الصفحة الرئيسية

كتب الدكتور بهجت سليمان: "الحربُ على سّوريّة".. بين الأهداف و النّتائج.. عموميّات و تفاصيل

[الحلقة الخامسة والستون "65" من "سلسلة الفكر الإستراتيجي"] عن:أ بهجت سليمان في مكتبه

{"الحربُ على سّوريّة".. بين الأهداف و النّتائج.. عموميّات و تفاصيل}

● د. بهجت سليمان

1 • ربّما أصبح ممكناً اليوم، البدء بمشروع دراسة الحصيلة الواقعيّة للنّتائج العامّة للحرب على سورية، مقارنةً بالأهداف التي وضعتها القوى العُنفيّة المتعدّدة عندما باشرت بهذه الحرب، و كذلك مقارنةً بالوقائع و الحقائق التي ترسّخت على الأرض، بما يخرج عن الأهداف من انحرافات أو تفاصيل؛ على أن لا تكون معتمدةً كنتائج نهائيّة، فالحرب لا تزال مستمرّة و لو أنّ خطوطها العامّة أصبحت واضحةٌ لكلّ بصيرة، سواءٌ في الأسباب أو في الأهداف و تالياً في نتائج هامّة أيضاً.

2 • و إذا كان الهدفُ لا يُعرف كحقيقة واقعة إلّا بالنّتيجة، فإنّ الإحاطةَ بالنّتائج الأبرز، إحاطة نظريّة، كفيلةٌ بأن تُحدّد، ارتجاعيّاً، الكثيرَ من الأهداف التي كمنت في دوافع الحرب، بغضّ النّظر عن تحقّقها بالجملة أو تحقّقِ بعضِها كما حصل.
إنّ ديالكتيك الهدف و النّتيجة، هو ما يجعلنا قادرين على تفنيد - بما فيه تعداد - جملة الوقائع و المزاعم اللتين يجتمع اندماجهما في التّفاصيل التي لا تُحصى.
و لكنّ الأجدى، و الممكن عمليّاً، هو أن نتمكّن من حصر تلك التّفاصيل في مجموعات و زمر و حقول و فضاءات.
إنّ التماس عقابيل الحرب - ككلّ الكلّيات - لا يُمكن أن يكون إلّا في الأفكار، التي و إن كانت في طبيعتها واقعيّة، إلّا أنها لا يمكن أن تكون جميعاً محلّ التّحديد أو المحدوديّة، مع أنّ كلّ محدّدٍ محدودٌ, على أنّ العكسَ ليسَ صحيحاً.. أيّ أنّه ليس كلّ محدودٍ مُحدّد. و هذا على ما نعتقد، أمْرٌ ينطبق على كلّ الّلغات التي تتبنّى واقعيّة الأفكار، سواء في التّجربة أو في الإدراك.

3 • في عالم اليوم، يبدو أنّ كلّ الأحداث الكبرى - و منها الحروب الاستراتيجيّة - تتعدّى واقعها، مهما كان مؤطّراً، إلى العالم كلّه، تبعاً لعضويّة العالم كمجتمع مفتوح، سواءٌ بفعل وسائل الحضارة المعاصرة أم بفعل الأهداف التّبادليّة، التي يستطيع أن يتواضع عليها العالم في شبه تواطؤ أو تواضع، في القبول.
و لن يكون ما هو أكثر نموذجيّة في الأحداث في القرن الواحد و العشرين، من أن تكون الحربُ العاصفة على سورية، مثالاً تطبيقيّاً و معبّراً عمّا قلناه أعلاه من أفكار. ذلك أنّه كلّما كان ممكناً لنا الوقوف على نتائجَ أكيدة و محدّدة لهذه الحرب، مقترنةً بالأهداف، كلّما كان هذا يعني اقتراب نهايتها على التّاكيد في محدوديّتها الأكيدة.

4 • في الوقائع و الحقائق المباشرة، يمكننا تقسيم "النّتائج" التي كانت حصيلةً للحرب، إلى نتائج مرغوبة و أخرى غير مرغوبة، تبعاً للأهداف أو تبعاً للنّتائج الموضوعيّة المستقلّة عن الرّغبات و الأغراض القصديّة، و التي كمنت في الدّوافع الخالصة.
و حيث تتداخلُ النّتائج المرغوبة بالنّتائج غير المرغوبة، تبعاً لنسبيّة الفهم العام و تبعاً للشّخصيّ في التّقويم، و كذلك تبعاً لاختلاف و تعدّد الأطراف أصحاب المصالح و الأفكار، يكون من الدّقّة أن نعرضَ تلك النّتائج دون تحديد مسبّقٍ لموقفنا منها، على أنّها تُقرأ فعلاً، أيضاً، بشكلٍ أكاديميّ دون أن يكون للذّاتيّة فيها اعتبارٌ خاصّ. هذا و ينطبق الأمر أيضاً على تقويم الأهداف.


■ أوّلاً: في النّتائج

5 • أوّل ما يجب تسجيله من نتائج موضوعيّة للحرب هو التّغيّر و التّغيير الأميركييَنِ الّلذين طرأا على العقيدة العسكريّة الأميركيّة ( هنا لا تشكّل ضربة ترامب على سورية في " 7 نيسان 2017 " وتهديدات الحالية بضرب سورية ، أيّ تحوّل نوعيّ في مسار الحرب! ) ، و ذلك جرّاء ما تحوّل فيه الوضع السّوريّ من مكان خاصّ أو شبه خاصّ تقليديّاً ، إلى ساحةِ تجريب الفلسفات و العقائد و الاستراتيجيّات السّياسيّة و العسكريّة المتنافسة لجميع قوى العالم ، في الشّرق و في الغرب ، بما فيها قوى إقليميّة معتبرة و وازنة ، أيضاً.

