الصفحة الرئيسية
n.png

د. بهجت سليمان: "التّطوير السّياسيّ" و فلسفة السّيادة.. هل السّياسة هي "فنّ الممكن"؟

[الحلقة التاسعة والخمسون "59" من "سلسلة الفكر الإستراتيجي"] عن:د. بهجت سليمان


{"التّطوير السّياسيّ" و فلسفة السّيادة}


[هل السّياسة هي "فنّ الممكن"؟]


د. بهجت سليمان

إذا كنت أعتبر الحديث في "السّياسة" حرفة عالية، لا تَقِلّ إِنْ لم تَزِدْ، عمّا هو العمل السّياسيّ.. ف ذلك لأنّ النّظرة النّقديّة الخارجيّة من قبل "المحترِف" إلى "السّياسة"، تَثني "العملَ السّياسيّ" و تختزله و تتجاوزه إلى "فكرة" السّياسة بالذّات؛ من دون أن تختزل، عمليّاً، نظريّة "العمل السّياسيّ" أو "السّياسة" بوصفها ممارسة نقديّة، بل تعاصرها و تواكبها و تعلو منها و تتقدّم عليها، في وقت معاً؛
و هو ما يجعل "النّظريّة"، في السّياسة، ضروريّة ضرورة "الصّورة" الشّعاعيّة لطبيب كسور العظام و الهياكل البدنيّة.

و بعد أن قمنا بالكثير من الجولات مع القارئ، في رحاب الفكر، ثقافةً و اجتماعاً و اقتصاداً و سياسة، صار من الممكن، الآن، أن نتحدّث في "النّظريّة السّياسيّة" ، كواقع مستقلّ، معرفيّاً، عن مصائره "المحدّدة" في العمل، على رغم أنّه يتناول هذا "العمل"، نفسه، و لكنْ من منظور تأويليّ أكثر من أن يكون من باب تفسيريّ يُباشر "العمل" في مواكبة للنّقد، ليحفظَ للتّأويل بعده "المعرفيّ" و إن أردتم: "الغنوصيّ"، بما هي "الغنوصيّة" أونطولوجيا معاصرة..!

يُحيل البعضُ السّياسةَ إلى "العلوم"، و البعض الآخر يُحيلها إلى "الفنون"، و ثمّة، أيضاً، من يجعلها تمتدّ على بساط مزركش من العلم و الفنّ، يكسوها "الّلونُ" و يجذّرها "القانون".

في كلّ حال، فالسّياسة هي جميع ذلك، بل و تتجاوزه إلى كونها حرفة "القوة"، و اختبار تاريخيّ للقدرة على استعمال "القوّة"، استعمالاً يختلف من شخص إلى آخر، و لكنّه يجتمع عند الجميع على أنّه لا يمكن للسّياسة أن تكون ضعفاً، و إلّا لاستحالت إلى خنوع.

يُثير قول (أرسطو)، "السّياسة هي فنّ الممكن"، مجموعة من التّحفّظات النّقديّة، سنباشرها على التّوالي، في هذا الحديث؛

غير أنّ هذه "العبارة" بحدّ ذاتها هي عبارة "إشكاليّة" أكثر ممّا يظنّ البعضُ أنّها واضحة و مفهومة و خاضعة للبداهات.

من المفترض أنّ كلّ من يباشر العمل في "الشّأن العامّ"، إنّما هو يقوم بعمل سياسيّ؛ إلّا أنّ الحقيقة محتجبة وراء هذا الظّاهر في كثير من القوالب و أنماط الأفراد و أنساق السّلوك؛ بحيث يتّسع مفهوم "الشّأن العامّ" ليكون شيئاً مختلفاً عن السّياسة، و ربّما كان له اتّصالٌ بها، غير أنّه من الأفضل أن نسمّيه "المصلحة العامّة"، بما هي تنطوي على قائمة طويلة من البنود الاجتماعيّة العمليّة التي ربّما تنتهي إلى أعمال السّخرة أو التّبرّع أو الاستعراض.

ليس العمل في "الشّأن العامّ" سياسة، مع أنّ "السّياسة"، من حيث بعض دوافعها و بعض حوافزها..، و حسب، هي عمل في "الشّأن العامّ"، مع أنّها أكثر من ذلك، نوعاً، و أعمق و أدقّ و أصعب؛

و فيما يستطيع "الجميع"، تقريباً، الخوض في غمار "الشّأن العامّ"، فإنّه لا يستطيع القيام بالعمل السّياسيّ، الاحترافيّ، سوى قلّة، أو نَدرةٍ، منذورين لهذا الشّأن، وفق "قوانين" و "قواعد" و مهارات" و "قابليّات"، بعضها مفهوم و واضح، و بعضها غامض و مبهم و خفيّ، و أشياء أخرى لا تخضع إلى التّسميات.

من الواضح، ربّما، أنّني لن أدخل في "التّعريفات"، و بخاصّة منها تلك التّعريفات الأكاديميّة للسّياسة، فهذا شان طلّاب "العلوم السّياسيّة"، هذه العلوم التي هي بدورها لا تتحدّث على السّياسة، و إنّما على شيءٍ من التّاريخ السّياسيّ للأفكار و الدّول و السّلطات و النّظم الوضعيّة المختلفة في الحكم، و ربّما تاريخ "الثّورات" السّياسيّة، هذه الثّورات التي هي، أيضاً، بدورها لا تمارس سياسة بقدر ما تمارس العامّيّات الجماهيريّة و الكومونات الشّعبيّة و شيوعيّة السّلوك التّمرّديّ و عنف الوسائل و جماعيّة (أو قطيعيّة) الأدوات.

أوّلاً - هل هي "السّياسة فنّ الممكن"؟

من الشّائع جدّاً هذا المأثور عن (أرسطو)، و من الشّائع أكثر منه، تلك الكيفيّات الإدراكيّة التي تولّت فهم مضمون هذا التّعريف الوجيز على أهمّيّته.

إنّ كلمة "الممكن"، أوّلاً، هي كلمة ليست اتّفاقيّة الأداء أو واحديّة الدّلالة أو واضحة الأبعاد.

فالممكن، ربّما يكون بمضمون ما هو "مستطاع".. أو الدّاخل في إطار "المقدرة"، و قد يكون ذلك الذي يطرأ باحتمال، و ربّما أنّ "الممكن" هو ذلك الجزء من الأحداث أو الظّروف التي تخرج عن "ذاتيّة" الحدث العامّ إلى "موضوعيّة" الوجود، ليكون خارجاً، كلّيّاً، عن السّيطرة؛ أو ذلك الجزء الذي يخضع للتّنبؤ السّياسيّ ليدخل في "المتوقّع"، بما هو هذا المتوقّع أكثر قابليّة للحدوث من "المحتمل" الذي يبقى مُرسَلاً في "الإمكان".

و قد يكون "الممكن"، أخيراً، شيئاً من "الغيب" الخالص الذي يسمح للفاعلين بدرجة واسعة من "التّحرّر" من شروط الوجود و الوجوب معاً، ليشكّل، عندها، الممكن جانباً "لا أدريّاً" في "المشروع" السّياسيّ، أو ليحوّل "المشروع" كلّه إلى خروج عن المعرفة و العلم و الفنّ..
هذا مع أنّ "السّياسة" ليست خوضاً في المجهول؛ ناهيك عن أنّه ليس للمجهول "فنّ"، على اعتباره نقيض "العلم" و "المعلوم"؛ إذ ليس هنالك فنّ للغيب.

غير أنّ من أقرب المقاربات في فهم عبارة "السّياسة فنّ الممكن"، هو ذلك الجزء من المقاربات التي أصبحت "عرفاً" سياسيّاً سخيفاً و بلا معنى أو مدلول، من حيث أنّ "السّياسة" هي فنّ الأشياء و الأحداث و المصائر و الأدوات و النّتائج.. غير المحدّدة و التي لا تخضع إلى أيّة معياريّة تكون حُجّة على الفاعلين، و لا إلى أيّة أخلاقيّة، مع العلم أنّ لكلّ سياسة أخلاق نسمّيها "الأخلاق السّياسيّة"، أو - و هذا هو الأرجح - أن تشكّل "السّياسة" نسقاً من التّسويغات و التّبريرات التي تقع في دائرة عبارة (هيغل) الشّهيرة، "كلّ شيءٍ يمكن تبريره"..
هذا مع أنّ (هيغل) قال ذلك في مناسبة "فلسفة التّاريخ" من جانبها الوجوديّ، و ليس من جهة الجانب "الوجوبيّ"، إذ أنّ السّياسة لا تمارَسُ، قطعاً، بما هي "سياسة"، إلّا بمعايير "وجوبيّة" في ضوء "القيمة" و "الأخلاق".

و إذا كان "الممكن" وفق ما رأيناه، كذلك، فإنّ مضمون عبارة "السّياسة فنّ الممكن"، يصبح فارغاً من أيّ مدلول أو دلالة، إذ أنّه ليس ثمّة "فنٌّ" أو "علمٌ" لما هو غامضٌ أو مبهمٌ أو خاضع لشروط "الانتفاء" دون شروط "الوقوع" أو الكينونة الواقعيّة؛
و على العكس، فإنّ عبارة (أرسطو) قد تصبح لغواً و تنويعاً على "تبرير" الأهواء و العجز و الفشل، و على تبرير الإرادة المتخنّثة.

