الصفحة الرئيسية

علي كنعان: لمحات من كتاب الذكريات

لمحات من كتاب الذكرياتالشاعر السوري علي كنعان
(مع بعض الاختصار والتعديل)

أود أن أشير إلى أن العشق، بشتى تجلياته ومناخاته ودرجاته، لم يفارقني يوما منذ أن كنت في الخامسة من رحلة الحياة: عشق الجميلات وعشق الأمكنة معا. وربما كان هاجس الشعر أنشودة العشق وقرينه الكوني. (واترك التفاصيل للكتاب). ولعل تلك الغجرية الرائعة، بنت الأسطورة الفينيقية، يوم أتاحت لي أن أكتشف مدارات الكون الأنثوي، وأبحر في شمائله الفلكية بانخطاف مذهل، بلا رواسب ولا أوصياء ولا فقهاء، حرا طليقا من كل سلطة بطريركية أو كهنوت ظلامي، لا شهود زور أو عدل ولا صكوك غفران.. لعل تلك السيدة كانت وسوف تبقى أغلى طيف يخفق في مدارات الروح، رغم صورتها الغامضة حتى إني أتخيل، في كثير من الأحيان، أنها جنية من بنات الخيال أو تهويمة من نزوات وادي عبقر، مرت عرضا في قراءاتي، وليست معشوقة ذات جسد إغريقي أذهل تماثيل الرخام. ويقول الهاجس الشعري:
هل تستطيع الروحُ يوماً/ أن تُترجمَ بعضَ ما يوحي به الذوبانُ/
في بحرٍ من الإشراقِ والنُّعمى/ يفيضُ بوهجه كونُ الحبيبة؟
وفي ختام الوجد والاحتفاء بجلال الأنوثة وفرادتها، فطرة وإبداعا فنيا وتكاملا مع الشطر الآخر، أود أن أشير إلى أن الانفجار العظيم The Big Bang الذي بدأ به الكون، هو في تقديري لقاء فلكي بين عنصري السلب والإيجاب المبثوثين في كهرباء الفضاء وجوهر أمنا العظمى/ الأرض، نباتا وحيوانا وإنسانا ومجالا. ومن هذا اللقاء الانفجاري بدأ الإنسان مسيرته الحضارية، خطوة خطوة. فالثمرة الحرام، أو الحلال، التي أدت إلى هبوط الإنسان، كما استبطنت خميرة تساميه، كانت من تفاعل حبيبة الطلع مع نظيرتها التوأم داخل المدقة (كما يقول علم النبات). ويمكن أن نواصل التأمل في تفاصيل الحكاية مع القتل والغراب واقتراح الدفن، لتعود عناصر الجسد إلى الأصل الترابي الذي تشكلت منه. وهذه الشطحة التأملية ليست أكثر من حالة شعرية، بعيدا عن عنعنات أصحاب الطرابيش العصملية من حملة مفاتيح الجحيم والنعيم، ولا علاقة لها بمدوناتهم، لا واقعا ولا مجازا.
وحكايات العشق تقتضي أن يظل الشعر دائما أنشودة الشغف الملحمي، الإمتاع والمؤانسة – إذا استعرنا عبارة (أبو حيان التوحيدي)- ومع ذلك، لا بد من إلقاء نظرة عاجلة على ما في الإطار التاريخي وما تحتفي به الحاضنة الاجتماعية اللذين كانا يحيطان بنا، وبقلب الأمة العربية في جناحيها المصري والشامي، بينما كان وجه العراق السياسي ممتقعا، خلافا لنشيده الشعري الوهاج. كان التحول في الشارع السياسي جذريا حاسما في تلك الفترة، فالوحدة بين سوريا ومصر على الأبواب، وثورة الجزائر في عز ملاحمها، وحلف بغداد الذي اتخذت منه تركيا حصان طروادة، لم تلبث الجماهير الغاضبة أن عاجلت بتحطيمه، وأحداث لبنان انتهت، وانتصر المد القومي المتصاعد بقيادة جمال عبد الناصر. مرحلة الصعود القومي بدأت بالتحدي الأسطوري، منطلقا من تأميم القناة وبطولات بورسعيد. ولم يكن الاتحاد السوفييتي بعيدا أو متفرجا على ما يجري في الساحة العربية. ولا شك أن الدور الإيجابي الفعال كان للأحزاب القومية والاشتراكية وحتى للشيوعية، رغم ضعفها، فضلا عن صلابة القوات المسلحة الفتية في كل من مصر وسوريا، ثم العراق بعد سقوط الملكية. لكن الأحلام والطموحات كانت أكبر من الإمكانات بكثير. ولا ننسى أن الإطاحة بالملكية في بغداد قد تحققت بعد خمسة أشهر من قيام الوحدة المصرية- السورية. ذلك أن إعلان الوحدة تم في 22 شباط (فبراير) 