لقد أدركت أميركا و أدرك العالم بُطلان عقيدة الحروب الاستباقيّة التي طوّرتها، بخاصّة، الحكومات الأميركيّة "ما بعد النّيو - ليبراليّة" كإمبرياليّة معاصرة، منذ إدارة (بوش الأبّ) إلى إدارة (أوباما)، بما فيها التّدخّل المباشر العالميّ في السّياسة و الاقتصاد و السّيادة.

6 • ظهور القوّة الرّوسيّة السّياسيّة و الاقتصاديّة و العسكريّة، كقوّة واقعيّة و عمليّة معاصرة في وجه القوّة الأميركيّة، و على نحو متين و ثابت مقارنةً بالقوّة السّوفييتيّة التي بُنيتْ بتعليل الأيديولوجيا أكثر ممّا كانت قد بنيّتْ على "العقلانيّة" و الواقعيّة.
لقد استعادت روسيا مكانها المناسب بين القوى العالميّة، كقوّة منافسة للقوّة الأميركيّة بل و متفوّقة عليها في سياسة "إدارة التّناقضات" العالميّة.

7 • تحوّل نظام العالم من قوّة الواحديّة القطبيّة التي عمّت "النّظام العالميّ" منذ تسعينات القرن العشرين و حتّى بداية العقد الثّاني من القرن الواحد و العشرين، إلى "نظام عالميّ" معاصر و جديد متعدّد القطبيّة و يُمهّد لنظام استقطابيّ واعدٍ، يتراجع فيه دور أميركا و أورُبَّا الغربيّة (التقليديّة) أمام الدّور الجديد الذي ستحتلّ فيه روسيا و الصّين و باقي دول "البريكس" و دول "معاهدة شنغهاي" مع دول أميركا الّلاتينيّة و الدّول الأسيويّة "المتمرّدة" على نظام القطبيّة الواحدة، سيحتلّون فيه مكاناً راجحاً في مواجهة القوى الأميركيّة الغربيّة التّقليديّة.

8 • القناعة الأميركيّة المتفاقمة باستراتيجيّة وقائيّة جديدة و مُكلِفة في مناطق دول "المحيط الهادي" اتّقاءً للمفاعيل الواقعيّة لتعاظم دور الصّين في العالم، بعد أن كانت الصّين أكبرَ الرّابحين العالميين، اقتصاديّاً و سياسيّاً، في منأى عن الصّراعات و النّزاعات العالميّة المباشرة منذ أكثر من ستّين عاماً حتّى اليوم (بدءا من نهاية الحرب الكوريّة عام 1953م)، و انعكاس ذلك في معدّلات النّمو الاقتصاديّة الصّينيّة على نحو لا يُنافَس، و ما يتبع هذا من تفوّق استراتيجيّ وجيوبوليتيكيّ كاسح.

9 • الفشل الأميركيّ الذّريع في تحقيق التّوازن و المواءمة ، بين الاستراتيجيّة التّقليديّة القائمة على التّدخّل و النّهب الامبرياليّ المباشر للدّول و الشّعوب ، و بين المصالح الأميركيّة الآنيّة المتعاظمة و التي تخدم بطبيعتها عناصر " الاستراتيجيّة ".

10 • ترسّخ مفهوم عالميّ منظّم و إجرائيّ في وظيفة " مجلس الأمن الدّوليّ" و منظّمة " الأمم المتّحدة "، حول سيادة الدّول و استقلالها الأمميّ ، بعد أن كانت السّياسة الأميركيّة ، سواء منها المباشرة أو الاستراتيجيّة ، تقوم على التّدخّل المباشر السّياسيّ و الاقتصاديّ و في تغيير " الأنظمة " في المناطق التي تدّعي فيها ( الولايات المتّحدة ) بوجود مصالحَ " حيويّة " لها.

11 • ظهور شبكةٍ معاصرةٍ من العلاقات بين الدّول ، تؤكّد أنّ العالم مُتَّحدٌ ( بتشديد و فتح التّاء ) واحدٌ ، بما في ذلك من تناقضاتٍ و تشابكات و تحدّيات أمام الفلسفات الإنسانيّة التي تعتقد بإمكانيّةِ و واقعيّة المصلحة الواحدة في العالم ، للعيش المشترك بعدالةٍ و أمانٍ و سلام.
و في هذا الإطار، تأكيدٌ على مفهومٍ للنّظام العالميّ "حقيقيّ" بمعناه "الكوسموبوليتيّ" الإيجابيّ، و لو أنّه تجري في هذا السّياق اجتهاداتٌ استئثاريّة و احتكاريّة، بواسطة القوّة العنيفة، حول التّنافس العالميّ على القرار و التّوسّع و الطّغيان الجيوبوليتيكيّ، الأمر الذي يصطدم بقوّة العطالة السّياسيّة التي هي في جذورها "قوّة عطالة" تاريخيّة و "طبيعيّة"، لا يمكن فهمها إلّا في إطار "التّفاضل" الميكانيكيّ البسيط، لأعقد و أغنى ما يمكنُ أن يُشكّلَ الكثافة العنيفة التّراكميّة للأدوات و الوسائل و الأفكار، بالتّبادل مع " المكان" التّاريخيّ الذي فاتتْه أسباب القوّة.
إنّ هنالك في العالم و التّاريخ، ما يؤكّد هذا المفهوم من الميل نحو "الفوضى" التي تنتهي عادةً بـ"النّظام". هذا هو على الأقلّ ما يُعبّر عنه قانون "الأنتروبيا" الفيزيائيّ، بسهولة و يُسر.