و كي لا يقع الفكر في "الخلط" و "الاشتباه"، فإنّ "السّياسة" تختلف عن "علم السّياسة"، من جهة أنّ الأخير يحاول أن يتقصّى فعلاً غير محدّد المعالم المسبّقة، هذا الفعل الذي هو نفسه "السّياسة".
و على هذا فالسّياسة ليست "علماً"، بذاتها، كما أنّها ليست "فنّاً" بالدّلالة الحصريّة، إذ أنّ "الفنّ" يعتني بالجميل و الجمال و ينشغل به و يتوفّر له، بينما لا يمكن لأحدٍ أن يدّعي أن "السّياسة" جميلة أو قبيحة إلّا عندما يفترض ما كنّا قد حذّرنا منه، غير مرّة، و هو الوقوع في فخّ توهّم "السّياسة الأخلاقيّة"، بدلاً من أن نتوقّع "أخلاقاً سياسيّة"، تُنتجها "السّياسة" في الممارسة لتحدّ من "الاستيهام" الذي يقع فيه "السّاسة" و "لسّياسيّون"، في أنّ ليس للسّياسة قانونٌ أو منظومة من القوانين المجرّبة التي عليها الالتزام بها، تحت طائلة فقدان "الخبرة" الانتقائيّة التي تشكّل ركناً أساسيّاً من أركان "السّياسة".

و من الواضح، كذلك، أنّنا لا نبحث، هنا، في "السّياسة" كإدارة لأنظمة الحكم، فنبقي بذلك "الإدارة" ممارسة تنظيميّة في الدّولة يستطيعها المتخصّصون في علومها بالعلم و التّعلم، وفق أغراض تحدّدها "السّياسة" نفسها كممارسة للسّيادة و تدبير لشؤون الواقع، بوصفه حالة تحتاج الحماية و التّغيير و التّطوير، استجابة إلى حاجات و تحدّيات و دفاعاً عن المكتسبات.

هكذا، فإنّ ما نرمي إليه بالسّياسة، هو، أوّلاً، القدرة على رؤية الواقع و العالم على أنّه منظومة تتوالف فيه الأفكار و الغايات و المصالح، و تشترك، و تتقاطع، أو تتباين و تنفر في اتّجاهات مختلفة و لكن محدّدة المعالم و مفهومة الأسباب. و سنسمّي هذه الحالة بِ"الحضور".

و السّياسة، ثانياً، هي المقدرة على احتلال موقع عالميّ في هذه المنظومة، يشكّل ثقلاً عمليّاً و واقعيّاً و لو أنّ كتلة الدّولة المتواضعة لا تسمح بإعلان هذا الموقع إعلاناً مباشراً بالمواجهة و التّحدّي و اختيار التّناقض كمبدأ لإثبات الهويّة. و سنسمّي هذه الحالة بِ"التّمايز".

و هي، ثالثاً، القدرة على توفير مصادر "الحضور" و "التّميّز"، من جهة "الذّاتيّة" التي تعني، هنا، استثمار أقصى المتاح استثماراً إبداعيّاً و جريئاً، و ضمّ نتائجه إلى العنصرين الأوّليين، الحضور و التّميّز، و جعل ذلك وَحدة مندغمة عضويّاً في "بنيويّة" متضافرة من "النّموذج" و "النّمط" و "النّسق" في "الممارسة" الحيّة و الشّاملة. و سنسمّي هذه الحالة بِ"القوّة".

و السّياسة، رابعاً، هي "المعرفة" الاحترافيّة بالعالم و المجتمع. اتّجاهاته و قواه و سلطاته و ميوله و انحداراته و تصاعداته المتبدّلة في "الزّمان"، و الثّابتة أو العابرة في "المكان"، من جهة "الموضوعيّة"؛ كما هي قدرة على اكتشاف و تحليل الغامض أو المبهم بواسطة أدوات و وسائل نظريّة تاريخيّة سياسيّة. و سنسمّي هذه الحالة بِ"المعرفة".

و أخيراً، فإنّ السّياسة هي القدرة على جعل كلّ ما تقدّم متواشجاً في مرونة دائمة تتخلّلها "الثّوابت" الخاصّة المتعلّقة بالهويّة و الانتماء و الحاجات التي تفرزها ظروف هذه الثّوابت. و سنسمّي هذه الحالة بِ"الأداء".

ففي توفّر و توفير تلك العناصر البنائيّة الإراديّة للسّياسة، من حضور و تمايز و قوة و معرفة و أداء، تبلغ السّياسة ذاتها من حيث هي اكتشاف و صناعة و تدبير لقوى السّلطة، و تنسيق لهذه القوى تنسيقاً مفهوماً و واضحاً في العلاقات الشّارطة، من دون عبور هذا "التّنسيق" في نفق "المفاجآت"، من جهة؛ و من حيث هي انخراطٌ في قلب "المقادير" التي هي الإطار "الأونتولوجيّ" (و الميتافيزيقيّ) للسّلطة التي تجعل السّياسة شيئاً مختلفاً عن غيره من المعطيات و الممكنات، و هذا من الجهة الأخرى.

إنّ التّحرّر المعرفيّ المدعّم بقوّته الخاصّة، يجعل من واقع السّياسة شيئاً متغيّراً في الثّبات، كما يجعل منها شيئاً ثابتاً في المتغيّرات؛ و من هنا ندرك خطورة العمل السّياسيّ، في إطار "علم" واحد و ثابت، أو في إطار وصفة تاريخيّة تغدو وهماً متفاقماً مع مرور الزّمان و تراكم التّجربة و الخبرة في التّاريخ.

و بقدر هذا التّباعد و الابتعاد عن التّعريفات الجاهزة و المقاييس الأثريّة (كمقياس أرسطو، مثلاً)، تنفتح "السّياسة" على جوهرها الذي يزداد وضوحاً تاريخيّاً في "التّطوّر"، هذا الجوهر الذي يختزل جميع عناصر "السّياسة" في كلمة واحدة هي "الحكم"، أو بدقّة، "التّحكّم".

ثانياً - السّياسة هي السّيادة:

إنّ أفضل دعوة إلى تعلّم "مضامين" السّياسة، المتغيّرة، مع السّيرورة، هي التّحذير من الدّلالات "القاموسيّة" لتعريف أو فهم السّياسة؛ ذلك أنّ "المصطلحات" القاموسيّة، و مهما امتلكت طاقة مخزونة للتّطوّر، فإنّها تبقى مؤطّرة في حدود جمود إطار المعطيات السّابقة التي راكمت "التّعريف"، كما تبقى قاسرة لإمكانيّات الاتّصال المباشر بالظّروف الجديدة و المستجدّة التي تخضع إليها "المفاهيم".

ما أعنيه، بوضوح، من أنّ "السّياسة" هي "السّيادة"، أو من أنّ "السّياسة" لا يمكن أن تكون ظاهرة عمليّة ذات مغزى مستقرّ من دون ارتباطها بالسّيادة؛ هو أنّنا نستطيع، باستدلال أوّليّ (و هو خاضع للنّقد إن أمكن) أن نخرج بقاعدة (قانون عام) تقول إنّ "التّراكم" النّوعيّ و الكمّيّ، بكل صيغ و أنواع التّراكم، وحده قادر على توفير الظّروف الذّاتيّة و الموضوعيّة لخلق "القيم"، و ذلك أيّاً كان نوع هذه القيم.

إنّ تراكم "السّيادة" هو الدّافع و المحفّز و الباعث على نظريّات و ممارسات "السّياسة" القوميّة و الاجتماعيّة، كما أنّه مبعث القدرة التي توفّر الظّروف المناسبة لوجود "السّاسة" الأفراد، و السّياسيين، المفكّرين و المنظّرين و المبدعين.

في إحصائيّات منظّمة و نوعيّة و غير عشوائيّة، تبيّن (حصراً، و ليس مثلاً) في مقارنات للدّوريّات العلميّة الرّائدة في كلّ من (المملكة المتّحدة) و (الولايات االمتّحدة) و (أوربّا) أنّ ما نسبته (91%) من البحوث في الدّوريّة البريطانيّة، "الدّراسات السّياسيّة"، كان يركّز على مواضيع فلسفيّة أو فكريّة أو وصفيّة أو مؤسّساتيّة (بما في ذلك "تاريخ الفكر السّياسيّ")؛

في حين أنّ ما نسبته (74% (من البحوث في الدّوريّة الأميركيّة، "أميركان ساينس ريفيو"، يقع ضمن أحد صنفين: مقالات في السّلوكيّة/ التّجريبيّة من ناحية أو الاستنتاجيّة/ العقلانيّة من النّاحية الأخرى (..) أمّا في القارّة الأوربّيّة، فالسياسة غالباً ما كانت و ما تزال فرعاً من أقسام تابعة لكلّيّات القانون أو علم الاجتماع أو التّاريخ.

[انظر: أساسيّات علم السّياسة. تأليف ستيفن د. تانسي، و نايجل جاكسون. نقله إلى العربيّة محي الدّين حميدي].

و ببساطة يمكننا أن نتتبّع الخيط التّاريخيّ لتراكم "الثروة" االفكريّة و الاقتصاديّة، في كلّ من (بريطانيا) و (أميركا) و (القارّة الأوربّيّة)، الذي يصل في (بريطانيا) إلى (جون لوك) و الثّورة الصّناعيّة ؛ فيما يصل في (أميركا) إلى "الآباء المؤسّسين" و استعمار القارّة الجديدة و الممارسات التّجريبيّة الجريئة في المغامرة و العقلانيّة المتراكمة، و تراكم الذّهب؛
فيما نستطيع بسهولة تبيّن أثر "عصر الأنوار" في الفكر السّياسيّ الفرنسي و الألمانيّ، و الشّرعة القانونيّة التي قدّمتها "الثّورة الفرنسيّة" للحداثة، مع شموليّة الفكرة التي قامت بوحي من الإمبراطوريّة البونابرتيّة، و المغامرة "الهتلريّة" الشّاملة.

