أرض الشّام، تناهى إلى أسماع قادة الحَمْلَة بأن قوات الروم تحتشد، بقيادة هرقل في مَآب في منطقة البلْقَاء (قرب دمشق)، وأنه انضمت إليهم قوات عربيّة من حلفاء الروم من لَخْم وجُذام وبلقَيْن، وبَهْراء، وبَليّ.

التقت القوتان بمَشَارِف، وهي من قرى الشّام، ثم تراجع المسلمون إلى قرية يقال لها مُؤتَة؛ وفيها قُتل القادة المعيّنون من قبل مُحَمَّدٍ: زَيْدُ بن حَارِثة، جَعْفرُ بن أبي طالبٍ، عَبْدُ اللَّه بنُ رَوَاحة. وبعد مقتلهم طُلب من خالد بن الوليد تسلم القيادة، فأمر المقاتلين بالانسحاب من المعركة. وقد برر المؤرخون هذه الهزيمة بكثرة عدد جيش العدو الَّذِي بلغ حسب الطبريّ مئة ألف مقاتل، وفي الحقيقة ليس واضحاً حجم القوة العسكرية المناوئة، ولا يمكن قبول التفصيل بأنّ الروم كانوا مستعدين لمواجهة هذه الحَمْلَة وعلى أعلى المستويات، لا شك إنّ الصّدام الَّذِي جرى كان مع حامية رومانيّة ليس إلّا، وأحداث الفتوحات أثبتت أنّ البيزنطييّن كانوا غافلين عن مجريات الأحداث في الجَزِيْرة العَرَبِيّة، ولم يكونوا يحسبون حساباً لخروج حَمْلَة منظمة ضدهم منها؛ وبقية الرِّوايّة نفسها تكشف المبالغة في عدد قوات الأعداء، إذ لما عاد جيش المسلمين للمدينة شرع الناس يحثون على الجيش التراب، ويقولون:«يا فرّار في سبيل اللَّه»، لكن مُحَمَّداً رفض التقليل من شأنهم وكي لا يؤثر على معنويات مقاتليه، فقال:«ليسوا بالفرّار؛ ولكنهم الكرّار، إن شاء اللَّه!».[4]

        لم تحقق هذه الحَمْلَة نصراً عسكريّاً، كما لم تحصل على أيّة غَنائِم، لكن أهميتها تنبع من الأهداف المستجدة الَّتِي رسمتها الحركة الجديدة لنفسها، وانفتاح آفاق واسعة أمامها، كما ساعدت على تبلور طموح عند قادتها بالتوجه صوب بلاد الشّام. كانت هذه الحَمْلَة الخطوة الأولى في الدرب اللاحق، درب الفتوحات، ولم يكن يدرك قادة الحركة الإسْلاميّة أيُّ دربٍ امتد أمامهم مع هذه المحاولة، وأنهم لأول مرة سيخرجون من دائرة الحِجَاز. وعلى أي حال لم تخلُ هذه الحَمْلَة من فائدةٍ للمسلمين، إذ أثمرت شيئيْن ملموسيْن؛ أولاهما، دعاية في الحِجَاز لقوة الحركة الإسْلاميّة، مما ساعد على إعلاء هيبة الإسْلام في الجَزِيْرة العَرَبِيّة؛ وثانيهما، اكتساب الوعي بطبيعة القوى اللازمة لتجاوز حدود الجَزِيْرة العَرَبِيّة من أجل اقتحام الشّام أو العراق وفيما بعد سنرى كيف أن أَبَا بَكْر الَّذِي فهم درسها ـ ودروس الحركة عموماً ـ جيداً لم يتجاوز تخوم الجَزِيْرة العَرَبِيّة إلاّ بعد أن اُستكملت شروط هذه العمليّة المَوْضُوعيّة.

الاسْتِيْلاء على مكّةَ (20 رمضان 8 ﻫ/ كانون الثاني (يناير) 630 م)

       

كان وَعْي المَكّيّين يتزايد مع الأيام بأنّ مدينتهم لن تصمد طويلاً أمام قوة الحركة الإسْلاميّة الصاعدة، وكانوا يتابعون بأسىً كيف كانت مدينتهم تترنح بعد صلح الحُدَيبيَة بسبب عدة عوامل؛ وأولاهما، الانهيار المعنويّ الحاصل جراء التحاق بعض الوجوه القرشيّة البارزة (عمرو بن العاص وخالد بن الوليد)؛ ثانيهما، إنّ وَضْعَ مكّة المعيشيّ أصبح حرجاً بسبب نجاح مُحَمَّدٍ بقطع إمدادات القمح عنها، إذ تفيدنا رواية بأنّ ثمامة بن أثال ـ من زعماء الْيَمَامَةِ ـ وقع في الأسر على يد سرية كانت قد هاجمت موقعاً قِبل نَجْد، وفي مَأْسَرِه أعلن إسْلامه فقرر الذهاب لمكّة معتمراً، وهناك تعرض لنقدٍ من المَكّيّين بسبب من إسْلامه مما دفعه لقطع القمح عن مكّة وقال إن حظره سينتهي بقرار من مُحَمّدٍ.[5]

لا شك إن الرّواة لم يرغبوا بتصوير مُحَمَّداً يعقد تحالفات مع قادةٍ غيرِ مسلمين للانتصار على قُرَيْش، فأردوا تبرير التحالف بأنّ ثمامة ضرب على مكّة حصارَ القمحِ بعد أنْ أسلم في أسره. والمؤكد أن مُحَمَّداً عقد اتفاقاً معه على أسس مصالح مشتركة أو اتفاقات معينة تعود بالمكاسب على الطرفين وربما ربط بينهما وثاق ديني يتأسَّس على جذور مشتركة لكلى الطرفين، ولا يجب أن نستبعد أيضاً إمكانية أن الحالة المعنوية للمَكّيّين قد تدهورت بعدما وصلتهم أنباء من فارس عن مقتل خسرو الثاني بَرويز (628 م)، والَّذِي كان ينظر إليه كحصن «الوثنية» في الشرق؛[6] إذ جاء نبأ مقتل خسرو في نفس السّنَة الَّتِي أقرت قُرَيْش لِمُحَمّدٍ بمساواته معها ـ سنة عقد اتفاق الحُدَيبيَةـ.

نقْضُ الصّلْحِ

كانت ثمَرَةُ مكّةَ قد أينعت وحان قطافها؛ ولم يبقَ إلا تحيّن الفرصة المواتية، وقد جاءت مُحَمَّداً، وربما بأسرع مما كان يتوقع، ولم يكن قد انسلخ اثنان وعشرون شهراً عن الصّلْحِ؛ حيث رأى أنّه في حلٍّ من الالتزام بميثاق الهُدْنَة ـ صلح الحُدَيبيَة ـ مع قُرَيْش بعدما جاءه وفدُ خزاعةَ برئاسة بُدَيل بن ورقاء ـ أو عمرو بن سالم الخُزاعي حسب روايات أخرى ـ حاملاً الأخبار عن تعرّض خزاعةَ لهجومٍ من قِبل بني بكرٍ؛ وأنّ قُرَيْشاً أمدّت المُهاجِمين بالسلاح، لا بل إنّ بعض مقاتليها انضموا إليهم.

كان مُحَمّدٌ مرتبطاً بعلاقة تحالفٍ مع خزاعةَ، والَّتِي كانت امتداداً لعلاقة تحالف قديمة بينها وبين جدّه عبد المطلب، الَّذِي عقد تحالفه معها على أساس وشائج قرابة؛[7] ولهذا أعلن الخزاعيون فيما بعد أنّهم ينضَمّون إلى عَهْد مُحَمّدٍ على أساس صلح الحُدَيبيَة.

اشتعلت نارُ المعركةِ بين خزاعة وبني بكرٍ على أرضية أَثْآرٍ قديمة متجذّرة في العَهْدِ الجاهليّ، وقيل إن تلك الأثْآر الثاوية تحت الرماد قد انبعثت من مرقدها عندما سمع خزاعيٌّ رجلاً من كنانة ينشد هجاء مُحَمَّدٍ،[8] فقُتل عشرون خزاعياً في هذه المعركة. ولم تكن مساهمة قُرَيْش منهجية، بل الراجح أن بعض القرشيين ساعد على أساس روابط شخصية، فقُرَيْش لم تكن مستعدة للدخول في مواجهةٍ مع مُحَمّدٍ، إذ كانت تتفهّم جيداً حدود قوتها، وأنّها مدينة في طور الأفول، وليس بوسعها بعد الآن الانتصار على الحركة الإسْلاميّة، ولا تذكر المصادر التاريخية من وجوه قُرَيْش البارزة الَّتِي وافقت على مساندة بني بكر إلا صفوان بن أمية، وحويطب بن عبد العُزّى، ومكرز بن حفص.

حاولت قُرَيْش تدارك تداعيات المعركة، لإدراكها أنّها قد تكون الذّرِيْعة الَّتِي ينتظرها مُحَمّدٌ؛ فذهب إليه أبو سفيان صخر بن حرب[9] حسب طلب القرشيين، وذلك من أجل التأكيد على سريان الاتفاق، بيد أنّه أخفق في مسعاه؛ فرجع إلى مكّة.

ما إنْ غادر مبعوثُ مكّةَ يثربَ حَتّى طلب مُحَمَّدٌ من القبائل البدويّة الموالية له التجمع في المدينة من جهة، ومنع الناس من الخروج منها في إطار استعداده لتجهيز جيشٍ صوب مكّة، وخوفاً من أن يخرج مَنْ يبلّغ قُرَيْشاً. كان مُحَمَّدٌ يهدف لإخفاء الوجهة الحقيقة لحملته كما تقول المصادر، ونحن نعتقد أن هذه الإجراءات كانت تهدف لإخفاء موعد الهجوم؛ لأن أبا سفيان خرج بانطباع عن حتميّة المعركة.

تمكن مُحَمَّدٌ من تكوين جيشٍ مؤلَّفٍ من عشرة آلاف مقاتل، من: بني سُلَيم، وبني غِفار، وأسْلَم، ومُزَيْنة، وجُهَينة، وأشْجَع ـ إضافة ابن سعد ـ، وهي قبائل متمركزة حول المدينة، علاوة على المهاجرين والأنصار، ومجموعات من تميم وقيس وأسد، ثم انطلق من المدينة في العاشر من رمضان، 8 ﻫ.[10]

في غضون ذلك طلب المَكّيّون من أبي سفيان الرجوع لِلقاء مُحَمَّدٍ، وهذا يضعنا أمام احتمالين: إمّا أنّ قُرَيْشاً كانت تتوقع الهجوم، وقد أرسلته للتفاوض مرة ثانية على شروط لائقة، وهي فعلياً تستسلم دون شروط لأنّها لم تتخذ أيّةّ إجراءاتٍ للدفاع عن المدينة في حال فشل التفاوض، وإمّا أنّ أبا سفيان حين كان في المدينة وفشل في المحافظة على سريان الهُدْنَة المعقودة، وتيقن من عزم مُحَمّدٍ على الهجوم على مكّة، ولما لم يستطع ثنيه، رجع إلى مكّة وهو يحمل شروطاً معينة منه من أجل سلامة المدينة على قاعدة الاستسلام الكامل. ونحن من جهتنا نرجح الفرض الأخير؛ لأنّ الرّوايَات تفيد بأنه بينا كان أبو سفيان في طريقه ثانيةً إلى مُحَمَّدٍ مع حكيم بن حِزام وبُديل بن وَرْقاء ـ حسب طلب قُرَيْش ـ التقى بالعباس، ولا يمكن أنْ يكون اللِّقَاء قد حدث صدفةً، بل يعزز هذا الفرض وينيط بأبي سفيان مهمة نقل جواب المَكّيّين النهائيّ. وبهذا يكون العباس قد ذهب ليعرف رد القرشيين على شروط الاتفاق الأوّلي مع أبي سفيان أو بالأحْرَى الإنذار المُحَمّدي، وأنه ذهب إلى مكانٍ محددٍ سابقاً بينه وبين أبي سفيان. ويعزز إمكانية ذلك إن أبا سفيان استغرق مدةً طويلةً في المدينة، حَتّى إنّ عموم القرشيين اعتقدوا بأنه اعتنق الإسْلام، فلما رجع أضطر لتقديم أضحية ليتخلص من هذا الاتهام،[11] ما يعني أنّه كان فيها يفاوض، ولم يتلقَ رفضاً قاطعاً من مُحَمَّدٍ كما تقول الرّوايَات، ولما وصل مكّة نقل تفاصيل ما جرى في المدينة إلى نخب قُرَيْش ليتم اتخاذ القرار الأخير بصدد ما طُلبَ منه.

إنّ وجودَ العباسِ في هذه الرّوايَات وفي المحاورة الّلاحقة بين مُحَمّدٍ وأبي سفيان يشير إلى أنّه هو من لعب الدور الأكبر في تقريب وجهتي نظر الطرفين؛ وخصوصاً أنّه طلب من ابن أخيه السماح له بالذهاب إلى مكّة ليدعوهم إلى الإسْلام بينا كان جيش المسلمين يزحف نحو مكّة، وفعلاً ذهب إليها، وطلب من القرشيين إعلان الإسْلام.[12] وبالتالي من الممكن أنه ذهب بنفسه وعقد اتفاق استسلام قُرَيْش، وبعد ذلك أحضر أبا سفيان ممثلاً عن القرشيين. وثمة قصة أخرى تخبر بأنّ العباس أراد تحذير المَكّيّين، بعدما عسكرت قوات مُحَمّدٍ في منطقة مَرّ الظَّهْرَان، وأنه قرر المضي من أجل إيجاد من يبلّغ الإنذار، وفي الطريق التقى صدفةً بأبي سفيان وبديل بن ورقاء، وحكيم بن حزام، فذهب معه أبو سفيان، ورجع الاثنان.[13] وفي جميع هذه الرّوايَات فإن العباس هو من يحضر أبا سفيان، ويجمعه مع مُحَمَّدٍ، وهو من يضع اللمسات الأخيرة على استسلام مكّة.

في الاجتماع الَّذِي جرى بين مُحَمَّدٍ، والعباس، وأبي سفيان أكد الأخير على إيمانه بالإله الواحد، لكنه أعلن بأنه مازال غير واثق من نبوّة مُحَمّد، إذ لما قال له مُحَمَّدٌ:«ويحك يا أبا سفيان! ألم يأنِ لك أن تعلم أنّي رسول اللَّه!»؛ فإنه أجاب: «أمّا هذه ففي النفس منها شيء!».[14] وقد تمخض الاجتماع عن اتفاق مع أبي سفيان، أو بين حركة الإسْلام، ومكّة ينص على أنه: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن».

لم يعجب الأنصار هذا الاتفاق فقال بعضهم لبعض: «أما الرجل فأدركته رغبة في قرابته ورأفة بعشيرته»؛ فكان جواب مُحَمَّدٍ لهم مهدئاً، بقوله:«كلا إني عبد اللَّه ورسوله هاجرت إلى اللَّه وإليكم؛ فالمحيا محياكم والممات مماتكم»؛[15] لقد كان من الصعب عليهم تقبل أبعاد هذا القرار والَّذِي كان يهدف ـ إضافة إلى جملة أهداف ـ إلى حرمان القرشيين الرافضيين لاستسلام مكّة من الضَّرُوْرَة الأخيرة لإشهار السلاح بوجه جيش المسلمين بحجة الدفاع عن القرشيين من التنكيل بهم، أو خوفاً من تخريب مدينتهم. فمنح الأمان يجعل مسألة الدفاع عن مكّة بالنسبة لهؤلاء الرافضين أمراً لا معنى له ما دام تم الحفاظ على المدينة وأهلها.

كانت راية مُحَمَّدٍ بيد سعد بن عبادة؛ فلما وصلت الجيوش إلى مشارف مكّة، زُعم بأن سعداً قال: «اليوم يوم المَلحَمَة، اليوم تُستَحَلُّ الحُرْمَة، اليوم أذلّ اللَّه قُرَيْشاً»؛ وقيل إن سعداً قالها أمام أبي سفيان، بينما كان مُحَمَّدٌ يستعرض أمامه القوات، ويبدو أن ما دفع سعداً لقول ذلك أنه لم يكن قد نسي كيف أن قُرَيْشاً قد قبضت عليه عقب بيعة العقبة الثانية بينا كان يغادر مكّة، وجاءوا به إلى مكّة مربوطاً يضربونه، ويجرونه بشعره، ولم يتحرر منهم إلا عندما حرره جبير بن مطعِم،[16] والحارث بن أميّة اللذان كان يوفر لهما الحماية في يثرب.

