الصفحة الرئيسية
n.png

د. بهجت سليمان: الهويّة.. و الهُويّة الوطنيّة.. مدخلٌ إلى المستقبل الوطني...

{الحلقة السابعة والستون "67" من "سلسلة الفكر الإستراتيجي"} عن:أ بهجت سليمان2

[الهويّة.. و الهُويّة الوطنيّة، مدخلٌ إلى المستقبل الوطني...]

{"الهويات القاتلة" تتسع وتتعمق، لتلتهم الجسد الإجتماعي العربي، وتودي به إلى أعماق الهاوية}

د. بهجت سليمان

1 • ثمّة "موضوعيّةٌ" من طبيعةٍ "صُنعيّةٍ" تُعَنصِرُ ماهيّة كلّ حدثٍ تاريخيّ - تركيبيّ، و سياسيّ بخاصّةٍ، يعترضُ "مشروعَ" إنجاز و تكريس الروح الجمعيّة الخاصّة بشعبٍ أو كيانٍ تاريخيّ حيّ، يكونُ حاملها (حامل الموضوعيّة) السّوسيولوجيّ (و أعني القابل لأن يكون مادّةً أو عيّنة بحثيّة للعلوم الاجتماعيّة) الأساس هو "الأخرَ".
إنّ هذا "الآخر" هو الذي يتمظهرُ في صيغة من صيغِ "المقاومة الوجوديّة" أو "الثّقافيّة" أو "الحضاريّة". فمسألة "الهويّة"، لا تُثارُ إلّا بفعلِ تحدٍّ صادرٍ عن "الآخر"، و في وجه هذا الآخر على التّحديد.

2 • و إذ تبدو "الهوّيّة" السّوريّة، اليومَ، في خطرٍ أو في حالةِ أزمةٍ أو إشكاليّة "ثقافيّة" فذلك لأنّ التّعلّل بشعور الهويّة أو بحيازة صفاتٍ خاصّة لا يمتلكها "الجميع"، لا يكونُ محلّاً لِوَعيٍ إلّا في الساحة "الخارجيّة"، أي عندما يُمسي "مُهدَّداً".
و أمّا التّهديد فهو ينشأ حالَ "العدوان" أو حالَ التهميش أو الرّفض أو الاستبعاد أو الإقصاء، أو حالَ "الشّعورِ" بأيٍّ من تلك "الاستلابات".
و يضاف إلى ذلك أن يكون عاملُ أحد تلك الاستلابات، أو بعضها أو جميعها معاً، "مُشخّصاً" و محدّداً.

3 • كانت "الحرب" على سورية مناسبة لإعادة فتح الكثير من الملفّات التي كانت ساكنة أو خاملة مع الدّعةِ و الأمن و الأمان!
و إذا كانت "الهويّة" الشّخصيّة أو الوطنيّة أو القوميّة شيئاً من "الموضوعيّة"، و ينتمي إليها، فإنّ تعيين " المفاهيم " أو "الحدود" أو "القضايا"، عامّة، و منها بطبيعة الحال مفهومنا لِ "الهُويّة"، هي صعوبة واقعيّة تتعلّق بالسّياق الاجتماعيّ و السياسيّ.. إنّها بذلك تتحوّل إلى صعوبة أخلاقيّة في مجتمعاتنا المغلقة!

4 • و لكنّنا في مناسبات الأحداث التي تباشرُ تهديد مجتمعنا، و مجتمعنا السّياسيّ أيضاً و بخاصّةٍ، فإنّ "الذّات" تنكصُ إلى مجرّد مناسبات ل"الهمّ" و الألم و المقاومة ضدّ الاستحواذ الذي يحاول "الأخر" تطبيقه علينا في أبشع صور الاستغلال و الطّغيان.
و نحنُ مع "الآخر" فقط نبني، أو يجب أن نبني، إدراكَنا للهوّيّة بكلّ أشكالها "الثّقافيّة" و "الوطنيّة" و "القوميّة".. إلخ.