من الهامّ أن نقف على مغزى هذه الصّورة العابرة لجمود النظرة إلى السّياسة كأثر مباشر من آثار "السّيادة"، لنكتشف هذه الشّذور المتراكمة في الطّبقات الأركيولوجيّة و الجيولوجيّة التّاريخيّة لفكرة السّياسة، و لنقارنها بالواقع العالميّ السّياسيّ، اليوم، لنقف على صلات القربى بين مفهوم "التّراكم" و مفهوم "القيمة العمليّة" و ممارسة "السّيادة" في إطار السّياسة، و كذلك ممارسة السّياسة في كنف السّيادة.

أتاح اختلاط "القوّة" و "العنف" و "المعرفة"؛ في ما "بعد الحداثة"؛ واقعاً من شأنه إعادة توزيع "القيم" في إطار من تداخل "الثروة" العلميّة و "الاقتصاد" التّوفيريّ الحازم، جعل من "السّيادة" مفهوماً يتبع "القوّة"، أوّلاً بما هي القوّة مؤسّسة للمعرفة و العنف في وقت واحد.

نفهم من خلال ذلك، كيف تمّت إعادة "توزيع" السّيادة العالميّة للدّول من دون تفضيل حاسم أو مانع لأمّة دون أخرى، أو لدولة من الدّول دون سائر الدّول الباقية، إلى درجة يمكننا معها التّنبّؤ بعودة دول ضعيفة أو صغيرة و ضئيلة إلى مسرح السّيادة العالميّة و تقاسم السّياسات.

إنّ دولة مثل (كوبا) أو (فييتنام) أو (كوريا الشّماليّة)، يمكن أن تصنّف كلّ منهما، اليوم، في قائمة دول السّياسات السّياديّة، على القدر نفسه الذي نصنّف فيه (أميركا) و (بريطانيا)، و دول "أوربّا" الأقوى، و (روسيا)، في القائمة ذاتها للسّيادة؛ و لو بتفاوتات غير معتبرة في قاموس "السّيادة" السّياسيّة؛ في القرار الوطنيّ المستقلّ.

ثالثاً - سورية، في السّياسة و السّيادة:

زعزعت "الحرب"، بنتائجها المختلفة، مفهوم السّيادة في السّياسة السّوريّة المعاصرة، و تخلخلت "هيبة" الدّولة، و تطاولت "الظّروف" التي تأطّرت فيها بعض الحلول في إطار "المُتاح" الواقعيّ و الموضوعيّ و المقبول و الوحيد في "استثنائيّة" تاريخيّة من تحدٍّ مباشر لوجود الدّولة و المجتمع.

و من دون الرّجوع إلى تاريخ بعيدٍ أو قريبٍ من "التّمنّيات" – و هذا دأب الانعزاليين و غير التّاريخيين!- فإنّ المتاح، اليومَ، في رأينا، من ظروفٍ لاستعادة "السّيادة الكاملة" في "سياسة" حرفانيّة، إنّما هو أمر ممكنٌ و لو أنّه، أيضاً، موقوفٌ على المبادرة التّاريخيّة التي في نظريّة سياسيّة نقديّة تتحدّى بها كلّ إيحاءٍ بالخضوع للظّروف التي باغتت البلد، و هي نظريّة ممكنة بشروط و مواصفات خاصّة، و استثنائيّة، للقرار السّياسيّ الدّاخليّ، أوّلاً، و الذي بفضله تُدرَسُ، من جديد، قواعد السّيادة في القرار الإقليميّ و الدّوليّ.

و على العكس من ممارسة "عاديّات" السّياسة و منطقيّاتها السّهلة و المجرّبة، فإن ما هو مطلوبٌ، اليومَ، في رأينا، هو "استثنائيّات" صعبة و تحتاج إلى انفراد دقيق في القرار السّياسيّ، لإزالة أثر "الكّمّ" الكابت، عنه، و تحويله إلى "نوعيّة" انفراديّة في "الرّؤية" يقوم عليها "القرار" السّياسيّ، بوصفها حصيلة جهود الفكر السّياسيّ و الفلسفة السّياسيّة التي يُجيدها "ندرة" وطنيّة غير معمّمة في "الإعلام" و غير مُشتَهَرةٍ على المنابرالعامّة، و تستطيع أن تمارسَ حصيلتها في الخبرتين النّظريّة و العمليّة، الفكريّة و الإداريّة، في وقت واحد.

لقد انتهت، بالنّسبة إلى (سورية)، و لعقود قادمة ، جملة من "المفاهيم" الاجتماعيّة و السّياسيّة التي كانت صالحة لعصر ما قبل هذه الحرب؛
و لسوف يحتاج المجتمع و الدّولة إلى تغيير جذريّ، و ربّما تقابليّ، للقواعد الأساسيّة للسّلطة و الحاكميّة؛ بحيث ينبغي العودة عن معظم الوصفات الاجتماعيّة و الاقتصاديّة و السّياسيّة، السّابقة، و استبدال قواعد جديدة، كلّيّاً، بها، و بخاصّة منها ما هو مستقرّ في "علوم" و "فنون" السّياسة التّقليديّة التي فرضت نفسها و تفرض نفسها على أنّها قدر الممارسة و السّياسة و السّيادة، وحدها و حسب.

سنستعير، بالمخالفة، من "علماء الاجتماع"، دالّةَ مثالٍ واحدٍ، هنا، لها طيف شامل لجميع أفكار القرارات المختلفة المتعلّقة بالدّولة و المجتمع و بنية الواقع السّياسيّ.

ينصح ، علماء الاجتماع، عادةً، بالأخذ بالحلول التّعميميّة" (العامّة) التي تعتمد على دراسة المجموعات البشريّة العامّة بغية الوصول إلى نتائج عامّة، في ما يُسمّى بِ"المقاربة التّعميميّة" (Nomothetic)، بحيث يكون هدف الفكر السّياسيّ النّهائيّ هو اكتشاف نظريّات أو قوانين عامّة حول طبيعة السّلوك السّياسيّ ؛
و ذلك في مقابل ما يُسمّيه "علماء الاجتماع" بِ"المقاربة التّقليديّة" التي تدرس "حالات منفردة" (Idiographic) تهتمّ و تُعنى بالعلامة "الشّخصيّة" (أو باليونانيّة Ideogram).

و يبدو، اليوم؛ بعد تعرّي "الجماعات" السّياسيّة و انكشاف الغطاء عن "الأنماط الاجتماعيّة"، بالجملة، انكشافاً تامّاً؛ أنّ المطلوب في نموذجنا النّظريّ هو عكس ما ينصح به "علماء الاجتماع"، على التّحديد؛

بحيثُ أنّنا نحتاج، الآن، إلى اكتشاف المجاهيل الاجتماعيّة الشّخصيّة و الفرديّة، بوصفها نماذج حيّدتها الحرب كحالات "منفردة" و طردتها من "سوق التّداول السّياسيّ"، كأفضل الثّروات التي اختزنت تراكم القيمة في تاريخ سورية الحديث و المعاصر.

تمتاز هذه "النّماذج" الفرديّة، بميزات عَزَّتْ في التّجربة السّياسيّة، الإعلاميّة بخاصّة، و انفردت بالإعداد لنظريّة موسوعيّة في "الفكر السّياسيّ" لمجتمع الحرب و دولة الحرب، استكمالاً تاريخيّاً لما كانت قد بدأته في زمن السّلم الذي كان يُضمر حرباً و لو بأدوات مختلفة و مغايرة..

ففي (سورية)؛ و لو أنّ هذا الحديث لا يروق لكثيرين؛ نحن لقد خرجنا من حرب و دخلنا في حرب أخرى أضيفت إليها آلات من نار. هذا هو الفرق "الوحيد"، و لكنْ النّوعيّ و المدمّر على الشّمول، بين حرب و حرب، و بين زمن سوريّ و آخَر، و حسب!

لقد حتّمت الحربُ هذه "النّظرة" السّياسيّة التي نصوغها في "النّظريّة"، بحيث تجاوز الواقع السّوريّ، كثيراً، متطلّبات السّياسة المجترّة حول "العدالة" و "الأخلاق" و "أفضل أشكال الحكم"، و أصبح من الماضي أن نقف عند "الخيارات"، إذ يتحتّم، اليوم ، ممارسة النّظريّة السّياسيّة الأكثر انتقائيّة، و التي "تجمع نفاذ البصيرة من مصادر مختلفة" و غزيرة، كما يُقال.. و هذا ما لا يُجيده الكثيرون.

يغزو، اليومَ، التّعقيدُ الشّديد للمغامرة في مسالة الخيارات النّظريّة النّهائيّة في السّياسة؛ و من المفهوم كيف أنّ المفكّرين الأكثر جدّيّة في التّنظير السّياسيّ، لا يُفضّلون رسم صورة كاملة و شاملة للسّياسة؛

إلّا أنّنا نحتاجُ إلى بعض الجرأة في فهم الميول التّاريخيّة العالميّة للنّظم السّياسيّة، و التي تسمح لنا، إذ ذاك، بتجاوز أهمّيّة تقاليدٍ سياسيّة محدّدة في السّياسة، في عصر "ما بعد الحداثة" العالميّ.

