الصفحة الرئيسية

التّطوير الاقتصاديّ السّوريّ.. "المنفعة" و "المنفعة المباشرة".. و استراتيجيّات البنى التّحتيّة

[الحلقة الثامنة والخمسون "58“ من "سلسلة الفكر الإستراتيجي"] عن:أ بهجت سليمان في دمشق

{التّطوير الاقتصاديّ السّوريّ}


("المنفعة" و "المنفعة المباشرة".. و استراتيجيّات البنى التّحتيّة)

● د. بهجت سليمان

يصعب كثيراً أن تشقّ المجتمعاتُ و الدّولُ الفقيرة، إن لم يكن مستحيلاً، نظامَها الاقتصاديّ الخاصّ، في عالمٍ تسري قوانينه الاقتصاديّة في الإنتاج و الصّناعة و التّبادل و التّوزيع و الاستهلاك على الجميع..
انطلاقاً من أنّ "الأقوى" صناعيّاً و اقتصاديّاً هو من يفرض شكل العلاقات الدّوليّة المتعلّقة بالشّؤون الاقتصاديّة..
كما أنّه، بالتّساوي، هو من يفرض شروطه السّياسيّة في إطار نظام عالميّ معولم و "صغير".. يجري التّحكّم به عن بعد و عن قرب من قبل أباطرة المال و رأس المال الصّناعيّ الإنتاجيّ العالميّ، و احتكاراته في أشكالها المعروفة و المتعدّدة.

بُضاف إلى ذلك تلك الخيارات "الوطنيّة" المغلّفة بالشّروط الدّوليّة و الاتّفاقيّات و المعاهدات العالميّة، و المبطّنة بالمصالح السّياسيّة و الماليّة الخاصّة للحكومات "الوطنيّة" الصّغيرة المعولمة، و المرتبطة برابط علنيّ و سرّيّ بمراكز القرار الاقتصاديّ العالميّ، صانع السّياسات المختلفة و مدبّر أشكال الحكم في الدّول التّابعة، و مؤطر آفاق الاقتصادات المحلّيّة الضّعيفة بإطارٍ متين..
عاملاً بذلك على إلحاق هذه الأنظمة، بمضامينها السّياسيّة و الاقتصاديّة، بالدّول الاقتصاديّة الكبرى و الاقتصادات الاحتكاريّة الرّائدة في العالم، في مركز أو في مراكز النّظام الإمبرياليّ العالميّ القائم على الاستغلال و النّفوذ.

إنّ تجاهل السّمات العامّة للرأسماليّة المعاصرة و احتكاراتها للنّفوذ الاقتصاديّ العالميّ، يدخل في إطار الطّوباويّات السّياسيّة التي تُنكر مفاعيل عصر الإمبرياليّة المتعاظم على أساس الاستثمار الشّديد و الجائر من قبل مركز أو مراكز النّظام العالميّ المعاصر الذي تزداد فيه الإفقارات المتعمّدة، حدّة و سطوة، لدول و مجتمعات الأطراف المنبوذة و المهمّشة، في هذا النّظام.

لذلك كان من الطّبيعيّ أن تنطلق أيّة دراسة للواقع الاقتصاديّ في البلدان الخاضعة لقوانين التّخلّف من واقع الاقتصادات التّبعيّة، التي لم تستطع أن تحقّق معدّلات النّمو الكفيلة بالعيش الاجتماعيّ، في حدّه الأدنى من الإنتاج و الاستهلاك و الرّفاهيّة المعاصرة كالتي تسود، واقعيّاً، مجتمعات الدّول ذات الحظوة الاقتصاديّة في معدّلات النّمو و الاستهلاك.

ينضاف إلى تلك العوامل التي تفسّر آليّات الاقتصادات التّابعة أو المتخلّفة ، ذلك العامل الذّاتيّ الذي يجعل النّظام الإمبرياليّ العالميّ نظاماً "مُوَطّناً" داخليّاً ، في الدّول ذات الاقتصادات الضّئيلة ، عندما تكون البنية الدّاخليّة لهذه الدّول ، بنية إشكاليّة و مريضة و فاسدة ..
بحيث لا تتحقّق شروط الانسجام ما بين ضرورات البناء الاقتصاديّ الذّاتيّ ، الحدّيّة و الحادّة ، و بين كتلة الموارد البشريّة المندمجة عضويّاً مع النّظام الإمبرياليّ العالميّ ، عن طريق ثقافتها "المُعَولمة" بواسطة السّلوك الرّيعيّ المستَلَب و التّابع ، المُمَارَس بواسطة ديناميّات كولونياليّة ، جوهرها هو هذه الإلحاقيّة الكومبرادوريّة العضويّة من حيث عدم ارتباطها الوطنيّ بمشروع تحرّريّ بورجوازيّ ( أو حتّى ليبيراليّ ) وطنيّ خاصّ ؛
ناهيك عن بعدها الطّبقيّ الأصليّ عن انتماءاتها الاجتماعيّة إلى الكتلة البشريّة الكبيرة التي وقعت في كماشة فكّ الاستغلال المحلّيّ "الوطنيّ" الدّاخليّ ، من جهة ؛ و فكّ خضوعها الموضوعيّ لقوانين استثمار السّوق العالميّة و آليّاتها غير الإنسانيّة ، من جهة ثانية .