5 • و لا يمكنُ، بالبداهة التّجريبيّة، أن تتعدّى "الهويّة" إطارها "الذّاتيّ" في "الأنا"، إلى البعد الوطنيّ أو القوميّ، ما لَمْ تكُنْ قد أنجزتْ "ذاتها" فيها أوّلاً و في الآخَرِ ثانياً.
و لكن كيف لنا أن "نُوَطِّنَ" الهويّة طالما أنّها مُعطى غامضٌ بأبعادٍ سيكولوجيّة و ميتافيزيقيّة، عدا عن كونها مُعطًى يمكن أن نلمسَهُ، بخاصّة، في "الصّدمة" بكلّ وضوح؟

6 • شكّلتِ "الحداثة" بالنّسبة إلينا كمجتمعٍ أو مجتمعاتٍ راكدة علميّاً و تقنيّاً، و فكريّاً، شكّلت اعتداءً مباشراً على شخصيّتنا التّاريخيّة، كما أعطتنا الذّريعة التّاريخيّة المؤلمة لإنتاج صدمتنا الوطنيّة و القوميّة الخاصّة، و التي تعزّزتْ بطبيعة الحال في "المبادلة" غير المتكافئة مع الآخر "الغربيّ" الذي كان قد أنجز مجموعة من "الحداثات" الفلسفيّة و الفكريّة و الجماليّة و الأدبيّة و "الدّينيّة" و "الصّناعيّة" و "السّياديّة" و "القوميّة"..
و ذلك ما كان قد تراكم بعقلانيّة غربيّة، منذ "عصر النّهضة" في أوروبّا (القرن الخامس عشر) التي سبقت الثّورة الفرنسيّة (1789) باعتبارها المفترق "الإنسانيّ" الذي كان ثمرة الحداثة (أو عصر التّنوير الذي بدأ في أوربا في القرن الثامن عشر، و توّجته الثّورة الفرنسيّة ).
و إذا أضفنا إلى ذلك كلّه - بالنّسبة إلينا - "الشّرنقة العثمانيّة" التي خنقتنا خنقاً تاريخيّاً حقيقيّاً، فإنّّ لنا أن نتصوّر كيف استقبلنا، نحن، صدمة "الحداثة"..!؟

7 • لقد "بدأنا" مع "الحداثة"، بالإشكال التّاريخيّ الحقيقيّ الّذي حدّد كلّ مستقبلنا الوطنيّ و القوميّ و الحضاريّ، في مناسبة البحث عن "هويّتنا" الاجتماعيّة و السيّاسيّة (بما فيها الوطنيّة أو القوميّة)، و أعني به مأزقَ "التّقليد" في إنتاج هوّيتنا الفكريّة و السّياسيّة و العالميّة..
كان كلّ ما عملنا على إنتاجه بعد "الصّدمة" الحداثيّة، يقع في دائرة "التّشوّه الخَلقيّ". و ممّا يؤسفُ عليه هو ذلك التّزييف و الزّيف الذي وقعنا به، و مازلنا نتجرّعه، في اصطناع ما سمّي، إسماً و حسب "إصلاحاً دينيّاً" أو "يقظة عربيّة" أو "عصر النّهضة"..

8 • و هذا في الوقتِ الذي كنّا "ندخلُ" فيه، في طور جديدٍ من الاستعمار (بعد نهاية الحرب العالميّة الأولى، و نهاية عصر الاحتلال العثمانيّ) جعل منّا أشلاءً جغرافيّة و اجتماعيّة و سياسيّة، فيما اصطلح عليه بـمؤامرة (سايكس - بيكو) الإنكليزيّة - الفرنسيّة.

9 • حمل التّاريخ التّالي لسورية (بعد عام 1918) جميعَ الأمراضِ "التّاريخانيّة" على هيئة "سلطاتٍ" صُلبةٍ و استراتيجيّاتٍ غير معلنة في التّكوّن "الحديث" للسياسة و الاجتماع، و ذلك من مفاعيل دينيّة و مذهبيّة و طائفيّة و عائليّة، على قاعدة مجتمعٍ قبَليّ تعيشُ في أعماقهِ و جذوره دوافع "الوعي" و "السّلوك" و "الفكرة" المنطلقة من ماضٍ صُلبٍ و ركيكٍ و عُنفيّ، في أنماط (قوالبى) جاهزة، تعود إلى القبليّات "العربيّة - الإسلاميّة" و "دولةِ الخلافة"..
يُحفّزها "الخارج" المتمثّل بالغلبة و المصلحة و الاستئثار التي تظاهرت في الاعتداء و التّهميش و الإقصاء و القتل، للمختلف أو للمختلفين!