من تلك التّقاليد التي يُفضّل التّأمّل في تجاوزها، بجدّيّة، تلك المحفوظات التي كرّستها "الحداثة" في الثّقافة السّياسيّةكممارسة للوهم الواقعيّ مقابل حاجات التّحكّم الشّديدة، التي تحتاجها النّظم السّياسيّة، و لو كان في ذلك تضحية بالخطاب الثّقافيّ.

إنّ مفاهيم كالدّيموقراطيّة و العدالة السّياسيّة و المساواة أمام القانون، و ما إلى ذلك.. إنّما تبدو، اليومَ، على مستوى العالم، ضرباً من الكهانة و السّحر، بل و حتّى الشّعوذة؛ و لا تُفلح جميع الوصفات الثّوريّة المزعومة في تغيير هذا الواقع العالميّ، إن لم تكن ، بالعكس، تعمل على المزيد من تكريسه و تعميقه في عنف مسلّح.

["و على أيّة حال، تبدو مشاكل صيانة "علم صحيح" للسّياسة ضخمة إلى درجة أنّها تلقي المشروع برمّته في براثن الشّكّ؛ و إنّها مشكلات تتعلّق بتضارب القيم حول فائدة القيام بذلك و درجة تعقيده و منهجيّته و حتّى فلسفته"]

[أساسيّات علم السّياسة. مصدر مذكور سابقاً].

على هذا الأساس، فقط، نستطيع أن نعود إلى بداية حديثنا، هذا، لنقول إنّ "السّياسة" ليست، بالضرورة، علماً كما أنّها ليست فنّاً، وفق ما سقناه من مسوّغات لهذا الموقف المبدئيّ من "السّياسة"؛

و هو ما يجعلنا نتحرّر في النّظريّة نحو الواقع "مباشرة" لفحص "تَعَيُّنِهِ" المتغيّر تبعاً للحدث الدّاخليّ و الحدث العالميّ، باستمرار، في عصر انكمش فيه العالم و صارت أجزاؤه أكثر تبادليّة في الأثر.

على الخصوص، تميل السّياسة البريطانيّة و السّياسة الأميركيّة، اليومَ، إلى ما يمكن أن نسمّيه "التّجريبيّة السّياسيّة" في إطار "السّياسة الاحتماليّة"

[نظريّة (آلموند و كولمان 1960م)]؛

و هي نتاج خبرة هائلة بالمحصّلات الواقعيّة و النّظرة الفلسفيّة السّياسيّة إلى العالم و الأحداث؛ و إنّه، في الحقيقة ، من الصّعب أن تجاريها خبرة عالميّة سياسيّة مباشرة، إنْ على الصّعيد العمليّ للسّياسة في الممارسة، أو على الصّعيد الفكريّ الذي يختزلُ تاريخ الفلسفة السّياسيّة "العمليّة" من (أرسطو) (و لا أقول أفلاطون الأرستقراطيّ جدّاً في السّياسة ..) و حتّى (جون ستيوارت مِل) و (وليم جيمس) المعاصرين، مروراً ب(لوك) و (هوبز)، و طيّ أفكار "الحداثة" التّنويريّة البريطانيّة – الفرنسيّة، في إرث شرعيّ و مشروع.

ترى "نظريّة (آلموند و كولمان)" أنّه من الأفضل و العمليّ أن يتّجه الفهم السّياسيّ المعاصر إلى "قاموس" سياسيّ مختلف في فهم العالم المعاصر و فهم الدّولة الجديدة و المجتمع الحيّ.

إنّ علينا أن نتحدّث، وفقاً لهذه "النّظريّة":

على "نظامٍ سياسيّ" بدلاً من "الدّولة"؛

و على "وظائف" بدلاً من "سلطات"؛

و على "أدوارٍ" بدلاً من "مكاتب"؛

و على "بِنى" بدلاً من "مؤسّسات"؛

و على "ثقافة سياسيّة" بدلاً من "رأي عامّ"؛

و أخيراً، على "تنشئة اجتماعيّة سياسيّة" بدلاً من "بِنيةِ مواطَنة".

ليس من الصّعب أن ندركَ هذه "الواقعيّة" السّياسيّة الخاصّة، بحيث أنّنا نتخلّص نهائيّاً من "المفاجآت" السّياسيّة، أثناء ممارستنا للعمل السّياسيّ، و هندسة المجتمع، و التّربية الثّقافيّة؛ أو أثناء تبنّينا، في العمل السّياسيّ، لموقف دون آخر و لقناعة دون أخرى و لنظرة دون نظرة؛

إذ تفيدنا النّماذج السّياسيّة المتحرّرة، في التّعامل مع متعيّنات مباشرة كصندوق الانتخاب و النّظام الدّستوريّ و قانون الانتخاب، وفق ما كنّا قد بحثناه، هنا، في حينه؛

كما تفيدنا في النّظرة العموديّة إلى "الوظيفة العامّة" و ضرورات تكديس "البيروقراطيّة" الغائبة، مثلاً، في الشّأن العامّ الوظيفيّ السّوريّ؛

و في الوقت نفسه، تفيدنا في كيفيّة فهمنا للسّلطات المتباينة و المستقلّة، على أنّها وظائف تنفيذيّة متداخلة و متواشجة، و لا يجوز فيها الفصل و الانفصال.

يشقّ لنا هذا الفهم الجديد طريقاً أقصرَ نحو عالم متغيّر، ينطلق في تعامله الشّامل من "وقائع" مشخّصة، فيما يستهدف "وقائع أخرى" في أهدافه، كان أن حدّدها على طريقته، و أسماها بواقعيّة معاصرة، الأمر الذي يجعله فاعلاً في أوساط عالميّة قابلة للاستجابة بسرعة و سهولة و يسر؛

فيما نستطيع أن نسمّي مثالاً على ذلك، قريباً و حيّاُ، و هو كيف استهدف "العالم" البنى الاجتماعيّة و الثّقافيّة في الحرب على (سورية)، انطلاقاً من واقعيّة فلسفيّة سياسيّة و من نظرة معاصرة، و إحصائيّة، إلى الظّواهر التي كانت هدفاً في التّأثير و التّخريب و التّدمير.

ما تعانيه نظريّة "السّيادة" السّياسيّة السّوريّة، هو أنّنا لم نقم بإحصاء المفاهيم الواقعيّة التّقليديّة، و عملنا، بالعكس، على التّعامل معها، كبيئة و كوسطٍ، على أنّها وقائع معاصرة دخلت في "التّطوّر" العالميّ، فيما هي ما تزال، و حتّى هذه الّلحظة، مصادرة من "مؤسّسات" اجتماعيّة، و من "مؤسّسات" سياسيّة، أيضاً، هي في صلب "الدّولة" و في قلب "النّظام السّياسيّ"؛

و لقد شكّل هذا الواقع، الخلفيّة المباشرة للتّحوّلات السّياسيّة السّياديّة، و التي علينا بقراءتها، اليومَ، قراءة "متحرّرة"، و من دون نماذج سابقة، و من دون مثالٍ نقيس عليه، إلى درجة اختراع الّلغة الخاصّة بالوقائع الرّاسخة و بواسطة ما هو إيجابيّ فيها و مناسب و أفضل و أشرف بما لا يُقاس ممّا لو أنّها كانت وقائع على منوال مختلف!

يبقى أن لا نعتبر الوقائع السّياسيّة السّياديّة السّوريّة المعاصرة، وقائع و أحداثاً خالدة؛ و هذا ما يجعل من قيمة العمل السّياسيّ "النظريّ"، ذات أهمّيّة أولى و قصوى من دون مفاضلات.

في هذا الاتّجاه تبدو "النّظريّة الواقعيّة" (Political Realism)، على "صعيد السّياسة الدّوليّة"، أكثر قيمة في تحريض "الشّكل الذّاتيّ" للسّياسة الدّاخليّة، من جهة أنّها تأخذ بالاعتبار الكثير من الحقائق التي يجري العمل في "الخطاب" العولميّ على تغييبها و تبديل "الإنسانويّة" المنافقة في السّياسة، بها، و تحييدها من الثّقافة السّياسيّة الظّاهريّة، و العمل وفق حقائقها في السّرّ و الحفاء.

تتحقّق الكثير من مقوّمات "السّيادة" السّياسيّة بالأخذ بمبادئ "النّظريّة السّياسيّة الواقعيّة"، و بخاصّة في أنّ "العلاقات الدّوليّة"، في واقع الأمر، لا تقوم على أسس و معايير "أخلاقيّة" بقدر ما تقوم على روائز "وجوديّة" خالصة و لو تطلّب الأمر استخدام مفهوم "الوجود" الجيوبوليتيكيّ الدّوليّ الذي يتعدّى "الوجود" إلى حاجات تصوّريّة و إنشاءات ذاتيّة عنيفة كتنويع "منطقيّ"(!) على مفهوم "الوجود".

و تغلب إلى حد كبير، في السّياسات الدّوليّة الخارجيّة، "المصلحة الوطنيّة" للدّول في كل الظروف، و وفق كلّ دولة من منظارها الخاصّ للمصلحة الوطنيّة، و الذي، غالباً، ما يمتدّ هذا "المنظار" إلى العدوان المباشر و غير المباشر؛ و هكذا فإنّ "القانون الدّوليّ"، نفسه، عاجز عن توفير الحدّ الأدنى من الحماية الأخلاقيّة للدّول الضّعيفة، و ليس هنالك من رادع أمام "الأقوياء"، كما أنّه ليس هنالك من مؤيّدات جزائيّة حقيقيّة يستطيع أن يستخدمها "القانون الدّوليّ"، في مواجهة العنف الدّوليّ الواقعيّ.