يكاد يكون تطوير معالم و أسس العامل "الوطنيّ" الدّاخليّ في مسألة "التّغيير الاقتصاديّ" ، على صعوبات ذلك ، الحلّ الضّروريّ و الأمثل من خلال اتّباع سياسات اقتصاديّة تنمويّة حقيقيّة ، بما تبدأ به هذه السّياسات من وضوح في الرّؤية و انتماء إلى المصلحة الوطنيّة في تحقيق الهويّة الاقتصاديّة الخاصّة التي تنطلق أسسها و مقوّماتها من خلال اقتصاد وطنيّ ، يتحدّد بعمق و أصالة المتغيّرات الفلسفيّة للاقتصاد السّياسيّ الذي يحدّد معالم العلاقات الاقتصاديّة و الاجتماعيّة في المشروع الوطنيّ ؛

و هو ما يعني ، أوّلاً ، سياسات خاصّة للرّدع الشّخصيّ و الفرديّ على مستوى العامل البشريّ الاقتصاديّ ، الحيّ و المشخّص ، من بين سائر العوامل و المقوّمات الأخرى في التّغيير الاقتصاديّ الوطنيّ ؛

و هو ما يعني ، ثانياً ، عقلانيّة المشاريع الاقتصاديّة الواقعيّة التي تسمح ، بطبيعتها و حجمها و أهدافها ، بتناول "الجوهر" التّنمويّ المتمثّل بقطاع اقتصاديّ زراعيّ و صناعيّ ثقيل يبدأ ، ما أمكن ، بإنتاج "وسائل الإنتاج" الكفيلة بإنتاجات كفائيّة أساسيّة تؤسّس لباقي الإنتاجات الفرعيّة و البديلة ، و التي تضع في أهدافها الأوّليّة أولويّات اقتصاديّة تحتيّة قادرة على تحقيق عناصر قرار الاستقلال الاقتصاديّ و السّياسيّ الوطنيّ .

لقد تركت "الحرب" آثارها المدمّرة لاقتصادات السّوق السّوريّة و معالمها التي بدأت قبل الحرب ، بحيث أصبحنا في واقع جديد من الصّعوبات الكأداء التي تعمل دون انطلاقتنا الاقتصاديّة المتوازنة من جديد .

و حيث ضاقت "الخيارات" الاقتصاديّة أمام السّياسات الوطنيّة ، تبرز مسألة "الأفضليّات" و تنظيم مفاضلات الأولويّات ، على أنّها مسألة حسّاسة جدّاً ، ترتّب مسؤوليّات سياسيّة كبيرة ، في معرض اختيار التّوجّه الاقتصاديّ الكفيل بالتأسيس ، مجدّداً لمعالم هويّة اقتصاديّة وطنيّة ، تساهم في تجاوز آثار هذه الحرب ، تجاوزاً ممكناً و "سريعاً" ، نسبيّاً ؛

و هذا الأمر يتعلّق ، بجوهره ، بطبيعة و شكل "الاقتصاد" و القوانين الاقتصاديّة الوطنيّة التي ستحكم هذا التّجاوز و هذا التّطوير .

و مهما كان الشّكل "الموضوعيّ" المفروض للخيارات الوطنيّة الاقتصاديّة السّوريّة ، من حيث الضّرورات التّاريخيّة التي ستفرض نفسها على الاقتصاد السّوريّ المعاصر ؛
و مهما كانت درجة الحاجات في التّنازلات التّاريخيّة الاقتصاديّة ، و هي حاجات واقعيّة لا تمنعها الرّغبات الطّوباويّة ؛
و مهما كانت الفلسفة الاقتصاديّة ، هجينة و غير محسومة بهوّيّتها الوطنيّة الخالصة ، لأسباب موضوعيّة يفهما الجميع في مرحلة "إعادة البناء" ؛

فإنّه ، أيضاً ، من غير المُسَوَّغ أن لا يكون هذا الظّرف التّاريخيّ الحاكم ، ظرفاً مؤطّراً برؤية اقتصاديّة دقيقة و فلسفة اقتصاديّة واضحة ، على المستقبل الاجتماعيّ ، من حيث التّمسّك بالخيارات الوطنيّة الاقتصاديّة المستقلّة ، من حيث المبدأ ، و الرّامية إلى الاحتفاظ بالهويّة الوطنيّة ، بعيداً عن الإلحاق المباشر بعجلة الاقتصادات المَدِينَةِ للمؤسّسات الاقتصاديّة و النّقديّة الإمبرياليّة و المعروفة في اقتصاد العالم .

ليسَ من الضّرورة ، و لا بأيٍّ من الأحوال ، أن يكون خياراً أساسيّاً التّحوّل إلى اقتصاد السّوق العالميّة الإمبرياليّة ، بحيث تصبح (سورية) مفصلاً من مفاصل الانسجام الحدّيّ و المباشر و الأساسيّ للنّظام الرّأسماليّ العالميّ ؛

في حين أنّ علينا في ( سورية ) أن نبقى جزءاً أساسيّاً و تاريخيّاً من التناقض السياسيّ المتواجه بين مركز "النّظام" و أطرافه ؛

و أعني أنّه علينا الالتحاق بمنظومة "الأطراف" ، التحاقاً سياسيّاً ، مخطَّطاً و مقصوداً ، و أن نساهم في تعميق هذا التّناقض العالميّ القائم بين "المركز" و "الأطراف" ، بدلاً من أن نكون هامشيين ، على هامش كلّ منهما ، فنفقد هوّيّتنا ، و بالتّالي نخرج نهائيّاً من هذه "المعادلة" العالميّة ، كأيّة دولة "وظيفيّة" ، افتراضيّة و تابعة ، في هذه "المنطقة" الحسّاسة من العالم .

لن نخوض ، بإسهاب ، و لو أنّه من الضّرورة التّذكير ، بأنّ القرار السّياسيّ المستقلّ ، و الذي هو سمة خاصّة من سمات الدّولة الوطنيّة السّوريّة ، إنّما هو قرار مستقلّ بقدر ما يعكس ، أيضاً ، هويّة اقتصاديّة مستقلّة ، و يعمل على تطوير هذه الاستقلاليّة الاقتصاديّة ، باستمرار .

من الواضح أنّ "الاستقطاب" السّياسيّ العالميّ ، هو ، اليومَ ، في أشدّ و أعمق صوره السّياسيّة ؛ و هذا يفترض ، بالتّبعيّة ، استقطاباً اقتصاديّاً و اجتماعيّاً ، أيضا ؛
و هو ما يتحقّق ، قبل كلّ شيء آخر ، بالتّوجّهات الاقتصاديّة و الماليّة و الإنتاجيّة ، لدول الأقطاب ، و مواقفها الأساسيّة من البنية الدّاخليّة البنائيّة للدّولة و المجتمع ، و من البنية الخارجيّة المحدِّدَة لنظام العالم المعاصر .