12 • و أظهرت "الحرب" حقيقة واقعيّة في سورية .. لقد استطاع السّوريّون تأكيد القاعدة السّوريّة التّاريخيّة المعاصرة، المتعلّقة بقدرة سورية السّياسيّة التّي رسّخها (الأسد حافظ) و ترجمَ (الأسد بشار) "صعوباتها" الإيجابيّة، في إمكانيّتها التي كانتْ مزيجاً من العمليّة و الّنظريّة إلى حين، فإذا بها تَظهرُ حقائقَ واقعيّة مُكرّسة في الدّولة و السّياسة..
و هو ما أشكل فهمه على الكثيرين من السّاسة و القادة و المنظّرين و المثقّفين ، بينما كانَ الأمر نفسه محلّ الصّدمة و الصّفعة لرغبات آخرين تقنّعوا بالأكاديميّة أو الحياديّة أو بالتّرفّعات الكاذبة التي تعكس رغبةً في دمار سورية على الأقلّ!
و ينطبق هذا الأمر على " قادة " و اقتصاديين و سياسيين و مثقّفين و " فلاسفة " و " اجتماعيين " ( سوسيولوجيين ) عالميين و عربا ، و سوريين بخاصّة ، و ما زالوا تحت أثر " الصّدمة " يعتكفون.

13 • لقد ظلّت " سورية الأسد " قائدةً للحرب على أرضها ، و حافظت على جميع خصوصيّات فهمها للأزمة التي توسّعت حتّى صارت عالميّة ، على رغم بعض التّفاصيل التي تخرج على الإرادة السّوريّة ، نتيجةً لتفوّق الآخرين - و بخاصّة أميركا - عسكريّاً.
و لقد فرضت هذا الفهم على الجميع : أصدقاء و حلفاء و شركاء.. و أعداء و معارضين و مجرمين ، و كذلك على " الحياديين " الدّعيين أيضاً.

14 • فرضت سورية قواعد سيادتها الخاصّة. . و أثبتتِ الحربُ أنّ العقيدة السّوريّة السّياسيّة و العسكريّة و التّاريخيّة ، هي عقيدةٌ ممكنة و عمليّة في التّمسّك بالثّوابت الوطنيّة و القوميّة و الإنسانيّة ، و يمكن فعلاً ممارستها في الواقع و الجغرافيا و التّاريخ ، سواءٌ عقلانيّاً أم بالقوّة المسلّحة ، على رغم الصّعوبات و التّضحيات..
و أثبتت القيادة السّوريّة في سياستها المخضرمة ، قدرة الدّولة الوطنيّة السّوريّة على أن تكون ممثّلة لجميع الشّعب ، على رغم المحاولات المستميتة للقوى الخارجيّة ، ل شقّ لحمة العيش الواحد للمجتمع العربيّ السّوريّ ، عَبْرَ افتعال تمايزات و " غيتوات " جغرافيّة و ديموغرافيّة و طائفيّة و عرقيّة..
و استطاعت سورية على ، رغم " القواعد الدّوليّة " و " الإقليميّة " المقيِّدة ( بتشديد و كسر الياء )، و بخاصّة في " إدارة التّناقضات "، فرض " الخطوط الحمر " السّوريّة كثوابت في السّياسة و العقيدة الوطنيّة و الجغرافيا . كما استطاعت ، أيضاً ، بناء "واقعيّة جديدة " بالنّسبة لقواعد الحرب و الاشتباك مع ( إسرائيل ) ، ما جعل ( روسيا ) " متموضعة " إقليميّاً ، من الناحية العملية ، في " محور المقاومة ".

15 • لن نتطرّق ، هنا ، إلى حجم النّتائج الكارثيّة التي جعلتها الحرب واقعاً يوميّاً للسّوريين . إنّ الحروب المتوحشّة و البربريّة المديدة و المُركّبة و المعقّدة في الأهداف و الأطراف و القوى المتصارعة ، التي تتخلّلها مصالح لخلفيّات و مرجعيّات لا تُحصى ، و رغبات و آمال متناقضة ، لا يمكن أن تمرّ من دون خراباتٍ و تضحيات شاملة أو شبه شاملة.. هذا هو واقع الأمر.
لقد صار هذا " الواقع " الحقيقيّ ممّا لا يُجدي بحثُه أو الخوض فيه ، في الأسباب ، ناهيك عمّا هو معقّد و مركّبٌ أمرُ مواجهته في الوقاية و الإصلاح و التّنظير على المستقبل ، و الذي سيحتاج أكثر من حديثٍ للذّاكرة أو المناسبات!

■ ثانياً : في الأهداف

إذا كانت الأهداف متداخلةً في النّتائج ، فإنّ نتائج لا تُحصى ببساطة خرجت - كما رأينا أعلاه - عن كونها من طبيعة الأهداف أو الرّغبات القابلة للتّحديد.
إنّ من بين الأهداف نفسها ، أيضاً ، ما يخرج على " السّيطرة " و التّخطيط ، ليصبّ باستقلالٍ في عداد النّتائج ..
و على رغم ذلك ، فإنّ هذه الأفكار التي نسجّلها هنا ، لا تتّسقُ من دون أن نعرّج على أهم الأهداف المقصودة لهذه الحرب ، مع انحرافاتها التي كانت مفاجئة في النّتائج . لقد كانت الأهداف محدّدة جدّاً و " صريحة " إلى حدّ بعيدٍ و " مختصرة " بإيجاز!

16 - فالهدف الأوّل لهذه الحرب كان " إخضاع " سورية و إسقاط الدّولة الوطنيّة السّوريّة و استلاب " قرارها " و إحداث تأثيرات عمقيّة ( عاموديّة ) خطرة في بنية المجتمع العربيّ السّوريّ و تشويه " المكان" بأيديولوجيّات إسلاميّة راديكاليّة ( القاعدة ، داعش ، النّصرة.. إلخ)، و تقسيمه سياسيّاً و تفتيته اجتماعيّاً.
و كانت شيطنة " الإسلام " و إبراز الجانب " الخلافيّ " التّاريخيّ فيه و جعل " مكوّناته " الثّقافيّة عبئاً على رسالته المحمّديّة ، إحدى الأدوات بهدف شطر المجتمع العربيّ السّوريّ كعاملٍ اجتماعيّ و سياسيّ مساعد ، من أجل دكّ الأسس التي تقوم عليها وحدة المجتمع و الدّولة في سورية.