1958 وإعلان الجمهورية في العراق جرى في 14 تموز (يوليو) من السنة ذاتها. وكانت معركة "التوافيق"، على مقربة من بحيرة طبريا، في آخر كانون الثاني (يناير) 1960، أول اختبار عدواني تقوم به القوات الصهيونية على الجبهة السورية، وكأنها تجس نبض الوحدة، وتمتحن مدى قوتها ومناعتها. وقد استطاعت أفواج القطاع الجنوبي من الجيش السوري، وكان يسمى (الجيش الأول)، أن تصد قوات العدو المهاجمة وتردها على أعقابها مدحورة خائبة، بعد ساعات من القتال الشديد في ذلك اليوم.
لكن التحول الفكري والثقافي لم يكن أقل مما شهدته المرحلة من أحداث وطنية. وكانت تواكب ذلك أحلام وتطلعات مبشرة بتحولات اجتماعية كبرى تقضي بالتحرر من الإقطاع وسلطة رأس المال وتنهي الاختلال في ميزان العدالة.
كنت قد حصلت على الثانوية وكان علي أن أدخل الجامعة في خريف 1957، لكن سوء المواسم الزراعية لم تسمح إلا بالدراسة الحرة من بعيد، ولم ألتزم بجد حتى مطلع 1960. وكانت تجربة الانتقال من حمص إلى دمشق- العاصمة أشبه ما تكون برجة فلكية عاصفة كالانتقال من كوكب إلى آخر. لقد زرت بعد ذلك بلدانا شتى في هذا العالم من أميركا إلى اليابان، مرورا بالعديد من الدول الأوروبية، إضافة إلى الاتحاد السوفييتي والهند والصين، لكن لقاء دمشق بأحيائها القديمة والحديثة، والتنزه بين بساتين غوطتيها، كان حالة حضارية مختلفة، وكانت أجمل وأغلى من معالم الدنيا كلها. وإذا كان بعض المغتربين العرب يتحدثون عن صدمة الحضارة، وشعورهم بشيء من السحر أمام غرائب ما شاهدوه في بلدان الاغتراب، فقد كانت مشاعري الأولى في دمشق كالبدوي الداخل في واحة حافلة بالينابيع والرياحين والأشجار، بعد رحلة مضنية عبر منعرجات الصحراء ورمالها المتحركة.
لم تكن دمشق مدينة محاطة بجنان الخضرة والجمال من كل نوع ولون وحسب، لكنها كانت حديقة واسعة مفعمة بالنضرة والبهاء، مغروسة بالبيوت. وجميع الشعراء الذين زاروا دمشق غمرتهم بعشقها، ولم يجدوا تشبيها لائقا بوصفها غير الجنة والفردوس. ومن لا يعرف دمشق الخمسينات من القرن العشرين، فكأنه لم يزرها ولم ينعم برؤية ذلك التناسق السيمفوني العجيب بين الحدائق والأنهار وروائع العمران. مدينة مبنية بالخشب والطين، في تصميم هندسي فريد من نوعه، متعانق مشمس وحميم، يتألف من طابق، طابقين، أو ثلاثة كحد أقصى، والغرف الأرضية والعليا تحيط بفسحة سماوية، حتى كأن الدار صوفي مستغرق في جلسة ابتهال. وطيبة أهلها، حالما يعرفون أنك طالب جامعي، تمسح من نفسك أي شعور بالغربة والحذر والجفاء: سيدة البيت تشعرك بأنها أمك أو خالتك، وإن لم تلمح ظلها إلا من وراء ستار. وتحس أن رب العائلة عمك أو خالك، وأبناؤهما إخوتك وأصحابك. تذهب إلى الجامعة باكرا، فلا تشعر بأية ضوضاء أو أصوات مزعجة من جيرانك، وتعود مساء فتجد أحيانا على الطاولة الصغيرة طبقا شاميا من الطعام الشهي أو الفاكهة الموسمية. عالم حضاري كريم المعاملة وإنساني عريق لم يعد له وجود، إلا في ما ندر. ولا سيما بعد سعار العولمة والتحولات الكبرى التي عصفت بالبلدان وعقول الناس ومصالح العباد. وربما كان ترييف المدن، وهجوم "الزمن العقاري"، كما عبر عنه الصديق أحمد سويدان في عمله السردي، المنسوج بصدق جارح، أبلغ بيان عن تلك الصفقات التجارية والمنافسات العشواء المغرمة بالتهام الخضرة ونضرة البساتين واغتيال معالم الخير والجمال.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

July 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31 1 2 3 4
عدد الزيارات
3404153