أقلق هذا القول المهاجرين، فأبلغ أحدهم مُحَمَّداً،[17] مما دفع عثمان، وعبد الرحمن بن عوف للتحذير من نتائج هذا الوعيد؛ وخوفاً من ذلك طلب مُحَمَّدٌ من عليّ بن أبي طالبٍ أخذ الرّاية، واستلام القيادة، ويُقال أمّر الزبير، وقيل أعطاها لقيس بن سعد بن عبادة.[18]

        كما كان متوقعاً لم تلقَ جيوش المسلمين مقاومةً من القرشيين، خلا مجموعة حاولت التصدي لهم بالخَنْدمة بمشاركة صَفْوان بن أُميَّة، وعِكْرمة بن أبي جهل، وسُهَيْل بن عمرو، لكنها سَرْعانَ ما انهزمت على إثر مناوشات بسيطة مع جيش خالد بن الوليد، الَّذِي كان قد دخل مكّة من المجنبة اليمنى، حسب أوامر مُحَمَّدٍ، وكان جيشه يضم مقاتلين من أسْلم، وغِفار، ومُزينة، وجُهينة، وقبائل من العرب، وكانت هذه المرة الأولى الَّتِي يكلّف فيها مُحَمَّدٌ خالداً مهمة قيادية.

يمكن أن يُفسر سبب مقاومة صفوان بعدائه الشديد لِمُحَمّدٍ وتقديره بأنّه سيهدر دمه لشدة عدائه من جهة، ولدوره في خرق الصلح من جهة ثانية، وبالفعل عندما دخل مُحَمَّدٌ مكّة، طلب من جنده قتل ثمانية رجال وأربع نسوة، وكان اسم صفوان على لائحة المطلوبين للقتل؛ لكنه هرب إلى جدّة، فطلب عُمَير بن وهب الجَمَحيّ فيما بعد من مُحَمَّدٍ الأمان لصفوان، فوافق مُحَمَّدٌ على منحه إياه، وأعطاه عمامته الَّتِي دخل بها مكّة علامة على منح الأمان له. فلما رجع صفوان، طلب من مُحَمَّدٍ شهرَين يراجع فيها حساباته ولتقرير موقفه نهائياً من إعلان الإسْلام، والحركة الإسْلاميّة؛ فمنحه مُحَمَّدٌ أربعة أشهر.[19]

زفْرَات القرشيين الغاضبة

       

لا شك إنّ استسلامَ مكّةَ أغضب بعضاً من وجوهها البارزة، الَّتِي شعرت بأنّ هيبتها الاجتماعيّة أمام مجتمعها قد تقوضت بعدما دانت للفاتح، وهي إذ لم ترغب بإعلان رفضها لسلطة مُحَمَّدٍ بشكل مباشر، إلاّ أنّها لم تستطع كبح جِماح سخطها على ما آلت إليه حالها كنخبة، فعبرت عن ذلك حين أذّنَ بلالٌ على ظهر الكعبة بأمر من مُحَمَّدٍ، فاستنكرت هذه الوجوه أنْ يؤذّن على ظهرها رجلٌ أسود، وقالت جويرية بنت أبي جهل: «لقد أكرم اللَّه أبي حين لم يشهد نهيق بلال فوق الكعبة»، وقيل إنها قالت: «لقد رفع اللَّه ذكر مُحَمّدٍ، وأمّا نحن فسنصلي ولكنّا لا نحب مَنْ قتلَ الأحبة»، وأضافت ـ حسب الأزرقي ـ «و لقد جاء إلى أبي الَّذِي كان جاء إلى مُحَمّدٍ من النُّبُوَّة فردّها ولم يرد خلاف قومه».

        و قال خالد بن أسد[20]: «لقد أكرم اللَّه أبي فلم يرَ هذا اليوم»، وكان والده توفي عشية الاسْتِيْلاء على مكّة، وقال الحارث بن هشام: «ليتني متّ قبل هذا اليوم»، أو «وا ثكلاه! ليتني متّ قبل أنْ أسمع بلالاً فوق الكعبة» أو «ما وجد مُحَمّدٌ غيرَ هذا الغراب مؤذناً»، أو: «أما واللَّه لو أعلم أنّه محقٌ لا تبعته»، وقال بعض بني سعيد بن العاص: «لقد أكرم اللَّه سعيداً إذ قبضه قبل أن يسمع هذا الأسود على ظهر الكعبة»، وثمة آخرون قالوا كلاماً يحمل نفس المضمون.[21]

مما لا ريب فيه أن هذه التعليقات الخشنة وصلت مُحَمَّداً، لكنّه آثر التغاضي عنها على اعتبار أنّها لا تشكل تهديداً جدياً له بعد الاستسلام غير المشروط، وارتأى أن يترك لهذه الوجوه بعضاً من كرامة أمام أنفسهم، ومجتمعهم، ولتكون ترياقاً يداوون به جراح الهزيمة، وهذا ما يتطابق مع سياسته تجاه مكّة الهادفة لدمجها في مشروعه، وسيثبت التاريخ صوابية تصرفه عندما تقف مكّة إلى جانب يثرب عقب وفاته، وتشكّلان معاً مشروعَ دولةٍ بقيادة النخبة القرشيّة ضد أجزاء الجَزِيْرة العَرَبِيّة الرافضة للاندماج في الدّوْلَة الناشئة.

 

التعليق الأول لِمُحَمَّدٍ

فور دخوله مكّة أعلن مُحَمّدٌ رفضه لكلِّ ما يمكن أن يؤثر على استقرار النّظام الدّاخليّ في مكّة تحت السيادة الإسْلاميّة، وحذّر من ذكر مَآثِر القبائل، والمأثرة هي مكارم القبيلة، ومفاخِرُها الَّتِي تؤثر عنها أي تُذكر وتُروى.[22] كان الإعلانُ يهدف للتخلص من الإرث المأثوري ـ الشّفويّ الَّذِي كانت تختزنه الذاكرة الجمعية القبليّة، والَّذِي يمكن أن يلهب نار الصراع بسرعة بين القبائل؛ كان مُحَمّدٌ يدرك تمام الإدراك خطر هذا الإرث، كونه سمح له بنقض صلح الحُدَيبيَة.

 

الحفاظُ على الوَضْعِ القائمِ

       

بعد هذا الانتصار أخذ مُحَمَّدٌ مفتاح الكعبة من عثمانَ بن طلحة العبدري، فدخل الكعبة فصَلّى فيها ركعتين، وعندما انتهى من صلاته طلب منه أحد الهاشميين ـ منهم من يقول إنّه عليّ بن أبي طالبٍ، ومنهم من يقول العباس بن عبد المطلب ـأن يجمع الحِجابة مع السِّقاية لبني هاشم، لكنّ مُحَمَّداً رفض، وقال لهم:﴿إنَّ اللَّهَ يَأمُرُكُمْ أَنْ تُؤدُّوا الأماناتِ إلى أَهْلِهَا﴾،[23] ثم استدعى عثمان بن طلحة، فقال له:«هاكَ مِفتاحك يا عثمان، اليومُ يومُ برّ ووفاء».[24]

        لم يحاول مُحَمّدٌ بأيّ شكلٍ من الأشكال تغيير الوَضْعِ القائم انسجاماً مع المعنى الضّمنيّ للاتفاق مع أبي سفيان، ولا حَتّى في مسألة تخص إزالة مَظْلَمةٍ بحقِّ مسلم؛ إذ كان أبو سفيان صخر بن حرب قد قام بمصادرة دار بني جحش بعد هجرتهم للمدينة على خلفية أن بنتاً له ـ الفارعة ـ كانت زوج أبي أحمد بن جحش، فلما دخل مُحَمَّدٌ مكّةَ فاتحاً، طلب منه أبو أحمد رد داره المُصادرة، لكنّ مُحَمّداً أبطأ في الجواب مما دفع بالبعض لأنْ ينصح أبا أحمد بنسيان داره، وقالوا له: «يا أبا أحمد، إنّ رسول اللَّهِ يكره أنْ ترجعوا في شيءٍ أصيب منكم في اللَّهِ»، فكفّ الرجلُ عن مطالبته.[25]

تحطيمُ الأصْنامِ

لم يشمل مبدأُ الحفاظِ على الوَضْع القائم الجوانب الَّتِي تبقي على الوثنيّة القرشيّة ومظاهرها؛ فطلب مُحَمَّدٌ من القرشيين التخلّص من أصنامهم، وحَظّرَ عليهم بيعها. كانت الأصنام موجودة في كل بيوت مكّة؛[26] ولهذا كانت إزالتها مسألةً لا بد منها بالنسبة إليه، إذ إنّه دخل مكّة تحت راية الإسْلامِ، بوصفه العقيدة الَّتِي يتوجب على القرشيين اعتناقها، وكان الاسْتِيْلاء عليها يهدف إلى توحيدها مع المدينة تحت قيادة موحدة، يشرف هو على إدارتها، وبهذا صار الإسْلام منذ هذه اللَّحْظَة رايةً عقائديةً للتوحيد السياسِيّ؛ وكان من الطبيعي أن يعارض بشدة بقاء الأصْنام الَّتِي ترمز للتفتت الاجتماعيّ، والتعارض السياسِيّ، وتقف بوصفها عائقاً روحياً في وجه توحيد مكّة مع المدينة، ووجودها يعني وجود الحواجز الروحيّة بين القبائل العربيّة؛ ولهذا سَرْعانَ ما وجّه السَّرايا للمناطق المجاورة لمكّةَ من أجل تحطيم الأصْنام، فقام بإرسال:

1 ـ خالد بن الوليد إلى العُزّى (25 رمضان، 8 ﻫ)، والعُزّى أحدث من مَنَاة، واللاّت، وكانت تُمثل في شجيرات في وادي نخلة القريب من مكّة؛ وبلغ من تعظيم العرب وقُرَيْش إياها أن كانوا يسمون أبناءهم عبد العُزّى. وكان سَدَنَتها بنو شيبان من بني سُلَيم.

2 ـ عمرو بن العاص إلى سُوَاع (رمضان، 8 ﻫ) صنم هذيل. ويقع سُوَاعٌ بأرض ينبع، وهي منطقة قرب المدينة، وقد قام بنو لحيان على سدانته.

3 ـ سعد بن زيد الأشْهَلي (26 رمضان، 8 ﻫ) في عشرين فارساً إلى مَنَاة، وهي أقدم الأصْنام، وهي آلهة القضاء، ولاسيما قضاء الموتِ، ولعل اشتقاق الاسم ـ حسب الحموي في معجمه ـ من المَنَا، هو القدر، ويجوز الموت؛ وكان العرب يسمون أبناءَهم عبد مَنَاة، وزيد مَنَاة. وقد نُصبت على ساحل البحر بالمُشَلّل. وكانت تعظمها الأزد والأوس، والخزرج.

4 ـ وقبل أن يتجه إلى حصار الطائف أرسل مُحَمَّدٌ الطُّفيل بن عمرو الدَّوْسي إلى ذي الكَفّين (شوّال، 8 ﻫ)، وهو صنم عَمْرِو بنِ حُمَمَة الدّوْسي، وكان قائد السرية من نفس بني عَمْرٍو، وطلب منه مُحَمَّدٌ أنْ يجييش أفراداً من قومه، ويتبعه للطائف، وقد رجع ومعه من قومه أربعمئة.[27]

        ما نلاحظه بصدد هذه السرايا أنّها تمت بعددٍ قليلٍ من المقاتلين، وهذا يدل على أنّ محيط مكّة والمدينة استسلم لحركة الإسْلامِ بعد أن استسلمت الحاضرة نفسها.

دموية خالدِ بنِ الوليدِ بعيد الاسْتِيْلاء

       

ما إنْ رتّب مُحَمَّدٌ شئونَ مكّةَ وهَشَّمَ الأصنام حَتّى وجه السّرايا حول مكّة من أجل الدعاية للإسْلام، ولم تكن الأوامر المُعطاة للقائدة تنصّ على القتال؛ وكان ممّن بعث خالد بن الوليد على إثْر عودته من مهمة هَدْم العُزّى، وأمره أن يسير بأسفل تِهامة داعياً للإسْلامِ، وقد زوّده بثلاثمئة وخمسين مقاتلاً من المهاجرين والأنصار وبني سُليم. فلما وصل إلى بني جذيمة بن عامر، وجدهم متنكبين السّلاح، فطلب خالدٌ منهم ترك أسلحتهم، وأكّد عدم جدوى المقاومة لأنّ مَكّة أعلنت ولاءها، لكن رجلاً منهم يُقال له جَحْدَم، حذرهم من الاستسلام لخالد، وأضاف بأنه لن يضع سلاحه.

في النهاية رضخت بنو جذيمة لطلبه ووضعت السلاح، وما إنْ فعلت ذلك، حَتّى أصدر خالدٌ أوامره بتكتيف رجالهم، وقتلهم، وعلى الرَّغْم مِن أنَّهم قالوا: «صَبأنْا صَبأنا!»؛[28] فنفذ مقاتلو بني سُليم الأمر، فقتلوا من كان في أيديهم، أمّا المهاجرون والأنصار فتركوا أسراهم.

لما علم مُحَمَّدٌ بالخبر رفع يديه إلى السماء، قائلاً: «اللَّهمَّ إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد!»، ثم دعا عليّ بن أبي طالبٍ، فطلب منه أداء الدّيَة؛ ومن جهة أخرى اتهم عبد الرّحْمَن بن عوف خالداً بأنه كان يصفي حسابات ترجع للزمن الجاهلي، لأن ما دفعه لارتكاب جريمته رغبته بأخذ ثأر عمه الفاكه بن المُغِيرَة، الَّذِي كان قد قُتل على يد أحد رجال بني جذيمة، فسبّه خالد، وقال لعبد الرحمن: «تستطيلون علينا بأَيام سبقتمونا بها»، فلما علم مُحَمَّدٌ بأمر المشادة حذرّ خالداً من سب صحابته.[29]

 

غزوة حُنَيْنَ في (شوّال، 8 ﻫ)

كانت العداوة ضاربة الجذور بين هَوَازن وثقيفٍ من جهة وبين قُرَيْش من جهة أخرى، وقد نمت تلك العداوة في تربة المنافسة التجاريّة بين مكّة والطائف ـ مدينة ثقيف ـ. وكانت ثقيف مؤلفةً من جماعتيْن قبليتيْن: بني مالك، والأحلاف، والأخيرة كانت على علاقة طيبة مع القرشيين.[30]

أحدثت أنباءُ تحركِ جيش المسلمين نحو مكّة قلقاً في هَوَازن وثقيف خشية أن تكونا مستهدفتيْن من هذا التحرك؛ فجرت استعدادات لمواجهة الهجوم المحتمل، لكن الأخبار جاءت بنبأ الاسْتِيْلاء على مكّة، وإذ صارت هَوَازن وثقيف بمنأى عن الخطر، إلّا أنّهما شعرتا بأن الأمور ستسير باتجاه سيئٍ على المستوى التجاري بالنسبة لثقيف، ومن المحتمل أن ثَقيفاً فكرت بإمكانيّة التخلص من مكّة، أي التخلص من المنافس التجاريّ الوحيد لها في الحِجَاز، وحيازة تجارة العبور للطائف، أو قدرت أن المواجهة آتية لا ريب فيها مع المسلمين، فقررت مع هوازن المبادرة إليها؛ ولهذا جمّع مالك بن عوف النصَّرْي ـ زعيم هَوَازن وكان عمره يومئذ ثلاثين سنة ـ هَوَازن مع ثقيف كلَّه . واتباعاً لقاعدة كانت سائدة في الجَزِيْرة العَرَبِيّة في المعارك المصيريّة طلب ابن عوف من المقاتلين اصطحاب أموالهم ونسائهم وأبنائهم، لأنّه أراد أن تكون المعركة داميةً، ونهائيةً، وكي لا يفكر أحد من مقاتليه بترك ساحة المعركة؛ لكن كعباً وكلاباً ـ من هَوَازن ـ لم تشاركا.[31]

لم يكن مُحَمَّدٌ قد مكث في مكّة نصف شهر حين تحركت قوات ثقيف وهَوَازن إليه؛ فوصل جيشاهما، اللذان كانا مؤلَّفيْن من حوالي ثمانية آلاف مقاتل، فتمركزوا بحُنَيْنَ؛ فخرج مُحَمَّدٌ لمواجهة القوات القادمة باثني عشَر ألف مقاتل: ألفان من أهل مكّة مع عشرة آلاف مقاتل، وهم الَّذِين قدموا معه إلى مكّة؛ فجعلت هذه الأفضليّة العدديّة الملحوظة جيشَ مُحَمّدٍ يثق بحتميّة النَّصْر.