17 • لقد جرى الكثير من الوقائع و الأحداث و التّفاصيل التي تداخلت ، هنا، ما بين الأهداف المرغوبة و النّتائج " الحرّة " أو غير المقيَّدة بالمقدّمات. أعني أنّ التّفاصيل في " المُخرَجات " لم تكن " جميعها " - على الأقلّ - متوافقة مع المقدّمات أو المعطيات أو " المُدخَلات ".
و كان جرّاء ذلك ما كان من " نتائج " صادمة و مفاجئة أو غير متوقّعة ، بالنّسبة إلى الكثيرين من أرباب هذه الحرب في الدّاخل و الخارج.
فلا الدّولة " سقطتْ " و لا " النّظام " انهار ، و لا " الحرب الأهليّة " اشتعلت و محقت الجميع و كلّ شيء ، و لا كذلك تحقّقت أهداف الدّول و القوى المتآمرة على سورية ، في كثير من الرّغبات و التّوقّعات.

● إلّا أنّ للحديث أيضاً ، هنا ، لازمةً ضروريّة..

18 • في الحقيقة لقد تمكّنتْ ( أميركا ) و ( إسرائيل ) و " الغرب "، و بخدمة الإعلام الخليجيّ و الغربيّ ، و بتأثير و مساعدةٍ من العملاء و الجواسيس الذين اكتسوا برقع " المعارضة "، من اختراق المجتمع السّوريّ ثقافيّاً و أخلاقيّاً ، فأحدثوا أو عمّقوا فيه الكثير من الأمراض التّاريخيّة المتّصلة بالانقسامات النّفسيّة و الارتداد نحو " الذّاتيّة " الثّقافيّة المنغلقة المتعيّنة باحتكار " الإنسانيّات . "
لقد ظهر انقسامٌ مُفجع عمليٌّ على " الحقائق " اليوميّة الانتمائيّة منها و الأخلاقيّة. في الوقتِ الذي تعمّ فيه ثقافة الزّيف و المزايدة و النّفاق و التّديّن الكاذب و الدّفاع عن الموروثات.
ناهيك عن إعادة إنتاج مفاهيمَ جديدةٍ بما يخصّ " المنفعة " و " التّبادلُ " و احتكار الفائدة و العيش ، ممّا يكرّس الانقسام التّكوينيّ النّفسيّ ، الفرديّ منه و الجمعيّ ، و هو ما يضيفُ أسباباً داعمة للانقسام على " الحقائق " و البديهيّات.

19 • لقد أدّى هذا الواقع الإشكاليّ إلى اختلاق الخيالات و الأوهام و الأكاذيب و " البدائل" حول مفاهيم وطنيّة و أخرى تخصّ المواطنة بشكل أساسيّ.
صار كثير من الأفراد السّاكنين و المهاجرين أساتذة في التّنظير ، بينما الكثيرون من ذلك الكثير ، أو غالبيّتهم على الأدقّ ، سماسرة و قوّادّون و مجرمو حرب!

20 • عرفنا " الحياد " السّياسيّ الكاذب ..
• و عرفنا المأجوريّة المباشرة و العمالة ..
• و عرفنا الجاسوسيّة الأحاديّة أو المزدوجة للغرب .
• تعرّت حقائق سياسيّة و اجتماعيّة و قبَليّة كانت " عاطلة ". .
• و عرفنا ، ربّما لأوّل مرّة ، كيف يكون الانقلابُ على الذّات الوطنيّة " سهلاً " و مباشراً ، بما في ذلك تغيير المواقع الانتمائيّة و تبديلها حسَب " الطّلبِ "، ما يعكس حجم الهشاشة الوطنيّة عند الكثيرين من المزيّفين ، ممّن كان بعضهم في مفاصل الدّولة الرّئيسة و غير ذلك ، كما لا يزال بعضهم حتّى اليوم في أدوارهم الملغومة بتبييت المواقف و استثمار المناصب و المسؤوليّات و السّلطات.
• وعرفنا بعمق كيف تكون ازدواجيّة " الشّعار" الوطنيّ المنافق مع السّلوك الشّائن ..
هكذا أظهرت " الحرب " ما كان افتراضاً واقعيّاً في نظريّات البعضِ ، فعرّتْهُ " الحرب " ليكون واقعاً عارياً فوق كلّ إفصاح.
• و في غضون النّتائج السّريعة للحرب عرفنا واقعاً جديداً لعلاقاتنا مع الأنصار و الأعداء ، في واقع تكريس تحالفات جديدة مع المحيط و الجوار و الإقليم و العالم ، و انفضاض تحالفات تقليديّة و شبه تقليديّة مع أحزاب و مجموعات و فصائلَ ، كانت حتّى اندلاع الحرب محسوبةً على سورية و " المقاومة " و الحلفاء و الشّركاء و الأصدقاء..