و في "الواقعيّة السّياسيّة الدّوليّة"، و في غياب الرّدع الدّوليّ للعنف و القوّة المفرطة و السّيطرة العالميّة لنظام الذّرائع الذّاتيّة؛ فإنّ الواقع "الوجوديّ" للدّولة يتطلّب منها أن توفّر حمايةً "ذاتيّة" لشعبها عن طريق حيازة القدرات و الوسائل العسكرية "الهجومية" لتوفير الرّدع الشّامل للدّفاع وجودها المستهدف عمليّاً بشكل دائمٍ ، في نظام عولميّ "عنيف" و يقوم على "الفوضى" الشّاملة، و المنظّمة، و العمل على فلسفة "السّيطرة" على "الآخر"، عندما تقتضي "المصلحة الحيويّة" للأقوياء الهيمنة على "الضّعفاء"، في عالمٍ لا توجد فيه "سلطة مركزية" حاكمة لضبط سلوك الدّول.

مع "الحرب"، دخلت واقعيّة مفهوم السّيادة السّياسيّة السّوريّة، و في غمار "الحرب"، و في النّتائج الموضوعيّة لهذه الحرب القاسيّة، دخلت في اختبار "وطنيّ" تاريخيّ لا يمكن إدراكه ، عمليّاً، من دون المزيد من "الواقعيّة السّياسية" بمفهومها المبادر و ليس بمفهومها الخاضع أو الإذعانيّ.

رابعاً – فلسفة السّيادة السّياسيّة.. كفرعٍ من فلسفة السّياسة:

في فلسفة السّياسة نشاغل السّيادة بأدواتها و عناصرها الضّروريّة و التي هي جزء مفهوميّ من "السّلطة" هذه التي ليست داخلة في عداد المفاهيم المباشرة، العمليّة، و لكنّها من المفاهيم النّظريّة المُوَلِّدَة للقواعد المحدِّدة للقوّةِ و النّاجمة عن فيض مقولتها (السّلطة) التي تكمن السّياسة في أصليّتها النّوعيّة بوصف السّياسة ممارسة على أساس مثالٍ كلّيّ أونطولوجيّ و ميتافيزيقيّ..!

و لكن ماذا يعني هذا الكلام في "الممارسة" العمليّة التي تتجاوز المفهوم العمليّ المباشر بوصفها تتعلّق بمقولة السّلطة التي تحسم مفهوم السّيادة؟

لنجرّب، إذن، التّشخيص في نموذج يُوحي بالفعل!

في جزئيّة من جزئيّاتها فإنّ مقولة "السّلطة" تشتمل على السّيطرة على موضوع العمل في حاكميّات الأغراض و الأهداف.
و في جزئيّة أخرى من جزئيّاتها، إنّما هي تشتمل على مفردات "اقتصاديّة" للسّيطرة و التّحكّم؛ و أعني مفردات تنتمي إلى "الاقتصاد" في فيض "السّلطة".

و عندما تواجه "السّلطةُ" تحدّيات "الكبح" و "الكفّ" و "الكبت"..، فإنّها، ببساطة، تتفوّق على هذه "التّحدّيات" بآليّات مرجعيّة أصليّة فيها، بوصفها مقولة أصليّة، فلا يعوزها بذلك أن تبدي تفوقّها على تلك التّحدّيات، و إنّما عليها، و هي لا بدّ كذلك..، أن تكتفي، في "ظرفيّة" جزئيّة، بأن تكون قوّة في ذاتها و ليس لأجل ذاتها بالضّرورة.

عندما تتمكّن "السّلطة" من صيانة مضامينها، في ذاتها، فإنّها تتمدّد في حيّز آخر غير حيّز الممارسة العمليّة المباشرة، بل في مفاهيم أخرى للسّيادة، كالضّمانات الفكريّة و السّياسيّة الموثوقة و الكافية، و "الفكرة" و الفعل الوشيك و الهدف الموقوت، التي تُفضي إلى معرفة و علم يتفوّقان على الاستجابات المباشرة، إذ الوعد بالعقد هو عقد قائمٌ و موقوف على الفرصة؛
و هنا تكون الكفاية بالمراكمة الجانبيّة للقوّة، في "رفعٍ" مؤقّت ("إيبوخيّ"، باليونانيّة السّقراطيّة) لصورة الذّات الحقيقيّة في "السّلطة"، و بالتّالي إلى تأويل "السّيادة" بالكفاية الخاصّة و الضّمنيّة للسّيطرة العمليّة على أدوات ممارسة القوّة في جوهر السّيادة في عَرَضٍ من أعراضِ الاستحالة.

سأوضّح، أكثر، حتماً..

عندما تفقد "السّيادة" جزءاً منها، بفعل ظرفيّة خاصّة، فإنّ على "السّلطة" الأصليّة بالنّسبة إلى السّيادة و غير السّيادة من مفاهيم، أقول إن على هذه "السّلطة" أن تُصَانَ، و هي مصانة بالضّرورة "الأصليّة"، بفعل عناصرها الأخرى التي تُحيط، في مدارات، بجوهر السّلطة و جوهر السّيادة بالذّات؛

إذِ "السّيادة" ليست حقيقة مدركة بالمطلق، شأنها شأن أيّ مفهوم آخر، و إنّما يمكن لها أن تتعدّى المألوف و المعروف إلى تكوينيّات أخرى هي فيها، بشكل مسبّق، و لو أنّها لم تتظاهر بعد.

تُرى، هل يوحي هذا الحديث بأنّ الهدف هو تأليف مضامين جديدة للسّيادة، بشكل يسمح بتجاوز المطلقيّة المزيّفة للمألوفيّة فيها، و تحقيقها بالتّعويض بواسطة ابتكار مناسبات لاستمرار ممارستها و التّشبّث بها، و لو بفعل أحد نظائر فعل السّيطرة الأصليّة كوجه من أوجه السّيادة؟

إذا كان هذا الأمر قد وصل إلى التعبير المفهوم، عامّةً، فيكون قد تحقّقَ ما نصبو إليه من إيصال لفكرةٍ مركّبة و جديدة و صعبة الوصول..

إنّ بعض المكوّنات الخاصّة بالسّلطة و السّيادة و القوّة و الممارسات المكافئة، لا يمكن أن تتوفّر للرّاغبين، و إنّما هي مقترنة، بحكم طبيعتها الصّعبة، بعناصر أخرى يجب توفيرها لأجلها، تماماً كما أنّنا نصنع "السّبائك" التي يدخل فيها معادن رئيسيّة و معادن مساعدة، أخرى، من أجل تحقيق المواصفات الفيزيائيّة المرغوبة في هذه العمليّة الكيميائيّة؛

إذ أنّ "المقولات" الكلّيّة، الأصليّة، لا تظهر في عالمنا، نحن، هذا، إلّا بوصفها جزئيّة موحية، فقط، تنضمّ إلى جزئيّات أخرى، من واقعنا العمليّ المباشر، في "تسابكٍ" كيميائيّ يكون مناسباًبقدر ما هو ناجح و ثابت المواصفات الفيزيائيّة التي نحتاجها في هذا التأليف و التّصنيع؛

فيما تبقى كلّيّتها (المقولات) جاهزة، بلا انتقاص، من أجل حاجات أخرى، لنا، نأخذ منها، بالإيحاء، جزئيّة أخرى في مناسبة مغايرة لصنع الأداة الجديدة، باستمرار؛

و هذا هو سرّ الخبرة، في التّجربة، إذ أنّها متوالدة، دوماً، و على نحو لا ينضب!
كلّ ما قدّمته، هذا، لأقول - و لكن على أساس البرهان - إنّ "المفاهيم" العمليّة كمفهوم "السّيطرة" و "السّيادة"، ليست مفاهيم وصفيّة خالصة في نجوز مانع؛
و إنّما هي خاضعة للتّنويع و التّبديل و المبادلة و الاتّفاق و المساومة(!) (باعتبارنا نتحدّث على السّياسة) و التّفاوضِ بالعناصر المفهوميّة، التي توجد إلى جانب عناصر أخرى في المفهوم الواحد؛
إلى درجة يمكن فيها أن نستعيضَ عن مفهوم بآخر، إذا كان قد توفّر للمفهوم الجديد ما كان قد توفّر لنظيره الأوّلمن الطّاقة البديلة و المناسِبة و المكافئة، و التي تستطيع أن تؤدّي الأغراض نفسها، في الممارسة، بالتّحديد، أو أغراض مكافئة في التّعويض.

يتوقّف هذا "الاقتصاد" الفلسفيّ، الجديد، على شروط، أهمّها إدارة "الأفكار" إدارة حرفانيّة عالية.


و هذا ما هو ممكن، فقط، بفضل الاعتماد على "الخبرة" نفسها التي تُستمَدّ، كما قلنا، من واقع "الأصليّات" في "المقولات" الفلسفيّة الأصليّة؛ و ليس من "تجارب السّطوح"المنتشرة كما انتشار الجراثيم في الهواء..

لقد أصبحنا، الآن، إذاً، في وضع من أوضاع "البرهان"، الذي يُمكّننا من رفض عبارة (أرسطو) الإشكاليّة، من أنّ "السّياسة هي فنّ الممكن"؛ لنبدّل بها "عبارة" أنضج من واقع الخبرة الفلسفيّة السّياسيّة، فنقول:

(إنّ السّياسة هي صناعة الممكن، في الوقت الذي يبدو فيه أنّه غير ممكنٍ، بالتّحديد)؛

و السّياسة هي فلسفة القوّة المتوفّرة في الأدوات و الأفكار و المعطيات و المصادر شبه المستحيلة، في أغراضٍ من طبيعة الأهداف و الغايات، عندما تبدو هذه الأهداف بعيدة، أو عندما تكون كذلك بعيدة، بالفعل!