        جرى الصدام في وادي حُنَيْنَ؛ فدارت الدوائر على قوات مُحَمَّدٍ إذ انهزم في البدء بنو سُليم، وتبعهم أهل مكّة، ثم بقيّة الفصائل المقاتلة، فعبّر أبو سفيان بن حرب عن شماتته، فقال:«لا تنتهي هزيمتهم دون البحر»، وعلقّ جَبَلة بن الحنبل [32]:«ألا بطل السِّحْرُ اليومَ!»، فرد عليه صفوان ـأخوه لأمه ـ:«اسكت فضَّ اللَّه فاكَ، فو اللَّه لأن يَرُبَّني رجلٌ من قُرَيْش أحبُّ إليّ من أن يَرُبَّني رجلٌ من هَوَازن».[33]

        استدعى الموقف الحرج، وتقهقر قوات المسلمين من مُحَمّدٍ أنْ يبادر إلى تجميع مجموعة متماسكة، كي تكون نواةَ استقطابٍ للمجموعات المبعثرة؛ فطلب من العباس بن عبد المطَّلب، الَّذِي كان جهير الصوت أنْ ينادي الأنصار للتجمع حوله، ثم إن النداء اقتصر على الخزرج، الَّذِين كانوا مشهورين بحسن البلاء في الحرب.

ساعدت هذه النواة على إعادة التراص العسكريّ في جيش مُحَمَّدٍ، مما سمح بعكس اتجاه المعركة، فصار النصرُ في النهاية حليفاً لقوات المسلمين، فانهزمت هَوَازن، في حين أن بني مالك ـ الجناح الثقفي الثاني ـ تعرضوا لأكبر الخسائر البشرية، إذ قُتل منهم سبعون رجلاً، وكان من بين القتلى عثمان بن عبد اللَّه بن ربيعة، فعلق مُحَمَّدٌ على مقتله، قائلاً:«أبعَدَه اللَّه! فإنه كان يبغض قُرَيْشاً».[34] في هذه اللَّحظات الحرجة، ومُحَمَّدٌ في ساحة المعركة، والنّصر الَّذِي تحقق بالكاد بفضل الأنصار، تكلم مُحَمَّدٌ بعفوية، وببساطة، وقد كشف تعليقه هذا عن أنّه بقي يوالي قُرَيْشاً حَتّى عندما كان النصر ابن هنيهاته، والَّذِي تحقق بفضل تماسك الأنصار.

من الملاحظ أن انتصار قوات مُحَمَّدٍ لا يعود إلى هذه النواة الأنصاريّة المتراصة وحسب، والَّتِي طالب مُحَمَّدٌ بتشكيلها، بل أيضاً إلى عدم التماسك الداخلي في ثقيف، والَّتِي كانت منقِسْمَة سياسِيّاً، وهذا ما تدل عليه واقعة أنه لم يقتل من الأحلاف ـ الجناح الثقفي الآخر والَّذِي ارتبط بعلاقة جيدة مع قُرَيْش ـ إلّا رجلان [35] مقابل سبعين رجلاً من الجناح الثاني. كما أن هَوَازن كانت تشكو من ضعفٍ في تماسك قواتها، ويبدو أنّها لم تتمكن من تجاوز مسألة الحساسيات الداخلية، إذ غابت كعب وكلاب عن المعركة، وهما فرعان رئيسان منها؛ في حين أن قوات المسلمين، وعلى الرَّغْم مِن غياب التجانس بين عناصرها كانت أكثر تماسكاً بالمقارنة معهما. إضافةً لكون نسبة القوى كانت 3 مقابل 2 لصالح قوات المسلمين.

حِصار الطائف (شوّال، 8 ﻫ)

       

أخذاً بعين الاعتبار الضَّرُوْرَة العسكريّة والاقتصاديّة أصبح التوجه نحو الطائف بالنسبة لمُحمَّدٍ أمراً لا مفر منه، إذ إنّ بقاء الطائف بعيداً عن السيطرة الإسْلاميّة، يمكن أن يهدد الوَضْع الداخلي المَكّيّ، لأنّ مكّة كانت تعتمد على منطقة الطائف في توفير جزء كبير من حاجتها الغذائية؛ لأنّها كانت تتميز باعتدال حرارتها، وطيب هوائها، وجودة تربتها، إضافةً لتوفّر المياه، مما سمح لأهلها بمزاولة الزّرّاعة، فُوجدت فيها النخل والأعناب، حَتّى إنه كان يُضرب المثل بزبيبها.[36]

كان قرارُ مُحَمَّدٍ بملاحقة الجيش المهزوم، ومحاولة الاسْتِيْلاء على الطائف مبنيّاً على الاعتبارات التّالية: أولاً، من الممكن أن تقوم الطائف بضرب الحصار على مكّة مما سيؤثر على الأوضاع المعيشية، ومكّة لم تنسَ بعد قطع القمح عنها؛ ثانياً، كان لعامة قُرَيْش أموال بالطائف، ومنها أرض للعباس،[37] وكان ثمّة احتمال في أنّ خضوعَ مكّة للسيطرة الإسْلاميّة قد يؤدي إلى ضياع هذه الأموال في حال ناصبت الطائف العداء لحركة الإسْلام، وكونها كانت المنافس الأقوى لقُرَيْش يبقي احتمالات المواجهة قوية معها، وقد يحدث انقلاب داخلي في مكّة في حال تمت مصادرة أموال القرشيين، لا سيما أن قرشياً ـ أبا سفيان ـ قام بهذه السابقة من قبل؛ وكل ذلك لن يكون بلا أثر على يثرب نفسها، ولهذا تأتى على مُحَمَّدٍ الآن مواجهة هذه الاحتمالات بمطاردة الفلول، والاسْتِيْلاء على الطائف إن أمكن ذلك.

        تراجعت فلول ثقيفٍ نحو الطائف، واستعدوا لمواجهة قوات المسلمين الزاحفة، والَّتِي سَرْعانَ ما عسكرت قريباً من مدينتهم، شارعةً بضرب الحصار عليهم. دام الحصارُ ما بين 17 إلى 29 يوماً؛ ولم يجرِ أيُّ اشتباكٍ مباشرٍ، بل اكتفت ثقيفٌ بالمناوشات من وراء الحِصْن؛ وتجنبت الصدام المباشر مع قوات مُحَمَّدٍ.

أدرك مُحَمَّدٌ استحالة الاسْتِيْلاء على المدينة، فقرّر وقف الحصار لأنّه عندما يدخل جيشٌ في معركة فعليّة، وكان النّصْر بعيدَ المنال؛ فإنّ أسلحة المقاتلين ستَتَثلّم، ولهيب حماسهم سيخبو. وإذا فرض القائد حصاراً على مدينةٍ فإنّه يستنفد قوته.[38] لكنّه قبل أن يأمر بفك الحصار أعلن أنّ كلَّ رقيقٍ يهرب من المدينة المُحَاصَرة سينال حريته فوراً، فجاءه أقل من عشرين رجلاً رقيقاً،[39] ويبدو أن الإعلان كان يهدف إلى إضعاف النشاط الزّرّاعي لا إلى تدميره، لأنّه كان في مكنة مُحَمَّد إصدار أوامره بتهشيم المزروعات الَّتِي خارج الحصن، لكنه لم يفعل. كان منبع تصرفه بعد رؤية، وتقديراً منه إلى أن الطائف ستأتي له طائعةً قريباً، ومن الأفضل الحفاظ على قدرتها الإنتاجية من أجل تلبية حاجة رقعته الإسْلاميّة المتنامية، وإضافةً إلى ذلك فإنّ عامل الخوف على هذه الأموال سيدفع بثقيف للاستسلام حفاظاً على أموالها، أما إذا دُمرت مزروعاتها فلا يبقى لها إلا خيار الصراع مع الحركة الإسْلاميّة.

صحيح إنّ مُحَمّداً لم يتمكن من الاسْتِيْلاء على الطائف، بيد أنّه حقق من وراء حصاره مكسباً مهماً، فنتيجة لهذا الحصار أعلنت القبائل الضاربة حول الطائف إسْلامها، وهذا ما سيكون له الأثر الأعظم في استسلام ثقيف فيما بعد.

قِسْمَةُ غَنائِم معركة حُنَيْنَ

توجه مُحَمَّدٌ بعد ذلك إلى منطقة الجِعْرانَة حيث كان بها سبي هَوَازن، والَّذِي بلغت حصيلته ستة آلاف من نساءٍ وأبناءٍ، علاوة على أعدادٍ كبيرة من الإبل والشّاء. وهناك وافاه وفدُ هَوَازن برئاسة زهير بن صُرَد، وهو لم يشرع بعد بتوزيع الغَنائِم على المقاتلين، فأعلن الوفدُ استسلام قومهم، واعترف بمُحَمّدٍ نبياً، وأقرّ بالإسْلام.

تم الاتفاق بين مُحَمَّدٍ وبين الوفد على إرجاع النساء والأبناء فقط، ولأن مُحَمَّداً كان يقدّر حساسية هذه المسألة بالنسبة للمقاتلين، وأنه ليس من السهل عليه فرض الاتفاق عليهم، فقد طلب من أعضاء الوفد القول بعد الصَّلاَة: «إنّا نستشفع برسول اللَّه إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول اللَّه في أبنائنا ونسائنا»، فلما صلّى الظهر، قاموا بتنفيذ ذلك؛ فقال مُحَمَّدٌ: «ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم»، فاقتدى المهاجرون والأنصار بتصرف مُحَمَّدٍ. أما مقاتلو القبائل البدوية فقد رفضوا بلسان زعمائهم الاقتراح الضّمنيّ لمُحَمَّدٍ بإرجاع السبي، فرفض الأقرع بن حابس الطلبَ بالنيابة عن بني تميم، وكذلك عُيَيْنَة بن حِصْن عن فزارة؛ بيد أن عبّاس بن مِرْداس وُضع في موقف حرجٍ عندما استجاب بنو سُلَيم لطلب مُحَمَّدٍ خلافاً لإرادته، فقال لهم العباس:«وهنّتموني»، ولا توجد معلومات عن دوافع تصرفهم، ولماذا أردوا إحراجه، وسبب عزلة ابن مرداس في قومه.

لما رأى مُحَمَّدٌ أن الأغلبية ترفض التنازل عن مغانمها، أعلن أن مَنْ تمسك بسبيه، فله على كل إنسانٍ سِتُّ أبْعِرَة،[40] من أوّل معركة يحصل فيها على مغانم، وأمر برد الأبناء والنساء، وقد تأتى على مُحَمَّدٍ التثبت من تنفيذ القرار، وأن حكمه قد نال موافقة المقاتلين، فطلب منهم أن ينقلوا موافقتهم عبر العُرفَاء ـ قواد المجموعات القتالية الصغيرة، وبالفعل نقلوا إليه موافقة المقاتلين على اقتراحه، وتنفيذهم لطلبه.[41]

عَطاء المؤلفة قلوبهم

 

        كانت غَنائِم المعركة وفيرةً، ولم يضيّع مُحَمَّدٌ الفرصةَ المواتية من أجل كسب زعماء القبائل العربية لجانبه، وللحصول على اعترافهم بسلطته، وضمان ولائهم لحركته الناهضة، فقرر أن يستميلهم بتقديم عطايا خاصة لهم، ولأشراف قُرَيْش، فأعطى مئة بعيرٍ لكل من أبي سفيان بن حرب وابنه معاوية، وصفوان بن أميّة ـ العدو اللدود السابق، والَّذِي لم يقر بالإسْلام بعدـ، وحكيم بن حِزام، والحارث بن الحارث بن كَلَدة، والأقرع بن حابس، وعُيَيْنَة بن حِصْن ـ اللذين رفضا التخلي عن السبي ـ. كما أعطى دون المئة آخرين منهم العبّاس بن مِرْداس، لكنّه احتْجّ على قلّة عددها، وطالب بزيادة عطائه، فأعطاه مُحَمَّدٌ أكثر حَتّى أرضاه؛ ربما كي لا ينكسر بعد أن رفض قومه طاعته، ويزداد وهنه على وهن. وقد قارب عدد المؤلفة قلوبهم الأربعين.[42] ولنفس الهدف أرسل مُحَمَّدٌ إلى مالك بن عوف ـ زعيم هَوَازن ـ يعرض عليه اتفاقاً ينصّ على أنْ يعلن ابن عوف إسْلامه، مقابل رد أفراد أسرته، وماله، إضافة لحصوله على مئة بعيرٍ؛ فأُخبر ابن عوف بالعرض، فخرج من الطائف، وأعلن الإسْلام. فأقره مُحَمَّدٌ زعيماً على قومه، وطلب منه الإشراف على مَنْ أسلم من القبائل الَّتِي حول الطائف، وبهذا صار عدو الحركة الإسْلاميّة حليفاً لها، وانقلب على حلفائه الثقفيين. فقام بدور كبير لصالح الحركة الإسْلاميّة فيما بعد حينما شرع يشن الغارات على قوافل وماشية ثقيف، بمَنْ معه من القبائل الَّتِي أعلنت ولاءها لِمحمّدٍ من ثُمالة، وفهم، وسَلَمة حَتّى ضيق عليهم الخناق، وقد أجبر هذا الحصار ثقيفاً على الاستسلام فيما بعد.[43]

أثار إعطاء مُحَمَّدٍ زعماءَ القبائلِ حنق بعض المقاتلين، فجاء رجل من بني تميم يُقال له ذو الخُوَيْصِرَة إلى مُحَمّدٍ، وأتهمه بأنه لم يعدل في ذلك اليوم،[44] ولكي نقدر حساسية مسألة توزيع الغَنائِم يكفي أنْ نعلم أنّ مُحَمَّداً وعلى أثر تسوية مسألة سبايا حُنَيْنَ اتَّبعه المقاتلون يطالبون بقِسْمَة الفيء من الإبل والغنم، حَتّى ألْجَئُوه إلى شجرةٍ، فتشبكت بردائه حَتّى نزعته عن ظهره؛ وهذا ما أثار غضبه.[45]

ردة فعل الأنصار

       

ردّة الفعل الأخطر جاءت من الأنصار، العمود الفقريّ للحركة الإسْلاميّة حَتّى ذلك الوقت، إذ سَرْعانَ ما انتشرت فيما بينهم الاحتجاجات جراء عطايا مُحَمَّدٍ أولاً، ولأنه لم يعطهم شيئاً من الغَنائِم ثانياً، فسُمعت عبارات الاحتجاج، مثل:«لقد لقي واللَّه النَّبِيّ قومه»، وقالوا: «سيوفنا تقطر من دمائهم وغَنائِمنا تقسم فيهم»،[46] وقيل ما هو أشد من ذلك، فقال أحدهم: «ما أراد بها وجه اللَّه»،[47] وتساءلوا فيما بينهم: «أما من قاتله فيعطيه، وأما من لم يقاتله فلا يعطيه؟!»،[48] وحَتّى إن حسانَ بن ثابت ـ شاعر مُحَمَّدٍ ـ احتج بقصيدةٍ على حرمان الأنصار من غَنائِم حُنَيْنَ؛[49] وإن كان لا يمكن الجزم أبداً أنه ألقاها وهو في ساحة المعركة، بل الأرجح أنه نظمها عندما آب إلى المدينة، هذا إذا كان حاضراً أصلاً في هذه المعركة بسبب ما كان يعرف عنه من عزوف عن القتال لتقدم سنه.[50] إن قصيدة حسانَ الاحتجاجية والَّتِي نظمها في المدينة دون شك تدل على مبلغ الألم الَّذِي سببه عطاء المؤلفة قلوبهم لعموم الأنصار، ولم يتمالك حسان نفسه ورغم كونه شاعرَ مُحَمَّدٍ من عدم التنديد بتجاوزه للأنصار.