21 • أضف إلى ذلك ، فلقد كان من أهداف الحرب تأليب الشّعوب الغربيّة على " الإسلام " كمصطلح دون مفهوم ، لتسويغ السّياسات الرّسميّة الأميركيّة و الغربيّة " الذّرائعيّة "عامّة ، القائمة على العنف و تحقيق المصالح بالاغتصاب..
و لقد حقّق إعلام الحرب المزوّر و المأجور هذا الهدف ، فصار نتيجةً ثقافيّة في المجتمع العالميّ و شعوبه البسيطة و غير المسيّسة.
و في السّياق حقّق الغرب هدفاً مزدوجاً. فإلى جانب ما قلناه عن تعميم ثقافة العداء لللإسلام ، و الذي كان الطّريق إليها هو " محاربة الإرهاب "، تمكّن الغرب بدعم ( تركيا ) و ( محمية السّعوديّة ) و دول "الخليج العربيّ" و ( إسرائيل ) و أنظمة عربيّة رجعيّة أخرى ، و أطراف و " قوى سوريّة " عميلة..
تمكّن من تنظيف العالم نسبيّاً من جميع مجرميه و شذّاذ آفاقه ، و إرسالهم إلى سورية كمقاتلين في "القاعدة" و "داعش" و "النّصرة" وباقي الدواعش ، ضدّ ما أسموه " النّظام السّوريّ ".
و كان المجتمع السّوريّ هو الذي دفع ثمن مواجهة هؤلاء ، من تضحياتٍ و شهادة و دماء و دموع و جوع.
و يكاد يكون هذا الهدف هو الهدفُ الأشهر الذي اقترن بنتيجته مباشرةً على الأرض دون تأخير.
و مهما كان تحقيق هذا " الهدف " مطابقاً للحسابات النّظريّة العدوانيّة " الغربيّة " و " العربيّة " و " الإسلاميّة " و " الإقليميّة "، و مطابقاً تقريباً لنتائجه ، إلّا أنّه فقد جوهره الرّئيسي الذي تعنصر في إسقاط الدّولة السّوريّة و إخضاع سورية لمشيئة القرار الإمبرياليّ الأميركيّ - الغربيّ ، و هذا ما يُفسّر استدامة " الحرب " مع الأمل المفقود لتحقيق هذا الهدف و المزيد من هذا الهدف!

22 • الاستثناء الثّاني و الأهمّ الذي خرجَ على تحقيق هذا الهدف ، يتمثّل بالقدرة العظيمة للدّولة السّوريّة في الحفاظ على ثوابتها ، كما تقدّم معنا أعلاه..
و الشّيء الأهمّ هو قدرتها على حفاظها على قوّتها العسكريّة الدّفاعيّة و تطويرها ، على رغم مرور أكثر من سبع سنوات على تحدّيات ظروف هذه الحرب . و هذا ما شكّل مفاجأة تكاد تكون كذلك للجميع.
إنّ كلّ هذا ما كان ليكون لولا وجود بنيةٍ تأسيسيّة خارقة للدّولة السّوريّة المعاصرة ، و لولا وجود قيادة استثنائيّة للدّولة و رئيسٍ - قائد تاريخيّ و استثنائيّ ، هوأسد بلاد الشّام الرئيس بشّار الأسد.

23 • ومن الأهداف الواضحة و المُخَطَّطة للحرب أيضاً ، كان إنهاكَ سورية و إخراجها لقرنٍ كاملٍ ، على الأقلّ ، من معادلة الصّراع العربيّ - الإسرائيليّ.
و في غضون ذلك كُنّا مع مفاجآت حقيقيّة للعالم كلّهِ بأنّ الصّراع العربيّ السّوريّ - الإسرائيليّ ، لا يمكن للحرب المعاصرة في سورية أن تُحدّده أو أن تُعدّل في آفاقه قيد أنملة.
و على العكس تفاجأت ( إسرائيل ) كما تفاجأ الجميع بأنّ لسورية قدرة منفردة على فرض " قواعد الاشتباك " التي تراها مناسبة ، و بأنّ لها حساباتٍ أكثرَ عمقاً و أبعدَ مدى من مجرّد ربط يوميّاتِ هذه الحرب بالصّراع مع العدوّ الصّهيونيّ.
فقد جرّبت ( إسرائيل ) أن تُصدّق مزاعمها و مزاعم " القراصنة " الآخرين ، فكانت نتيجة عربدتها أن خرجت من ميدان الحرب الاستراتيجيّة مباشرة، عندما أرادت سورية أن يكون ذلك.
و يبدو أنّ فشلها في تقويض الدولة السورية ، دفعها باتّجاه إعادة تفكير طويل بالنّتائج التي لا تتحمّلها ، إنْ تعرّضت لحرب مباشرة مع سورية.
و كعادتها انكفأتْ إلى داخل زريبتها الجغرافيّة الصّامتة. و لن يكون لـ ( إسرائيل ) بعد اليوم أيّة حرّيّة في التّفكير ، أكثر من عمليات تحرش واستفزاز، بين آونة وأخرى، لا تؤثر بشيء في مجرى الحرب المباشرة على سورية.
و استطاعت سورية ، رغم كلّ المصاعب التي تعالجها في حربها الدّاخليّة ، أن تُحافظ على قدرتها على الرّدع الجويّ و البحريّ و البرّيّ مع (إسرائيل). و لن يكون بمقدور عاقل أن يتوقّعَ نتائج حربٍ إقليميّة في المنطقة، تكون (إسرائيل) هي المسبّب بها أو سبباً من أسبابها المباشرة ، أو المنخرطين فيها بالسّلاح الاستراتيجيّ.

24 • و أمّا يُقالُ عن أهداف "اقتصاديّة" إقليميّة للسّعوديّة و قطر و تركيا (فيما يخصّ اقتصاد خطوط الغاز و غيرها.. ألخ) أنّها كانت من أسباب الحرب - ربّما - فقد أمست اليوم أسخف من أضغاث الأحلام.

25 • و على العكس من هذه الأسباب الاقتصاديّة ، فقد تبيّن أن لأميركا و (اسرائيل) بشكل خاصّ ، كان هناك هدفٌ واضحٌ و حقيقيّ، و لقد تحقّق ويتحقق بالفعل ، و هو المتعلّق بنهب أميركا لاقتصاد و أموال السّعوديّة و قطر ، و توظيف جزء كبير منها لدعم الإرهاب المسلّح ، كي يكون أداة استقطاب لمجرمي الأرض ، المدعوّين من قبل أسيادهم أنفسهم ، للموت في سورية.
و هكذا كان تركّب الأهداف الأميركيّة من الحرب السّوريّة و تعقيده ، فيما يتجاوز ازدواجيّته إلى تعدّد الأغراض.
و لقد تحقّق هذا الهدف.. و أما ما تبقّى من " أجزائه " المكمِّلة ، فسوف يكون تحقيقه مباشَراً في نهب أموال السّعوديّة و باقي "الخليج" وفق سياسة أميرِكا المعلنة في النّهب المباشر للأموال النّفطيّة و للنّفط، في عهد رئيسها الحاليّ (دونالدْ ترامبْ) و مسرحيّاته المفهومة!