من المفهوم كيف أنّ "الملكيّة الاجتماعيّة" للإنتاج و لوسائل الإنتاج ، في القانون الاقتصاديّ العام ، هي التي تحدّد واقع علاقة الدّولة بالمجتمع ، كما تحدّد السّياسات الاقتصاديّة الخارجيّة ، و بالتّالي علاقات "الدّولة" بالدّول الأخرى في العالم ؛

إلّا أنّه من غير المفهوم ، أو المعروف ، عند الجميع ، بالشّكل العام ،أنّ هذه "الملكيّة الاجتماعيّة" لا يمكن أن تكون كذلك ، ما لم تكن "نتاجاً تدريجيّاً" للتّحرّر الاجتماعيّ ، أو "لتحرّر المواطنين" و تطوّرهم الثّقافيّ و السّياسيّ ، أيضاً ؛
و أنّهم ، عندما يكونون سادة حقيقيين فعليين للنّظام الاجتماعيّ العام ، و الذي هو ، نفسه ، هو "نظام الدّولة" العامّ .. " ..
أنّهم هم الذين يضعون ، على جميع المستويات – من المحلّيّ إلى الدّولة – مهمّات الإدارة ، و الخيار ، و القرارات ، بصورة حرّة تماماً" .

[ انظر : سمير أمين . الاقتصاد السّياسيّ للتّنمية ]

و يعكس هذا الحديث ، تلك الدّرجة من التّطوّر المتوازي و المتجانس لِ"الاجتماعيّ" و "الاقتصاديّ" و "السّياسيّ" ، و على درجة واحدة ، أو متكافئة ، على الأقلّ ، بين هذه العوامل أو الجوانب المختلفة ، في مسيرة التّطوّر و "التّغيير الاقتصاديّ" .

أثبت "اقتصاد السّوق" ، الاجتماعيّ و غير الاجتماعيّ ، أنّه نظامٌ فاشلٌ ، و بخاصّة في الدّول التي لم تحقّق معدّلات كافية من التّنمية الاقتصاديّة ، لكونه ، بطبيعته ، "نظاماً" مرادفاً لعدم الاستقرار ؛

و هو ما دفع بالإنكليزيّ المعاصر ( جون مينارد كينز) ، على رغم أنّه مفكّر اقتصاديّ رأسمالي ، القول بعبثيّة "الخطاب الّليبيراليّ" الاقتصاديّ ، و بأنّ الأسواق تنفجر إذا تركت لنفسها ، ما دعاه إلى القول بضرورة "الاقتصاد التّدخّليّ" من قبل الدّولة ، و التّشارك بين القطاعين "العامّ" و "الخاصّ" (الاقتصاد المخطّط) ، أو ما يُعرف بالاقتصاد "المختلط" ، و تدخّل الدّولة المباشر .

[ جون مينارد كينز (1883- 1946م) ، و نظريّته الاقتصاديّة معروفة : Keynesian economics] ؛

حيث ركّزت ، فيما بعد ، "الكينزيّة التّاريخيّة" (بعد عام 1945م ، و نهاية الحرب العالميّة الثّانية ، و قيام "مشروع مارشال" منذ عام 1947م ، الخاصّ بإعادة تعمير أوربّا بعد "الحرب") ، على مبدأين أساسيين ، هما : مبدأ تضبيط الأسواق ، و مبدأ تدخّل الدّولة لهذا الغرض .

يميل المثقّفون التّقدّميّون الغربيّون [ و يقع ، أيضاً ، حتّى ( سمير أمين ) ، المفكّر الاقتصاديّ الكبير ، بهذا الخلط . انظر : ص(65- 70) من المصدر المذكور أعلاه ] إلى ربط "الدّيموقراطيّة" بالتّنمية ؛
مع أنّهم ، عندما يُقرّون طبيعة النّظام الرّأسماليّ القائم على "الملكيّة الخاصّة" بشكل "موسّع" ، نسبيّاً ، فإنّهم ، بالتّوازي ، يُشرّعون مبدأ التّفاوت الاجتماعيّ الاقتصاديّ ، و أعني أنّهم عندما يُقرّون بالملكيّة الخاصّة ، فإنّهم تلقائيّاً يُقرّون بأن هنالك "من لا يملك" ؛
و هكذا فإنّهم ينسفون أساس "الدّيموقراطيّة" و أساس "التّنمية" ، معاً ، و في وقت واحد ؛
ليعود ربطهم بين "الدّيموقراطيّة" و "التّنمية" ، ربطاً غير واقعيّ و غير صحيح ، لا سيّما أنّ الكثير من "المجتمعات الغربيّة" ، إن لم تكن كلّها ، قد حقّقت فيها ، دولها ، مبدأ "التّنمية" تحقيقاً وافراً ، إذا نظرنا إلى "التّنمية" على أنّها تحقيق للوفرة المادّيّة .

و في رأينا ، فإنّ "التّنمية" مبدأ اقتصاديّ و اجتماعيّ ، أوّلاً ؛ على حين أنّ الدّيموقراطيّة ، بالأساس ، مفهوم سياسيّ ، ما لم يكن مضمونها مضموناً ليبيراليّاً اقتصاديّاً في الأساس ؛
و أعني أنّ "الدّيموقراطيّة" و "التّنمية" ، على خلاف ما يراه بعض الاقتصاديين السّياسيين المرموقين ، إنّما هما مبدآن متراكبان أو متناضدان ، و ليسا مبدأين متناظرين أو متكافئين أو متساوقين ؛
بمعنى أنّهما يتحققان تباعاً ، و لكن على أن تكون "التّنميّة" هي السّابقة ، و هي شرط أساسيّ للتّكافؤ الاجتماعيّ المؤدّي إلى "الدّيموقراطيّة" .
و نرى أنّه ، ربّما ، من الأفضل أن نتحدّث ، في هذا السّياق ، عن ضرورات مبدأ "التّرشيد" ؛

إذ لا يعني التّرشيدُ ، دائماً ، ما ينصرف إلى فهمه العموميّ و أعني "التّوفير" و "التّعقّل" في الاستخدام و "العقلانيّة" في الاستهلاك ؛ فهذا هو الجانب "السّلبيّ" من التّرشيد ، و حسب ؛

بل يمتدّ مضمون هذه الدّلالة إلى "العقلانيّة" في تشغيل و استثمار "الموارد" ، أوّلاً ، و العدالة في التّوزيع ، في المحلّ الثّاني ؛ و هذا هو الجانب الإيجابيّ في فلسفة التّرشيد الاقتصاديّة ، الذي يمنح التّرشيد قيمته الكاملة .

