الصفحة الرئيسية
n.png

الخميسي.. جبل الفن المتحرك (2)

بقلم: سهيلة فوزيأ عبد الرحمن الخميسى
"إلى الخميسى.. الذى يشبه الكُرة.. كلما ضربوه لأسفل قفز إلى أعلى!"

بتلك العبارة اختصر الكاتب الساخر محمود السعدنى حياة الشاعر والكاتب عبدالرحمن الخميسى أو القديس كما لقبه أصدقاؤه، ذلك اللقب الذى رافقه طويلا، مؤنسا وحدته فى غربة فُرضت عليه مع بداية عهد السادات، فكان الخميسى منفتحا فكريا على جميع التيارات، ولكنه يسارى عندما يجد الجد كما وصفه يوسف الشريف فى كتابه "عبدالرحمن الخميسى..القديس الصعلوك" فقال عنه: "كان أصدقاؤه من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار يسهر مع مصطفى أمين وعلى أمين وكامل الشناوى وموسى صبرى، ولكن عندما يجد الجد ولا مفر من النضال يختار اليسار، فدافع عن الديموقراطية فى بداية ثورة 1952، فانتهى به الحال فى المعتقل من 15 مارس 1953 إلى 12 ديسمبر 1956."
كان الخميسى مؤمنا بالحرية والديموقراطية، لذلك كان طبيعيا أن يبقى دائما على يسار السلطة كحال أى فنان يظل يحلم بالأفضل، مطالبا السلطة دوما بتحقيق المزيد، فانغمس فى الدفاع عن الديموقراطية، والمطالبة بكشف نوايا قادة الثورة الجديدة، فأصبح من المحسوبين على أعداء الثورة الوليدة فتم اعتقاله.
وكان الخميسى يقول عن تلك الفترة كما روى محمود السعدنى:
"كل شئ مكلبش فى السجن.. الشمس مكلبشة.. والنهار مكلبش.. والهواء مكلبش.. والحياة كلها مكلبشة"
وقد ظل بعد السجن لا يطيق الأماكن الضيقة أو المغلقة، ويحب الخلاء والهواء الطلق.
ورغم أثر الاعتقال السلبى فى نفس الخميسى إلا أنه كان مصدر البهجة والأمل لكل المعتقلين، فتوجوه رئيسا شرفيا لهم، ومتحدثا رسميا باسمهم فى كل معتقل نزلوا به. ومن طرائف الخميسى أول عهده بالسجن تلك الضجة الهائلة التى أثارها، فكتب عرائض الاحتجاج وأرسلها إلى مجلس قيادة الثورة ثم ألحقها بإضرابه عن الطعام، فاستدعاه جمال عبد الناصر إلى مكتبه وكان وقتها وزيرا للداخلية، وسأله عن أسباب احتجاجه فقال الخميسى: لأنى برىء من أى اتهام موجه إلى؟
فواجههه عبدالناصر بمنشور ضد الثورة وسأله.. ومن كتب هذا؟ فرد الخميسى: أنا. فسأله عبدالناصر: أليس من الظلم اتهام الضباط الأحرار بالخيانة والعمالة للمخابرات الأمريكية؟
- فقال الخميسى: بكل تأكيد!
- ألم تجتمع يوم كذا وكذا بخلايا سرية وقلت كذا وكذا
- نعم..
- وهنا تساءل عبد الناصر: أليس من واجبنا إذن اعتقالك من باب التحفظ. فرد الخميسى: بكل تأكيد..
- لماذا إذن ما صدر عنك من ضجيج واحتجاج وإضراب عن الطعام؟
- فكر الخميسى قليلا ثم قال: لمجرد تحسين أوضاع المعتقلين.
وبعدها بينما كان ترحيل المعتقلين من القاهرة إلى السجون فى قطار الدرجة التالتة كانت عودتهم إلى القاهرة بعد تحسين المعاملة بقطار الدرجة الأولى استجابة لمطالب الخميسى.