***

فعقب الدكتور محمد فريد عيسى:

دعونا نتحدث بصراحه، وبقليل من العلميه التاريخيه في فن السياسي، ودعونا نسجل جملة من الأفكار التي لا بد من أخذها بعين الاعتبار، عند دراسة الفكر السياسي الانساني وخاصو العربي ، وتحديدا السوري منه:ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏يبتسم‏‏

1 • أولا - ان السياسة ترتبط في نشأتها وتطورها بجملة من العوامل الاقتصاديه والاجتماعيه والثقافيه..
بمعتى ان النظريه السياسيه، تكاد تعبر عن فلسفة مجتمع ما في مرحله ما من تطور هذا المجتمع

2 • ثانيا -- النظريات السياسيه العربيه ليست سوى صدى للنظريات السياسيه الغربيه، أو حتى الشرقيه أيضا.
وهكذا اتى علم السياسة العربي بعيدا عن جملة العناصر المجتمعية التي استند عليها علم السياسة..
وبالتالي تجاهل المثقف العربي تطور الحالة المجتمعية العربية، كأساس، وأسقط التجربه الاوربيه على السياسه، لدرجة خلا مفهوم السياسيه العربيه من أي تصور عن السياق التاريخي العربي..
ولعل اول من تطرق لعلم سياسي عربي هو المرحوم الرئيس حافظ الاسد، حين حاول تقديم فهم سوري للسياده والحريه والبنيه السياسيه، بما يتلاءم مع الواقع المجتمعي العربي والسوري.
إن المفكرين العرب يتحدثون عن أعلام الفكر السياسي من افلاطون وارسطو وصولا لعصر النهضه وكانهم انبياء وقديسون.

3 • ثالثا - مع الاقرار بوجود أسس عامة لعلم السياسة، إلا أن لكل مجتمع تجربته، ويجب ان تنبع نظريته السياسيه من ضروراته المجتمعيه، طبقا لدرجه تطور المجتمع.

4 • رابعا- أفلست الديمقراطيات الغربيه، لينكشف خلف قناعها المزيف دكتاتوريه وتوحش غير مسبوقين. وهل يوجد من يقول أن أي مجتمع اوربي أو امريكي يقول أن السياسة تعبر عنه في تلك المجتمعات؟
واثبت الواقع ان الديمقراطيه، ليست سوى وسيلة تم استغباء الطبقات الاجتماعيه بها.
ففي بريطانيا مثلا ومتذ اكثر من 300سنه تتناوب الحكم اسرتان..
وبالرغم من وجود حزبين يبدوان متنافسين، إلا أنهما يقاومان وجود حزب سيلسي ثالث فاعل.
وفي امريكا ووفق اللعبة، نعم اللعبه، يتم انتخاب الرئيس باقل من عشرين ألف شخص. وهؤلاء يجب ان يكون لهم مركز اقتصادي بسوية كبيرة.

5 • خامسا - لدعاة نظام الشورى الإسلامي ووفقا لقواعده، يتم الإختيار من قبل العلماء، اي فقهاء الشريعه ولا يجوز اشراك الجهله فيما لا يعنيهم.
وهكذا نعود الى دكتاتوريه بسلطتين، زمنية وروحية.
و يبدو أن الديمقراطية، صارت عبئا على الجميع، على الاقل بصيغها المعروفة.

6 • سادسا - إن غياب مدرسة سياسية عربية، ألهب صراعات سياسية، تهدد بحرق المجتمعات العربية.

***

و فيما يلي تعقيب الشاعرة هيلانة عطا الله:

بوركتَ يا سعادة السفير د. بهجت سليمان على هذه الإضاءة التي تنهض بالوعي في زمن يسوده كيُّ الوعي..
هو الزمن الأمريكي المتوحش الذي يسعى إلى ابتلاع الأنظمة السياسية في الدول المستهدفة.. واسمح لي أن أضيف:

هناك من عرًّف السياسة بأنها إدارة شؤون الدولة داخلياً وخارجياً من خلال صناعة القرار وإلزام المجتمع بتنفيذه، مع متابعته والإشراف على مراحل تنفيذه، لذا فإن للسياسة طرفين: السلطة والمجتمع، أو بمعنى آخر الحاكم والمحكوم.أ هيلانة عطا الله
والطبيعي أن السلطة تستمد شرعيتها من دستور البلاد وعليها أن تكون أمينة في صناعة القرار، بما لا يتناقض مع مواد الدستور أو يلتف عليه، و بما يكفل تحقيق مصلحة الدولة والمواطن.

وقد تحفُّ بهذه الموضوعة حيثيات وظروف تحتم على النظام السياسي اتخاذ قرارات لا ترضي الجماهير في حينها، لأن لها أهدافاً تحقق المصلحة العامة في بعدها الاستراتيجي.
وفي مثل هذه الحالة قد تتعرض الحاكمية إلى تمرد شعبي أو عصيان، لكون الجماهير غالباً ما يسيطر عليها الانفعال والعاطفة، وتخف حدّة هذه الظاهرة الجدلية بين الطرفين بتوفر عنصر الثقة.

وعلى جانب آخر قد يتخذ النظام السياسي قرارات مجحفة، لأسباب عدة منها ضيق نظرته وتحليله للحالة التي استدعت اتخاذه لهذه القرارات، أو بسبب انتهازيته واستغلال حاكميته لمصالحه الضيقة، وفي أحيان أخرى بسبب عمالته لصالح أعداء الدولة, هذا فيما يتعلق بطرف المعادلة الأول وهو السلطة السياسية.

أما الطرف الآخر فهو المجتمع ساحة العمل السياسي، فبقدر ما يكون أفراده مؤطرين ضمن منظومات مدنية كالمنظمات والنقابات والهيئات الأهلية، بقدر ما تستقيم العلاقة بين الطرفين، بما يسهّل إنجاح العملية السياسية ويختصر زمن تنفيذها.
أضف إلى ذلك الأحزاب السياسية سواء كانت موالية للنظام السياسي أو معارضة له، بمعنى أنه لا يجوز أن يكون المجتمع على شكل تجمعات قطيعية وتحتاج لمن يسوقها.

وفي جميع الأحوال لا بد أن يتمتع أعضاء النظام السياسي بصفة مهمة، ألا وهي الصفة القيادية وخاصة في الدول النامية التي تكون في طور البناء، طبعا لا أعني أن يكون القائد سوبرماناً أو رسولاً مخلصاً، بل أعني الصفة القيادية الملتحمة بهموم المجتمع والناهضة بوعيه، وبالتالي تحوله إلى شريك لها في العملية السياسية على جميع الأصعدة، وخاصة على صعيد السياسة الاقتصادية.

في ظروف محددة تتعلق بالسياسة الخارجية للدولة، وعلى ضوء متلازمة البراغماتية السياسة، قد يتخذ النظام السياسي قراراً بإقامة علاقات مع دولة أخرى كانت على عداء مع دولته، مما يثير حفيظة الجماهير.
وبالمقاربة قد نرى مستقبلاً، رفضاً من بعض فئات الشعب العربي السوري لإعادة العلاقات مع بعض الدول العربية التي انخرطت في الحرب على سورية، هنا نكون أمام مفصل يستدعي الكثير من الحكمة والتدرج السلس أو ما يمكن تسميته سياسة الاحتواء.

ختاماً أستثني سورية من تطبيق المفاهيم السياسية العامة والمتعارف عليها دولياً، وذلك خلال فترة الحرب كما أستثنيها خلال سنوات ما بعد الحرب، بسبب استثنائية ظروفها في هاتين المرحلتين.
فرئيسها بحاكميته السياسية والعسكرية وفي حالة فريدة من نوعها، لم يعد فقط رئيساً بالمعنى الدستوري بقدر ما باتت تعتبره فئات الشعب رافعة حقيقية لوحدة سورية شعباً وأرضاً، وضمانةً لإخراجها من أتون هذه الحرب التي لم يشهد العالم مثيلاً لها على الأقل في العصر الحديث.

ونحن اليوم كم سمعنا شعبنا يدعو قائده الرئيس بشار الأسد لضرب الإرهاب والفساد بقبضة من حديد، وهذا النداء يعني فيما يعنيه أن الشعب العربي السوري واثق بقائده أولاً، وثانياً أنه يتقبل ما يسمى "دكتاتورية الدولة" في مثل هذه الظروف التي تواجه فيها مصيرها، فإما أن تُمسح هويتها وموقعها الجيوسياسي، أو أن تحقق انتصارها وتسترد قوتها من جديد.

***

كما عقبت الدكتورة رشا شعبان بما يلي:أ رشا شعبان

كل الشكر و الإمتنان حكيمنا الغالي لما تخصّه دائماََ في القراءات السياسية من رؤية نقدية تحليلية، تضعنا أمام وجوب إعادة النظر في كثير من الرؤى و المقولات و المفاهيم، التي تعاملنا معها بوصفها بداهات و مسلمات لا ريبية فيها، في حين كان علينا تفكيكها و تحليلها و إعادة الرؤى فيها في ضوء الواقع و المنعكسات الفكرية و التنظيرية.

نعم إن مقولة أرسطو في السياسة من حيث أنها فن الممكن, تحتاج إلى رؤية معمّقة و نقدية، بعيدة عن العرفية الإستسلامية في السياسة و العلاقة الاستلابية مع المقولات في تاريخ الفكر الفلسفي.

