الصفحة الرئيسية

د. حبيب ابراهيم: قصص ليست من الخيال

هناك في غرف المدينة الجامعية كانت قاعات درسنا الحقيقية، وليس في مدرجات الجامعة، فالدروس التي لاتنسى هي تلك التي تعلمناها في غرفنا الصغيرة وليس على المقاعد في الصفوف، وكل زميل معنا كان بحد ذاته فصيل كامل من أ حبيب ابراهيمالاساتذة وإن لم ينطق بحرف.
البيئات المتنوعة التي جئنا منها والتي اختلطت هنا لتعطي الأجمل علما وثقافة و حضارة و عادات وتقاليد وموائد هي التي صاغتنا على ما نحن عليه الآن ولنا الفخر، ففي كل غرفة كنت تتعلم حكمة أو صنعة أو نوع من الطعام، في كل غرفة تلتقي شيخ عرب أو فيلسوفا أو مطربا أو شاعرا أو صاحب نكته أو صاحب نظرية مميزة في الحياة، وصرنا جميعا نملك عشرات المهارات و كأننا أسرة كبيرة في هذا المنزل الكبير، و الجميل في الأمر أننا كنا نعتقد أنّا مجرد ضيوف ما أن ننهي الدراسة حتى نعود غرباء مثلما كنا حين التقينا لأول مرة...
وللأمانة أكثرنا بكى حزنا لحظة المغادرة..
في غرفة مميزة الموقع كان رقمها زوجيا، سكن أحد أهدأ الزملاء بوجهه الأسمر الجميل الذي لا يكف عن الابتسام لدرجة كنت اعتقد أنه يثبّت ملامحه اللطيفة كل صباح بمعاجين خاصة, كي لا تخذله شفاه أتعبها النهار،
وكان إبريق المتة الأسمر الخدين مثل صاحبه لا يكف عن دعوة الأصدقاء إلى كؤوس المتة والابتسام, خاصة حين تكون هناك مشكلة بين زميلين بحاجة لحل, كانت تلك الغرفة وذلك الصديق المفرط في الوسامة و السماحة كفيل بأن ينهي أي خلاف، وكنت اقول له ابتسامتك حلت المشكلة, ولكن ليت كل المشكلات تحل بالابتسام.
غادرنا بيت العائلة الكبيرة وتحولنا إلى دمى رقمية تبحث عن عمل عن مأوى عن بيت عن زوجة عن فرصة أفضل للحياة...
وافترقنا.. بعضنا ركب قطارا سريعا, وبعضنا فرش كتبه على الرصيف, وبعضنا اعتقد أن مهاراته في إعداد وجبة حساء العدس ستجلب له ذات السعادة التي كانت تأتي عندما كنا نتحلق حولها بكل حنين.
بعد عدة عقود, وعندما بدأت أزمة الأخلاق في بلدي تطفو في طناجر وحناجر شركاء لنا في أماكن أخرى من مساحة هذا الوطن, لم تكن الشقة التي حظي بها صديقنا بشق الأنفس في تلك الضاحية القريبة من العاصمة (كما اعتقد هو وأسرته أنها ستكون) نسخة عن غرفته زوجية الرقم، وأن جيرانه هم نسخ عن أولئك الأصدقاء الذين اتقن الابتسام من أجلهم... فما كانت و لا كانوا.

ففي يوم ليس باليوم الجميل نُفخ في الصور ونُودي عليهم بالإسم أن اهبطوا... نزلت الأسرة مع باقي الأسر...
تجمعوا في أزقة الضاحية وبدأت مراسم النشور...
وزّع الكفار على مراتب النار وبدأ القصاص...
وفي غفلة عن الفصيل الذي يحكم باسم الله فرّ الصديق من بين سيوفهم دون أن يتمكن من إنقاذ عائلته ركض وهو يسمع خلفه صوت الرصاص, وعندما التفت إلى الخلف رأى ابنه الوحيد يلثم الأرض و يلتحق بالسماء...
ولا أدري حينها إن كان مازال يبتسم ام طاوعته الدموع.
لكن البسمة لم تفارق وجهه وهو يروي لنا لحظة لقاء ابنه بوجه الإله...
بعد أشهر طويلة سمعنا أنه تم تحرير الضاحية, وإن صديقنا سيكون برفقة من تبقى من سكانها، حيث ستتاح لهم فرصة زيارة بيوتهم و استلام بعض الجثامين التي تم تحريرها.
وعندما عاد من المهمة التيقيناه مجددا, وكان في غاية الهدوء و المرح و الابتسام. سألته عن أسرته أملا بأن أسمع أخبارا طيبة، فقال برضى واضح: الأسرة ما تزال في الأسر, لكن الحمد لله حررت ولدي الذي وهبته للوطن..
وعندما بدأ علينا الاستغراب, أكمل مبتسما وجدته في المكان الذي سرى منه، وكان الجثمان متمسكا بالأرض التي سقط عليها، كان وفيا جدا لذلك جاء الى العاصمة برفقتي...
وأكمل متنهدا: لكنني عدت ووهبت ابني مرة أخرى، قلنا له الوطن يستحق
قال: هذه المرة لم أهبه للوطن, ولكن وهبته لامرأة ثكلى لم تقتنع بأن الجثمان هو جتمان ولدي.. فقد رأت فيه ولدها الشهيد الذي لم تجد له جسدا، وحين أكدت لها أنه ولدي واني كنت شاهدا على استشهاده, قالت: أنا أيضا أعرف ابني من جراحه وها هي تي هنا.
فقلت لها حسنا نواريه سويا ونزوره كل على أنه ولده.. فوافقت ووافقت
وأكمل قائلا سبحان الله الذي رزق ولدي أما أخرى غير التي ولدته لتبكيه وتزوره ريثما تتحرر أمه
التي لاعلم لها بأنه غادر.
ولا علم لها بأنني غادرت معه
رغم أني أبدو..
أني ما أزال.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

July 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31 1 2 3 4
عدد الزيارات
3404193