26 • إنَّ أقصى ما يمكن أن تعمل عليه جميع الأطراف العدوّة ذات " المصلحة " في سورية ، قد قامت به و هي في "سياساتها" الصّريحة هذه، ما تزال تصرّ على استدامة استمرار الصراع لأطول فترة ممكنة، بما قد يؤدي - تلقائيّاً - إلى ضرب النسيج الاجتماعي السوري وارتفاع جدران الانقسام و الفرقة (و هذا احتمالٌ يجب أن يُحاربَ بلا هوادة) بين مكوناته الطائفية والعرقية.
ناهيك عن أنّ استمرار الصراع على هذا الشّكل طويلاً ، يؤدي إلى تدمير ما تبقّى من الاقتصاد والبنى التحتية ووسائل الإنتاج.
كما يمكن أن يُمعن في إضعاف الدولة في الأطراف و إجهاد القوّات المسلّحة ، و في هذا ضمان و لو مرحليّ لأمن واستقرار " الكيان الصهيوني "ما لم تنشأ المقاومات المختلفة لجميع أشكال التّسلل الثّقافيّ و السيكولوجيّ والاغتصاب و العدوان.

27 • و إذا كانت العقلانيّة تقضي توقّع الاحتمالات الأسوأ من النّتائج غير المرغوبة، كما قلنا ، فإنّ الأمر لا يقف عند حدّيّ التّشاؤم أو التّفاؤل ، و إنّما يتوقّف على الثّقةِ بأنّ النّتائج المرغوبة، إنّما هي حصيلة تضافر العديد من القوى. و نحن فعلاً نمتلك أهمّها و هو :

• شعبٌ صامدٌ و شجاع
• و جيشٌ بطلٌ بل و أسطوريّ
• و علمٌ سامقٌ
• و قائدٌ استثنائيّ
• و حلفاء أقوياء
• و أصدقاء تاريخيّون
• و ثقافة عريقة
• و تصميم على النّصر.. لِأنّه لا خيار ، منذ اليوم الأول للحرب علينا ، ولا بديل أمامنا إلّا النّصر!
• • و اليوم أصبحنا قاب قوسين أو أدنى من بلوغ النّهايات التي قد تطول بإيقاع آخر مختلف للحرب، و لكنّه سيكون حصيلةً لِما قد صنعناه ، بالبطولات العربيّة السّوريّة المتعدّدة و النّادرة و التي لا تتكرّر.

● ملاحظة:

** قانون "الأنتروبيا" الفيزيائي: يعني درجة الإضطراب في النظام، وهو حالة خاضعة لقانون فيزيائي، خاضعة لنظرية الإحتمالات.

** الكوسموبوليتانية: مفهوم يتجاوز الحدود، بجميع أنواعها.

***

فعقّب الشاعر ياسين الرزوق زيوس:أ ياسين الرزوق1

هناك مقولة شهيرة ل نابليون "إن من يكسب الحرب ليس من يملك آخر رصاصة بل آخر قرش".
لعلّه جسّد بهذه المقولة نظريات الصراع حول الكسب و لم يحدد هل الكسب الاقتصادي و سواه مشروع أم غير مشروع بل لعله يدرك أن الحروب على الكسب تكسر كلّ القواعد و تجعل من الأهداف ممراً إلى نتائج غير محسوبة بقدر كل الحسابات و محسوبة بما لم يحسب في أذهان الغارقين بها أو المعلقين بها ما بين الأرض و السماء.

و هنا تتداعى النظريات التي تخلقها الرفاهية الفارهة و تدور دورات العنف لتعلن ميثاقاً جديداً في مشوار التغير الكبير.
فالوصول إلى القمم الاقتصادية لا يعني بدء الصراع فحسب بل يعني بدء البناء التاريخي الذي يقتات على ذكرى الدمار السابق لكل حيثيات التاريخ بحقائقه و بعادات و تقاليد الشعوب المغروسة في وجدانه الضال.

و دوماً وجدان التاريخ ضال لأنّه يمر من متاهة التقبل إلى متاهة التعايش إلى متاهة العصرنة إلى متاهة الحداثة إلى متاهة العولمة و نضمن ضمنها انسياقات الليبرالية إلى نيو ليبراليتها.

و يظن هذا الوجدان الضال أن الكائن البشري سيقف عند قمة الاقتصاد و هو يتغنى بمجد التاريخ و هو لا يعي أنه سيدفنه و في أحسن الأحوال سيطمره بأنتروبية التحولات و كوسموبوليتية المعطيات الكبرى في العالم و لن يتذكر حتى أن يقرأ عليه فاتحة النوايا!

لقد سقطت الحرب على سورية لأنها لم تدرك بمشعلي الفوضى غاية الكسب و لعلّ من مرّ من مفهوم الكسب السياسي الشامل القطب الروسي الذي دحرج كرة الولايات المتحدة الساخنة على جليد السياسة و راح يغير شحنة القطب الواحد كما تقتضي متطلبات شحنه كقطبٍ جديد يملك مفاتيح التغيير في العالم الجديد و لا يسرقها أو يتسولها من أميركا أو من سواها.

و حادثة سكريبال في بريطانيا بتحميل الخسران على الرابح الروسي هذه الحادثة المحمّلة على الضربات الكيماوية المفتعلة أو الحقيقية في سورية إنما تشي بذهاب الروس إلى إغلاق دورة الفلسفة القديمة بمدارس لم تعد تحتمل الانسياق التام و لم تعد تستوعب القطب الخارق.