10 • و مع هذا الواقع بدأت مجموعةٌ من المُحالات تعترض الشّخصيّة الحضاريّة السّوريّة بوصفها "هويّة" وطنيّة أو قوميّة.

تعدّدتْ الممانعاتُ البنيويّة و الانقطاعات

11 • صار الحديث على أيّ شيءٍ يستبطنُ أولاً العدوان على "الاختلاف"، و ذلك تحتَ أيّة صيغةٍ من صيغ الثّقافة و الفكر و السّياسة و الاجتماع، كالفكر العربيّ الحديث أو الهويّة العربيّة أو الهويّة الوطنيّة.
لقد بدأ عصرٌ شموليٌّ من القهر للآخَر، و لكن هذه المرّة بما هو هذا "الآخر" هو نفسه البعد الضّروريّ و الكافي و الّلازم للذات التي تتأسّسُ فيها و عليها "الهويّة" الوطنيّة نفسها التي افتقدها الجميع مع الماضي القاهر العنيف!
نحنُ نلاحظ في هذه المناسبة، هذه "المبالغة الموضوعيّة" في تبادل "الانعكاسة" مع "الآخر" في عصر "العولمة" الذي نشهده.. نحن، إذاً، لسنا أمام خيارات..

12 • تكاثرت و تعدّدَتِ الأمثلة على احتكار "المعنى" و التاريخ و الحاضر أيضاً. و لم تفلح الدّولة الوطنيّة، منذ نشأتها في ستّينيّات القرن الماضي، في علاج هذه الخرافات القاتلة، إذ أنّ الأمرَ فوقَ مجالِ اشتغال "القرار" الإداريّ - السّياسيّ، فدخلت تلك التّشكيلة القبليّة في مفهوم "الهويّة الوطنيّة" بالذّات!
لقد أضحى مفهوم "الهويّة" الوطنيّة مفهوماً بلا معنى حضاريّ، هذا إنْ لم يكنْ قد صارَ شيئاً خرافيّاً أو "فانتازيّاً" هو الآخر.

13 • وتفيدُنا وقائع "الحربِ" اليومَ، بما فيها الوقائع السّياسيّة و الأخلاقيّة و الاجتماعيّة، بأنّ مفهوم "الهويّة الوطنيّة" المميّزة و الشّاملة، إنّما هو ضربٌ من الكذبِ و النّفاقِ الصّريحين.
و يكبرُ، اليومَ، التّحدّي الحضاريّ في وجه "الهويّة الوطنيّة"، و يكبر معه تحدّي "المصير".
وفي إنتاج المغزى، نحتاجُ إلى أدوات. و يمكننا أن نعدّ ثقافةً، كلَّ إضافةٍ غير عضويةٍ إلى "الذّات".

14 • هنا نحن ندخل في علاقة "مراءاة" مع الآخَر، بالمعنى المزدوج الذي يُتيح لنا إقامة علاقة "تزيّنٍ" بهِ، و الرّياء أو النّفاق معه أو عليه (!)، و ذلك كلّما كان علينا أن نفكّر بعنف و أعني بطريقة عنفيّة.. و نحن ليس علينا أن نبتكرَ البداية بالعنف، و لكن من واجبنا الوجوديّ أن نبادلَ العنفَ بالعنف..!؟
و في تطوّر هذه العلاقة الثقافيّة، يبدأ عمل "التّهديد" بشكلٍ متبادلٍ بين "الأنا" و "الآخَر".. و من الواضح هنا أنّنا لا نرمي إلى ما تعنيه "الثقّافة" من حيث هي "الأفكار"، فذلك يمكن أن نضمّه إلى حظيرة "الأفكار".
و على الرّغم من ذلك فإنّنا نذهب بالثّقافة إلى كلّ ما من شأنه أن يُعزّزَ الكينونة الفرديّة و الاجتماعيّة، و ذلك من تقاليد و عادات و محظورات و محرّمات و رموزٍ طوطميّة أيضاً، و معتقدات و أديان.. إلخ.

15 • و لكنّنا إذا أقررنا بأنّ جانباً كبيراً ممّا نعانيه اليوم، في "الحربة" و في آثارها، هو نتيجة للثقّافة.. يكون بإمكاننا - و فقط هكذا - أن نتجاوز هذه الأزمة الحضاريّة التي سببتْها "الحرب".