توجه سعدُ بنُ عبادةَ إلى مُحَمَّدٍ من أجل أنْ ينقل إليه احتجاجات الأنصار على قِسْمَة الفيء،[51] وحين سأله مُحَمّدٌ عن موقفه الشّخصيّ من القضيّة، أجابه بأنّ موقفه مرتبط بموقف قومه، ففي المجتمعات القائمة على أسس قبلية لا توجد الشخصية الفردية المستقلة، إنّ شخصية الفرد تتماهى بشخصية القبيلة، حيث القبيلة هي الأنا، أو بالأحرى انصهار أنوات المجموع في أنا عليا، وحَتّى ذاك الَّذِي يتبوأ موقعاً مرموقاً في التركيبة الاجتماعيّة ـ مثل سعدٍ ـ لا يملك هذه الأنا الخاصة (الشخصية الفردية) الَّتِي يمكن فصلها عن مجموع أفراد القبيلة، ولهذا أيضاً شارك حسان بن ثابت قومه انزعاجهم لأنه لا يستطيع التضحية بمصالح أناه القبليّة (الرئيسة) على مذبح أناه الخاصة (الثّانويّة).

هل كان مُحَمَّدٌ يقدر ردّة فعل الأنصار؟

نحن لا نشك أبداً في أنّه كان مستعداً لمواجهة الاعتراضات الَّتِي كانت تنتظره جراء نتائج القِسْمَة، وأنّه كان يدرك مسبقاً ردة فعل الأنصار قبل قدوم سعدٍ، لأنه كان أختبر سابقاً حالات مشابهة بسبب خلافات على توزيع الغَنائِم عقب المعارك، فبعد أن هْزمت قُرَيْش في معركة بدر (رمضان 2 ﻫ/ آذار (مارس) 624 م)، نشأ خلاف بين المقاتلين على أحقية حيازة الغَنائِم، فأدعى من جمع الغَنائِم من أرض المعركة حقه بالاحتفاظ بها، بينا أكّد الَّذِين كانوا يقاتلون في الميدان حقهم بالقِسْمَة، فلولا قتالهم لما تمكن الأوّلون من جمع الغَنائِم، والفريق الثالث الَّذِي كان يقوم بحراسة مُحَمَّدٍ، أكد بدوره حقه بالقِسْمَة لأنه لم يغادر مواقعه كي لا يفسح الفرصة لمقاتلي قُرَيْشٍ بالنيل من مُحَمَّدٍ. ولم يُحلّ الإشكالُ إلا عندما تدخل مُحَمَّدٌ، وقسّم الغَنائِم بالتساوي اتباعاً لنص الآية الأولى من سورة الأنفال.[52]

        أما المرة الثّانية فكانت في ميدان معركة أُحد (شوال 3 ﻫ/ آذار (مارس) 625 م)، عندما لاحت بشائر النصر، وبدأت قوات قُرَيْشٍ تنسحب تاركة أمتعتها، فغادر أغلب الرماة مواقعهم من أجل المشاركة في النهب، وقد كان منوطاً بهم مهمة حماية مؤخرة قوات المسلمين من الفرسان القُرشيين، وقد استغل خالد بن الوليد ـ قائد فرسان قُرَيْش في تلك المعركةـ الموقف، فغيّر بذلك نتيجة المعركة، وأُلحقت بقوات المسلمين هزيمة فادحة، وقد علقّ ابن مسعود على ذلك، فقال: «ما شعرت أنّ أحداً مِنْ أصحاب النَّبِيّ كان يريد الدنيا، وعرَضها حَتّى كان يومئذ»، وقد ندّد القرآنُ بِمَنْ تركَ، وأتهمهم بأنّهم أرادوا الدنيا، فقال: ﴿منكم مَنْ يُريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة﴾.[53]

بل كان ثمة حادثة احتجّ الأنصار فيها بالذات على قِسْمَة مشابهة، فبعد أنْ سلّم بنو النضير في ربيع الأول 4 ﻫ/ آب (أغسطس) 625 م أموالهم إلى مُحَمّدٍ على أساس اتفاق الاستسلام معه، قرر مُحَمَّدٌ قِسْمَة الأموال بين المهاجرين مستثنياً الأنصار، فاعترض بعض الأنصار على ذلك، فعاتبهم القرآن في الآية التاسعة من سورة الحشر، واضطر مُحَمَّد لشرح قراره بأنّ المهاجرين تركوا أموالهم وأولادهم للهجرة، فردّ الأنصار عليه بأنّ أموالهم مباحةً للمهاجرين، فبين لهم من جديد بعداً آخر لقراره، قائلاً إن مساعدتهم كانت على أساس أن المهاجرين لا يجيدون العمل.[54]

هذه السوابق تجعلنا نفترض بأنّ مُحَمّداً كان قد درس الموقف بدقة، واستعد جيداً لمواجهته، وكل ما فعله سعدٌ بقدومه أنّه حدّد موعدَ تحركِ مُحَمَّدٌ لنزع فتيل الأزمة، ولهذا طلب مُحَمَّدٌ الأنصار لاجتماع خاص معهم، ثم خطب بهم، قائلاً:

«واللَّه لو شئتم لقلتم فصدقتم: أتيتنا مكذّباً فصدّقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فواسيناك، أوَجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لُعاعة [55] من الدنيا تألّفت بها قوماً ليُسْلموا، ووكلتكم إلى إسْلامكم، أفلا ترضون أن يذهب الناسُ بالشاة والبعير، وترجعوا برسولِ اللَّه إلى رحالِكم؟ والَّذِي نفسي بيده لولا الهجرة لكنتُ امرأً من الأنصار، ولو سلك النّاس شِعباً وسلكتِ الأنصار شِعباً لسلكتُ شِعبَ الأنصار».

تمكن مُحَمَّدٌ من استرضائهم بخطابه، وقيل إن القوم قد بكوا حَتّى بلوا لِحاهُمْ بالدموع، وقالوا: «رضينا برسول اللَّه قسماً وحظاً».[56]

 

حَمْلَة تَبُوكَ (رجب 9 ﻫ/ 630 م)

بعد إقامة مُحَمَّدٍ في المدينة ثمانية أشهر ـ ما بين ذي الحجَّة إلى رجب ـ، أصدر أوامره بالتَّهيُّؤ للقيام بحَمْلَةٍ نحو بلاد الشّام، وقد أخبر عن مقصده خلافاً لعادته؛ فأعلنَ سببَ قيامِ الحَمْلَة أنباءً بلغته بأنّ هرقل ملك الروم، وحلفاءه العرب المسيحيين قد عزموا على التوجه إليه.[57]

كان الحرُّ شديداً، وأوضاع النّاسِ الماديّة سيئةً بسبب الجَدْب، فتجهّز المقاتلون على كره، ولذلك سُمي الجيشُ جيشَ العُسْرَةِ، وسميت الحَمْلَة غزوةَ العُسْرَةِ لقول القرآن: ﴿الَّذِين اتَّبَعُوهُ في سَاعَةِ العُسْرَةِ﴾.[58] وزاد من مصاعب تجهيز الجيش أنّ قرار الحَمْلَة جاء والحالة الداخليّة في المدينة كانت شديدة الحساسيّة؛ إذ تعقّد الوَضْع في المدينة سياسِيّاً واجتماعيّاً، وبرزت أعراض أزمة خطيرة هدّدت بتقويض استقرار المركز الراسخ والوحيد للإسْلام حينئذٍ، وحيث يوجد جنين الدّوْلَة الإسْلاميّة المقبل، وقد برزت أعراض هذه الأزْمَة عبر انتشار النفاق ـ المعارضة ـ في المدينة بعد اسْتِيْلاء مُحَمَّدٍ على مكّة، وانتصاره في معركة حُنَيْنَ، إذ أُصيب الأنصار بالخيبة بسبب من المعاملة الخاصّة الَّتِي حظي بها المَكّيّون بُعيد الاسْتِيْلاء على مدينتهم، وبعد موقعة حُنَيْنَ؛ سِيّما أنّ الأحداث جرت خلافاً لتوقعات الأنصار، أو ربّما لآمال الَّذِين أرادوا صنع مَلْحَمةٍ بالقرشيين كما عبّر عن ذلك زعيمهم سعد؛ كما لم يكن الأنصار يشعرون بالرضى على إعلان مُحَمَّدٍ قُبيل دخول مكّة، والَّذِي نصّ على أنّه: «مَنْ دخل دارَ أبي سفيان فهو آمن، ومَنْ أغلقَ بابه فهو آمن، ومَنْ ألقى السلاح فهو آمن»، فقال بعضهم لبعض: «أمّا الرّجُل فأدركته رغبة في قرابته ورأفة بعشيرته».[59]

كان الأنصار يأملون بالحصول على غَنائِم تعوضهم تكاليف سنوات الصراع الثّمَانية مع قُرَيْشٍ، ولتكون أيضاً اعترافاً بمركزيّة نضالهم في تحقيق النصر الكبير عليها؛ لكنّ دهشة الأنصار كانت كبيرةً بصدور قرار العفو دون الرجوع إليهم، ودون أنْ يسفر الاسْتِيْلاء على مكّة عن أيّة غَنائِمَ؛ وزادت معركةُ حُنَيْنَ من تعقد الوَضْع، والَّتِي أبلى فيها الأنصار بلاءً حسناً، وبفضلهم حقق جيش مُحَمَّدٍ النّصْر، بعد أنْ كادت قوات المسلمين تُمنى بالهزيمة، ومُحَمَّدٌ نفسه هو من استنجد بهم بعدما رأى فرار مقاتليه؛ فعبّر الأنصار عن هذه المفارقة، فقالوا بعد قِسْمَة غَنائِم حُنَيْنَ: «إنّ هذا لهو العجب أنّ سيوفنا تقطُر من دمائهم وإنّ غَنائِمنا تُرَدُّ عليهم».[60]

كانت غَنائِمُ حُنَيْنَ كافيةً لتعويض الأنصار ـ ولو نسبيّاً ـ عن نتائج مكّة المخيبة لآمالهم، لكنّ مُحَمَّداً وفق حسابات سياسِيّة دقيقة تُراعي مجمل العوامل السيا ـ اجتماعيّة، الَّتِي تحيط به، قرّر أنْ يقدّم ثمن الاسْتِيْلاء على مكّة للقبائل المشاركة في صنع هذا الحدث، والَّتِي شاركت من أجل الحصول على الغَنائِم وحسب؛ وأحد أبرز الأمثلة هو عُيَيْنَة بن حِصْن الَّذِي شارك قُرَيْشاً في غزوتها الفاشلة للمدينة ـ الخَنْدق ـ، كما شنّ في السّنة السادسة للهجرة هجوماً على مشارف المدينة، واستطاع الاسْتِيْلاء على إبلٍ لِمُحَمّدٍ نفسه، وقتل راعيها، وخطف زوجه.[61] وفي حصار الطائف علّل عُيَيْنَة مساعدته مُحَمَّداً برغبته في الحصول على فتاةٍ منهم كي تنجب له ولداً، لأن ثقيفاً كانت مشهورة بالدهاء والفطنة.[62]

شرع مُحَمَّدٌ يوزع الغَنائِمَ على هذه القبائل، وأعطى بسخاءٍ لقياداتها، مثل عُيَيْنَة الَّذِي وصفه بـ «الأحمق المطاع»[63] مستثنياً الأنصار، كما كان مضطراً لرشوة القرشيين، ولتهدئتهم من أجل كبح نزعات التمرّد لديهم على سلطته، بوصفهم حديثي العهد بالإسْلام كما شرح للأنصار.[64] وإذ تمكّن مُحَمَّدٌ من السيطرة على انفعالات الأنصار بخطبةٍ مؤثرةٍ في ساحةِ المعركةِ، ومنع الحدث من التفاعل سلبياً في الميدان، إلّا أنّه لم يستطع إنهاء تداعيات هذه القضيّة، وأخفق في إخماد جذوة الغضب الثاوي في نفوس الأنصار. كان هذا الوَضْع بلا شك بيئةً خصبةً لمشاعر الإحباط والغضب، والشّعور بالظّلْم، وربّما لبروز أسئلة مشروعة من قِبل الأنصار عن مصيرهم بعد كلّ ما قدموه من تضحيات للحركة الإسْلاميّة؛ ولهذا بالضبط قرر مُحَمَّدٌ القيام بحَمْلَة تَبُوك، بالرغم من تبرّم النّاس منها، وبروز معارضة جديّة لها، وكانت إحدى الحجج الرئيس لمعارضي الحَمْلَة هي شدة الحر، وعدم ملائمة الطقس للقيام بهذه المهمة، لكنّ القرآنَ رفض هذه الحُجّة وحذرهم من نارٍ أشد حراً، فجاءت الآية تقول: ﴿وقالوا لا تنفِرُوا في الحرِّ، قُل نَارُ جَهَنّم أشدُّ حرّاً لو كَانُوا يَفْقَهُون﴾.[65] كما كان بعض المعارضين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي، يثبّطون النّاسَ عن المشاركة فيها؛ وإذ كان الوَضْع السياسِيّ لا يحتمل التساهل فقد بعث مُحَمَّدٌ إليهم طلحة بن عبيد اللَّه في مجموعة من أتباعه وأمرَهُ أن يُحرّق البيت على المجتمعين.[66]

يقدم د. شوفاني تفسيراً إضافياً، وهو مستخلص من رواية عن ابن عباس، واردة في تاريخ ابن عساكر، وتفيد الرِّوايّة بأنّ مُحَمَّداً بعد رجوعه من الطائف، انتشر النفاق في المدينة، وكثر «أصحاب الصُّفَّة»،[67] وأصحاب الصفة كانوا ناساً من المسلمين لا مَنازل لهم، فكانوا ينامون في المسجد، لأنهم كانوا لا يملكون مأوى غيره، وليس لهم عشائر توفر عنهم مذلة الحاجة، وقد بلغ عددهم حوالي الأربعمئة.[68] ويفهم من رواية ابن عباس أن عدد الفقراء بين المسلمين قد ازداد، ولم يكن مُحَمَّدٌ يملك الموارد لإعالتهم. ومن أجل الإسراع بتجهيز الحَمْلَة، حثّ مُحَمَّدٌ أغنياءَ المسلمين على تمويلها، وقد أدركت هذه النّخبة الماليّة خطورة الموقف الداخلي، واستشعرت إرهاصات الانفجار الاجتماعيّ؛ فقامت بواجبها، وكان عثمانُ بنُ عفانَ أبرز المموّلين لها.[69]

تجمّعت القوات المتجهة إلى تَبُوك، وتوزعت إلى قسمين: القسم الأول مع مُحَمَّدٍ، وتمركز في ثنيَّة الوَدَاع، والقسم الثاني مع عبد اللَّه بن أبيّ ابن سلول، وتمركز أسفل قوات مُحَمَّدٍ؛ كانت قوات ابن سلول لا تقلّ عدداً عن قوات مُحَمَّد، فلمّا سار مُحَمَّدٌ بقواته، تخلّف عنه ابن سلول، وينقل الطبري قول الحسن البصري إن فيهم جاءت الآية: ﴿لقد ابتغوا الفِتْنةَ مِنْ قَبْلُ، وقلّبوا لكَ الأمُورَ﴾.[70] وحسب سيرة ابن كثير فإن ابن سلول تخلف هو «و طائفة من المنافقين، وأهل الريب»، فهل يعني أن القوات الَّتِي كانت تحت أمرته تابعت المسير تحت قيادة مُحَمَّدٍ؟ يمكن أن يكون هذا الاحتمال صحيحاً، ويمكن أن لا يكون على أساس أن جزءاً كبيراً من قوات هذه الحَمْلَة كان من القبائل البدوية، وربما كانت مشاركة بعضهم متأتية من العلاقة الوثيقة بشخصيات يثرب النافذة، علاوة على الطمع في الغَنائِم، ونحن نرجح الاحتمال الثاني، دون أن نصل به درجة اليقين.

وصل مُحَمَّدٌ إلى تَبُوكَ، وهناك عقد اتفاقاً مع يُوحَنَّا بن رُؤبة صاحب أيْلَة [العقبة اليوم]، مقابل إعطاء الجِزْيَة، وأتاه أهل جَرْباء وأذْرُح، فأعطوه الجِزْيَة، مقابل اتفاقات محددة وصالح أهل مَقْنا على ربع ثمارهم وكانوا يهودَ.[71] ثُمّ أقام في تَبُوك حوالي العشرين يوماً، ولم يحدث الصدام المفترض مع الروم والعرب المسيحييّن، فعاد إلى المدينة.