و ليس من النّافل ، على ما يبدو ، القول إنّه لا حداثة أو تحديث اقتصاديّ من دون "التّرشيد" الجدّيّ "للحسابات الجارية المفتوحة"أمام البعض ، من شاغلي المؤسّسات العموميّة ، بما في ذلك الوقوف على آليّات الفساد ، بوضوح و جرأة ، و تحطيمها نهائيّاً في كل مكان "مفصليّ" أساسيّ لآلة الفساد المؤسّسيّة ، التي جاوزت حدودها ما يمكن السّكوت عليه أو اعتباره من ضرورات الولاء السّياسيّ ؛

إذ أنّ ثمّة البعض ، في كلّ مجتمع ، من المشتغلين في ظلال الشّأن العام و في جيوب المؤسّسات النّظاميّة ، من لا يُبادل بالحرفيّة و القدرة على العمل و الإخلاص و التّفاني العام ، الوفاءَ و الولاءَ المزعومين . إنّ الإخلاص في العمل هو بذاته ولاءٌ للوطن و وفاءٌ للدّولة و العَلَم .

يتوقّف نجاح اقتصاد الدّولة و عدالته في العصر الحديث ، على قدرة القطاع الحكوميّ (القطاع العام) على قيادة عمليّة الإنتاج و ملكيّته لوسائل الإنتاج الأساسيّة و تحرّر قوى الإنتاج (قوى العمل و أدوات الإنتاج) من الاستغلال الرّأسماليّ الصّريح للعمل و العمّال و ذوي الدّخل المحدود ؛

و ينافحُ البعض من أصحاب النّظرة الاقتصاديّة "الحرّة" ، ضدّهذه "النّظريّة" ، كما هو معروف ، مفضّلين إعطاء الأولويّة للسّوق الذي يقوم بدوره بتنظيم آليّات الاقتصاد في دورة "رأس المال" النّهائيّة من "عرض" و "طلب" ، و يؤيّدون تشجيع رأس المال الخاصّ على الإنتاج و التّحكّم بمصائر اقتصادات الدّولة ، و يرون في "أسلوب الإنتاج" ، هذا ، الأفضليّة بين مختلف أساليب الإنتاج الأخرى .

غير أنّ الوقائع الحقيقيّة ، في مختلف الدّول و المجتمعات ، و بخاصّة في الدّول الغربيّة الرّأسماليّة (دول المركز ، أو "المتروبول") ، جعلت حكومات تلك الدّول تُعيد النّظر بسياساتها الاجتماعيّة الاقتصاديّة ، و تعود عن الاقتصاد "الّلبيراليّ" الذي توسّع منذ أواخر سبعينات القرن العشرين ، الماضي ، و بخاصّة منذ تولّي (ريغان) الرّئاسة الأميركيّة ، بعد عام (1980م) ، فيما تولّت (مارغريت تاتشر) الحكومة البريطانيّة ، الّلذين نهجا نهجاً متطرّفاً بحيث شهد العصر الإمبرياليّ توسّعاً بالّليبيراليّة الاقتصاديّة ؛
لتعود تلك الحكومات الغربيّة ، من جديد ، إلى مبادئ "الاقتصاد الكينزيّ" القائم على "التّخطيط" و "تدخّل الدّولة" و "القطاع الاقتصاديّ العامّ" و "القطاع الاقتصاديّ المشترك" .

لا تُجاري "المجتمعات الضّعيفة" ، و لا تستطيع ، تلك "المجتمعات الغربيّة" الرّأسماليّة ، من حيث قدرتها على تحمّل نتائج "الّليبيراليّات" الاقتصاديّة ، في انفجار الأسواق بدون قوانين حكوميّة رادعة ، و قد جرّبت (سورية) جانباً من جوانب الّليبيراليّة الاقتصاديّة ، منذ عام (1990م) و حتّى عام (2010م) ، في توجّهاتها نحو "قوانين استثمار" حرّة و "كيفيّة" ، و في اعتماد فلسفة اقتصاد "السّوق الاجتماعيّة" و التي هي نفسها "السّوق الرّأسماليّة"..
لأنّ "رأس المال" لا يعنيه ذلك الجانب الاجتماعيّ من الوجه الاقتصاديّ ، أمام تطلّعه إلى استنزاف النّقد في الأسواق ، من أجل العودة و التّحكّم بهذا النّقد عن طريق سياسات ماليّة و مصرفيّة رأسماليّة ، و مراكمة "القيمة الزّائدة" ، في كلّ مناسبة يكون هذا "الرّأسمال" ، فيها ، حرّاً ، ليس له ضابط أو رادع ؛

و من آخر ما ينبغي أن تعوّل عليه "الدّولة" ، إنّما هو "الأخلاق الرّأسماليّة" و طبيعة قوانين "رأس المال" الخاصّة ، و التي تشتغل في إطار فلسفة الرّبح ، بعيداً عن أيّة قواعد اجتماعيّة أو أخلاقيّة .

في هذا الواقع ، أثبت "القطاع العامّ" ريادته الاجتماعيّة ، و هو قادرٌ على "الرّيادة الاقتصاديّة" ، عندما تتوفّر الدّوافع السّياسيّة و الاقتصاديّة و الاجتماعيّة و الفرديّة ، و المشجّعات و المحفّزات الماليّة ، حصراً ..
إلى جانب قوانين يمكن تنفيذها عن طريق "المتابعة" الواقعيّة و اليوميّة و الدّوريّة و المفاجئة لأوساط الإدارة و الإنتاج ..
و ذلك مع تفعيل قوانين المحاسبة الجدّيّة ، و خلق نظام المكافآت التّشجيعيّة التّحفيزية المناسبة ..
و ابتكار معايير علميّة و واقعيّة و حقيقيّة ، للإنتاج و الأداء ، و مراقبة التّنفيذ على أساس هذه "المعايير" ..
و إعداد الرّجالالحقيقيين و ذوي الخبرة لقيادة المؤسّسات ، تحت طائلة العقاب و الحساب .