16 • وعندما ستنتهي الحرب - و ستنتهي -، علينا أن نعودَ إلى المزيد من "التّنظير"، و بخاصّة بشأن الهويّة الوطنيّة السّوريّة.. ذلك لأنّهم قليلون أولئكَ الذين يعرفون، معرفةً على الأكيد، نماذج "الهويّة" التي تشتغلُ بصمتٍ أو بغيره، متخفيّة وراء أسماء و قواعد سلوك و تقاليد عدوّة.

17 • هنالك من النّماذج ما لا يخطر على بال "المثقّفين" من الهويّات الموضوعيّة و الذّاتيّة و الوثقى (و هي التي تميّز الأفراد و الشّعوبَ أمام الامتحانات المصيريّة و التراجيديّة!).
كما أنّ هنالك الهويّة الحاضرة، و الهويّة المستمرّة، و الهويّة المزيّفة (التّاريخانيّة و العاطفيّة الشّعبيّة!)، و كذلك الهويّة الاجتماعيّة و الهويّة السّياسيّة (و الاقتصاد جزء منها بالطّبع) إلى أن نصلَ إلى الهويّات السّلبيّة و الهويّات المقارَنة.

18 • و نحنُ في كلتا حالتيّ "التّعصّب" و "الانحلال"، نكون فعلاً أمام ما يُسمّى ب "الهويّات القاتلة"..!؟..
وما لم ترتق إلى مستوى التحديات المصيرية التي تواجهنا، وإلى مستوى القدرة على مواجهة هذه التحديات الوجودية.. فإن "الهويات القاتلة" ستتسع وتتعمق، لتلتهم الجسد الإجتماعي العربي، وتودي به إلى أعماق الهاوية.

***

فعقبت الدكتورة رشا شعبان بالتالي:أ رشا شعبان

كل الشكر و الامتنان لك حكيمنا الرائع و أنت تحيلنا إلى موضوعات من طبيعة إشكالية تحتاج البحث و التحليل و الموضوعية و المسؤولية، خاصة و أننا نعيش في راهن يجعلنا أمام تحدِ يحيلنا إلى موضوعات من طبيعة إشكالية تحتاج البحث و التحليل و الموضوعية و المسؤولية، و نعيش في راهن يجعلنا أمام تحدِِ وجودي خطير يطال كينونتنا و حضورنا.

و لا شك أن قدر الثقافات و الهويات أن يظلّ لقاء بعضها ببعض متأرجحاََ بين وصل و فصل، لقاء بقدر ما نحتفي بحدوثه نخشى عواقبه، و بقدر ما تبدو حيويته نتنكّر لضرورته، دفاعاََ عن ثقافة هوية يتهددها الفصل، و خشية على هوية ثقافية قد تتفتّت حين يفتنها الوصل و الانقطاع عن الحاضر و المستقبل.

و ليست الخشية على الهوية و تعيّنها بوصفها أزمة، إلا تعبيراََ يعلن عجزاََ عقلياََ و أخلاقياََ عن تصوّر وحدة الكثرة و كثرة الواحد، تلك العقول غير القادرة على الترفّع عن داء رفض الإختلاف و عدم امتلاك ثقافة التنوّع الطبيعي و الضروري داخل "الأنا" الذي يستحيل إلى "ال نحن" في إطار الهوية الجامعة المانعة بآنِِ معاََ.

إذ ذاك تغدو الهوية الجامعة هي التي ترفع من شأن الوحدة التي تولّد التجانس، أو الرفع من شأن الكثرة غير المنغلقة على الأنا الفردي و المريضة بحضور الواحد الرافض و المعادي للكثرة.

إن الهوية الوطنية و القومية ليستا تعيّناََ يجافي الآخر، بقدر ما يعترف و يحترم حضور الآخر فينا، و يعلن عن حضورنا المركب داخل الهوية. إنه الحضور الذي يلزمنا ب إقرار المحافظة على تنوّع الثقافات و تطوير الوحدة الثقافية لتلك الهوية، تلك الهوية التي تتلاقح فيها الأفكار و الثقافات و الأعراق، و التي تعلن عن اللقاءات المبدعة للتنوّع و التجديد.