عملياً لم تغنمْ هذه الحَمْلَة شيئاً ذا بال، وكان يمكن أن توفّر لأصحاب الصفة حاجاتهم، وتعوض الأنصار عن نتائج الاسْتِيْلاء على مكّة ومعركة حُنَيْنَ العقيمة، وأرضت قُرَيْشاً الَّتِي خسرت في سنوات العداء مع المسلمين. لكن تواجد هيركليوس في حمص آنئذ هو الَّذِي ردع المسلمين على المغامرة والتوغل في سوريا.[72] ومع ذلك فإنّ الحَمْلَة عادت على حركة الإسلام بفائدتيْن؛ الأولى، وهي الهدف الرئيس، إذ خففت من احتقان الأنصار، ومكّنت مُحَمّداً من تجاوز مخاطر وقوع صراع داخلي في مَثابَته. وسيتمكن مُحَمَّدٌ من تجاوز هذه المعضلات عند رجوعه المدينة مع بدء وفود القبائل العربيّة بالقدوم إليه، واضطرار مجتمع المدينة إلى أن يظهر تماسكاً داخلياً من أجل المحافظة على النفوذ الصاعد للمدينة؛ والفائدة الثّانية، تعكسها وجهة النظر التالية، وهي عندما يهاجم الأمير الشديد الميل لخوض الحروب دولةً قويةً؛ فإنّه ينشر الذّعْر في صفوف خصومه وحلفائه، مما يحول بينهم وبين الاتحاد ضده.[73]

محاولة اغْتِيال مُحمَّدٍ

في طريق عودته أمر مُحَمَّدٌ الجيش بالمسير من وادٍ، وصعد هو طريقاً في أعلى الجبل، وكان معه عمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان.

اغتنمت مجموعة معادية لِمُحَمَّدٍ الفرصةَ، فتوجهت إليه وكانت ما بين اثني عشَر إلى خمسة عشَر فرداً، وكان أفرادها متلثمين، فحاولوا طرحه في الطريق من رأس هذه العقبة، لكنَّ المحاولة باءت بالفشلِ لأن حذيفة لوح أمام وجوه رواحلهم بمِحْجَنه،[74] فأسرعوا بالفرار، ودخلوا بين الجند، فقال القرآن: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾.[75] ولا يُعرف أحدٌ مِنَ المشاركين في هذه العملية الفاشلة،[76] الَّتِي جاءت في سياق الأزمة السياسِيّة في المدينة، فأبرزت بجلاء حدتها، والَّتِي كانت تهدد بإعصار يكتسح المركز الإسْلاميّ من الداخل.

لما اقترب مُحَمَّدٌ من مشارف المدينة أمر مجموعةً من جنده بالتوجه إلى مسجدٍ من أجل هدمه، وقد أُطلق على المسجد اسم مسجد الشقاق، وكان هذا المسجد قد أُنجز بناؤه عشية حَمْلَة تَبُوك، وطلب بُناته من مُحَمَّدٍ القدوم إليهم ليصلي فيه، لكنّه أعتذر منهم، ووعدهم عند رجوعه؛ وعِوَضاً عن الصَّلاَة فيه أمر بتحريقه على أساس المؤشرات الَّتِي كانت بحوزته، والَّتِي تشير إلى أن بُناته يرتبطون بعرىً وثيقةٍ بأعدائه السياسِيّين، وكان أبو عامر الراهب ـ أحد أعداء مُحَمَّدٍ العنيدين ـ ملهماً روحياً لبُناة المسجد، وقد لعب المناخ السياسِيّ العاصف في المدينة دوراً رئيساً في بنائه.[77]

عند أوبة مُحَمَّدٍ إلى يثربَ كان التوتر السيا ـ اجتماعيّ مازال مهيمناً على الحياة فيها كما تبرزه قضية مسجد الشقاق؛ ولهذا كان يتأتى عليه معالجة الموقف بحكمة، وروية، للسيطرة على مسارات التوتر؛ لكنّه سَرْعانَ ما تجاوز هذه الأزمة عندما بدأ يحصد نتائج سنوات نضاله، وكانت أبرز هذه النتائج استسلام ثقيف بعد أن جاءهُ وفدها عقب رجوعه من تَبُوك، فساعد إعلان ثقيف الإسْلام بشكلٍ كبيرٍ على تهدئة أجواء المدينة السياسِيّة المتوترة.

ثقيف تعلن الإسْلام (رمضان 9 ﻫ/ كانون الثاني (يناير) 631 م)

       

حُوصرت ثقيف بعد تراجع قوات مُحَمَّدٍ عنها، إذ شرعت القبائل المحيطة بها، والَّتِي أعلنت ولاءها لحركة الإسْلام تشن الغارات عليهم باسم الإسْلام بقيادة مالك بن عوف، فكانت تهاجم القوافل، والمواشي خارج محيط الطائف، مما جعل حياة ثقيف معقدةً بكافة جوانبها بعدما ألحقت هذه الهجمات أضراراً فادحةً باقتصادِهم، ولذلك قرروا الاستسلام، فبعثوا وفداً برئاسة عبد ياليل بن عمرو لِمُحَمَّدٍ من أجل الاتفاق على شروط الاستسلام. ويبدو أنّ المُغِيرَة بن شعبة لعب دوراً في التمهيد لهم إذ تخبرنا المصادر أنّه التقي بالوفد قُبيل لقاء أعضائه بمُحَمَّدٍ، وذلك بحكم جذوره الثقفية، وكان المُغِيرَة قد أعلن إسْلامه على إثْر قتله في مصر رفاقاً ثقفيين له في التّجارة، ودون أن نعرف السبب الحقيقي لهذا التصرف، والتجأ بعد ذلك للمدينة وهناك أعلن إسْلامه قبيل الحُدَيبيَة، فأمّن لنفسه حمايةً من انتقام أقارب التُّجّار.

طلب الوفدُ من مُحَمَّدٍ السماح لهم بترك اللاّت ثلاث سنين؛[78] لكن مُحَمَّداً رفض طلبهم، وحاول الوفد مفاوضته على تركها سنةً، ثُمّ على شهرٍ، ومُحَمَّدٌ يرفض تركها مهما قصرت المدة الزمنيّة؛ ويرجع سبب طلبهم لرغبتهم بعدم إثارة أفراد ثقيف، ولتجنب ردود أفعالهم أو نقدهم على الأقل. وطلبوا منه كذلك أن يعفيهم من الصَّلاَة، وألاّ يكسروا أوثانهم بأيديهم.

وافق مُحَمَّدٌ على إعفائهم من كسر أوثانهم بأيديهم ورفض إعفاءهم من الصَّلاَة، وإذ أُسقط بأيدي أعضاء الوفد بسبب صلابة موقف مُحَمّدٍ بوجه مطالبهم، فإنهم أعلنوا: «يا مُحَمّد، فسنؤْتيكها ـ أي الصَّلاَة ـ، وإن كانت دناءة».

بعث مُحَمَّدٌ أبا سفيان بن حَرب والمُغِيرَة بن شعبة ليهدمها؛ فلما شرع المُغِيرَة بن شعبة يضربها بالمعول، طّفِقّ أبو سفيان يقول والمُغِيرَة يضربها بالفأس: «واهاً لك!»،[79] بينا خرجت نساء ثقيف حُسّراً يبكين عليها.[80] وإذا أخذنا بعين الاعتبار طبيعة المنافسة بين ثقيف وقُرَيْش فالمؤكد أنّ أبا سفيان يسخر من اللاّت في هذا الموقف، أو أنّ الرّوايَات المتأخرة عزت إليه كلمة التأسف هذه للإساءة إلى الأسرة الأموية.

في نفس شهر عودته من تَبُوك أيضاً، وصلت رسالةٌ إلى مُحَمَّدٍ من ملوك حِمْيَر ويبدو أنها لإقامة الصلة مع الزعيم البارز للتو، وإن كانت المصادر التّاريخيّة تزعم أنّ نصها يتضمن إقراراً بالإسْلام[81] دون أنْ تورد ما يثبت هذا الزعم.

 

تعزّز القوى ـ سنة الوفودِ (9 ﻫ/ 631 م)

حدثت تغيراتٌ ملموسةٌ في موازينَ القوى لصالح مُحَمّدٍ مما سمح له بتطوير وسائل نضاله، فانتقل إلى إستراتيجية هجوميّة محضة، هذه الإستراتيجية المرتكزة على أفضليات وضعه العامة (تماسك القيادة، عقيدة دينيّة تتحرك تحت لوائها جيوشه، توسع رقعة نفوذه السياسِيّ)، ولهذا قام بإرسال عليّ بن أبي طالبٍ في سرية (ربيع الآخر 9 ﻫ) مؤلفةٍ من خمسين ومئة رجلٍ من الأنصار إلى ديار طيِّىءٍ وأمره بهدم صنمهم الفُلْس؛ فسار إليهم وأغار عليهم مع انبلاج الفجر، حيث تمكن من كسر الصنم والحصول على غَنائِم وسبي، وكانت أخت عَدِيّ بن حَاتِمِ من جملة السبي وقد هرب عَدِيّ بن حَاتِمِ إلى الشّام.[82]

سمحت هذه الاستراتيجية الجديدة بإبراز ظاهرة جديدة كل الجُدَة في الجَزِيْرة العَرَبِيّة، ونعني بها إرهاصات تكّون دولة على قاعدة الحركة الإسْلاميّة الَّتِي تتبع استراتيجيات هجومية فعالة، والَّتِي بدأت معالمها بالتوضح في المدينة مع تزايد النزعة الهجومية لهذه الحركة؛ فأدركت القبائل العربيّة جبروت هذا المركز الصاعد بسبب من عدة عوامل:

1 ـ الانتصار على مكّة، وهي أهم معقل للوثنيّة العربيّة في الجَزِيْرة العَرَبِيّة، وقد كانت القبائل العربيّة تراقب باهتمام الصراع الدائر بين قُرَيْشٍ وحركة المسلمين، فلما استولى مُحَمَّدٌ على مكّة أدركت القبائل العربيّة جبروت هذه الحركة، بعدما أقرت قُرَيْش بالإسْلام، وهم أهل الحرم، الَّذِين حماهم اللَّه من اجتياح الأحباش لهم في غزوة الفيل المعروفة؛ وقد اُعتبرت سورة النصر:﴿إذا جاء نصر اللَّه والفتح﴾ تتعلق باستسلام مكّة، وإن كان بعض الرواة يرون أنها جاءت بمجيء أهل اليمن.[83]

2 ـ تجرأ قادتها على التحرك باتجاه بلاد الشّام مرتين (مُؤتَة، وتَبُوك)، هذا بغض الّنظر عن طبيعة هذا التحرك ونتائجه العمليّة.

3 ـ استسلام ثقيف، وهي الحاضرة القوية في الحِجَاز وصنو مكّة؛ مما يعني أن الحِجَاز قد دان برمته لنبيِّ الإسْلام، وأعلن ولاءه له.

دفعت هذه العوامل زعماء القبائل العربيّة للاتصال بمُحَمَّدٍ، من أجل فهم طبيعة الحركة الجديدة، وإبعاد شبح هجمات المسلمين على قبائلهم، فبدأ وصول الوفود إلى المدينة في السّنَة التاسعة الهجرية (631 م)، ولهذا سميت هذه السَّنة سنة الوفود.

سنلقى نظرةً على الوفود الَّتِي قدمت إلى مُحَمَّدٍ، كما سنحاول تفهّم دوافع مجيئهم مُحَمَّداً. ولنبدأ بتعداد الوفود الَّتِي زارت مُحَمّداً، وسنروي ما قالته المصادر عنها.

 

وفدُ بني أسدٍ ـ مطلع السّنَة التاسعة

جاء وفدُ بني أسدٍ مُحَمَّداً سنة تسع هجرية، وكان مؤلَّفاً من عشَرة أشخاص ـ وقيل إنّ فيهم طُلَيْحَة بن خُوَيْلد، الَّذِي سيعلن النُّبُوَّة لاحقاً ـ؛ فمنّ الوفدُ على مُحَمَّدٍ بأنّهم لم يشاركوا أعداءه معاركهم ضده، وأنّهم يرغبون في إعلان الإسْلام دون إكراه منه؛ لكنّ القرآن رد عليهم فوراً: ﴿يمنَّون عليك أن أسلموا قُل لا تمنّوا عليَّ إسْلامكم بل اللَّه يمن عليكم أن هداكم إن كنتم صادقين﴾؛[84] لقد أصبح موقع مُحَمَّدٍ السياسِيّ قوياً بما فيه الكافية، وصار يملك إمكانية مفاوضة زعماء القبائل من موقع السيد الأول للحجاز، ولم يعد يحتاج بعد الآن لأساليب الدّعْوة التبشريّة، بل في وسعه التصرف بحرية أكبر، ودون خشية من رفض القبائل العربيّة لدعوته، ويقول لهم إنّ اللَّه هو الَّذِي يمنّ عليكم أن هداكم. كان مضمون الآية متسقاً مع حقيقة أنّ إعلانهم الإسْلام جاء لدرء مخاطر وقوع هجوم عليهم من قِبل الحركة الإسْلاميّة، والمحافظة على النّظام القبلي الدّاخليّ لكلِّ قبيلةٍ، وقد لاحظ القرطبي فيتفسيره لهذا الآية بأنّ هذا لا يدل على أنهم كانوا مؤمنين، لأن تقدير الكلام: «إنْ آمنتم فذلك منة اللَّه عليكم».

وفدُ بني تميمٍ وسورة الحجرات

       

في منحى مشابه للدور الَّذِي لعبه مالك بن عوف في استسلام ثقيف، شنّ عُيَيْنَة الفزاري غارةً على بني تميمٍ في خمسين فارساً ليس فيهم مهاجري ولا أنصاري (محرّم، 9 ﻫ) بتكليف من مُحَمّدٍ، فتمكن من أسر أحد عشَر رجلاً وإحدى عشْرة امرأةً وثلاثين صبيّا مما دفع بني تميم لإرسال وفدٍ إلى مُحَمَّدٍ، ولما قدم وفدهم المسجد نادوا مُحَمَّداً من وراء حُجُراته طالبين منه الخروج إليهم، وقالوا:«إنّ مدحنا زين وذمنا شين»، وكان الوفد مؤلَّفاً من أعراب بني تميم برئاسة الأقرع بن حابس؛ فآذى صياحهم مُحَمَّداً، فخرج إليهم، ثم إنهم أعلنوا ولاءهم له، فقدم لهم مُحَمَّدٌ الهدايا، وردّ لهم الأسْرَى والسَّبْيَ، ومع ذلك ندّد بهم القرآن، بقوله:﴿إنّ الَّذِين يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾.[85]

        تزايد إدراك القبائل العربيّة إلى أهميّة إقامة الروابط الوديّة مع القوة البازغة، وقدّرت أنّ عيشها بسلامٍ سيكون مستحيلاً دون ضمان علاقة معينة مع المدينة وقيادتها المتمثلة بالحركة الإسْلاميّة؛ فشرعت الوفود تَتْرى على مُحَمّدٍ.

سنسرد أسماء الوفود الَّتِي جاءت مُحَمّداً، وسنرى ماذا قالت المصادر عنها، ثم نقدم رأينا، والوفود هي:

1 ـ ضِمام بن ثعلبة وافداً عن بني سعد بن بكر، فرجع إلى قومه وأظهر إسْلامه، فتبعه جميع قومه.

2 ـ الجارود بن عمرو[86] في وفد عبد القيس، وكان الجارود نصرانيّاً، فأعلن إسْلامه، وأسلم من معه. ولاحقاً بعد وفاة مُحَمّدٍ سينضم الجارود إلى المسلمين في صراعهم ضد القبائل الرافضة للخضوع لهم في أزمنة الصراع بين الحركة الإسْلاميّة، والقبائل العربية (حروب الردة).

3 ـ زيد الخيل في وفد طيِّىءٍ، وكان زعيماً فيهم، فلقبه مُحَمَّدٌ «زيد الخير».

4 ـ رسول ملوك حِمْيرَ، مخبراً عن إسْلامهم، فبعث مُحَمّدٌ إليهم مُعاذ بن جَبل.

5 ـ بعث مُحَمَّدٌ خالدَ بنَ الوليدِ إلى بني الحارث بن كعب بنَجْرَان في ربيع الآخر أو جمادى الأولى من السّنَة العاشرة هجريّة، وكانت الأوامر إليه تنصّ على أن يقاتلهم بعد ثلاثة أيام من الدعوة للإسْلام، فانصاعوا للتهديد. وبناءً على تعليمات مُحَمَّدٍ قدم خالد بن الوليد مع وفدهم على مُحَمَّدٍ؛ ثم بعث مُحَمَّدٌ مع الوفد عمرو بن حَزْم، ليعلمهم شرائع الإسْلام، ويأخذ صدقاتهم.