و من البديهيّ أنّ كلّ ذلك سوف يبقى كلاماً في الهواء ، ما لم تكن الدّولة قادرة على إعادة توزيع النّاتج القوميّ توزيعاً عادلاً و مناسباً ، بحيث يتجاوز معدّل الدّخل المحدود حدّ الكفاف ..

مرّت في (سورية) فترة وجيزة جدّاً ، اتّبعت فيها السّياسة الاقتصاديّة ما عرف ، عندها ، بِ"الإدارة بالأهداف" ؛

و لقد طبّقت على بعض "المؤسّسات الاقتصاديّة" (الإنتاجيّة) القليلة و اليتيمة ، ثمّ ما لبثت أن غابت و غيّبت لأسباب مفهومة .. بعد أن كانت تجربة عمليّة و حقيقيّة ، شكّلت جزيرة خضراء في واقع الاقتصاد السّوريّ "المالح" و الكالح ؛

و ما كانت ، بالتّأكيد ، لتستمرّ مع وجود مجاميع الفساد ، المحارِب لأيّة ظاهرة صحيّة في الإدارة و الإنتاج و الاقتصاد (طبعاً هي نظريّة غير صالحة ، اليوم ، بسبب الطّلب الكبير ، في الإعمار الجديد ، على "الأهداف" ، إذ لا يمكن التّوفيق بين الكمّ و النّوع بهذه الحاجة الماسّة !)، كما عاصرنا هذا الواقع منذ ستّينات القرن الماضي ، العشرين ، و حتّى اليوم ؛

و هو الأمر الذي يُفسّر "الحرب السّياسيّة" في "الإدارة" و "الاقتصاد" ، ضدّ "الدّولة الوطنيّة" السّوريّة ، من قبل أولئك الذين غزوا "الدّولة" غزواً حقيقيّاً و ترأسوا مناصب هامّة و خطيرة ، و تبوّأوا أعلى هامات الهيكل السّياسيّ و الاقتصاديّ للبلد ؛
و لقد استطاعوا ، الانتصار في هذه الحرب الخفيّة ؛ فيما كانت مؤسّساتُ "الدّولة" مشغولةً باختراع المبرّرات لهم ، في جو من أجواء فساد بعض الهيئات الرّقابيّة ، و ذلك في "مقايضات" بائسة ، و على أنّهم لا يزالون يراهنون على مشاريعهم التّخريبيّة حتّى هذه الّلحظة من التّاريخ .

يظهر في "السّوق" ، سوق العمل و سوق الإنتاج و سوق الاستهلاك ، ميول سرطانيّة لبعض مظاهر الجشع التي ليس لها حدود ، تبعاً للأفراد و القوى الذين يمارسون أوجه النّشاط الاقتصاديّ ، بحيث تتفاقم بعض المظاهر لتشكّل ظاهرة استثماريّة متكررة ، في حال غياب تدخّل "الدّولة" و ممارسة وظيفتها الرّقابيّة أو التّوجيهيّة الاقتصاديّة عن طريق حضورها في "السّوق" كأحد المستثمرين ؛

و في هذه الحالة ، حالة غياب الدّولة عن "السّوق" ، تزداد حدّة الاستثمار الاقتصاديّ من قبل المتحكّمين بقوى و أدوات الإنتاج و الاستهلاك ، و تصبح شراهة رأس المال واضحةً لا يحدّ منها سوى المحافظة على الحدّ الأدنى من حياة قوى العمل و قوى الإنتاج المتمثّلة بجمهور العاملين الذين يشكّلون غالبيّة المستهلكين الوطنيين ؛

و الأمثلة متوفّرة ، اليوم ، وفرة عالية في ممارسات و سياسات "القطاع الخاص" في (سورية) ، من حيث تدنّي معدّلات الأجور ، و حجم ساعات العمل الطّويلة التي يفرضها على العاملين .

تُهمل "الدّولة" السّوريّة فلسفة "الاستضراب" على الدّخول الكبيرة ، مع أنّ العائد الضّريبيّ العادل ، وفق مبدأ "الضّريبة التّصاعديّة" الواقعيّة و الفعليّة .. قادر على أن يُشكّل جانباً أساسيّاً من الدّخل القوميّ الكلّيّ ، على غرار بعض الدّول المعاصرة في العالم و التي تعتمد سياسة الضّريبة كسياسة اقتصاديّة رئيسيّة في حجم عوائد الدّخل ؛
و هو أمر له نتيجة اقتصاديّة أساسيّة و جوهريّة ، و هي إعادة توزيع رأس المال الدّائر (الجاري) ما بين المقاصد الاجتماعيّة المتنوّعة للدّولة ، و اختزال الفوارق الاجتماعيّة و الطّبقيّة التي استفحلت كظاهرة عملت على القَسم العموديّ الشّارخ و العميق للمجتمع السّوريّ .

إنّ أهمّيّة عمل القطاع الخاص و استثماراته الحقيقيّة ، هي أهمّيّة كبيرة ، و بخاصّة في عصرنا عصر الأهمّيّة الرّاجحة للاقتصادات الوطنيّة الكبيرة ؛

و لكنّ هذا يجب أن لا يعني أن تكون "الدّولة" و "المجتمع" تحت رحمة القوانين الخاصّة لرأس المال الخاصّ ، في التّشغيل و الاستثمار و الإنتاج و التّسعير و التّسويق ؛
و هذا أمر على "الدّولة" التّنبّه له ، لأنّها ، و هذا واقع نعرفه جميعاً ، هي أوّل من يقع تحت رحمة هذا القطاع الذي يقوم بتمثيل دور الوطنيّة و هو دور نادر ، بالفعل ، في بيئة رأس المال الخاصّ ..
و بخاصّة ذلك الجزء منه الذي يملك رؤوس الأموال الطّائلة و المرتبط مباشرة ارتباطاً كومبرادوريّاً مع رأس المال العالميّ ، و الذي يُعتبر من أحد وظائفه تركيع الاقتصادات الوطنيّة أمام السّوق العالميّة لرأس المال .