و لا شك أن الإشتغال على مجال ما، يقتضي رسم حدوده بتعيين ما يختصّ به و ما يفرّقه عما سواه.

و إذا كان من شأن الفلسفي فهم مجالات الممارسة بوجوهها فإنه عليه في حال اهتمامه بالمجال السياسي تحديداََ، بيان ما يعنيه "السياسي" بالذات و ما يميّزه عن الأخلاقي و الجمالي، في إطار فهمنا لعبارة "السياسة فن الممكن".

و لا يمكننا بلوغ التعريف السياسي دون أن نكون استخلصنا بادئ ذي بدء مقولاته الخصوصية و تحققنا منها، إذ للسياسي معاييره التي تشتغل بطريقة خاصة بها إزاء مختلف المجالات المستقلة نسبياََ، حيث تتجسد أفكار البشر و ممارساتهم، و بالخصوص إزاء المجال الأخلاقي و الجمالي و الاقتصادي.

إذن يتعيّن السياسي في التمييزات التي تخصّه، و التي قد يُردَّ إليها كل نشاط سياسي في المعنى المميز للكلمة.

ف الأخلاقي يمتلك ما يميّزه على الصعيد الأخلاقي في ثنائية الخير و الشر، و الجميل و القبيح على الصعيد الجمالي، و النافع و الضار أو المجدي و غير المجدي على الصعيد الاقتصادي.

و هنا ينتصب أمامنا السؤال حول معرفة ما إذا كان السياسي يمتلك معيارا بسيطا، يكون تمييزاََ من الطبيعة نفسها، مماثلاََ للتمييزات السابقة، تمييزاََ مستقلاََ و بالتالي بديهياََ في ذاته. و بالتالي معرفة أين يتمثّل التمييز؟

إن السياسي لا يمتلك قيمة التعريف الجامع المانع، لأنه بالأساس يفتقد تلك التقابلات الأخرى، ولا يمكن أن يُختزَل بها.
و هذا ما يدعونا للفصل بين الفن و السياسة، إنطلاقاََ من أن الفن هو فعل جمالي بامتياز.

نعم، علينا أن لا نقع في فخ توهم "السياسة الأخلاقية" بل إن هناك أخلاقاََ سياسية، من جهة أن السياسي هو ما يتمتّع بممارسة أفضل النشاطات، و هو النشاط النبيل الذي يمتلك القدرة على الإرتقاء نحو ما يجب أن يكون، و ليس وصف ما هو واقع فحسب، إنطلاقاََ من الحركة الإبداعية بين ما هو وجودي و ما هو وجوبي.

و لا نجانب الصواب، إذا ما أكدنا أن السياسة هي ذلك الفعل العقلي الذي يمتلك القواعد الصادرة عن العقل المستنير، الذي يعي الكيفية الأمثل لحماية الوجود الإنساني واقعاََ و مصيراََ.

هذه الحماية التي لا يتمّ لها وجود، إلا باستحالة الفصل بين الفعل السياسي و الواجب الأخلاقي ، لأن الذات الساسية على وجه الخصوص، هي الذات التي تتعيّن عبر العلاقة بالغير، و تلك علاقة قيمية بالأساس.
إذ ذاك تغدو السياسة فعلاََ يعقلن علاقتنا مع الواقع و العالم، عبر إنتاج منظومة تتوالف فيها الأفكار و الغايات و المصالح ، و تشترك و تتقاطع أو تتباين و تنفر في إتجاهات مختلفة، و لكن محددة المعالم و مفهومة الأسباب، و هنا تتعيّن معقوليتها و امتلاكها لقوانينها.

و إذا ما أردنا إعادة بناء المجال السياسي في العقل العربي، لا بدّ لنا من الإعتراف أننا لم نتمكّن من صياغة أسئلة التنظير السياسي، إنه الإعتراف الذي سوف يكون منطلقاََ لتحديد الإشكالية في علاقتنا مع السياسة، لأننا كنا مشدودين إلى برامج الإصلاح و الشعارات الدعاوية ، ذات الصبغة الإيديولوجيةوالمستعجلة، بحكم ارتباطها بحركات في مجال الصراع التاريخي، فظلّ الفكر يلهث وراء مستجدات الخطاب السياسي، دون أن يتمكن من بناء مشروع في النظر السياسي، المعبّر عن عمق وعيه بإشكالات السياسة.

نعم نحن مدعوون الآن، إلى التنظير السياسي النقدي الهادف إلى القطع مع اللغة السياسية العتيقة، و الممارسات العفوية الصادرة عن التبعية العمياء.

علينا أن نتحرر من الإطار المرجعي للسياسة و الذي كان ينوس بين الإسلاموية و الليبرالية، حيث عانى العقل السياسي العربي من داء الاختيارات المتناقضة، فما أكثر الأنظمة السياسية التي تتشبث ببعض قواعد المعتقد الليبرالي تحت غطاء الإسلام، و الأنظمة التي تمارس القهر الإجتماعي باسم العدالة الإجتماعية.

إن متطلبات اليقظة السياسية تتطلب الفصل بين السلطة السياسية و السلطة الدينية، داخل دائرة التفكير في الديمقراطية كممارسات سياسبة عقلانية، و كذلك لا بد ّ من الامتناع عن استعارة النماذج السياسية، و نقل المفاهيم و الشعارات، ف لا إنتاج عبر النقل و النسخ و التقليد، بل علينا تداول التجارب التاريخية و المفاهيم السياسية في إطار تاريخي نقدي، يساهم في إعادة إنتاجها و تدعيمها حسب مقتضيات و متطلبات الأوضاع السياسية التاريخية المتغيّرة.

نعم علينا كسر الوثوقية الجاهزة و الساذجة، عبر لزوم انجاز اجتهادات قادرة على استيعاب السياسي في دائرة جدلياته التاريخية و النظرية.

و طبعاََ لن نتمكن من بناء السياسي إلا بالاستعانةبدأيضاََ بتجارب الآخرين، دون نقل و نسخ كما سبق و أشرنا، و الظروف الجديدة التي تؤطر عالمنا السياسي اليوم، تحتّم علينا محاورة الآخرين، و التعلم من تجاربهم.
فالتجارب السياسية مهما تنوعت و اختلفت، تظل مشدودة إلى قواسم مشتركة، و القراءة النقدية التاريخية لكيفيات تشكل فضاء السياسي في علاقاته المعقدّة و المتداخلة مع صيرورة الدولة، و تطور المجتمع و الفكر و التاريخ، تمكننا من بناء ترتيب فضاء نظري سياسي جديد، فضاء يجعلنا ننفتح على ذاتنا و على الآخر..
بحيث يصبح دفاعنا عن استقلالنا و سيادتنا، فعلاََ إبداعياََ ذاتياََ، ينجز الأسئلة السياسية الواجبة و توافقاتها التاريخية و تدبيرها العقلاني.

كل المحبة و الإجلال لك أستاذي الدكتور بهجت سليمان، و أرجو أني تمكنت من الحوار مع بعض من أفكارك الثريّة.

***

في حين عقب الأستاذ غسان أديب المعلم بما يلي:أ غسان المعلم

[السياسة.. بين (فن الممكن.. و.. فن الكذب)]

تحية وسلام لجميع عشاق الوطن والانسانية ورواد هذا المنبر الجميل من أحبة وأصدقاء ولصاحبه الكريم.
..................................................

يقول "شارل ديغول" عن السياسة: هي فن استغلال الناس لأن الساسة لا سياسة لهم. والسياسي الناجح هو الذي يجيد التلون والتحول من اليمين الى اليسار، أو من موقع لآخر.

وبالتأكيد هذا الرأي قد يكون ممكنا، لكنه غير مقبول أو صحيح على المستوى الإنساني والأخلاقي.

ويعرف المستشار الألماني "أديناور" السياسة بالقول: هي معرفة التوقيت الصائب لضرب العدو أسفل الحزام بقليل.
ولهذا الرأي عديد من الموافقين والموافقات التي حدثت في عالمنا.

وهناك تعريف قد يكون مقبولا أكثر على مستوى التفكير بين أفراد المجتمع (الاحترافيين أو العامة على حد سواء)
ويقضي بأن السياسة هي العلاقة بين الحاكم والمحكوم . والسلطة العليا صاحبة القرار في المجتمعات الانسانية بعد التشاور أو ملامسة الواقع والظروف ومعرفة الامكانيات.

وقد ينطبق هذا التعريف على أي رب أسرة.. السياسة عمل وتخطيط للوصول الى هدف. وبذلك يصبح رب الأسرة سياسيا هاويا في القرارات، وقد يكتسب من خبرة الحياة احترافية عالية، قد تضعه فعلا في موقع اتخاذ قرار على مستوى أعلى.

وبالعودة للحديث عن التعريف وماهية السياسة وانطلاقا مما وصل إليه السرد للسياسة في سوريا.. هنا من الإجحاف تناول العمل السياسي الاحترافي في سوريا، قبل الحصول على السيادة.. باستثناء بعض المواقف الفردية (فارس الخوري.. صالح العلي.. سلطان الاطرش) مع حفظ الألقاب..
وكذلك فترات عدم الاستقرار التي مر بها الوطن وصولا لمدرسة سياسة احترافية حملت اسم الراحل الكبير "حافظ الأسد" بشهادة الأعداء قبل المحبين.

مدرسة اتسمت بالصدق والتناغم مع نبض الشارع واختياراته على مستوى بناء دولة وموقف وقرار حرب وسلم.. طبعا أتحدث عن سياسة قائد وليس عن (معتوهين في زمن القائد) من مسؤولين وإداريين يقال عنهم جزافا (سياسيين).