6 ـ أما نصارى نَجْرَان فقد أرسلوا وفداً للمدينة، وعقدوا مع مُحَمَّدٍ صلحاً مقابل جزية معلومة، وعلى عَارِية ثَلاثين درعاً، وثَلاثين رمحاً، وثَلاثين بعيراً، وثَلاثين فرساً، إنْ استدعت الضرورات وجود قوات إسْلاميّة، مقابل السلام الدائم بين الطرفين، وقد بقى نصارى نَجْرَان على ذلك إلى أن تسلّم عمر بن الخطاب الحكم، فأجلى أهل الكتاب عن الحِجَاز، وأجلى أهل نَجْرَان، بعد أن أشترى منهم ممتلكاتهم؛ فتوزعوا في الأمصار، حيث ذهب بعضهم إلى العراق، فاستقروا بالنَجْرَانية الَّتِي بناحية الكوفة، وبهم سُميت، ونزل بعضهم الشّام، وقد طلب عُمَر من أمراء الشّام والعراق العناية بهم وتوفير الشروط الضرورية لتوطينهم.

7 ـ قدم وفد الأزد في السّنة العاشرة هجرية برئاسة صُرَد بن عبد اللَّه، فأشهر إسْلامه، فأمّرَه مُحَمَّدٌ على مَنْ أسلم من قومه، وأمره أن يقاتل بمن أسلم من أهل بيته الوثنيين من قبائل اليمن.

8 ـ أرسل فَرْوة بن عمرو الجُذامي (10 ﻫ) رسولاً إلى مُحَمَّدٍ، لينقل إليه قرار إسْلامه، وكان فروة عاملاً للروم على أهل منطقته، وكان منزله مُعان في بلاد الشّام، فألقى الروم القبض عليه لمّا بلغهم إسْلامه ثم قُتل في سجنه.[87]

ما يمكن ملاحظته حول الوفود هي أنها:

أ ـ إن الوفود كانت تشتكي حسب المصادر من جدب البلاد، ويبدو أنها كانت سنة مجدبة، وهذا يعنى أنه كان ثَمّة سبب اقتصاديّ يدفع بعض الشخصيات القبلية للقدوم على مُحَمَّدٍ، ويبدو أنّهم كانوا يرغبون بتلقي مساعدات منه بوصفه زعيماً يساوي في نظرهم زعيم قبيلة قوية، حيث كانوا ينظرون ـ حسب مقاييسهم ـ للحركة الإسْلاميّة على أنها قبيلة. كان دَيْدَن زعماء القبائل البدوية، وكبار الشعراء الذهاب لملوك الدول المجاورة للجزيرة العربيّة من أجل تلقي العطايا والمساعدات.

ب ـ بالفعل كان مُحَمّدٌ يتصرّف وفق تلك الرؤية، فكان يقدم الجوائز والعطايا لأعضاء الوفود بسخاء، وكان يقدر أهمية ذلك بالنسبة لمجتمعات الجَزِيْرة العَرَبِيّة، وتقول الرّوايَات إنه أوصى وهو على فراش الموت بالاستمرار بهذه العادة.

ج ـ لم تكن الوفود مخولّة بالتّفاوض مع مُحَمَّدٍ على الإقرار بالإسْلام، بل كان أغلب الوفود مبادرات فردية من أصحابها لا غير، ولا يتمتع أفرادها بأية صفة تمثيليّة، وإذا حدث أن أعلن وفدٌ إسْلامه، فإنّ ذلك لم يعنِ بأي شكلٍ بقية أعضاء القبيلة الَّتِي ينتسب إليها الوفد، كما حدث مع وفد من غسان (10 ﻫ) حيث أعلن الوفد إسْلامه لكنه لم يستتبعه إقرار غسان بالإسْلام.[88]و يعود عدم تمتع الوفود بصفة تمثيلية إلى طبيعية التكوينات القبلية الَّتِي تغيب فيها أشكال السُّلْطَة السياسِيّة.

د ـ كانت بعض هذه الوفود مدفوعة بهواجس داخلية، حيث سعت بعض الشخصيات لإنشاء تحالفات خارجية من أجل إحداث انقلاب في مواقع السُّلْطَة داخل قبيلتها. وكان هذا سلوكاً متبعاً في الأزمات القبليّة الداخلية كما سنرى مع قصي بن كلاب، والأوس والخزرج أيضاً.

إن المصادر التأريخية تتجاهل هذه الحقائق، ولهذا ترى في مجيء الوفود إقراراً بالإسْلام من قبل القبائل الَّتِي تنتسب إليها الوفود. والحقيقة كانت تكمن في أنهم سعوا لعقد علاقات مع جارٍ قوي بارزٍ للتو، وهي لم تكن ولاءً للإسْلام كدين، أو لمُحَمّدٍ كنبيٍ، بل علاقة مع مُحَمّدٍ كزعيم لمجتمع ناهض، لا يجوز من الآن تجاهله؛ والأحداث اللاحقة الَّتِي سندرسها محاولة لإماطة اللثام عن طبيعة العلاقات القبليّة ـ السياسِيّة في عربيا العهد المُحَمّدي.

البَرَاءَة ـ اكتمال القوة (9 ﻫ/ 631 م)

 

        في السّنَة التاسعة هجرية (631 م) بعث مُحَمَّدٌ أَبَا بَكْر أميراً على الحجّ، وليشرف على شئون المسلمين فيه، في حين كان الوثنيون العرب يتجهون للحجّ وفق شعائرهم الوثنيّة. وبينا أَبُو بَكْر في طريقه إلى مكّة حدث انقلاب كبير في ذهن مُحَمَّدٍ؛ لكنّه كان ينسجم تماماً مع حالة القوى السياسِيّة في الجَزِيْرة العَرَبِيّة، إذ قرر إلغاء تواجد الوثنيين كلياً في مكّة، ومحو طابعها الوثني. كان هذا القرار يأخذ بعين الاعتبار ما استجد من الأوضاع، فإلى جانب ما سبق من عناصر قوة كانت وراء استسلام ثقيف، أُضيف عنصرٌ آخرُ لجبروت الحركة الإسْلاميّة، وهو قدوم وفود القبائل، فتزايدت حوافز مُحَمَّدٍ لتطوير استراتيجيته الهجوميّة.

        دعا مُحَمَّدٌ عليَّ بن أبي طالبٍ، وطلب منه تبليغ قراره بأنّ هذا العام آخر عام يحجّ فيه الوثنيون، ومن العام القادم سيُمنعون من الحج، وبعث معه بآيات من سورة «براءة»، ما بين الثلاثين والأربعين آيةً، فقرأها عليٌّ على الحُجّاج يوم عرفة، وفي مواقع إقامتهم.[89]

        لقد تحقق اليوم الحلم الكبير، انتهى العهد الوثني لمكّة، وبدأ عهدها التوحيدي، ولتكون لا قبلة المسلمين الروحيّة وحسب، بل قبلة التوحيد السياسِيّ لقبائل الجَزِيْرة العَرَبِيّة، والَّذِي بدأ يتبلور أكثر فأكثر في ذهنه مع انتصارات حركة الإسْلام.

 

فرض الزّكاة

       

في نفس الوقت، بدأت تبرز مشكلات جديدة لمُحَمّدٍ، وهذه المرة تتعلق بالتمويل اللازم لإدارة المدينة، وتوفير حاجات الحركة الإسْلاميّة بعدما قلّت عوائد الغارات مع توسع نفوذ الإسْلام، وانحسار المساحة الَّتِي يمكن القيام فيها بالغارات، وقد استدعت مسألة توفير مصادر مالية للحركة الإسْلاميّة من مُحَمَّدٍ انتهاج طريقيْن: الأولى، توسيع النشاط العسكريّ، ليشمل مناطق أبعد فأبعد عن مركز الإسْلام، مثلما كان في مُؤتَة وتَبُوك، وكانت الظروف غيرَ مهيأةٍ بعد للانتقال إلى هذه الاستراتيجية، وهي لن تتهيأ إلا في عهد خليفته أَبِي بَكْر؛ الثانية، توفير مصادر تمويل من الداخل، ولهذا فُرضت الزّكاة (أو الصّدَقة) في السّنَة التاسعة هجرية، وتعيّن الفرض الجديد بالآية: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾.[90]

من أجل جمع الزّكاة عيّن مُحَمَّدٌ عُمّاله في كلِّ الأنحاء الَّتِي أعلنت خضوعها للحركة الإسْلاميّة، وفيما يلي قائمة بأسمائهم:

1 ـ أرسل المهاجر بن أبي أميَّة بن المُغِيرَة إلى صنعاء، لكنّه سيواجه فيها تحركاً معاديّاً بقيادة الأسود العَنْسيّ.

2 ـ وجّه زياد بن لبيد الأنصاري إلى حَضْرَمُوْتَ.

3 ـ عيّن عَدِيّ بن حَاتِمِ الطائي على طيِّىءٍ، وعلى بني أسدٍ.

4 ـ عين مالك بن نُويرة على صدقات بني حنظلة، وينتمي ابن نويرة إليهم.

5 ـ كما طلب من زعيميْن من بني سعد جمع الزّكاة؛ فبعث الزّبرقان بن بدر على ناحية منها، وقيسَ بن عاصم على ناحية.

6 ـ بعث العلاء بن الحضرميّ على البَحْرين.

7 ـ بعث عليّ بن أبي طالبٍ إلى أهل نَجْرَان، ليجمع صدقَتهم ويَقْدَم عليه بجِزْيَتِهْم.[91] لكنْ لن يُقدّر لِمُحَمَّدٍ أنْ يتسلّم أموال الزّكاة (الصدقة) إذ لن يلبث إلاّ أنّ يغادر العالم الأرضي.

 

حِجَّة الوَدَاعِ (ذو الحجة 10 ﻫ/ آذار (مارس) 632 م)

في ذي القعدة من السّنَة العاشرة للهجرة (632 م)، خرج مُحَمَّدٌ لأداء الحجّ، وهي حجته الوحيدة، والأخيرة، ولم يكن قد حجّ منذ إعلانه النُّبُوَّة؛[92] فحدّد فيها طقس الحجِّ حسب المنظور الإسْلاميّ، وأثناءها ألقى خطاباً أرسى فيه إِسْلاميّاً مَعالِم النّظام الاجتماعيّ، الَّذِي بدأ بالتكوّن في الجزيرة العربيّة؛ ولهذا فإنّ نصّ خطاب حِجّة الوداع يحتاج إلى وقفةٍ تحليليةٍ للكشف عن دلالته السيا ـ اجتماعيّة.

المَعَالِم السيا ـ اجتماعيّة لخطاب حجّة الوَدَاعِ

إلغاء الثَّأْر

نشأ نظام الثَّأْر بسبب من غياب السُّلْطَة في مجتمعات الجزيرة العربيّة، وافتقاد القبائل لأجهزة إدارة داخليّة تسيّر أمورها، وتمثّل إرادة أفراد القبيلة؛ كانت هذه الوَضْعية تعني افتقاد الجزيرة العربية لقانون عام مكتوب، ولهذا كان تحقيق العدالة، وحفظ النّظام الاجتماعيّ في القبيلة يتم عبر القوانين المرعيّة المتوارثة، ذات الطبيعة الشفوية في كل منها (العادات والتقاليد)؛ أما على المستوى الأوسع ـ مستوى العلاقة بين القبائل ـ؛ فإن الثَّأْر كان الضمانة الوحيدة للاقتصاص من منتهكي حُرْمات القبائل، فعلى خلفية غياب سلطة مرجعية عامة للقبائل، وعدم وجود السُّلْطَة القهرية المتمثلة بالدّوْلَة؛ لم يكن متاحاً لأسرة القتيل توسل تطبيق العَدالَة إلا عبر آليات أخرى، وكان الثَّأْر الآليةَ الوحيدة لتطبيق العدالة، وإذ كان الفرد جزءاً من أنا القبيلة، ولا يشكل كياناً إنسانياً مستقلاً بذاته، فإن مهمة الأخذ بالثَّأْر كانت منوطة بالأنا الأكبر (الأسرة، العشيرة، أو حَتّى القبيلة)، أي الكيان الأعم والأنا الحقيقي للفرد، وكان القصاص يقع بدوره على الفاعل العام (أي فرد من الأسرة أو العشيرة أو القبيلة) وليس شرطاً على الفاعل الفرد (الجاني)، الَّذِي كان يُنظر إليه كعضو في جسم القبيلة، أو كجزءٍ من الأنا.

وفر الثَّأْر حمايةً فعالةً نسبيّاً من الانتهاكات، مع إدراك القبائل أنّ كلَّ مجرمٍ لا بد وأن ينال عقابه، مما كان يدفع بالقبائل لمراقبة أعضائها تجنباً للثّأْر، والثَّأْر المضاد؛ لكن من الجهة المقابلة، كان الثَّأْر يفتح أحياناً أبواباً واسعةً للانتقام والانتقام المضاد، وقد يطول الصّراع سنوات وسنوات وتسيل الدماء أنهاراً قبل أن يتمكن الحكماء من الجانبين أو من طرف ثالث خارجي من إنهاء سلسلة الثَّأْر والثَّأْر المضاد.

إذاً، كان الثَّأْر معادلة ذات عاملين يتبادلان التأثير، فمن جهة نشأ عن غياب السُّلْطَة السياسِيّة في القبيلة، والتفكّك الاجتماعيّ وغياب السُّلْطات العامة في الجَزِيْرة العَرَبِيّة، ومن جهة ثانية فإنّ استمراره يعنى تعزيز أسس التفكك الاجتماسِيّ، كما كان بقاؤه يعني بقاء عامل نابذ للوحدة لا يمكن التقليل من خطره على مشروع تأسيس مجتمعٍ متماسكٍ بقيادة حركة عقائديّة دعْ عنك دولة.

منذ الاسْتِيْلاء على مكّة كان مُحَمّدٌ يعمل على إزالة عناصر التجزئة، وقد أمر بتحطيم الأصنام بوصفها عائقاً روحيّاً، وكان من الطبيعي أنْ يطالب لاحقاً بوقف الثَّأْر بوصفه عائقاً بوجه الوحدة الناشئة على الصعيد الاجتماسيّ، ومعارضاً خطيراً لسيرورة تكّون سلطة قهرية، تُعنى بمسألة إدارة جميع عمليّات المجتمع؛ ولهذا أعلن في الخطاب: إنّ «كلّ دمٍ في الجاهليّة موضوعٌ، وإنّ أوّل دمائكم أضع دمُ ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وكان مُستَرضعاً في بني ليث، فقتله هُذَيل فهو أوّل ما أبدأ به من دماء الجاهلية».

المرأة

ثمة تطورات لفت مُحَمَّدٌ النظر إليها بصدد المرأة، وقد تعيّنت بكلماته التالية:

«أما بعد أيّها النّاس، فإنّ لكم على نسائكم حقّاً، ولهنّ عليكم حقاً، لكم عليهنّ ألّا يوطئن فُرشَكُمْ أحداً تكرهونه، وعليهنّ ألاّ يأتين بفاحشة مُبَيّنة، فإن فعلن فإنّ اللَّه قد أذن لكم أن تهجروهنّ في المضاجع وتضربوهنّ ضرباً غير مُبَرَّح، فإن انتهين فلهنّ رزقهنّ وكُسوتهنّ بالمعروف واستوصوا بالنساء خيراً فأنهنّ عندكم عَوَانٍ [93] لا يمْلكن لأنفسهنّ شيئاً، وإنّكم إنّما أخذتموهنّ بأمانة اللَّه، واستحللتم فرُوجَهنّ بكلمات اللَّه».[94]

و في نص آخر مروي عن عمرو بن خارجة قال مُحَمَّدٌ:

«لا تجوز وصيّة لوارث، والولد للفراش، وللعاهر الحَجَر، ومن ادّعى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه، فعليه لعنة اللَّه والملائكة أجمعين، لا يقبل اللَّه منه صَرْفاً ولا عدلاً».[95]

في هذا القسم من خطاب مُحَمَّدٍ يظهر بشكلٍ جليٍ جوهر الإسْلام الذّكوريّ، فقد نشأ الإسْلام في طور الأخير للمشاعيّة الصحراويّة [96] في الجزيرة العربية، وانعكست المشاعيّة في أشكال زواج، وعلاقات جنسيّة كانت باقية في الجَزِيْرة العَرَبِيّة حَتّى زمن الإسْلام الأول، وكانت الأشكال الَّتِي تعبر عن بقايا المشاعيّة:

1 ـ نكاح العُمْرة: حيث ينتقل الزوج إلى بيت زوجه.[97]

2 ـ الرَّهْط: الرَّهْطُ ما بين الثلاثة إلى التسعة؛ حيث تمارس المرأة الجنس معهم برضى منها، واتفاق بينهم وبينها، وفي حال حملت فإنها تستدعي هؤلاء الرهط لاجتماعٍ، ثم تختار أحدهم قائلةً: «هذا ابنك يا فلان»، ولا يستطيع هذا الشخص رفض قرارها.