ربما أغرت تلك المحنة التى ألمت بالخميسى مع ثورة يوليو البعض، فظنوا أنه من السهل إقناعه بالاشتراك فى حملات الهجوم التى شنت على عبدالناصر بعد وفاته، ولكنه طلب من ابنه أحمد وتلميذه الصحفى الشاب وقتها صلاح عيسى أن يجمعا له كل المقالات والكتب التى تناولت التجربة الناصرية بالنقد، وبعد أن فرغ منها قال لهما:
"حاولت أن أجد فى كل هذا كلمة واحدة منصفة وعادلة، أو نظرة موضوعية متوازنة فلم أجد. إنهم ينكرون السد العالى، وكهربة الريف، والإصلاح الزراعى، وتمصير الاقتصاد، وطرد المستعمر، وآلاف المصانع، ومجانية التعليم، ومساندة الثورة لحركات التحرر وفى مقدمتها الجزائر.. فهل يمكن إنكار الشمس؟.. يريدون منى المشاركة فى هذه الحملة المشبوهة.. ده بُعدهم.. هذا ليس نقدا لتجربة الثورة من أجل تطويرها، إنه هدم لها فحسب."
رفض حملة التشويه لعبدالناصر كان بداية الشقاق بين الخميسى ونظام السادات، الذى ازداد مع الوقت خاصة بعد طرد الخبراء السوفييت، وكان الخميسى يؤمن أنهم ضمانة استعادة الجيش عافيته بعد النكسة، لذلك استنكر ما فعله السادات، حتى أن وزير الحربية وقتها محمد صادق انتقد مقالات الخميسى فى إحدى اجتماعاته مع كبار الضباط، ومع تذمر الوسط السياسى من آراء الخميسى، وإزدياد أعين المخبرين عليه، وتوتر الأجواء حوله جاء قراره بالرحيل إلى لبنان ومن بعدها العراق التى احتضنت معارضى السادات فى تلك الفترة، ولكنه لم يستطع التكيف مع البعثيين وعلى رأسهم صدام حسين، فقد ظنوا أن الشاعر الكبير من الممكن محاصرته فى مشروعهم البعثى ولكن طبيعة الخميسى المنفتحة على كل التيارات خيبت آمالهم، فقرر الخميسى السفر إلى موسكو وودع العراق قائلا:
أبا هيثم إنى أشد رحالى
ترفرف أعلام العراق حيالى
وإنى أفك خيمتى اليوم راحلا
وأخلع أوتادى بها وحبالى
أقول وداعا يا أعز أحبتى
وأنتم فى بغداد نسمها الغالى
وما بعت فى سوق الإماء قصائدى
وما فهت إلا.. بالذى بدا لى
واستقر بعدها بموسكو فكان قبلة للمصريين والعرب على السواء طوال فترة إقامته بها، فلعب نفس الدور الذى لعبه فى المعتقل ولكن فى منفاه الاختيارى هذه المرة، بينما ظل قلبه معلقا بمصر وحلم العودة إليها يوما، ولكن القدر لم يمهله وعاد إليها ليدفن فى ترابها كما قال فى أشعاره:
أنا هالك.. وترابك باقى
ولن يطوى عظامى غيره ودمائى
اللافت فى سيرة الشاعر الراحل عبدالرحمن الخميسى ثراء شخصيته، ذلك الثراء لم يقتصر فقط على مواهبه الفنية المتعددة، ولكن الجانب الإنسانى فى حياته أيضا، إذا نظرنا إلى آرائه السياسية وكتاباته التى قادته إلى الاعتقال فى عهد عبدالناصر، واضطرته إلى الهجرة فى عهد السادات، نجد أنفسنا أمام شخصية جادة تؤمن بأفكارها ولا تتنازل عما تعتقد، وفى نفس الوقت بتتبع حياته الشخصية نجده ساخرا من طراز رفيع ومرحا صاخبا إلى أقصى حد. تركيبة إنسانية شاملة، فكان جادا حاسما فى قضايا الوطن. مرحا ساحرا محبا للحياة اشتهر بين أصدقائه بقدرته الهائلة على تدبير المقالب، كثيرون وقعوا فى شباكه منهم يوسف إدريس فكان أحد ضحاياه ذات مرة بسبب كامل الشناوى.