و لا نجانب الصواب إذا ما أكدنا أن أزمة الهوية التي نحن بصددها، تحاصرها الحرب من كل صوب لترسم لوحة قاتمة لوجود إنساني توهّم مصلحته في غلبة الآخر لا في السير معه، و حين تصير الغلبة ذاتها وهماََ تغذيه مشاعر بَطُل سحرها، يستيقظ فينا أمل إرادة التوحّد و يوجهه مطلب الاندماج.

نعم، تتشكل الهوية داخل صيرورة، من حيث هي حركة لا تفتأ تسكن حتى تعود إلى الحركة من جديد.
و كذلك تقوم الهوية على المختلف، لأن "الهو" يحضر من خلال إعلاني عن وجوده في الواقع، فأعرفه و أتعرّف على ذاتي من خلاله.

إذ ذاك يتمظهر الآخر في وطني و قوميتي، بوصفه إعلاناً عن ذاتي، وليس مناقضاََ لذاتي و سالباََ لها.

إن التقوقعات المذهبية و الدينية و الثقافية، هي تقوقعات سالبة للهوية، و معنّفة لها بآنِِ معاََ.

و كذلك إستعارة النماذج المنجَزة و التامة من الماضي أو من الحاضر، هي تلك النماذج السالبة و القاتلة المدمّرة للهوية، لأنها تفتقد لأساس ماهية الهوية التي تحتضن مقوماتها التاريخية و فعلها الاجتماعي الضروري لها.

ف الهوية ليست فعلاً أنجزه الآخر، و ما علينا إلاّ استعارته، لأن ذلك يحتضن مقتل الهوية و الأساس المناقض و المضاد لشروط تكونها.

إنّ الإنغلاق على الذاتيات الدينية و الطائفية هو الخواء الوجودي للهوية، إنه ذلك الوعي الاستلابي لفكرة الهوية الوطنية و القومية، ف المستلب لا ينجز إلا واقعاً زائفاً و مصطنعاً، يظهر على السطح بوصفه وحدة، إلّا أنه في العمق، يعلن عن فقد الوحدة و الحرمان و احتضان أمراض العجز الإحساس بالاضطهاد الموجّه إلى الأنا و الآخر.

ولا شكّ أنّ الهوية لا يمكن أن تعلن حضورها إلّا إذا كانت قد امتلكت أسباب وجودها و أنجزت ذاتها، لتتمكن من انفتاحها على الهويات الأخرى.

و أخيراََ لا يسعني إلا أن أكرّر امتناني و شكري لك حكيمنا المبدع و الراقي، الدكتور بهجت سليمان.
و أرجو أني تمكنت من الحوار مع بعض مما قدمته لنا من أفكار ثرية و مكثفة.

***

أما الأستاذ غسان أديب المعلم, فعقب بالآتي:أ غسان المعلم

"الهوية السورية العربية"

1. لماذا سوريا أولا..؟
الهوية: هي الصورة المعبرة التي تعكس ثقافة ولغة وعقيدة وحضارة وتاريخ الفرد.. واصطلاحا هي مجموعة المميزات التي يمتلكها الأفراد وتساهم في "التفرد و الانفراد" عن غيرهم وهي كل شيء مشترك يساهم في بناء محيط عام لدولة ما.
وبالمرور أيضا لتعريف الإنتماء فهو بروز الاعتزاز بالوطن والمحبة العميقة له التي تتجسد بحمايته والتضحية لأجله
وبإختصار شديد "التاريخ يأخذ شهادة ميلاده من سوريا"

2 . الملاحظ في مسيرة الأحداث في وطننا هو غياب "الهوية و الانتماء" عند البعض والسبب يعود لعدم قراءة التاريخ وسطوة المرجع الديني على المرجع الثقافي العلمي والمشكلة مشكلة انتماء..
فبدلا من الانتماء للوطن ظهر الانتماء للعشيرة والقبيلة والملة والدين.

3. عند التمييز فإن حضارة سوريا تعود لأكثر من عشرة آلاف عام ولا يمكن اختزال الهوية بحضارة البدو والدولة الأموية والعباسية والتاريخ الهجري واحتساب المكون اللغوي و الديني فقط.