إنّ القوانين العادلة ، المتعلّقة بجوانب اقتصاديّة مختلفة ، يجب أن تكون محطّ احترام و تقدير للدّولة من قبل رأس المال الخاصّ ؛

و ليس على القطاع الخاصّ ، عندما يكون وطنيّاً ، بالفعل ، أن ينظر إلى هذه القوانين على أنّها قوانين عدائيّة بالنّسبة إليه ، الّلهم إلّا عندما ينظر الرّأسماليّ إلى المجتمع و الدّولة كمزرعة له و لأمواله أو كبقرة حلوب تدرّ الذّهب بدلَ الحليب !

ينبغي أن تستعيد الدّولة في ( سورية ) مشروعها التّاريخيّ بوصفها دولة وطنيّة حامية لقيم الاجتماع و الاقتصاد و السّياسة و الثّقافة العريقة ، في إطار "المشروع" الخاصّ بكلّ جانب من هذه الجوانب المترابطة و المتداخلة ؛

و ذلك على أن يكون التّوجّه الأساسيّ للدّولة تحقيق صيغة عامّة تؤهّلها لأن تكون دولة عالميّة ، عبر استراتيجيّات مستقلّة و واضحة و متطوّرة ؛ و هذا الأمر لا يمكن له أن يتحقّق في ظلّ هذه التّجريبيّة الاقتصاديّة و هذا التّردّد الاقتصاديّ الذي شهدناه في ربع القرن الأخير في (سورية) في اختيار الطّريق الاقتصاديّة الأسلم ، عندما داهمتنا اقتصادات "العولمة" و سياساتها الطّاغية .

نحن علينا أن لا ننسى ضيق الفرص و محدوديّة الخيارات أمام "الدّولة" السّوريّة ، فهذا واقع حقيقيّ و لا يمكن لعادل أن يتجاهله ؛

و لكنّه ، و لهذا السّبب بالتّحديد ، نحن علينا التّأنّي الكبير عندما ندخل حيّز الاختيارات الاقتصاديّة لحاضر و مستقبل مجتمع "فقير" ، بالعموم ، و هو من مسؤوليّات الدّولة الاجتماعيّة و الاقتصاديّة ، أوّلاً و أخيراً .

ربّما كان علينا ، بعد نهاية هذه الحرب ، و قبل ذلك ، أيضاً ، التّحضير لمستقبل اقتصاديّ مختلف عمّا كانه في المرحلة الأخيرة التي شهدت فيها (سورية) انشغالات متعدّدة تتعلّق بأمنها القوميّ و الإقليميّ ؛

فاستغلّ البعضُ هذا الواقع ممّن تربّعوا على عرش الاقتصاد السّوريّ من شخصيّات لا تمتّ بهمومها إلى المواطن السّوريّ بأيّة صلة أو سبب ، بل و لعلّه كان آخر همومها هذا المواطن الذي أثبت ، اليومَ ، و لاءً نادراً في التّاريخ ، للدّولة و للعلَم ، في تصدّيه للحرب و استبساله في الدّفاع عن الدّولة و المجتمع ، و في تحمّله تبعات هذه الحرب التي لا تعدّ و لا تُحصى من فقدان للأحبّة و العزيزين و الخسارات المادّيّة المباشرة ، و التّهجير و التّشريد ، و من شدّ الحزام على البطون و التّضحية بجميع الحاجات الأساسيّة للإنسان ، و الصّبر على الحرمان ، و أشكال المعاناة الأخرى ..

إنّ شعباً ، كهذا ، إنّما هو شعبٌ يستحقّ العناية الكبيرة و الاهتمام العظيم الذي يجب أن يكون واضحاً في السّياسات و الاقتصادات ، بل و حتّى في التّعاطف المباشر مع حاجاته التي أصبحت ، اليوم ، حاجات أكثر أساسيّة و أعظم إلحاحاً ؛

و من الفرض المباشر و الأوّليّ أن يكون هذا الاهتمام همّاً اقتصاديّاً و سياسيّاً للدّولة و للمؤسّسات .

كنّا في حديثنا على "التّطوير الاجتماعيّ" قد آثرنا التّدقيق بالتّركيز على الوضعيّة الاجتماعيّة المنطقيّة من حيث العمل ملموس النّتائج و دوره في إدخال "المجتمع" ، بعامّة ، أو بانتقائيّة استراتيجيّة مدروسة على النّوع الاجتماعيّ المتباين ، في وضعيّات قابلة لمنح السّاكنين ثقة بالجدوى الاجتماعيّة ، في مردودات اجتماعيّة ملحوظة .

و ربّما يكون أمر هذه الانتقائيّة المخطّطة ذا أثر أكبر و أكثر أهمّيّة عندما يكون الحديث يدور على "التّطوير الاقتصاديّ" ، بحيث يغدو واقع مفهوم "المنفعة الحدّيّة" و "المنفعة الكلّيّة" أكثر مردوديّة اجتماعيّة و موجّهة ، و ذلك للملموسيّة الأكبر مع "الوضعيّات" الاقتصاديّة الاجتماعيّة و اقتصاداتها العموميّة .

في العموم ، فإنّ الوضع "الكلّيّ" ، و غير الحدّيّ ، هو الذي يتأثّر تأثيراً أكبر مع فترات القياسات الزّمنيّة النّموذجيّة ، عن طريق إيلاء الأهمّيّة القصوى للتّأسيس المخطَّط للبنى الاقتصاديّة التّحتيّة ، و بالتّحديد التّركيز على "وسائل الإنتاج" و إنتاج "وسائل الإنتاج" ؛

إلّا أنّ هذ لا يمنع "الدّولة" من استشعار أكثر الجوانب تأثّراً اجتماعيّاً بالاقتصادات المباشرة و اليوميّة ، و تحريكها و تنشيطها لإنتاج "المنفعة الحدّيّة" ، كونها تعمل على تكريس ثقة المواطن بمبدأ "المنفعة" الفرديّة و الجماعيّة ، و ذلك كإجراءات مرافقة لتطوير البنى التّحتيّة ، و التّركيز على آفاق الإنتاج و الاقتصاد الهادف إلى تحقيق مبدأ "المنفعة الكلّيّة" في اقتصادات الشّمول ..
كما هو الأمر في "إنتاج وسائل الإنتاج" بما تحقّقه من تطوير ثقافيّ لقوى الإنتاج الاجتماعيّة ، و كما هو الأمر في "إنتاج المحاصيل القوميّة" ذات الطّابع الاستراتيجيّ ، و كما هو الأمر مع الاهتمام الكبير بدراسة و توزيع المطارح الضّريبيّة الواقعيّة سعياً من السّياسة إلى اقتصاد "العدالة في التّوزيع" ، و إعادة توزيع رأس المال و الأرباح في إطار اقتصاد قوميّ مدروس و "مسؤول" .