فالكسب لم يعد يبنى على رؤى الرجل العنكبوت أو سوبر مان أو حتى ترامب بل إن النزعة البوتينية الأسدية صارت من نزعات الكسب و التحول السياسي الكبير التي لا غنى عنها في مقتضيات النظام العالمي الجديد كي تنطلق السياسة من فلسفة النتائج الواقعية إلى فلسفة الأهداف المتوافقة مع الواقع و التي سنكسب من خلالها نقاط النتائج بفوضى السياسات.

حيث نبدأ دوماً بترتيب أهدافنا كي نصنع النتائج و نغرقهم بها في كل حين.
و من يكسب اخيراً لن يضحك بل سيحمل مسؤولية الاهتزاز العالمي دون أجهزة تمص صدمات و زلال الفوضى إن لم تكن في الحسبان!

لنا بسلاسلك أن نعلن نتائج نصرنا و أن لا نهدف إلا إلى الانتصار حيث نكسب بما سيعلم غيرنا الكسب بمفاهيم الخسران قبل الربح..
لك السلام و العود أحمد دكتورنا الغالي بهجت سليمان.

***

في حين انطوى تعقيب الدكتورة رشا شعبان على التالي:أ رشا شعبان

       دائماَ تضعنا أيها الحكيم أمام إشكالات و موضوعات تفرض ذاتها على عقولنا في ضوء العلاقة مع الواقع و مخرجاته.

     و لا شك أن السؤال في الحرب على سورية.. بين الأهداف و النتائج، هو السؤال في ميزان و معيار النصر أو الهزيمة، من حيث أن إنحراف النتائج عن الأهداف هو خسارة و هزيمة، ل من خطّط للحرب و وضع أهدافها و باشرها.

      و إذا كان السلم أحد الشروط الضرورية لأجل دوام الدولة و أمن مواطنيها، فإن الحرب قد تصبح لدى البعض أساساَ لفهم السياسة و مراجعة العلاقات بين الدول، و إعادة إنتاج ل التوازن في ما بينها.

      و لا نجانب الصواب إذا ما أكدنا مع "كارل سميث" أن السياسة قبل كل شيء هي القدرة على استكشاف العدو..
فالحرب هي أبعد ما تكون هدفاَ للسياسي و غايته أي ماهيته ، و لكنها هذه الحقيقة الممكنة التي تحكم وفق طريقتها الخاصة فعل البشر، تعيّن على هذا النحو سلوكاَ سياسياَ مخصوصاَ.

     إذ ذاك تغدو الحرب، مواصلة لما هو سياسي على نحوِ ما، و بطرائق و طرق و أدوات أخرى..

     و إذا لم تعد الحروب في يومنا هذا، عديدة و مشتركة بالقدر الذي كانت عليها قديماَ، فإن وقعها الشامل و شدّة قوتها الصدامية، قد تعاظمت بقدر ما تضاءلت وتيرة حدوثها و البساطة فيها.

      إلا أن من عظائم و شدائد الأقدار، أن تلك الحرب على سوريتنا، اجتمع فيها القديم و الحديث من أشكال الحرب و نوعها، من حيث الشمولية و مشاركة الدول و اجتماعها، و من حيث الشدّة و القوة الصدامية، و الأدوات الكلية ، فكراَ و ثقافة، وسلاحا و تقانة، و إيديولوجيات تبريرية غوغائية و فوضوية.

      نعم إن الحرب على سورية، لم تكن مجرد أهداف تكتيكية، بل كانت استراتيجية تستهدف الوجود كلياَ، إنها حرب كونية، مسألة نكون أو لا نكون.

      إنها حرب المساومة الرديئة و تمييع المواقف و المحافظة على حق القوة لدول السيطرة و الاستعباد بأي ثمن كان.

      إنه صراع كينونات، كينونة الظلم و الطغيان و الغطرسة، في مواجهة كينونة الحق و العدل و الإنسانية..

     إنه الحرب على الديني و الأخلاقي و الجمالي و الاقتصادي..

      نعم إنها حرب تشويه الإسلام ، و تعميم العنف و الإرهاب..      

      حرب على القيم و الوجود الإنساني، إنها محاولة في حرف الثقافات و الإتجاهات و العقائد.      

      حرب لا مكان للحياد فيها، و هذا ما يفرضه صراع الوجود و الكينونة الإنسانية.

     لقد فشلت الحرب على سوريتنا في تحقيق أهدافها السياسية.

     لكن ما نحن مدعوون إليه اليوم، هو إعادة إنتاج ما عملت عليه تلك الحرب من تشويه للقيم و الأخلاق و كل ماهو سامِ و نبيل في وجداننا، على النحو المضاد لأهداف تلك الحرب.

     إعادة إنتاج فكري و أخلاقي، على عكس ما هدفت إليه الحرب، إنها تستلزم إعادة إعمار الإنسان فينا، و استئصال كل ما علق به من براثن الشر النفسي و الأخلاقي.

     إن حربنا مستمرة و سوف لن تنتهي، و اليوم نحن من سيباشرها، في الحرب على الثقافة المضادة لوجودنا الإنساني و الوطني و العروبي..

     إنها حرب ضد العقول العفنة، و الأخلاق النتنة، و النفوس المسرطنة..

    إنها الحرب على بقايا شر الحرب و قذارتها.

     كل الشكر و الإمتنان لك حكيمنا الغالي، و أرجو أني تمكنت من الحوار مع بعض من أفكار و قضايا البحث الغنية.

     احترامي و محبتي و تقديري.