من المعروف أن يوسف إدريس أحد اكتشافات الخميسى، وقدم له كثير من الدعم فى بداية مشواره الأدبى بعد أن تحمس لكتاباته، وأصر على نشر قصص يوسف إدريس الأولى فى جريدة المصرى. كان الخميسى يحب يوسف إدريس جدا ومن المقربين منه، ولكنه كان شديد الاستياء من هجوم يوسف شفاهة وكتابة على صديقه كامل الشناوى، وحاول الصلح بينهما كثيرا، فيهدأ الوضع قليلا ثم يعاود يوسف الهجوم على كامل من جديد خاصة بعد أن كتب كامل الشناوى قصيدته الشهيرة "لا تكذبى" وقيل أن المعنى بالخيانة فيها هو يوسف ذاته.
فما كان من الخميسى إلا أن دبر لـ"يوسف" مقلبا يثأر به لصديقه كامل الشناوى، فأوعز إلى ممثلة ناشئة لتتصل بيوسف إدريس وتتدعى أنها ابنة أمير عربى تهوى الأدب، وأنها من أشد المعجبين به، لكنها لا تستطيع الظهور علانية معه خوفا من والدها، فدعته إلى لقائها بأحد الفنادق على أن يأتى إلى جناحها متسللا حتى لا يكتشف والدها الأمر، فذهب يوسف فى الموعد ودخل الفندق، بينما اختبأ الخميسى وصديقه الكاتب محمد عودة بمحل فى الجهة المقابلة للفندق يراقبون المشهد، وبعد دقائق شاهدوا يوسف إدريس مدفوعا خارج الفندق محاطا بالعاملين يكيلون له السباب واللكمات بينما يصرخ فيهم أنتم مش عارفين أنا مين.. أنا هاوريكم يا كلاب.. أنا الدكتور يوسف إدريس.. ثم ركب سيارته واختفى.
اندهش الخميسى مدبر المقلب مما حدث، ودخل الفندق ليتحرى الأمر فقال له موظف الاستعلامات:
"يا سيدى ده أفندى طويل وعريض وبيقول إنه دكتور، لاقيناه بيتسحب فى ممرات الفندق.. مشينا وراه لغاية ما وقف قدام الغرقة 113 وراح مخبط الباب.. تعرف ساكن فيها مين؟.. سائح فرنسى شاذ موسخ سمعة الفندق.. يبقى يستاهل اللى جرى له ولا لأ؟
فقال الخميسى: طبعا يستاهل ونص.
وإذا كان ثراء شخصية عبدالرحمن الخميسى الإنسانية والفنية لافتا للانتباه، فإن ما يلاقيه انتاجه الأدبى من غياب وإهمال لافتا أيضا للانتباه. رغم القيمة الثقافية الكبيرة التى يمثلها صاحب الموهبة العظيمة والطاقة الفنية الهائلة التى يصعب توصيفها أو حصرها فى لقب شاعر أو كاتب أو فنان أو مسرحى، فإن أعماله للأسف تغيب عن القارئ، فلا يتوفر منها إلا القليل كقصة فيلمه الشهير "حسن ونعيمة" الصادرة عن الهيئة العامة للكتاب، فأرجو أن يسعى أبناؤه إلى نشر أعماله الشعرية والقصصية الكاملة فى طبعات حديثة، وأتمنى أن تقوم الهيئة العامة للكتاب برئاسة د.هيثم الحاج بتلك المهمة ضمن مشروعها الثقافى الرائع "مكتبة الأسرة" إحياءا منها لأعمال كبار الكتاب كعادتها دائما.

جريدة اليوم السابع المصرية السبت 14أبريل 2018

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

April 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 1 2 3 4 5
عدد الزيارات
2829353