3 ـ المُبَاضَعة (الاسْتِبْضَاع): وهو أن يطلب الزّوج من زوجته دعوة رجلٍ معروف بصفاته البدنيّة أو الخُلقية لممارسة الجنس معه، ولا يمارس الزّوج الجنسَ مع زوجته حَتّى يتبين حملها، وتهدف المباضعة إلى الحصول على ولد يحمل سمات المُبَاضِع.

4 ـ الخِدان: المرأة ذات الخِدْنِ، الَّتِي تقيم علاقة جنسيّة سريّة مع رجلٍ واحدٍ (خليل، صديق)، على عكس البغاء؛ ولم تكن هذه الممارسة مستنكرة في الجَزِيْرة العَرَبِيّة قبل الإسْلام، وقد رفض الإسْلام هذا السلوك وإليه تشير الآية: ﴿وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾.[98]

5 ـ زواج المُتْعة: وقد بقي في الإسْلام. وربما آخر ما بقي من المشاعيّة في المنظومة الإسْلاميّة.

6 ـ البَدَل: حيث يقترح الرّجل على آخر تبادل الزوجات، فيقول له: «انزل لي عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي».

7 ـ البغاء: حيث تضع المرأة راياتٍ أمام بيتها ليكون لها عَلَماً، وتمارس الجنس مع الرجال الراغبين، وإذا حملت، ووضعت المولد، تأتي القّافَة، وتحدّد لِمَنْ يرجع الولد، حيث يلحق به، وإلى هذا المسلك يشير القرآن: ﴿الزَّاني لاَ يَنكِحُ إلّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً والزَّانِيَةُ لاَ يُنكِحُهَا إلّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ (النور: 3).[99]

مع الإسْلام كانت هذه العلاقات قد قاربت على الاضمحلال في الجَزِيْرة العَرَبِيّة بتفسخ التّشكيلة الاجتماعيّة المشاعيّة فيها، والإسْلام كان يستجيب للمسار التطوري في الجزيرة العربيّة، وإذ وسمته الذّكوريّة بمِيْسَمها فإنّ ذلك كان مَلْمَح المرحلة الَّذِي انبثق فيها، مرحلة كانت تريد التخلص من آثار ماضٍ مشاعي أموميّ لصالح مستقبل ذكوري حيازي، وكان مطلوب منه تلبية متطلباتها، وبنفس الوقت كان عليه التعبير أيديولوجياً عن هذا التّطور الاجتماعيّ. وعلى ضوء هذه الاعتبارات لا يمكن النظر إلى الإسْلام مفصولاً عن البيئة التاريخيّة الخاصة بنشأته، وإذا تجنبنا الاسقاطات المعاصرة للنّسوية، فإن ذكوريّة الإسْلام كانت نقلة تقدميّة في الحركة الاجتماعيّة، وفي الوَعْي الاجتماعيّ آنذاك، وهو كان يسعى إلى إزالة البقايا الأموميّة، الَّتِي قاربت على التآكل في الجَزِيْرة العَرَبِيّة، واستنفدت مرحلتها، ولم يعد بإمكانها أن تلبي حاجات الجَزِيْرة العَرَبِيّة المستقبلية.

على ضوء هذه الاعتبارات تعيّن الموقف من المرأة في خطاب مُحَمَّدٍ، وهي المَعَالِم الجديدة في الجَزِيْرة العَرَبِيّة والَّتِي شرع الإسْلام يعكسها أيديولوجياً، ويدفعها إلى الأمام.

النَّسِيء

ثَمّ مَعْلَم ملفت في خطاب حِجّة الوَدَاعِ، وهو إلغاء نظام النَّسِيء، بقول مُحَمّدٍ:

«أيّها الناس: ﴿إنّمَا النَّسِيءُ زِيَادةٌ في الكُفْر، يُضَلُّ به الَّذِين كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَاماً، ويُحَرّمُونَهُ عَاماً، لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّه، فَيُحِلُّوا ما حّرَّمَ اللَّه﴾،[100] ويُحَرّمُوا ما أحَلّ اللَّه، وإنّ الزّمان قد استدار كهيئته يوْمَ خَلَقَ اللَّه السَّمَواتِ والأرضَ؛ و﴿عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّه اثْنَا عَشَرَ شَهْراً في كِتابِ اللَّه يَوْمَ خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ مِنْها أرْبعةٌ حُرُمٌ﴾،[101] ثلاثة متوالية؛ ورجب».[102]

فما هو هذا النّظام وما دواعي إلغائه؟

كان النّظام التّقويميّ السائد في الجَزِيْرة العَرَبِيّة هو النّظام الَّذِي يعتمد على الشّهور القمريّة، ومجموع الشهور العربية القمريّة ثلاثمئة وأربعة وخمسون يوماً، وهي أقل من الشهور السريانيّة بأحد عشَر يوماً، مما يعطي فرقاً كل ثلاث وثلاثين سنة؛ ولهذا كان العرب في الجاهلية تكبس في كل ثلاث سنين شهراً وتسميه النَّسِيء، وكان ولاة البيت الحرام هم وحدهم من يحق لهم تأخير هذه الشهور عن مواعيدها، وكان الَّذِين يتولون المهمة يسمون النّسأة.[103]

كان النَّسِيءُ يُمارس لاعتبارات تتعلق بمواسم الحصاد سواء في الجَزِيْرة العَرَبِيّة أو في شرق إفريقيا أو الهند، ومن أجل تسهيل الحركة التّجاريّة، ولكي تتطابق مع السّنَة الشمسيّة الَّتِي ترتبط بها تلك الشئون ومواسم الحج ـ التجارة ـ.[104]

لاشك إنّ إلغاء النَّسِيء سبب إرباكاً لعمل الأسواق، ويقدم شُلْحُد تعليلاً لهذا الإلغاء،[105] وعلى الرَّغْم من أهميته إلاّ أنّه غير كافٍ؛ فيقول إنّه تنازل قدّمه الإسْلام للبداوة، بالعودة إلى تقويم قمري؛ فهذا النوع من الحساب كان في طريقه إلى الزوال، عشيّة الهجرة، لأنّه لم يعد مناسباً لضبط مواقيت الأسواق أو المعارض السنوية الكبرى، وعلى الأقلّ كان المدنيّين من بين العرب القدامى قد توصّلوا إلى اعتماد السّنَة الشمسيّة كما يدل على ذلك اسم بعض الأشهر،[106] فيما كان البدو يحسبون الزّمان بحسب أدوار القمر؛ وبهذا الصدد كتب غودفروا ـ دمومبين: «كانت النتيجة الاقتصاديّة لذلك الإلغاء القضاء الواضح على معارض مكّة، وهذا ما لم يكن يجهله وتالياً أراده بقوّة أو قبله». من الممكن أن يكون مُحَمَّدٌ قد توّقع أو تقبل النتائج الاقتصاديّة للعودة الكاملة إلى تقويم قمريّ. ولكنْ في الإمكان إيجاد تفسيرٍ آخر لمبادرته، لأنّنا لا نرى حقاً مغزى سعيه الحازم إلى تدمير أسواق مسقط رأسه بعدما انقادت له مكّة في آخر المطاف، والأرجح أنه بعدما أسّس صوم رمضان أدرك بسرعة صعوبة التقيد بتقويم شمسي ـ قمري، ولتجنب كلّ خطإٍ في الحساب، كان لا بد من ضوابط ومعايير ثابتة. وكان مُحَمّدٌ يعرف بالخبرة العقبات والأخطاء الَّتِي يفضي إليها العملُ بالشهر الإضافي، الثالث عشر، ولضمان ثبات الزمن المقدس، كان له الخيار في اعتماد كلي على التقويم الشمسي، أو الرجوع الكامل إلى السّنَة القمريّة. والحال، كان ينبغي استبعاد أول هذين الحلَّيْن، لأنّه كان يستلزم حسابات دقيقة، ولم يكن مناسباً لِمَنْ اعتاد على ضبط وقته بوتيرة القمرِ.

من الجلي للعيان أن إبطال نظام النَّسِيء جاء في إطار تطور الحركة الإسْلاميّة، وبعدما توسعت آفاقها السياسِيّة في الجَزِيْرة العَرَبِيّة، وصارت القوة الأولى في الحِجَاز، وكانت المهمة الَّتِي قرر مُحَمّدٌ تنفيذها هي نشر الإسْلام في أوساط القبائل البدويّة، وكان عليه أن يطابق الإسْلام في نواحٍ معينة مع البيئة البدوية، ويجعله أقرب منها، وبالفعل يمكن اعتبار إلغاء نظام النَّسِيء تنازلاً للبداوة عندما قام مؤسس الإسْلام بعوربة الدِّين هنا، فصارت بَدوَنَته المقدمة الممهدة لعولمته. ويبدو أنّ هذا القرار أثار علامة استفهام كبيرة عند سكان الحواضر، فقدمت الرّوايَات تبريراً له فيما بعد، بأنَّ العربَ كانت لا تمارس النَّسِيء، وأنّها أرادت أن يكون حجهم في أخصب وقتٍ من السّنَة وأسهلها للتردد في التجارة ولا يزول عن مكانه فتعلموا ذلك من اليهود؛[107] فأسطرت التواريخ الإسلامية منشأ النظام بجعله درساً يهودياً لا يجدر بالمسلمين تعلمه من أجل تقديم تعليلٍ مقنعٍ لمنع النَّسِيء من قِبَل مُحَمَّدٍ.

نلاحظ أن مُحَمَّداً كان يتطلع إلى تأسيس كيان إسْلاميّ ممتد إلى أكبر مساحة على الجَزِيْرة العَرَبِيّة، ولم يكن في ذهنه، وذهن أصحابه حَتّى ذلك الوقت هدف بناء دولة، بكل ما تعنيه الدّوْلَة من تنظيم ومؤسسات؛ لأنّ نظام الشهور القمريّة لا يصلح للحياة المدنية، والَّتِي تحتاج إلى تقويم دقيق، لم يكن يفي باحتياجاتها إلا التقويم الشمسيّ، ومُحَمَّدٌ في قراره كان ينطلق من متطلبات المرحلة الَّتِي وصل إليها مجتمعه، وإجابته على هذا النحو في السّنَة العاشرة هجرية على أسئلة واقعه كانت في إطار إستراتيجية مؤسِّسيّ الإسْلام المتوجهة نحو تثبيت أسس المجتمع الماديّة (البناء العمودي)، والانتشار الجغرافي (البناء الأفقي).

الاعتبار الثّاني الَّذِي حدا بمُحَمَّدٍ لإلغاء النَّسِيء يتعلق ببنيّة الإسْلام نفسه، فنظرة الإسْلام إلى نفسه هي أنه عَوْدَة إلى الأصول الإبراهيميّة، فاللَّه يأمر مُحَمّداً أن يتبع مِلَّة إبراهيم (النحل/ 123)، الَّذِي اتخذه خليلاً له (النساء/ 125)، وأن يقرّ بأنّ الصّراط المستقيم الَّذِي هدا مُحَمّداً إليه هو دين إبراهيم (الأنعام/ 161)، الَّذِي لم يكن من المشركين (النحل/ 120؛ البقرة/135)، كما لم يكن يهوديّاً أو نصرانيّاً (آل عمران/ 67)؛ وتعود هذه النظرة إلى أنّ الإسْلامَ يتوق للعَوْدة إلى الينابيع الأولى مما يجعل الزّمان الإسْلاميّ زماناً دائريّاً، وهذا ما أفصح عنه مُحَمَّدٌ في خطاب حجة الوداع، بقوله:«إنّ الزّمان قد استدار كهيئته يوْمَ خَلَقَ اللَّه السَّمَواتِ والأرضَ». أي إنّ رغبة مُحَمّدٍ في إلغاء نظام النَّسِيء لا تتسم ببعد سياسِيّ يقضي بمحاولة التقرب من البدو وكسبهم لصالح الحركة الإسْلاميّة وحسب، بل يمكن اعتبار هذا الهدف قليل الأهمية بالنسبة إلى ضرورة التأكيد على البعد الإلهي للزمان، وإعادة الاعتبار لقدسيته، الَّتِي خرقها القرشيون ـ اليد البشرية ـ.

لقد كان الإنسان القديم يتخيّل هذه الحياة الكونيّة على هيئة مسار دائري، متواحد مع السّنَة، وكانت السّنَةُ دائرةً مغلقةً: كان لها بداية، وكان لها نهاية، لكنْ كان لها أيضاً خاصيّة أنّها تستطيع أنْ «تولد ثانيةً».[108] وإلغاء النَّسِيء من قِبل مُحَمَّدٍ يستهدف المحافظة على الحركة الدائريّة للزّمان، واسترجاع النّموذج الأوّل، والتّأكيد على شرعيّة الإسْلام الَّذِي جاء ليعيد الدين الحنيفيّ الحقيقي، دين إبراهيم، إنه رفض لمس الزّمان، والتدخل في مساره الدائري، وكل تدخل في الزّمان قد يؤدي بالقرشيين للابتعاد مجدداً عن ملة إبراهيم، الَّتِي عاد إليها الإسْلامُ، وبعثها من مرقدها، فعلى عرب الجَزِيْرة العَرَبِيّة منذ اليوم أنْ يعترفوا بإلهيّة الزّمان، ودائريته من أجل أن يعترفوا بالإسْلام كعَوْدة للأصول. إنّ هذه الرؤية تعكس جوهر العقيدة الإسْلاميّة المتناقض، وإذا كان مُحَمَّدٌ قد نهض بمهمة قيادة الّتقدم التّاريخيّ للجزيرَة العربيّة على المستوي السيا ـ اجتماعي، إلاّ أنّه أعلن عن عَوْدَته للأصل الإبراهيمي، وأنّ الإسْلام ليس إلاّ بعثاً لدينه، ولهذا فعلى المسلمين في كل الأزمنة أن يعودوا بدورهم إلى الينابيع الأولى، إلى العصر الذهبي، عصر مُحَمَّدٍ والخلفاء الراشدين، إن هذه الرؤية المتمسكة بالعودة إلى الزمن الأول في الإسْلام ـ كما في اليهوديّة والمَسِيْحِيّة ـ تشكّل عائقاً معرفياً في الإسْلام أمام التّقدم الاجتماعيّ، إن كلّ تقدم هو عَوْدة، وبالتالي من الطبيعي أن تكون طريق الخلاص بالنسبة للمؤمن تتجه به نحو الزمن الأول، وهذا من أبرز التناقضات الَّذي يتسم به الإسْلام، فرغم كونه أيديولوجيا نهوض الجَزِيْرة العَرَبِيّة، فإنه بدوره يكبح الوَعْي بالمستقبل، وتعود هذه السّمة المتناقضة إلى اللًّحظة التاريخيّة الَّتِي نشأ فيها، والثّقّافات الَّتِي دمجها في بنيته.



[1]محمّد في المدينَة، مونتجومري وَات، ترجمة: شعبان بَركات، منشورات المكتبة العصريّة ـ صَيْدا ـ بيروت ـ د. ت.، ص 88.

[2]تاريخ الأمم والملوك (تاريخ الطبري)، محمد بن جرير الطبري، دار الكتب العلمية، لبنان، م 2/ ص 145؛ الكامل في التاريخ، ابن الأثير، دار صادر، بيروت، 1399 ﻫ/ 1979 م، م 2/ ص 231.

[3]الطبقات الكبرى، ابن سعد، دار صادر، بيروت، 1428 ﻫ/ 1998 م، م 7/ ص 394.

[4]تاريخ الطبري: 2/ 149 ـ 152.

[5]سيرة ابن كثير CD؛ صحيح البخاري، موسوعة الحديث الشّريف، الإصدار الثاني،CD،(م ح ش)، رقم: 442، 2244، 4024؛ صحيح مسلم، م ح ش، رقم، 3310؛ سنن النسائي، م ح ش، رقم: 705، سنن أبي داود، م ح ش، رقم: 2304.

