الصفحة الرئيسية
n.png

الأدب كمرآة للواقع.. "ليل العبيد" لممدوح عدوان انموذجاً

أُبيّ حسن

لجأ أدباء عرب معاصرون إلى التاريخ, بغية محاورته و مساءلته, إسهاماً في معالجة مشاكل الواقع بتسليط الضوء عليه من خلال إيجاد معادل تاريخي له, فحين كتب جمال الغيطاني -مثلاً- عن المستبد رحّل موضوعه إلى القرن السادس عشر, و سبق لمحمود الورداني أن عالج واقعا ارتآه بكتابته عن مرحلة تعود إلى زمن سيد الشهداء (الحسين بن علي), و لم يكن المسرح العربي, بحال من الأحوال, بمنأى عما يجري في محيطه الزمكاني, فعالج سعد الله ونوس ما كان قد أفرزه أو "استنسخه" واقعه المتردي في أكثر من مسرحية وجدت لها صدى في التاريخ كـ"مغارة رأس  المملوك جابر" و "الملك هو الملك" و غيرها, كما استقرأ ممدوح عدوان واقعه  بتناول العديد من الأعمال التاريخية  ذات الصبغة الإسلامية,  ظهر ذلك في العديد من مسرحياته منها "كيف تركت السيف؟" و "محاكمة الرجل الذي لم يحارب" و "ليل العبيد", أما الكاتب المسرحي طلال نصر الدين فقد رأى راهنه في زمن "عمر بن عبد العزيز".أ ممدوح عدوان
السؤال الآن: إذا كان هذا الكم الهائل من الأعمال الإبداعية المعاصرة قد وجد له معادلا موضوعيا في التاريخ(الإسلاموي) ترى ما الذي تغير في تاريخنا إذاً؟ و أين هي مكامن الجدة فيه؟ و من ثم ما هو التاريخ و ماذا يعني بالنسبة لنا من حيث درجة استيعابنا و إدراكنا له كنتاج بشري و حراك اجتماعي يسهم في إنتاجه أفراد المجتمع المعني بافتراض أنهم حملة التاريخ و مادته, لا تاريخ جامدا يقوم على الشخصانية و الفردانية التي تلغي ما قبلها ليبدأ معها (وحدها) التاريخ, وبالتأكيد ينتهي معها, والسؤال هنا ينطوي, حتما, على مدى إمكانية إنتاجنا للمعرفة بطريقة أوتوماتيكية و من ثم مواكبة التطور و الارتقاء إراديا بما يخولنا أن نكون فاعلين حضاريا و ثقافيا لا منفعلين؟
و من صميم تلك الأسئلة يلد سؤال آخر لا يقل مشروعية و أهمية عما سبقه, و هو سبب وصولنا إلى هذا الحضيض الذي هو قطعا إحدى "ثمار" الاستبداد؟
للإجابة على  الأسئلة سابقة الذكر, أو بعضها, سألجأ إلى مسرحية "ليل العبيد" لأسباب عدة, منها أن العنوان بحد ذاته لايزال قابلا للإسقاط على الواقع, سواء أكان في مفردة "الليل" الحاضرة بقوة في راهننا أم "العبيد" الذين لم يقدر لهم الارتقاء إلى درجة المواطنة بعد, بفعل الكثافة التاريخية للاستبداد المنتج الشرعي لتاريخ الفرد ما يعني مسخه لصيرورة المجتمع -أي مجتمع- و بالتالي اخصاءه لسيرورة هذا المجتمع أو ذاك لحساب الفرد.
تعرض المسرحية لأبطال يشكلون بانوراما تمثّل الاتجاهات الفكرية و السياسية و الثقافية التي كانت سائدة قبل ظهور البعثة النبوية الشريفة و ما بعدها بقليل, و يُبرز المُؤلّف خارطة القوى الاقتصادية المهيمنة على رأس المال, في محاولة لفهم لحظة من لحظات التاريخ.