***

أما الشاعرة هيلانة عطا الله فقد عقبت:أ هيلانة عطا الله

      مساء النور سعادة السفير، وأهلاً بعودتك وأنت تحمل معك الفكر التنويري الذي نتوق إليه على الدوام، وها أنا ذي أبحر في مقالك الاستراتيجي في حلقته الخامسة والستين بما تضمنه من توصيف وتحليل واستقراء واستنتاج، وعبارات ذات عمق في دلالاتها لا تخفى على المهتمين بالشأن العربي السوري، ما حفزني على المشاركة ليس لأني مهتمة فقط، بل لأني مؤمنة بانتصار سورية.

     شهد القرن التاسع عشر ظهور الفلسفة الأمريكية البراغماتية المتعالية في سياستها الخارجية، ثم توجه المفكرون والمنظرون والباحثون الاستراتيجيون الأمريكيون إلى تكريس منهج عملي لهذه الفلسفة، فظهرت الفلسفة العملانية في القرن العشرين. ونعلم جميعاً أن هذه السمة المترافقة مع العنف ملازمة للسياسة الأمريكية منذ نشأتها الأولى وليست أمراً طارئاً، فالعنف الأمريكي موغل في دماء الشعوب بغض النظر عن تنوع أساليب تطبيقه، فقد ينحو نحو الحرب وقد ينحو نحو مفاوضة الخصم بعد إضعافه ومن ثم ابتلاعه.

      ومع استلام المحافظين لسدة الإدارة الأمريكية في عهد بوش الأب دخلت السياسة الخارجية  الأمريكية لحظة تاريخية مفصلية حين ظهر التيار المتطرف الذي تبنى "المشروع الامبراطوري" للحفاظ على الهيمنة الكونية لأمريكا عن طريق العنف، وهذا ما تجلى بشكل صارخ في عهد بوش الإبن وتابعه من بعده أوباما، وذلك للقضاء على أي دولة تحاول الخروج عن الطاعة وخاصة في منطقة حلمهم التاريخي أي "الشرق الأوسط"، التي تعتبرها أمريكا مجالها الحيوي وطريقها المؤدي إلى الشرق الأدنى، وتعتبرها ملعباً لربيبتها "اسرائيل"..

     وعليه فإنها صنفت سورية دولةً "مارقةً" وهي بوابة الشرق، وجارة "اسرائيل" اللدودة، وحجر الزاوية في حلف المقاومة.
      وعندما لم تفلح معها جميع أساليب الترغيب والترهيب كان لابد من غزوها لإسقاط هويتها الجيوسياسية والاجتماعية، وبالتالي لتخفيف العبء على الميزانية العسكرية الأمريكية المقدمة إلى الكيان الصهيوني، ولوضع مصادر الطاقة تحت الإمرة الأمريكية ، ولكسر ذراع روسيا والصين كندّين منافسين للقطب الأمريكي، وللوقوف في وجه إيران التي باتت دولة قوية يُحسب لها ألف حساب.. ما جعل أمريكا تدخل مرحلة العملانية العنيفة المجنونة من خلال الحروب المباشرة والحروب الوقائية والاستباقية ، وقسمت العالم إلى محور للخير وآخر للشر في مراوغة ذئبية للإيحاء بأنها تريد القضاء على الشر في العالم بلبوسٍ طوباويٍّ رومانسي يذكرنا بحكايات العصور الوسطى.

     وفي هذه المرحلة قام المنظر الأمريكي "زببغنيو بريجنسكي" بتحذير الإدارة الأمريكية من مخاطر "هوسِها" المحموم للحفاظ على قطبيتها في كتابه "الفرصة الثانية"، وهنا بدأت الإدارة الأمريكية بالتركيز على ما سمته "مكافحة الإرهاب" ليأتينا خبر مصرع "بن لادن" لتقنع العالم بادعائها.. ومع فورات الربيع العربي الذي اخترعته بدهاء كبير ونجاحها في إسقاط بعض الأنظمة العربية، إلاأنها فوجئت بنتائج لم تكن في حساباتها وعلى رأسها فشلها في إسقاط الدولة السورية ، إضافة إلى أنها لم تعد متفرِّدة في صناعة القرار، بل باتت مضطرة إلى التنسيق مع أعدائها التقليديين وأولهم روسيا الاتحادية، ما أسقط حلمها الامبراطوري على الوقع الثلاثي السوري: الجيش والقائد والشعب.

      ولا يخفى علينا ما اتبعته في حربها غير التقليدية على سورية من دهاء عسكري متنوع في التكتيك الميداني،  كالانتقال المباغت إلى معارك جانبية في أماكن لا يُفترض أن تكون فيها لاستنزاف قوتنا العسكرية ، واستهداف الصهاينة لبعض المواقع، واختلاق ذرائع لإدانة سورية بملف "الكيماوي" الذي بات ساذجاً، وإطالتها لأمد الحرب لأنه من المتعارف عليه أن الحرب الطويلة تنهك العدو في كوادره البشرية المقاتلة وفي موارده المالية، فانقلب الأمر على أدواتها التي تقاتل بالنيابة عنها على الأرض السورية مثلما انقلب أيضاً على مصادر تمويل الحرب، فتعب الجميع ولم تسقط سورية.

      ويحضرني ما قاله برتراند رسل: "الحرب لا تحدد الطرف الممثل للحق ، بل من سيموت ومن سيبقى على قيد الحياة"، وبما أننا في خضمِّ نظام عالمي متوحش لا يقيم أي قيمة للحق أو للأخلاق، فقد فككنا المعادلة بحرفية مذهلة، فلم نناشد العالم لإنصافنا ولم نستدر شفقته بقدر ما آمنا بقضيتنا واعتمدنا على قوتنا الذاتية، وعرفنا كيف نشرك أصدقاءنا في تحقيق نصرنا الذي يشكل نصراً لهم أيضاً، وحاربنا ونحن لسنا دعاة حروب ولكن "كُتِبَ عليكم القتال وهو كره لكم".

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

September 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 31 1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 1 2 3 4 5 6
عدد الزيارات
4034981