وبالعودة لكلمة المستشار الألماني في سردنا.. نرى وجه التشابه مع سياسة الأسد الكبير في مصطلح (حافة الهاوية) أو الضربة الأخيرة.
وتناغما مع الجانب الأخلاقي والإنساني، نجد توافقا مع إيجابيات هذه الجوانب، مع رضا وقبول شعبيجارف وخارج عن حدود الدولة، ليصل لعديد المؤيدين خارج نطاق السيادة.
وهنا يكمن الصدق والإيمان والشخصية بالوصول للهدف أو بتحقيق القبول من الشارع لهذا العمل.
بمعنى : من المتعارف عليه في وطننا بأن خريج العلوم السياسية هو سياسي.. والحقيقة أن هذا الخريج سيكون في موقعين لا ثالث لهما :
أستاذ قومية أو ملحق في سفارة ويتدرج بحسب العديد من الظروف للوصول لمرتبة سياسي بالشهادة.
لكن الأمر ليس كذلك مطلقا في المعنى.. فالعمل بالسياسة الاحترافية قد يكون بمحض صدفة وموقف، ومع استثناء الشهادة العلمية وتكون نابعة عن دهاء وحنكة وحكمة تكمن في ذات الشخص وعقله، وكذلك صدقه مع الناس وصوابية الموقف.

هنا نستطيع ضرب بعض الأمثلة من رواد هذه المدرسة وغيرها

سيادة الرئيس "بشار" كمثال سياسي.. خطاب ارتجالي متمكن، تاركا بعض الأوراق الثقيلة على الطاولة في عديد المؤتمرات والقمم، وكذلك الإجابة على عديد الأسئلة. والأهم قرارات المصير في الحرب والسلم والشجاعة في اختيار مواقف البقاء والتحدي..
كذلك "السيد حسن" عندما يقال عنه سياسي محنك رغم أن البعض يضعه في خانة قيادة من موقع ديني أو عسكري.. لكن على أرض الواقع هو سياسي ومحاور فريد بلغة ارتجالية، تصل بشكل احترافي للمحترف والهاوي بآن واحد.

هذه السمة في هذين المكانيين تعتمد على الصدق أولا والمحبة المتبادلة بين إنسان وإنسان وإلغاء دور الحاكمية والمحكوم.
هذا في القيادة من رأس الهرم السياسي.. مع وجود قاعدة احترافية جميلة جدا في هذا العمل، وصولا للمستوى الشعبي.
وأقصد بذلك الدبلوماسية القطبية المتجمدة الفريدة من نوعها بالعالم، مع كادر محترف كالمعلم والجعفري والمقداد وغيرهم.. مع اختلاف جوهري بسيط في رؤية الشارع الهاوي ونظرته للمسؤول الإداري بأنه سياسي.
وهنا يكمن الخطأ في الجمع بين السياسة كعمل عقلي مبدع خلاق صادق، وبين من يضع نفسه كسياسي، رغم وجوده كأداة في موقع سلطة تنفيذية أو تشريعية.

ودليل ذلك عدم تقبل الشارع للخطابات الخشبية التقليدية للعديد من الشخصيات ذات الطابع الإداري والمسؤول وليس السياسي .

أعود الى رب الأسرة الذي تكلمنا عنه كسياسي هاو في بداية السرد.

كل أب يتمنى أن يؤسس عائلة ويؤمن قوتها وحاجاتها وتحقيق الأمنية الشعبية بأن يرى ابنه (دكتور قد الدنيا). ومع ذلك يحدث الفشل ربما، ويكون الابن مجرد (دابة) تأكل وتشرب..
فهل كان دور رب الاسرة ناقصا أم أن عوامل الكمالية المرادفة كعائلة من أم وعم وخال وجد وأخ وجار بالمونة.. الخ كان السبب مع عقل الابن و ما رافق مسيرته من رفاق سوء ومنهج خاطئ؟

إذن.. العمل السياسي أمر، وتنفيذ المخطط أمر آخر وسياسة مغايرة وغير خلاقة أو إنسانية.
بمعنى تناقض تعاريف ماهية السياسة، ينطبق بين الصدق والكذب على الكثير من السياسيين في مختلف دوائر صنع القرار.

تحية لربان السفينة وقائدها لبر الأمان مع قاعدته الشعبية، ولأولئك الرجال السياسيين الذين (لهم في الموت فلسفة) رجال الحق رجال الجيش المغوار... بعيدا عن منافقي شارل ديغول وأتباعه

رأي شخصي قابل للحوار والرفض والقبول. وعذرا للإطالة..
والشكر لصاحب هذا المنبر الراقي والرواد الغيارى.
سوريا لك السلام.

***

أما الشاعر ياسين الرزوق زيوس فقد كتب التعقيب التالي:أ ياسين الرزوق1

في سلاسلك لن أكون مكيافيلياً في تعريف السياسة و لن أقوم منها بها بعد تعثري بكل سياسات العالم ما بين كذبة الممكن و أسطورة المستحيل كي لا أصل إلى زيف إدارة الحدث فالحدث الذي لا تديره السياسات الهيغيلية الذي قال متحدثاً كيف تشيخ الروح و الحياة في زمن متلاطم الوجود بالسياسات المعرفة باللاتعريف و المعنونة باللاوجود في أبجديات الحيرة و التناقضات:
"حين ترسم الفلسفة لوحتها الرمادية فتضع لوناً رمادياً فوق لونٍ رماديّ فإن ذلك يكون إيذاناً بأن صورة من صور الحياة قد شاخت!"
و كما قلنا هذا الحدث الذي لا تديره السياسات الهيغيلية لن يكون رمادياً أكثر من رمادية ما نعيشه و ما نمر به و فيه و ما نتعرض له من هجمات وجودية تفرض علينا الخروج من كل مذهب رمادي لربط السياسة مباشرة بالوجود فالسياسة ليست فن الكذب و ليست على مذهب أرسطو في أنها الممكن بل هي المستحيل الذي يحضر بيننا كي نعيشه فنبرز القدرة على عدم التلاشي به و فيه!
يقول ماكس فيبر: "هناك طريقتان لممارسة السياسة فإما أن نعيش من أجلها و إما أن نعيش منها!"
و للأسف في ظل الارتزاق الذي نعيشه باتت السياسة احترافية المرتزقين العالميين و لكن ليسوا المرتزقة الصغار بل المرتزقة الذين يبتلعون كالحيتان كل شيء و يهضمون كل حق حي من حقوق الشعوب كي لا تبقى بأبجديات الكرامة حية تؤرق عيشتهم و تفضح تصرفاتهم و قذارتهم هم من يتاجرون بالإنسان تحت عناوين سياسية و يغرقونه تحت عناوين تحت سياسية و فوق سياسية و جنب سياسية!
لن أكون مع لوك و هوبز في إسقاطات المستحيل السياسي الحداثي أو الإمكانيات السياسية الحداثية أو السياسة الحداثية كشأن عام أو السياسة كحرفة يتقنها رواد التنظيم و الفوضى على حدٍّ سواء....
إن البنى التي تحدث عنها ألموند و كولمان و الأدوار التي رسمت و الوظائف الهاضمة للسلطات و النظام السياسي و الثقافة السياسية الهاضمتين للدولة و للراي العام الذي في مجتمعات الشرق قبل الغرب يخضع للمزاجية السياسية الرعناء التي لم يدرك بها الرأي العام معنى الثقافة السياسية و لم تدرك بها الأنظمة السياسية معنى الدولة العميق ستنهار ذات حقيقة سياسية مدركة أو غير مدركة!
إن من يجير السياسة التي باتت رمضاء بالنار ليس محترفاً و ليس مدركاً فن السيادة فالسيادة هي انطلاقة القوى العميقة و الطافية الباطنيةو الظاهرة لتعريف كل السياسات سواء كانت نوموثيتيك أو إيديوغرافيك او إيديوغرام أو بكل تعريف لغوي مجتمعي متغير ما بين لهجة توتر و لهجة تصعيد و لهجة خفضهما مصالحياً و توازنياً!
إن الرئيس العملاق في إسقاط معاني الواقعية السياسية و سيادة السياسة و سياسة السيادة الدكتور بشار حافظ الأسد رئيس سورية لم يعد متنقلاً بين فنون الممكن و المستحيل فحسب بقدرته على إدارة الحدث بل أضحى أيقونة سياسات عالمية تحررية تبحث عن تعريف الدهاء السياسي و العبقرية السياسية على صعيد العالم بأسره.
و الرئيس بشار الأسد يدرك و هو يمسك خيوط الواقعية في اللعبة السياسية إعجاز القرار الدولي و عجزه مما يجعله في فسحة التحول ما بين قفزة و أخرى.
كما أن الرئيس الأسد لن يترك الفراغات الداخلية تستفحل لتعطي الدلالة لدى الشعب أن الأحداث التي تدار إنما تدار بفوضى الفساد أو بفساد الفوضى أو بتنظيم الفساد بالفوضى و سيعمل بكل ما أوتي من قدرات سياسية على إغراق السياسات بالمعاني قبل تعاريفها كي يعيد سورية إلى ألق الحداثة و التغيير ما بين الممكن و المستحيل أو لربما فوقهما بأشواط....
بوركت و دامت السياسة الوطنية زخراً في سلاسلك دكتورنا الغالي بهجت سليمان
.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

June 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
27 28 29 30 31 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
عدد الزيارات
3190130