[6]كتاب حول القرآن ـ منشئه وأساطيره، ل. إ. كليموفيتش، موسكو، دار الأدب السياسي، 1988 (باللغة الروسية)، ص 36 ـ 37.

[7]ديوان حسّان بن ثابت (د حسان)، تحقيق وتعليق: د. وليد عرفات، دار صادر، بيروت، 1974 م، م 2/ ص 16 ـ 17.

[8]فُتُوح البْلدَان، ص 49؛ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، دار إحياء التراث العربي، لبنان، بيروت 1409 ﻫ/ 1989 م، م 4/ ص 203.

[9]هو أبو أم حبيبة (رملة)، إحدى زوجات مُحَمَّدٍ.

[10]تاريخ الطبري: 2/163؛ ابن سعد: 2/ 134 ـ 135؛ شرح نهج: 4/ 204، 206.

[11]شرح نهج: 4/ 206.

[12]فُتُوح البُلدَان، 51.

[13]عُيُون الأثر في فنون المغازي والشمائِل والسِير، فتح الدين أبو الفتح محمّد بن سيّد الناس، شرح وتعليق: الشيخ إبراهيم محمد رمضان، دار القلم، بيروت 1414 ﻫ/ 1993 م، م 2/ ص 216؛ شرح نهج: 4/ 208.

[14]تاريخ الطبري: 2/ 157؛ ابن سعد: 2/ 134، 135؛ فُتُوح البُلدَان، 50 ـ 51.

[15]فُتُوح البُلدَان، 52، 53.

[16]مطعم بن عدي، ابن سعد، أو أُمية بن خلف، د حسان.

[17]قال ابن هشام هو عمر بن الخطاب، وحسب أسد الغابة والواقدي ـ أبو سفيان ـ.

[18]تاريخ الطبري: 1/ 564 ـ 565، 2/ 159؛ السّيرة النَبَوِيّة، ابن هشام، تحقيق: مصطفى السقا، إبراهيم الأبياري، عبد الحفيظ شلبي، دار ابن كثير، دمشق ـ بيروت، د. ت.، م 2/ ص 406 ـ 407؛ أُسد الغابة في معرفة الصحابة، عز الدين بن الأثير، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1993 ـ 1995 م، م 2/ ص 223؛ تاريخ ابن خلدون، دار البيان د. ت.، ومكان الطبع، م 2، ج 2/ ص 13، 43؛ تفسير البغوي، الحسين بن مسعود الفراء البغوي، سورة النصر: 1؛ ابن سعد: 1/ 223، 2/ 135؛ عيون الأثر: 1/ 193؛ شرح نهج: 4/ 209؛ د حسان: 1/ 224.

[19]الكامل: 2/246، 248 ـ 249؛ ابن سعد: 2/ 136؛ عيون الأثر: 2/ 221.

[20]أسيد، الأزرقي، عتاب بن أسيد عند القرطبي وابن كثير.

[21]الكامل: 2/ 254؛ أخبارُ مكّة، وما جاء فيها من الآثار، أبي الوليد محمد بن عبد اللَّه بن أحمد الأزرقي، تحقيق: رشدي الصالح ملحس، دار الثقافة، مكة، ط 6، 1414 ﻫ/ 1994، م 1/ 274 ـ 275؛ سيرة ابن كثير؛ تفسير القرطبي، القرآن الكريم، الإصدار السابع CD(ق ك)، سورة الحجرات: 13.

[22]الكامل: 2/ 252؛ شرح نهج: 4/ 212 ـ 213؛ لسان العرب،CD، مادة:أثر.

[23]النساء: 58.

[24]ابن هشام: 2/ 412؛ الأزرقي: 1/ 110 ـ 111؛ ابن سعد: 2/ 136 ـ 137؛ تفسير لآية 58 من سورة النّساء عند: القرطبي، ابن كثير (ق ك)، البيضاوي، عبد اللَّه بن عمر الشيرازي،CD؛ البغوي.

[25]عيون الأثر: 1/ 201.

[26]الأزرقي: 1/ 123؛ ابن سعد: 2/ 137.

[27]ابن سعد: 2/ 145 ـ 146، 157؛ معجم البلدان، ياقوت الحموي،CD،مَنَاة،سُوَاعٌ،العُزّى؛ تاريخ الإسْلام السيّاسيّ والثّقافيّ والاجتماعيّ، د. حسن إبراهيم حسن، دار الجيل، بيروت، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ط 14، 1416 ﻫ/ 1996 م، م 1/ ص 61 ـ 62.

[28]صبأنا: دخلنا في دين مُحَمّدٍ، وكانوا يسمون مُحَمَّداً الصابئ، لأنّه خرج عن دينهم، يقال: صبأ الرجل، إذا خرج من دين إلى دين.

[29]ابن هشام: 2/ 428 ـ 431؛ تاريخ الطبري: 2/ 164؛ أسد الغابة: 1/ 670، 3/ 378 ـ 379؛ ابن سعد: 2/ 147 ـ 148؛ البخاري، 3994، 6653؛ د حسان: 2/ 265.

[30]وات، 105 ـ 106.

[31]ابن سعد: 2/ 150؛ أيام إسْلام: 104.

[32]عند ابن هشام: كَلَدةُ بن الحنبل.

[33]القرطبي، التوبة: 25؛ ابن سعد: 2/ 151؛ هشام: 2/ 443 ـ 444؛ أسد الغابة: 2/ 421؛ وفي د حسان: 2/ 133 فإن حنبل قال:«بطل سحرُ بن أبي كبشة». وأبو كبشة لقب كانت تطلقه قريشٌ على مُحَمَّدٍ، وسبب التسمية غامضٌ.

[34]الطبري: 2/ 169؛ ابن سعد: 2/ 151، 4/ 18 ـ 19.

[35]أيام العرب في الإسلام، محمّد أبو الفضل إبراهيم، علي محمّد البجاوي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1412 ﻫ/ 1991 م، ص 109.

[36]معجم البلدان، الطائف؛ قُرَيْشٌ: من القبيلة إلى الدّوْلَة المركزية، خليل عبد الكريم، سينا للنشر، القاهرة، 1993 م، ص 192. وتقول الأسطورة الإسْلاميّة، إن إبراهيم دعا لمكّة أن يرزق أهله من الثمرات، فنقل اللَّه أرض الطائف من الشّام، فوضعها هنالك رزقاً للحرم (الأزرقي: 1/ 77)

[37]فُتُوح البُلدَان، 68.

[38]The Art Of War, Sun Tzu, trans., Lionel Giles, 1910, Library of future, 4th edition, ver. 5.0, Historical Document, (II , 2).

[39]ابن سعد: 158 ـ 159؛ مسند أحمد (م ح ش)، رقم: 3097.

[40]البَعِيْر، ج أبْعِرَة، وبُعْران: الجمل الَّذِي انشقت نابه، وقوي وصلح للركوب، للذكر والأنثى.

[41]ابن سعد: 2/ 153، 156؛ تاريخ الطبري: 2/ 174؛ الكامل: 2/ 269. يورد ابن سعد (2/ 152، 154) ترتيباً مختلفاً، وهو أنّ مُحَمّداً قسم الأموال الغَنائِم، وأعطى المؤلفة قلوبهم، وتريث بالسبي كي يقدم عليه وفد هَوَازن؛ ولهذا شرح فيما بعد للمقاتلين بعد أن جاءه الوفد بأنه لم يقسم السبي لأنه كان يتوقع مجيئهم، واختيارهم أبناءهم ونساءهم.

[42]الكامل: 2/ 270؛ تاريخ ابن خلدون، م 2، ج 2/ 48.

[43]الكامل: 2/ 269.

[44]الكامل:2/ 271؛ تاريخ الطبري: 2/ 176.

[45]موطأ مالك (م ح ش)، رقم: 866.

[46]تاريخ ابن خلدون، م 2، ج 1/ 293.

[47]البخاري، 2917، و3153.

[48]سيرة ابن كثير.

[49]ابن هشام: 2/ 497، د حسان: 1/ 265.

[50]استغل بعض الرواة هذا الإحجام لإلصاق صفة الجبن به.

[51]تاريخ الطبري: 2/ 176.

[52]تاريخ الطبري: 2/ 37 ـ 38؛ الكامل: 2/ 130؛ سيرة ابن كثير.

[53]تاريخ الطبري: 2/ 62؛ القرطبي، آل عمران: 152.

[54]تفسير الطبري (ق ك)، وابن كثير، الحشر: 9.

[55]الّلعاعُ: نبات الهِنْدباء، والجَرْعة من الشَّراب، والكلأ الخفيف، وهي هنا كناية عن الغَنائِم.

[56]الكامل: 2/ 271 ـ 272؛ هشام: 2/ 500.

[57]تاريخ الطبري: 2/ 181؛ الكامل: 2/ 277.

[58]التوبة/ 117.

[59]فُتُوح البُلدَان، 52.

[60]مسند أحمد، رقم: 12269.

[61]ابن هشام: 2/ 215، 281؛ تاريخ الطبري: 2/ 105.

[62]ابن هشام: 2/ 485؛ تاريخ الطبري: 2/ 175.

[63]ابن هشام: 2/ 214، هامش (4).

[64]البخاري، رقم: 3989.

[65]التوبة: 81.

[66]ابن هشام: 2/ 517؛ تاريخ الطبري: 2/ 182.

[67]حروب الرَّدة (دراسة نقديّة في المصادر)، د. الياس شوفاني، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1995، ص 54، 56.

[68]القرطبي: النور/ 3.

[69]ابن هشام: 2/ 517 ـ 518.

[70]تفسير الطبري، التوبة: 48؛ تاريخ الطبري: 2/ 182.

[71]الكامل: 2/ 280؛ فُتُوح البُلدَان، 71.

[72]شوفاني/ 55، 56.

[73]Sun Tzu, op.cit. , (XI , 54).

[74]المِحْجَن: العصا المعقّفة الرأس.

[75]التوبة/ 74.

[76]سيرة ابن كثير، غزوة تَبُوك؛ تفسير ابن كثير والبيضاوي، البغوي، التوبة: 74. ألصقت الرّوايَات المتأخرة التهمة بعبد اللَّه بن أُبي، وسعد بن أبيّ سرح (د حسان: 1/ 164) دون إثباتٍ.

[77]لمزيد من التفاصيل عن قضية «مسجد الشقاق» يمكن الرجوع إلى دراستنا المنشورة في «النّهج»، صيف 2000، ص 30 ـ 45.

[78]وتعني اللاّت الإله، وقد عرفت في آثار تدمر، والنبط، وكانت صخرة مربعة أقيم عليها بناء، وقامت على سدانتها ثقيف. وبلغ من تعظيم العرب اللاّت أن كانوا يسمون أبناءهم زيد اللاّت، وتيم اللاّت (تاريخ الإسْلام: 1/ 61 ِـ 62).

[79]واهاً لك: كلمة تقال في معنى الأسف والحزن.

[80]ابن هشام: م/ 540، 542؛ تاريخ الطبري: 2/ 180؛ الكامل: 2/ 284.

[81]تاريخ الطبري: 2/ 191؛ عيون الأثر: 2/ 303.

[82]الكامل: 285؛ ابن سعد: 2/ 164؛ عيون الأثر: 2/ 257.

[83]تفسير ابن كثير، والقرطبي، وتفسير الطبري، البغوي: سورة النصر.

[84]الكامل: 2/ 287؛ ابن سعد: 1/ 292؛ عيون الأثر: 2/ 313؛ تفسير كثير، وتفسير الطبري، القرطبيالحجرات: 17.

[85]ابن سعد: 1/ 293 ـ 293، 2/ 160 ـ 161؛ الكامل: 2/ 290؛ تفاسير: القرطبي، وكثير، الطبري: الحجرات: 4.

[86]الجارود بن بشر بن المعلى، عيون الأثر.

[87]تاريخ الطبري: 2/ 196؛ ابن سعد: 1/ 358؛ فُتُوح البُلدَان، 77؛ الكامل: 2/ 293 ـ 294، 297 ـ 298؛ عيون الأثر: 2/ 290، 301، 305.

[88]عيون الأثر: 2/ 321.

[89]تاريخ الطبري: 2/ 192.

[90]التوبة: 103.

[91]ابن هشام: 2/ 600؛ الكامل: 2/ 301. يورد ابن سعد 2/ 160قائمة مختلفة.

[92]ابن سعد: 2/ 173.

[93]عوان، ج عانية، الأسيرة.

[94]ابن هشام: 2/ 603 ـ 604؛ تاريخ الطبري: 2/ 205 ـ 206؛ وفي الكامل باختصار: 2/ 302.

[95]ابن هشام: 2/ 605؛ ابن سعد: 2/ 183 باختلاف الألفاظ.

[96]من المؤكد أنّ توصيف النّظام الاجتماعيّ على أنّه الطور الأخير للمشاعيّة الصحراويّة سيثير جدلاً بسبب عموميته، وليس بوسعنا هنا مناقشة هذه القضية كونها مسألة خارج سياق الكتاب؛ لكنّني فضلت عدم الأخذ بمصطلح نمط الإنتاج الأسيويّ هنا؛ وذلك لأنّ هذا النمط خاص بمناطق الأنهار الكبرى، حيث تتركز بأيدي الدّوْلَة الوظائف الضروريّة للنضال ضد الفيضانات، وتأمين الري، وهذا ما يسمح للطبقة الحاكمة بقيادة المستبد بالاستئثار بالمحصول الزائد، وهو أمرٌ لم يكن موجوداً في الحجازِ. ثمّ إنّه ليس من السهل تبني توصيف واحدٍ لمختلف مناطق الجزيرة العربيّة.

[97]فصول عن المرأة، هادي العلوي، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1996 م، ص 21.

[98]النساء/ 25.

[99]بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب، محمود شكري الألوسي البغدادي، منشورات أمين دَمَج، ودار الشرق العربي، بيروت، د. ت، م 2/ ص 3 ـ 5؛ تفسير الآية (25) من سورة النساء عند القرطبي، الطبري، ابن كثير؛ مادة بضع في لسان العرب.

[100]التوبة/ 37.

[101]التوبة/ 36.

[102]ابن هشام 2/ 604؛ تاريخ الطبري: 2/ 205 ـ 206.

[103]مُروُج الذّهَب ومَعَادِن الجَوْهَر، أبي الحسن علي بن الحسين المسعودي، تحقيق: سعيد محمّد اللحّام، دار الفكر، بيروت، 1417 ﻫ/ 1997 م، م 2/ 62، 207.

[104]حروب دولة الرّسول (بَدر ـ أُحُد)، سيّد محمود القمني، سينا للنشر، القاهرة، 1993 م، ص 14.

[105]بُنى المقدَّس عند العرب ـ قبل الإسلام وبعده، يُوسف شُلْحُد، ت: خليل أحمد خليل، دار الطليعة، بيروت، حزيران (يونيو)، 1996 م، ص 18 ـ 19، 160.

[106]بالفعل إن اشتقاقات بعض الأشهر القمرية تشير إلى ثبات مواعيدها، فاشتقاق جمادى من تجمد الماء في هذا الشهر الشتوي، ورمضان من الرَّمضاء: شدة الحر.

[107]بلوغ الأرب: 3/ 71.

[108]المُقَدّس والدّنْيَوِيّ، ص 74.

رابط الحلقة الأولى: http://www.fenks.co/%D8%A8%D9%84%D8%A7-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/1679-%D9%85%D9%90%D9%8A%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8F-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%91%D9%8E%D9%88%D9%92%D9%84%D9%8E%D8%A9%D9%90-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%90%D8%B3%D9%92%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%90%D9%8A%D9%91%D9%8E%D8%A9%D9%90-%D9%85%D9%90%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%8A%D9%84%D8%A7%D8%A1-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%85%D9%8E%D9%83%D9%8E%D8%A9%D9%8E-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D9%86%D9%87%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%AD%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%90-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%91%D9%8E%D8%AF%D8%A9%D9%8E%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%84%D9%82%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%84%D9%89.html?highlight=WyJcdTA2NDVcdTA2MjdcdTA2NDRcdTA2NDMiLCJcdTA2NDVcdTA2MzNcdTA2NDRcdTA2NDVcdTA2MjdcdTA2NDZcdTA2NGEiLCJcdTA2NDVcdTA2MjdcdTA2NDRcdTA2NDMgXHUwNjQ1XHUwNjMzXHUwNjQ0XHUwNjQ1XHUwNjI3XHUwNjQ2XHUwNjRhIl0=

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

September 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 31 1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 1 2 3 4 5 6
عدد الزيارات
4049672