4 . الأهم أن من ينتقد هذه النقاط بالذات "يصادر رأيه" بل ويمكن وصفه عند البعض ب (اللامنتمي) لسوريا!
رغم أن سيد الوطن بالذات أعذر " معظم السوريين " بهذه الرؤية (مع نهاية التعليق صورة لكلمة السيد الرئيس)

5 . ماذا سنقول للجيل القادم؟
أوغاريت خرافة.. وأن جوليا دمنة هي بنت المهلهل و بعل العلي شقيق أبو الشمقمق!
وأن أقدم رسالة دبلوماسية بالكون " مملكة إيبلا " هي رسالة فارغة!
أغلب السوريين لم يعد لديهم هاجس الوحدة على الأقل
وحدة عربية مع من؟
أين هو الشعب العربي؟
أين من يتوازى نبضه مع نبضنا؟
لماذا لايكون الهم والاهتمام هو البناء للإنسان السوري وقضية انتمائه وعلمه وثقافته بأسلوب معاصر بعيدا عن هاجس التقوقع ضمن جغرافيا ودين معين؟
لماذا لا يجتمع " العروبيون السوريون " بمؤتمر ويحددوا العربي من الأعرابي والمسلم من المتأسلم ويعتبر الطرف الثاني عدوا وتنتهي المشكلة؟

6 . هل ننسى بأن هناك مكونات سورية غير مسلمة وأن "الفكر العروبي يربط العروبة بالإسلام"
رغم أنني وغيري من عائلة مسلمة ومن حفظة القرآن الكريم والكتب "السماوية" لكن نظرتي وغيري بأن الدين لايبني دولة وإلا بماذا أختلف مع حسن البنا في طرحه (الوحدة الإسلامية هي الطريق للوحدة العربية. راجع الدكتور الياس فرح)

7 . حتى أن البعثيين القدامى ربطوا العروبة بالإسلام.. منهم ميشيل عفلق الذي قال (الإسلام تاريخنا وبطولاتنا وفلسفتنا ونظرتنا الى الكون!) "محاضرة في بغداد 1976 بعنوان أصالة الأمة"..
وقال أيضا (الاسلام ليس مجرد دين بل ثورة) مجلة آفاق عدد نيسان.
وبالنظر لهذا الربط البعيد عن العلمانية فلا يمكن للبعض قبول هذه الأفكار الدينية وخصوصا في هذا الوقت.

8 . نملك تاريخا يحسدنا ويبغضنا عليه العالم أجمع بل ونملك من الكبرياء مايجعلنا نتجاوز مقولة "سوريا قلب العروبة النابض" إلى سوريا "رب العروبة" إذا كانت ضمن المعنى اللغوي للشهامة والمروءة.
أما إذا كانت ضمن أساس لغوي وديني وأن "بعير سعودي أو غطري" هو شقيقي فلا بارك الله بها.. هي ذي لب المشكلة

9 . تحديد الهوية والانتماء لوطن سوري عروبي وليس عروبي فقط محدد بهدف واقعي وليس خيالي بوحدة مع قاتلي.

10 . من يملك هكذا تاريخ وهكذا شعب وهكذا قائد وجيش يحق له قلب كل التعاريف والمصطلحات وأن تكون سوريا مجرة العروبة ومن أراد الدخول لها من كواكب تابعين فأهلا وسهلا ضمن المعيار السوري أولا.

رأي شخصي قابل للقبول والرفض مع احترامي لآراء الأصدقاء الكرام

والشكر العميق لصاحب هذا المنبر الهادف الرائع.. حكيمنا النبيل الدكتور بهجت.

-----------------

● مع كامل الإحترام والتقدير لصاحب هذا الرأي ، فإننا نختلف مع رأيه الوارد هنا ..
وقد شرحنا عشرات المرات، بل أكثر، رأينا حول هذا الموضوع.. وسنستمر في شرحه مستقبلا.

بهجت سليمان: أبو المجد

***

فيما عقب الشاعر ياسن الرزوق زيوس:

يقول محمود درويش "الهوية هي فساد المرآة التي يجب أن نكسرها كلما أعجبتنا الصورة".أ ياسين الرزوق1
و يقول أيضاً: "لا أخجل من هويتي فهي ما زالت قيد التأليف و لكني أخجل من بعض ما جاء في مقدمة ابن خلدون!".