و من تلك الشخصيات الفاعلة مسرحياً بعض من رأى فيهم محمد عابد الجابري أنهم يمثلون الجانب الراديكالي في الإسلام كبلال بن رباح الذي مات و هو يحلم بإقامة دولة الحق بوجود الإسلام (معادلها الموضوعي دولة القانون), الحطيئة كممثل لشخصية المثقف العربي بوضعه الحالي و نده الشاعر حسان بن ثابت, و وحشي المتطوع لقتل حمزة بن عبد المطلب, إضافة إلى هند و زوجها أبي  سفيان الطامع إلى استلاب ملك يعود بموجبه إلى دائرة الضوء ولو كان على حساب فساد مجتمع لم يزل في طور تحضره و تمدنه. و تحمل هذه الشخصيات, و غيرها, من خلال تفاعلها و صراعها مع واقعها المتناقض الكثير من دلالات تظهر أن القضايا التي جاء الإسلام من أجلها هي ذاتها القضايا التي تفرض نفسها على العقل العربي المعاصر.
فبعد أن أصبح للإسلام دولة, بمقاييس ذلك العصر, كما يقول بلال الراديكالي (حسب الجابري) الممسرح عدوانيا: "في البدء لم يكن يأتي إلى الإسلام إلا المؤمنون به, الآن بعد أن أصبح الإسلام دولة يأتي إليه الكثيرون, يأتي من يريد أن ينتفع به أو من يريد أن يستثمره أو يحوره لصالحه أو ليتسلط عليه و يحكم بإسمه", شكوى بلال هذه تضعنا مباشرة بموازاة الأحزاب المعاصرة التي وصلت إلى السلطة في بلدانها و نيتها تحقيق أقصى درجات العدالة فإذا بها تحقق أقصى درجات اللاعدالة, و ربما هذا ما يفسر لنا أيضا تخوف وحشي الذي يفضح لبلال هواجسه: "أن الأغنياء يريدون أن يغتنموا فرصة انتصاركم ليتغلغوا في دينكم".
و تكسف المسرحية عن صراع بين ثقافتين متناقضتين في مصالحهما و آلية التفكير, و هذا ما نلمسه في حوار بين هند و بلال إذ تقول له: "هكذا تفهمون الإسلام. تكاتف العبيد و الهجناء و الصعاليك و ضائعي الأنساب لاقتناص سيادة العرب". فيجيبها بلال: "نحن لسنا طامعين بالسيادة, لكننا لن نظل عبيداً, نحن طامعون بالكرامة".
و لعل الجدلية سابقة الذكر, هي ذاتها الجدلية الماثلة في راهننا! و في هذا الجانب نجد أن التاريخ لدينا لم يتغير.
ليس حلم بلال (مسرحياً) وحده فقط لم يتحقق, بل أحلام العبيد جميعهم لن ترى النور, و سيجدون أنفسهم أمام نفوذ قوة المال التي أعادت ترتيب نمط عالم العبيد وفق ما تقتضيه مصالحها, تماما كما أعادت "النخب" الحاكمة ترتيب نمط حياتنا وفق مصالحها.
 هذه الخيبة المريرة تدفع بهجّاء كالحطيئة أن يقول لوحشي بتهكم: "ها أنت حر في أن تموت جوعاً. هذه هي حريتك الوحيدة الآن". قد تنقصنا نحن هذه الحرية لصالح الموت جبراً و قهراً.
وحشي الذي قتل حمزة كي يستطيع أن يتأمل حرائر العرب بمنتهى حريته, وكي تأمره هند فيخدمها كالعبد, و الراغب في أن تخترق عيون الناس سواد وجهه ليروا تحته إنسانا مثلهم, لن يظفر بشيء من هذه الحرية سوى أنه تحرر من سيادة جبير (سيده) ليقع تحت سيادة الناس كلهم, ليصل به الأمر و هو في حالة يأس و إحباط و سكر إلى أن يعرض نفسه للبيع, مثله في ذلك مثل الثوار الأوائل الذين ناضلوا ضد "المستعمر".
وعوداً على بدء, فإن شيئاً جديداً, ربما, لم يطرا على تاريخنا, إذ هي التراجيديا ذاتها تعيد إنتاج نفسها في البلاد العربية و الإسلامية, إلى درجة نتذكر معها في هذا السياق المقولة الشهيرة لصادق جلال العظم "ذلك الماضي الذي لا يمضي", و هنا نردد متسائلين: لماذا ما يزال ماضينا في جوهره هو ذاته حاضرنا؟

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

June 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
27 28 29 30 31 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
عدد الزيارات
3190135