هنا ، من الهامّ النّظر إلى "القواعد الاقتصاديّة" للموازنات القوميّة العامّة ، نظرة نقديّة و جريئة ، بحيث تتخلّى "الدّولة" عن تقاليد لاصقة فيها في "التّخطيط" و في وضع "الموازنات التّقديريّة" القوميّة ، و توزيع حصصها بنسب تقليديّة معروفة للاقتصاديين و السّاسة ، و للمشتغلين بالشّأن العامّ ؛ و أعني "التّفضيليّة" الببغائيّة لاستخدام النّاتج القوميّ النّقديّ و الثّابت ( الأرباح مع الأصول ) في أولويّة "مطلقة" بالتّوزيع ما بين "الموازنة الاستثماريّة" و "الموازنة الجارية" ؛

إذ تقضي الشّجاعة الاجتماعيّة للسّياسة السّياديّة ، عدم الأخذ المطلق بهذا "المبدأ" التّقليديّ في تحويل "الميزانيّات" إلى "موازنات" ، وفق النّسبة التي يغلب فيها ، دائماً ، و عادة ، حجم الاستثمار الثّابت على حجم الاستثمار الجاريّ ؛
إذ يغيب عن "المخطّطين" أمر أنّ "الموازنة الجارية" هي ، أيضاً ، موازنة "استثماريّة" من نوع حيّ و حيويّ ، عندما يكون الإنسان –المواطن أولويّة أساسيّة في أهداف السّياسة الاجتماعيّة ، بحيث أنّ "الاستثمار" في الإنسان ، إنّما هو أعظم أنواع الاستثمار ، و أكثرها مردوديّة على المستوى الاستراتيجيّ البعيد النّظر و المنظور .

إن يكُنْ ثمّة "تناسب" ما بين نوعَي "الموازنة" (الاستثماريّة و الجارية)، يعني أن ينصرف الاهتمام إلى الواقع المعيشيّ، للمواطن، الأمر الذي يجنّبنا الكثير، في المستقبل، من أسباب "الفساد" في نوعه "المتواضع" القائم على بحث العامل العموميّ، على ما يسد به رمقه كحاجة حالّة و ماسّة و مطلقة.

على العموم ليس ثمّة قوانين اقتصاديّة حاكمة ، بالمطلق ، لهذه النّسبة و هذا التّناسب ، في "الاستثمار"، و يبقى الحكم في هذا الأمر ، هو الكيفيّات العداليّة و الحضاريّة التي تنظر ، بواسطتها ، السّياسة إلى كلّ من الاجتماع و الاقتصاد.

من الحاسم التّأكيد على دور الابتكار و الإبداع و الجرأة في اجتراح الحلول الاقتصاديّة و الاجتماعيّة، ذلك لأنّ أيّ تطوير و تطوّر في هذين الحقلين، إنّما هو تمتين لفضاء السّياسة التي تحتاجه السّيادة في بناء االدّولة و صيانتها التّاريخيّة، باستمرار.

هنالك من "الثّوابت" الوطنيّة و القوميّة ما يجنّبنا، و ما يجب أن يجنّبنا، الارتجال و التّجريب؛

كما أنّه ، في الوقت نفسه، ثمّة من "الأفكار" التّطويريّة و المبادرات المشبعة درساً و نقداً و بحثاً، ما يُجنّبنا، و يجب ذلك ، أن نكون عبيد الوصفات الاقتصاديّة الجاهزة التي يقترحها أولئك الذين يدرسون حجم استثماراتهم الشّخصيّة في المشاريع المطروحة و يحدّدونها و يطمئنّون عليها، بالأرقام، قبل أن يلتفتوا إلى الحقوق العامّة و حقوق المجتمع و الدّولة كأساس للوجود.

إذا أضفنا مبدأ "التّطوير الاقتصاديّ" إلى مبدأ "التّطوير الاجتماعيّ"، مضمون حديثنا السّابق و مضمون هذا الحديث، فإنّنا نكون، على الأقلّ، قد أسهمنا في تأسيس "ملامح" جذريّة سياسة وطنيّة متينة لا تهزّها المناسبات و المؤامرات، و لا يُخشى عليها، مع الجور التّاريخيّ الذي تتعرّض له المجتمعات و الأمم و الدّول و الأفراد و الشّعوب، من الضّياع و التّحلّل و الزّوال.

***

فعقب الأستاذ فهد ملحم:

في الواقع وليس ثمة من شك بأن الدولة القوية اقتصاديا.. قوية سياسيا؛ ومن هنا وجدنا كيف أن الولايات المتحدة التي خرجت الأقوى اقتصاديا بعد الحرب العالمية الثانية ، عملت على توظيف هذه القوة سياسيا؛ وجعل جميع الدول تدور بفلكها من خلال التبعية الإقتصادية..
فانبرى "مارشال" بمشروعه عام 1947 ليتحكم بالقرار السياسي بالدول الأوربية من خلال ربطها اقتصاديا..
ورأينا ذلك ايضا بعد حرب الخليج الثانية حيث طوقت الولايات المتحدة الخليح العربي ب 700 شركة امريكية لتحقيق سيطرتها الكاملة وجعل هذه الدول مجرد توابع وحراس لموارد المنطقة (وبنفس الوقت لتضييق الخناق على فرنسا التي رفضت في بادئ الامر الحرب على العراق ؛ وفرنسا دائما كانت تقود التيار الاوربي نحو الاستقلالية ؛ بعكس بريطانيا أطلسية الهوى..)

- ف من يملك الموارد الاقتصادية ويملك الحنكة والقوة في استغلالها، يملك القوة.. وهذه الاخيرة هي إحدى أهم أدوات التأثير في السياسة الخارجية

- ومن نافلة القول: أن البلاد العربية تملك الموارد، لكنها لا تملك القوة باستغلالها لأسباب عديدة منها:

الهيمنة للامريكية
المساعدات الإشتراطية
وغيرها..