في هذين القولين تأخذنا الهوية إلى مقدمات وجودنا و إلى مرايا أنفسنا و علينا أن نحسن قراءة المقدمات و أن نطيل التمعن في المرآة لا لنتجمّل بل لندرك أنّ الهوية هي عمقٌ يجب علينا استدراكه قبل أن نغرق في سطحيتنا و هي بعدٌ يجب علينا إمساكه قبل أن تضيق علينا المسافات و هي سفحٌ علينا صعوده قبل أن تتساوى لدينا الهضاب و السهول و أن تغدو عندنا سواسية القمم و الوديان!

ما نراه من اضطراب في المشهد العربي و من تشوهات في الصورة أمام المشاهد الأعمى في داخل بيته و وطنه أو الذي فقد التمييز بين الخطأ و الصواب و بين الحقيقة و المسخ و بين الهوية و التبعية يجعلنا نغرق في البحث عن معاني الهوية التي لا تطعن لتقتل بل تجرح لتداوي الأوطان و الإنسان!

فمن لا يرى في هويته نزعة استقلاله لا يستحقها و من يمضي بهويته إلى تبعيته خارج حدود الوطنية لا وطن له و من لا يستشعر بهويته معنى الوطنية و الانتماء لن يملك هوية على مرّ و تعاقب الأزمان و من يظنّ أن الانتصار ل سورية هو الانتصار على الديكتاتور المزعوم كما يروّجون له إنّما هو جزء من فقدان الهوية التي تداعت و جزء من عقلية التدمير التي شاعت لتفقد من يرفع شرعة الفينيق نزعته الحداثوية في الأرض و السماء!...

نعم إنّ المصير هو الكود الذي ينقذ الهوية من بعدها اللاهوتي و عندما نؤمن بما قاله الأسد البشار:

(شعبنا العربي شعب عريق لذلك يجب علينا أن نرتقي إلى مستوى طموحات هذا الشعب و أن نتجاوز الخلافات لأنّ ما يوحِّدنا أكثر مما يفرقنا و الكل ينظر إلينا كعرب أي أننا جميعاً في مركب شئنا أم أبينا فالأحرى بنا أن نحسن قيادة و توجيه هذا المركب بما يخدم مصالحنا و يوفر لشعبنا قاعد متينة من التعايش و المشاركة و الشعور بالمصير المشترك.)..

لن نقول أن الهوية العربية هي كيان واحد بل هي شظايا متناثرة و لن نسلّم أن هويتنا القاتلة في عروبتنا أو في سريانيتنا بل سنمعن النظر بالتكتلات العالمية لنجد أن النزعة القومية في فرنسا أو بريطانيا أو أميركا لم تمت و لكنهم آثروا التوحد و الاندماج الاقتصادي.

و ما نراه في أميركا و الصين و الهند من وديان سيليكون تكنولوجية جعلت من الهوية عنوان حداثة ترسخت في أصالة الأوطان لا يجعلنا نراهن إلا على انسلاخنا عن أنفسنا و عن وجداننا الوطني و لا نقول هذا من باب التشاؤم بل من باب الحرص على النهوض أينما كان بنا يشفي الوطنية الحداثوية و لا يرسخ الحداثة التبعية...

و ما تقوم به المحاور التي تسرق من العروبة اسمها و تجعل أغلب السوريين يكفرون بها إنما لأنّهم ذاقوا ويلات العروبة القاتلة و راحوا يبحثون عن هوية دستورية سورية تحيي لا تميت لا هوية غير دستورية عربية تميت و لا تحيي و هذا ما يجعلنا نقول أن الهوية هي مسار وطني بحد ذاته و من لا يملك النية للسير فيه إنما يطبق عكس مقولة إنما الأعمال بالنيات لتغدو إنما النيات بالأكاذيب.

و ما أبشع النفاق في مشوار الهوية لأنه لن يودي إلا إلى أنفاق لا حصر لها بمثابة متاهات دستورية خرجت من تحت كنف الأوطان إلى تحت أكناف مشغلين عالميين لا يرون في الهوية إلا مذبح مستعمراتهم و خاصة تلك التي لا تعيش على هواهم و للناس بما يعشقون مذاهب و ما أدراك بمذهب الهوية القاتلة؟!

لنا بسلاسلك أن نعيش لنقتل كلّ المفاهيم القاتلة بالنار و الورد دكتورنا الغالي بهجت سليمان.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

September 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 31 1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 1 2 3 4 5 6
عدد الزيارات
3989228