لذلك لابد من التحرر أولا من كل الهيمنات الخارجية لتحقيق وارد الإمكانات والموارد الداخلية....

تحية لشيخ الفكر الاستراتيحي السيد اللواء الدكتور بهجت سليمان..

وعذرا لهذا التعليق البسبط الذي صغته على عجل.

***

كما عقّب الشاعر ياسين الرزوق زيوس بما يلي:أ ياسين الرزوق1

في سلاسلك لا نقتنص الوقت بقدر ما نطيل التمعن في قلبه كي ندرك نبضات وجودنا فوق الطبيعية في ظل سريان اليأس القهار كي نستنهض الأمل كل سقطة من سقطات الوجود اللا متناهي في أزليته و أبديته!

كنت أقرأ عن فرانسوا كيناي الذي يرى أنه في نظام الفيزيوقراطية أو النظام الطبيعي كونه زعيم المدرسة الطبيعية أو المذهب الطبيعي تكون أسعار السلع الصناعية أعلى من أسعار المواد المصنوعة منها و ذلك بنسبة ما يستهلكه العمل المخصص لها من نفقة و على ذلك يجب أن تكون الأسعار على أساس نفقة العمل...

ربما هذه النظرية من أكثر النظريات نمطية و كلاسيكية لكنها نموذج يحتذى لدى تجارنا في سورية و نقولها بألم تُجّارنا غير الأكارم الذين لا يغطون بأسعار السلع نفقة العمل و المواد المصنوعة بل يفرضون أرباحاً طائلة دونما رقيب و دونما عتيد فالرقيب غائب في انزياح السلع عن مواصفاتها و العتيد يرينا شدته فقط على صاحب محل صغير لديه بضاعة تركية تصادر و تفرض مبالغ غرامات طائلة على مقتنيها.

بينما السؤال الأهم من سمح بدخول هذه السلع و سهل انتشارها في الأسواق و أين كان هذا الرقيب العتيد عندما دخلت هذه البضاعة التركية الأسواق أم أنه كان يخبئ عيونه في جيوبه الممتلئة بالرشاوى و بنظريات الفساد و الانهيار الاقتصادي لحساب ازدهار الجيوب الخاصة و البنوك المشبوهة لا بنظريات التطوير الاقتصادي؟...

أين كانت حسابات المتاجرين بالاقتصاد الوطني عندما وصلت شبكات النظريات إلى قلوبنا و تحولت إلى أنفاق تسحب الدم من القلب بدلاً من أن تغذيه؟
و أين هذه الرؤى التي تتقن الفساد بقوننة لا مثيل لها بينما لا تدرك أدنى محاولة لرفع ماهية الاقتصاد الوطني و العمالة الوطنية؟

و هنا لا نبرّئ الدولة كأشخاص مروا هدّامين لا ككيان بسبب إهمالها المتعمد لنظريات بناء الإنسان باقتصاد الحقيقة قبل اقتصاد السوق الاجتماعي و لعلها لم تدرك المبادئ الاقتصادية لبورتر التي تقوم على خمسة عوامل:

( ١ ): قدرة الموردين على المساومة.

( ٢ ): قدرة المشترين على المساومة.

( ٣ ): المنافسون الجدد.

( ٤ ): مدخلات جديدة على السوق.

( ٥ ): المنتجات البديلة.

و لم تصنع عواملها الموائمة للسوق كي تخلق التنمية الاقتصادية البشرية انطلاقاً من جعل المواطنة أعلى قيم الوجود و الرفاهية في آن واحد.
و الرفاهية تقتضي جعل الدخل بنظرية كيناي الطبيعية موافقاً على الأقل لاحتياجات الصرف و على الأقل تلك الأساسية منها.

و أما عن كينز و طغيان نظرياته ب تضبيط الاسواق و بتدخل الدولة عند الحاجة لم يلقَ في سورية ما يفي إعادة الإعمار متطلبات بدايته.
فما عمل عليه ريغان و تاتشر في استشراء الليبرالية الاقتصادية و في جعل الاقتصاد الكولونيالي المدعوم بالعولمة والرأسمالية العالمية متحكماً بالقرارات الاقتصادية لأغلب دول العالم ما زال مؤثراً إلى أبعد الحدود.

و أزمة ٢٠٠٨ في أميركا بينت مقدار هذه التبعية المفرطة و لم تثبت إلا بعض الاقتصادات المكتفية داخلياً بموارد بشرية و طبيعية.

و لعل النموذج الخاص الذي كان في سورية لم يكن مدروسا و ما زال متخبطاً إلى أبعد انزياحات مصالحية يقوم بها المخططون في الداخل لصالح بعض الجنرالات و رؤوس الأموال الكبرى التي تزحف لتبتلع كل إسقاط إنساني للاقتصاد سواء على صعيد الاستثمار الثابت أو الجاري.

و الحكومات التي تستنزف الموارد ما زالت تجعل الفساد نظرية القرن و تهوّن على المواطن عيشه تحت خط الفقر و كأنه أتى من العدم و لا يجب عليه أن يحول حياته من شكل إلى آخر بل عليه أن يفنى في شكل و نموذج معين و جعلت هذه الحكومات أيضاً من الحرب حجة دامغة لانهيار المواطن و المواطنة بشكل مخيف و مريع!

ما زال الدكتور بشار الأسد رئيس سورية الحديثة يؤسس بصراع كيان الدولة و مفاهيمها ضمن وجودها المضطرب و يسعى إلى نظرية تجمع ما بين الشمولية و الاستقلالية كي تغدو نظرية المواطن و الشعب في رفع راية الإنسان و في إشباع حاجات المواطن و الاقتصاد بدءاً من ذلك الحر و الرأسمالي انطلاقاً إلى الاشتراكي غير النمطي الذي ينطلق من قاعدة "خصخص بيتك و كن اشتراكياً في خصخصة مؤسساتك و كن شمولياً في اشتراكية خصخصتك"

لك النظريات الجامعة في تطوير اقتصاد الوطن و الإنسان دكتورنا الغالي بهجت سليمان.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

September 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 31 1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 1 2 3 4 5 6
عدد الزيارات
4006471